رواية رماد الانتقام الفصل السابع عشر 17 الاخير مر عام كامل كأنه دهر من العذا..ب الأسود فوق رأس جسار الجبالي. تحول الحوت الشديد إلى طيف باهت، يجر أذيال خيبته وندمه في ردهات قصره الخاوي. لم تعد للشركات قيمة، ولا للملايين بريق؛ فكل ما كان يملكه قد تهاوى أمام غياب ملاكه بيري.
طوال ثلاثمائة وستين يوماً، لم يتوقف لثانية واحدة عن البحث عنها؛ قلب العاصمة، ونبش في الدفاتر، وسخر كل حراسه ونفوذه، لكنها تبخرت كقطرة ماء في صحراء قاحلة، تاركة إياه يصارع أشباح الماضي وحده، بعد أن أدرك يقيناً أن روح شقيقته نور لن ترضى بأن يعيش شقيقها وحيداً ومحطماً بنار الفراق.
أما بيري، فقد عاشت تلك السنة في مدينة ساحلية نائية، تعمل في ملجأ صغير للأطفال الأيتام، تحاول أن تطبب جراح قلوبهم لتغسل ذنب والدها، وتعيش على ذكرى يومها الأخير في حضن جسار. غلف الحزن عينيها الزرقاوين الصافيتين، وزادها الشحوب رقة وجمالاً مكسوراً. وفي ذات المساء الخريفي البارد، ومع غياب الشمس وراء الأفق، شعرت بيري بنغزة شوق جارفة لم تستطع مقاومتها.
قادتها أقدامها نحو القاهرة، وتحديداً نحو ذلك الشاطئ المهجور واللسان الصخري الممتد؛ نفس المكان الذي ألقت بنفسها منه قبل سنوات هرباً من الخطف، ونفس البحر الذي شهد أول لقاء جمعها بجسار. وقفت على الصخرة المرتفعة، والرياح تعصف بشعرها الطويل الذي لم يمسه سوء، وتتأمل تلاطم الأمواج والدموع تنحدر على وجنتيها.
وفي تلك اللحظة بالذات، كان جسار يقف على متن يخته القريب من الشاطئ، يرتدي قميصه الأسود وعيناه غارقتان في تأمل النجوم بوجوم تام. التفت بمحض الصدفة نحو الشاطئ، ليتسمر في مكانه والأنفاس تنقطع من صدره. لمح طيفاً أبيض يقف فوق الصخرة.. إنه نفس القوام، نفس الوشاح، ونفس الخصلات الحريرية التي تطايرت في الهواء. انخلع قلب جسار، ولم يتردد لثانية واحدة.
قفز من اليخت في الماء البارد وشق الأمواج بضربات ذراعيه القوية ليتجه نحو الشاطئ بجنون وإصرار تخطى كل شيء. وصل إلى البر، وركض على الرمال الناعمة والماء يقطر من ملابسه، وعيناه مصلّبتان عليها كأنه يخشى أن تختفي إن رمش. سمعت بيري صوت أنفاس متلاحقة وخلفها خطوات سريعة، فالتفتت بذعر، لتتسع عيناها بصدمة مروعة وهي تراه أمامها؛ جسار، بكامل هيبته وسحره، لكن ملامحه تحمل تفاصيل سنة من التعب والشوق الحارق.
جسار بنبرة صوت مخنوقة بالدموع والنهجان وهو بيقرب منها وبيمد إيديه المرتعشة: "بيري.. بيري أنتي هنا بجد؟ أنا مش بحلم مش كده؟ أنتي رجعتيلي يابيري صح؟ بيري بدموع نزلت كالشلال وتراجعت خطوة للخلف بخوف: "جسار! إزاي جيت هنا؟ أرجوك ابعد عني.. متشوفش وشي تاني.. أنا لعـــــــنة في حياتك، كل ما هتبصلي هتفتكر أختك نور!
اندفع جسار ونفض كل جدران الفراق، وجذبها ليرتمي جسدها النحيل بالكامل داخل صدره العريض، وأحاطها بذراعيه بقوة غاشمة كأنه يقفل عليها داخل ضلوعه للأبد، ودفن وجهه في عنقها وهو يبكي بنحيب حقي لأول مرة في حياته. جسار بصراخ مخنوق من الوجع والعشق: "ملعو..ن أي حاجة تفرق بيني وبينك يا بيري! ملـــــــعو..ن الماضي وملعــــــــو.ن الانتقام! أنا هيمــــــو..تني الفراق مش أختي اللي ما... تت!
نور في الجنة يا بيري، ونور أكيد مش هترضى إن أخوها يعيش ميـــــــت من غيرك! أنا اتعذ... بت سنة كاملة وبمـــــوت في اليوم ألف مرة.. أنتي مالكيش ذنب يا قلبي.. أنتي روحي وأماني، ومستحيل أسيبك تمشي تاني لو فيها مـــــــوتي!
شعرت بيري بصدق كلماته الدافئة وتدفّق دقات قلبه العنيفة التي كانت تنبض باسمها، فتلاشت كل مخاوفها وحصونها، وأحاطت عنقه بيديها المرتعشتين، ودفنت رأسها في صدره بقوة، لتستسلم تماماً لعاصفة عشقه التي جرفتها من جديد نحو بر الأمان. غسلت دموعهما معاً كل آلام الماضي، وانقشعت غيوم الثأر والانتقام لتبددها شمس العشق الصافي.
رفع جسار وجهها برفق بين كفيه الفولاذيين، ونظر إلى عينيها الزرقاوين اللتين عاد فيهما بريق الحياة، وقبّل جبينها وقبل كفيها برقة باذخة أخرست صوت الأمواج من حولهما. جسار بابتسامة مليانة فرحة وعيونه بتلمع بالعشق: "القصر وحش من غيرك يا ملكة قلبي.. وكل حاجة رجعت ليكي وباسمك، بس أنا مش عايز غيرك إنتي.. قوليلي إنك مسامحاني يا بيري وإنك هترجعي معايا بيتنا الليلة؟ بيري بابتسامة رقيقة
ودافية وهي بتمسح دموعه: "أنا عمري ما زعلت منك يا جسار.. أنا كنت خايفة على قلبك أنت.. أنا بحبك، ومقدرش أعيش في الدنيا دي بعيد عن حضنك تاني.. خدني معاك يا حبي". حملها جسار بين يديه برفق وشوق جارف، وسار بها على رمال الشاطئ نحو يخته الفاخر، بينما كانت خيوط القمر الفضية تنعكس على مياه البحر لتضيء لهما طريق العودة.
أغلقت الرواية أبوابها على نهاية ملحمية تليق بقلبـــين ولدا من رحم الدم والنـــــار والانتــــقام، ليغسلا ذنــــــوب الماضي بنقاء البراءة، ويعلنا انتصار الحب الأبدي فوق جدران قصر الجبالي، حيث أصبحت بيري النبض الحقي الوحيد في صدر الحوت جسار الجبالي إلى آخر العمر. تمت بحمدالله
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!