تجاوز جسار مرحلة الخطر واستقرت حالته الصحية بعد جراحة دقيقة لاستئصال الرصا..صة من صدره.
كان تعافي جسده سريعاً بفضل رعاية بيري التي لم تفارق فراشه ليل نهار، تدثر كفيه بالقبلات والدموع.
سارت الأيام نحو الاستقرار، وعاقبت المحكمة أميرة بالسجن بتهمة التواطؤ في الخطف والتحريض، وظن الجميع أن خيوط الشر قد قُطعت بالكامل.
لكن في زاوية مظلمة وراء قضبا...ن السجن المشدد، كان عاصم السلحدار يشتعل حقداً ونقماً.
لم يتحمل فكرة أن ابنته المفضلة بيري باعته وقدمت أوراقه للمشنــــــقة لأجل رجل غريب، فطلب عبر محاميه مقابلة جسار لأمر مصيري يتعلق بحياة شقيقته الراحلة نور.
رغم تعبه، ذهب جسار إلى السجن مدفوعاً بفضوله وقلقه.
جلس خلف الزجاج العازل، ليرفع عاصم سماعة الهاتف بابتسامة خبيثة وميتة، ونظرات تقطر سماً زُعافاً.
عاصم بضحكة صفراء وكلها غل: "حمد الله على سلامتك يا حوت.. أخدت الرصاصة مكان بنتي؟ هه.. غبي! عايش في وهم الحب وماتعرفش الحقيقة اللي هتحرق قلبك لآخر يوم في عمرك".
جسار ببرود وعصبية محبوسة: "اخلص يا عاصم وقول اللي عندك.. أنا مش جاي اسمع جنانك هنا، حسابك معايا خلاص خلص وأنت هتمو...ت في السجن ده".
عاصم مال على الزجاج وعيونه برقت بشر: "حسابي مخلصش! أنت فاكر إن بنتي بيري بريئة؟ بيري اللي أنت بتمو..ت فيها دي، هي السبب في مو...ت أختك نور! الكلية اللي رجالتي خدوها من أختك الطفلة زمان، كانت لبيري! بيري كانت بتمو...ت من فشل كلوي وأنا اشتريت لها حياة نور عشان تعيش هي بالدلع! البنت اللي في حضنك عايشة بجزء من لحم ودم أختك الميــــتة!".
سقطت الكلمات على رأس جسار كوقع المقصلة
تجمدت الدماء في عروقه، وشعر ببرودة الموت تجتاح جسده. سقطت السماعة من يده ببطء وهو ينظر إلى عاصم الذي كان يضحك بهستيرية وتشفي وراء الزجاج.
عاد جسار إلى القصر بجسد ميت وعقل مشلول.
الصدمة كانت أكبر من قدرته على الاحتمال. هو يعلم تماماً في أعماقه أن بيري بريئة ولم تكن تعلم شيئاً وهي طفلة، لكن الفكرة كانت كلعنة تلتهم عقله؛ كلما نظر إلى وجهها، إلى عينيها، سيتذكر شقيقته نور المغدورة، وسيرى أن بيري تعيش وتتنفس لأن نور دُفنت تحت التراب.
تغيرت معاملته فوراً؛ صار بارداً، منسحباً، وعيناه تهربان من النظر إليها. وفي ليلة حزينة، جلس قبالتها في الجناح، ونطق بكلمات مزقت سكون المكان كالشفرة.
جسار بنبرة صوت ميتة وخالية من الروح: "بيري.. إحنا لازم ننفصل.. مش هينفع نكمل مع بعض تاني، يا ريت تلمي حاجتك وكل الأوراق والأسهم اللي باسمك وتمشي".
بيري بصدمة ودموع نزلت فوراً: "ينفصل؟ ليه يا جسار؟ أنت كنت لسه واخد الرصا....صة مكاني وبتقولي بتمو...ت فيا! في إيه حصل؟ قولي ومتخبيش عليا!".
جسار وهو بيقوم وبيديها ضهره عشان ميبصش لعينيها: "مفيش أسباب.. أنا تعبت ومبقتش قادر أكمل، الجوازة دي كانت غلطة من الأول ولازم تنتهي".
لم تصدق بيري تبريره البارد، وحركتها غريزتها الأنثوية لتعرف ما الذي غيره في ساعات تتبعت خط سيره عبر سائقه الخاص، لتكتشف أنه زار والدها في السجن قبل تغيره مباشرة.
في الصباح التالي، توجهت بيري إلى السجن وقابلت والدها عاصم، لتجبره على الاعتراف، فبصق الحقيقة البشعة في وجهها بشماتة: "أخت جسار ما...تت عشان إنتي تعيشي يا بيري!".
انخلع قلب بيري، وتوجعت روحها وجعاً لم تذق مثله قط.
خرجت من السجن تترنح، وعالمها انهار للمرة الثانية والأخيرة. عادت إلى القصر، ووقفت أمام جسار والدموع تجف على وجهها الشاحب، ونظرت إليه بكسرة تذيب الصخر.
بيري بصوت مبحوح وكسير: "أنا عرفت الحقيقة يا جسار.. عرفت بابا قالك إيه.. وأنا مقدرة وجعك.. بس أنا بطلب منك طلب واحد وبس.. نعيش مع بعض يوم واحد بس طبيعيين، من غير سيرة ماضي ولا دم.. يوم واحد أعيش فيه في حضنك كزوجة، وبعدها همشي ومش هتشوف وشي تاني".
نظر جسار إلى براءتها ونقاء قلبها، وفاضت مشاعره وعشقه الجارف رغماً عن قيد عقله. رق قلبه لها ووافق على طلبها عاشا معاً يوماً من أجمل الأيام؛ دثرها بحنانه، غمرها بامتلاكه، وتأمل براءتها بخصال دافئة، وفي غمرة ذلك العشق، شعر جسار بأنه مستعد للتغاضي عن كل شيء، وأن يحاول من أجلها ويتخطى هذه اللعنة لأنها لا ذنب لها.
لكن بيري كانت قد اتخذت قرارها.
في الصباح الباكر، استيقظ جسار ليتلمس الفراش بجانبه فيجده بارداً وخالياً. انتفض واقفاً بذعر وهو يصرخ باسمها، ليل المح ورقة بيضاء موضوعة على الطاولة الفاخرة بجانب الفراش التقطها بيده ترتجف، ليقرأ كلمات بيري المكتوبة بدموع ونحيب قاطع.
"جسار.. حبي وأماني الوحيد اللي عيشته.. أنا عرفت الحقيقية كاملة، وحقك تطلب مني الانفصال.. أنا ماليش ذنب في اللي بابا عمله، بس أنا نفسي مش هقدر أعيش معاك وأنا عارفة إن كل ما تبص في وشي، هتفتكر أختك نور اللي ماتت عشان أنا أعيش. الوجع ده هيبقى جدار بيننا دايماً وهيموت حبنا بالبطيء.. أنا مشيت يا جسار، مشيت عشان أريحك من لعــــــنة وجودي في حياتك.. بحبك وهفضل أحبك لآخر نفس.. بيري".
سقطت الرسالة من يد جسار، وجُن جنونه تماماً شعر ببركان من الرعب يمزق صدره، وصرخ بأعلى صوته كالمجروح وسط ردهات القصر. انطلق كالممسوس يفتش في غرف القصر، ثم أمر كل رجاله وحراسه بقلب العاصمة والبحث عنها في كل الفنادق والمطارات والمستشفيات كان يدور بسيارته في الشوارع كالمجنون، يبكي ويصرخ باسمها في الفراغ، لكن بيري كانت قد اختفت تماماً كطيف عابر في ظلمات الليل، تاركة وراءها الحوت يتلوى بنا...ر الفراق والندم، بعد أن أدرك أن انتقامه القديم قد سلب منه أثمن وأغلى ما يملك في الوجود.