استيقظت بيري في الصباح الباكر على ركلة قوية من حذاء شاهيناز لباب غرفتها الصغيرة أسفل السلم.
خرجت بيري بجسد منهك ووجه شاحب، لتجبرها الجدة فاطمة على البدء في تنظيف ردهات القصر الشاسعة ومسح الأرضيات، وسط نظرات التشفي والإهانات المستمرة من شاهيناز التي كانت تتعمد سكب السوائل على الأرض لتعيد بيري تنظيفها من جديد.
في منتصف النهار، غادر جسار القصر متوجهاً إلى شركته لإنهاء صفقة استحواذ كبرى، وكان عقله مشتاً، وصورتها وهي تبكي في غرفة الخدم لا تفارق خياله. وبرغم محاولته إقناع نفسه بأن هذا هو الانتقام الذي طالما انتظره، إلا أن نغزات الغيرة والخوف عليها كانت تأكل صدره.
استغل آسر غياب جسار، وبمساعدة خفية من معلومات أميرة عن مواعيد الحرس، تمكن من التسلل عبر السور الخلفي للحديقة الشاسعة مستغلاً كثافة الأشجار.
كان يتحرك بهوس أعمى، وعيناه تبحثان عن بيري في كل مكان، حتى لمحها تقف قريباً من الشرفة الخلفية وهي تمسح الزجاج والدموع تتساقط من عينيها.
تسلل آسر بسرعة وقبض على يدها فجأة، لتنتفض بيري برعب وتكتم صرختها بصعوبة عندما رأته أمامها.
آسر بلهفة وهوس وهو بيشدها عليه: "بيري! بيري أنا جيت أخدك.. شوفتي عملوا فيكي إيه؟ مشغلينك خدامة ومنزلينك تحت السلم؟ تعالي معايا حالا العربية مستنية ورا السور، هربك وأحميكي منهم!".
بيري برعب وهي بتحاول تزقه وتتلفّت حواليها: "آسر! أنت اتجننت؟ إزاي دخلت هنا؟ امشي فوراً لو جسار رجع هيقتلك ويقتلــني! أنا مش ههرب معاك، امشي سيبني في حالي!".
آسر بعناد وهو بيمسكها من وسطها بقوة: "مش هتمشي يعني إيه؟ أنتي ليا ومستحيل أسيبك في الجحيم ده! هتمشي معايا غصب عنك، أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك!".
وفي تلك اللحظة التي كانت بيري تحاول فيها الإفلات من قبضته المتهورة، انفتح باب الشرفة بعنف، وخرجت الجدة فاطمة تتبعها شاهيناز وعدد من حراس القصر الأشداء. تملكت الصدمة والرعب قلب بيري، بينما أحاط الحراس بآسر الذي حاول المقاومة، لكنهم انهالوا عليه بالضــرب المبرح حتى سقط أرضاً والدمـــاء تسيل من وجهه.
نظرت الجدة فاطمة إلى بيري بعيون تقطر حِقداً وشرارة، واعتبرت أن وجود آسر هنا هو دليل قاطع على أن بيري كانت تخط للهروب معه وخيانة حفيدها.
شاهيناز بشماتة وصراخ: "شايفة يا حاجة؟ السنيورة كانت هتهرب مع عشيقها! بتخون جسار في بيته ومع الواد اللي طرده أبوها عشانه!".
بيري بانهيار وبكاء مرير وهي بتركع تحت رجلين الجدة: "والله العظيم ما أعرف إنه جاي! أنا كنت بطرده وبقوله يمشي! أنا ماليش ذنب يا حاجة فاطمة أرجوكي صدقيني!".
الجدة بقسوة جافة وهي بتخبط بعصايتها على الأرض: "أخرسي يا بنت الكلب! دم أبوكي النجس بيجري في عروقك، وجاية تكملي فجورتك هنا؟ ارموا الصايع ده بره السور وخلوه عبرة، والبت دي تعالوا ورايا.. حسابها معايا أنا الليلة".
أمرت الجدة الحراس بطرد آسر المدمى خارج حدود القصر، ثم التفتت إلى بيري. سحبت الجدة بيري من شعرها بقسوة لا تتناسب مع عمرها، وساعدتها شاهيناز في جر الفتاة المسكينة نحو سرداب القصر السفلي، وهبطوا درجاً حجرياً مظلماً ورطباً تفوح منه رائحة العفن والموت، حتى وصلوا إلى قبو قديم تحت الأرض، أشبه بالزنـــزانة أو القبر المظلم، حيث تـــسكن الفئران والحشرات.
رمت الجدة بيري داخل القـــبو المظلم على الأرض الترابية الباردة، ووقفت عند الباب الحديدي السميك ونظرت إليها بلا رحمة.
بيري بصراخ وهي بتخبط على الباب الحديدي وبتترعش من الرعب: "أرجوكي متسبينيش هنا! الحتة ضلمة قوي وفيها فـــيران! أنا بخاف من الضلمة يا حاجة فاطمة حرام عليكي! جسار لو عرف مش هيرضى بكده!".
الجدة بابتسامة مرعبة وقاسية: "جسار مش هيعرف حاجة.. جسار هيرجع أقوله إنك هربتي مع الواد الصايع بتاعك.. هتقعدي هنا في وسط الفران والعتمة لحد ما تمـــوتي بالبطيء، عشان تدوقي ربع العذاب اللي أبوكي دوقهولنا لما قتل بنتي وحفدتي الصغيره!".
أغلقت الجدة الباب الحديدي الضخم، وأدارت القفل الثقيل، لينقطع الضوء تماماً عن بيري. ارتمت بيري على الأرض في عتمة حالكة، وهي تسمع أصوات حركة الفئران من حولها، واحتضنت جسدها وهي تصرخ وتبكي بأعلى صوتها، لكن صوتها كان يموت بين جدران القبر الحجري، دون أن يسمعها أحد.
عند حلول المساء، عاد جسار إلى القصر والوجوم يسيطر على وجهه. كان يحمل في جيبه دواءً ليد بيري المحترقة، وجاء يجر خطواته وعقله يشتعل بالغيرة والشوق الخفي لرؤيتها. دخل الردهة الكبرى فلم يجدها، ووجد الجدة وشاهيناز يجلسا بهدوء مريب.
جسار بقلق حاول يخفيه وبص حواليه: "أمال فين بيري يا جدتي؟ مش باينة ليه في القصر؟"
الجدة بنبرة باردة ومصطنعة الحزن: "البنت الفاجرة هربت يا جسار.. استغلت غيابك والواد آسر جيه هربها من ورا الحرس، وأنا طردت الحرس اللي قصروا.. البنت دي متستاهلكش، وراحت للي شبهها".
جسار وعيونه احمرت وعروق رقبته برزت كأنه وحش هائج، والغيرة والغضب عموا قلبه تماماً: "هربت؟ بيري هربت مع آسر؟"
لجميع الفصول من هنا