لم يكن يدرك أن الهدوء الذي اعتاده سيتبخر في لحظة، وأن بابه سيُطرق –وإن لم يُطرَق فعليًا –من قبل سيدة قادرة على إثارة الزوابع بابتسامة. فقط لحظة واحدة عند عتبة شقته، كانت كفيلة بأن تفتح أبواب المتاعب التي لطالما حاول إغلاقها بإحكام. لم تكن تعلم أنه يخفي أكثر مما يُظهر… ولم يكن يعلم أن مزاحها سيكون سلاحها الأول في كشف الحقيقة. فتحت مريم باب شقتها، ووجدت “يزن” في نفس تلك اللحظة يقف أمام باب شقته هو الآخر ليغلقه.
فالتفت لها ونظر باستغراب ودهشة. يزن: إنتي؟ … إنتي ساكنة هنا؟ مريم: يا مساء المفاجآت… أهو القدر بقا يا باشمهندس، أنا جارتك الجديدة رسميًا من امبارح. أغلق يزن الباب ونظر لها كأنها شخص غريب الأطوار. مريم: بس يا خسارة! كنت مستنية ترحيب يليق بجارة زيي… يعني على الأقل كوباية شاي، طبق محشي، سندوتش جبنة حتى… إنما كده؟ ولا كلمة؟! ياخسارة الجيرة الحلوة ياجدعان يظهر إنّي سكنت جنب واحد بخيل.
يزن: هو حضرتك بتقولى ايه شكل كدا قاعدتك مع المجانين أثرت عليكي وبعدين أنا ماليش في الاختلاط. مريم: آه يا قلبي! دا حتى جاري بيتهرب مني! ده أنا لسه مفرشتش السجادة وقلت أستفتح بالحبايب وكنت عايزك تيجي تساعدني في فرش البيت. يزن: شهد مش باينة. راحت فين؟ مريم: امممم بتغير الموضوع تمام ياسيدي على العموم خالتها خطفتها يومين، قال يعني تفسحها مع أولادها… مش عايزة أقولك، البيت من غيرها زي الكشري من غير بصل. يزن: تمام… عن إذنك.
مريم: إيه ده؟ كده تمشي؟ دا أنا لسه هشتكيلك من الكهربائي اللي دخل عليا ولقاني واقفة على كرسي، قال لي “انزلي أحسن تتقلبي يامزة”… تخيل! شكله كان بيعاكس ابن الدايخة. ابتسم يزن ابتسامة باهتة، ثم ذهب مبتعدًا عنها بسرعة وكأنه يهرب من مجنونة أطلق سراحها من مشفى المجانين. تنظر مريم في أثره وتضع يدها في خصرها وتهمس بصوت واضح قليلاً. مريم: أنا وراك والزمن طويل يازينو مبقاش مريم أما خليتك تعترف بنفسك إنك يزن مش شريف.
ثم تغلق بابها وهى تضحك. مريم: هو انت لسه شوفت حاجه ياباشا بقى أنا اتأثرت بالمجانين اللى بعالجهم طيب قابل بقا. ذهب يزن كعادته إلى النادي حيث تجلس أمنية كل يوم في هذا الموعد، فكان الجو لطيفًا في تلك الزاوية الهادئة من النادي، حيث جلست أمنية وحدها على إحدى الطاولات، تراقب طفلتها تُقى التي كانت تلعب في المنطقة المخصصة للأطفال. بدت شاردة قليلًا، تمسك بكوب عصير وتُقلّب الهاتف بين يديها دون تركيز.
على مسافة قريبة، جلس يزن يراقبها دون أن يبدو كمن يتجسس. بدا واثقًا، هادئ الملامح، وعيناه تحملان خبثًا لا يُكتشف بسهولة. نهض أخيرًا وتوجّه نحوها بخطوات محسوبة. يزن: مساء الخير… الكرسي ده فاضي؟ ولا محجوز؟ أمنية: اهلا ياباشمهندس شريف اتفضل اقعد. جلس يزن بتأنٍ، وسحب الكرسي بهدوء دون أن يصدر صوتًا مزعجًا. تبادل نظرة سريعة معها، ثم نقل عينيه إلى تُقى وهي تقفز فوق المربعات الملوّنة.
يزن: بنتك شكلها حيوية وعندها طاقة كبيرة اوي ما شاء الله. أمنية: أيوه… تُقى بتحب الحركة واللعب ويمكن عشان هي ملهاش اخوات فما بتصدق تيجي النادي عشان تخرج طاقتها كلها. يزن: ربنا يخليهالك… أكيد انتي بتقضي وقت طويل هنا معاها، صح؟ بس انا كمان ماشوفتش باباها معاكم ابدا. أمنية: أيوا فعلا… خصوصًا اليومين دول، جوزي مشغول في شغله جدًا، فبقيت أنا وتُقى بنقضي أغلب وقتنا هنا.
لاحظ يزن اللمحة السريعة للحزن في نبرتها، فتعمّق في دوره أكثر. يزن: هو طبيعة الشغل ساعات بتخلي الرجالة يغيبوا عن ستاتهم غصب عنهم… انتي قولتيلي قبل كده إن جوزك ظابط، مش كده؟ ترددت للحظة، لكنها وجدت نفسها تكمل دون حذر. أمنية: أيوه، أحمد… ظابط مباحث. بقاله فترة مشغول جدًا، حتى النوم بقى نادر عنده. هزّ يزن رأسه متعاطفًا، بينما في داخله بدأ ينسج خيوطه.
يزن: ربنا يعينه… بس برضو الست ساعات بتحتاج كلمة حلوة، حضن صغير، حد يحس بيها. أمنية: الحقيقة انا عذراه شغله صعب اوى. يزن: انتي انسانة جميلة اوى من جواكي بتحاولي توجدي لتقصيره في حقك انتي وبنتك أي عذر ودا بيدل على انك قد ايه ست عظيمة وتستحقي كل تقدير ياريت كان في حياتي زوجة زيك. أمنية: صحيح انت ولا مرة قولتلي حالتك الاجتماعية هو انت مش متجوز.
يزن: كنت… كنت متجوز لكنها سابتني عشان شخص تاني فضلته عليا نست حبى وعشقى ليها وقد إيه كنت مستعد أضحي بحياتي عشانها، باعتني عشان واحد افتكرت إن هو أحق بقلبها وحبها مني. أمنية: انا أسفة مكنتش حابة أقلب عليك المواجع بس صدقني هي متستاهلش لحظة حزن عليها انساها وفكر في نفسك واكيد هتقابل اللى احسن منها واحدة تقدر حبك وتحبك انت لانك انسان طيب تستحق الاحسن. يزن: انتي بجد شايفة اني كويس واستاهل أتحب؟! أمنية: اكيد طبعا.
كان يزن يشعر أن الأمور بدأت تمضي كما خطط تمامًا. أمنية بدأت ترتاح له، وتتكلم دون تحفظ كبير. نظراتها المرهقة وابتسامتها الخفيفة كلّها كانت دلائل على أنه بدأ يدخل إلى عالمها بخفة وهدوء. وفجأة، سُمِع صوت أنثوي مألوف لديه صوت لا يمكن تجاهله، ولا حتى إسكاته. مريم: ياه! يا بختي بالصدف الحلوة! شوف أنا قابلت مين! باشمهندس شريف شخصيًا قاعد في النادي كده؟
استدار يزن ببطء، وكأن شخصًا ضغط على زر التوتر بداخله، ليجد مريم تقترب بخفة، وبابتسامة عريضة تسبق خطواتها. مريم: هو حضرتك أكيد مراته، صح؟ ما شاء الله يعني اتفاجئت إن الباشمهندس متجوز وبيخبي علينا الحلاوة دي كلها. أمنية: لا لا، أنا مش مراته… إحنا مجرد اصدقاء. مريم: آه يا قلبي! يعني في أمل؟ طب خلاص، أنا هسكت خالص وسايباه يعيش حياته، لحد ما أشوف طريقة أوقعه بيها في حبي. يزن: مريم… إنتي جيتى هنا إزاي؟ مريم: هو إيه يعني؟
النادي مش بتاعك لوحدك يا باشمهندس… وبعدين أنا لسه ساكنة من امبارح، وجاية أقعد شوية… وبما إني شفتكم، قولت أعمل الواجب. أمنية: إنتي ساكنة فين؟ مريم: في الشقة اللي قصاد شقة الباشمهندس شريف على طول، وصدقيني أول ما شفت وشه الطيب قولت هو ده الجار اللي يتعاش معاه… بس للأسف طلع بخيل في الكلام أكتر من بخله في الشاي. يزن: مريم بتحب تهزر كتير… بس كلامها كله هزار طبعًا. مريم: طبعًا هزار… أنا ست دمها خفيف، بس محدش بيقدّرني للأسف!
أمنية: انتي فعلا دمك خفيف جدا وانا حبيتك اوى. مريم: اخجلتم تواضعنا ياأوختشى. فى ذلك الوقت اتت تقى وهى تنادى. تقى: ماما. مريم: ياخلاثي مين القمر دي؟ بنوتك؟ أمنية: أيوا تقى بنتي الوحيدة. مريم: ياختي كميلة ربنا يخليهالك انا كمان عندي بنوتة اسمها شهد هي ست سنين. أمنية: اومال هي فين ليه مجبتهاش معاكي. مريم: اصلها مخطوفة. أمنية: ايه مخطوفة! ومين اللي خاطفها؟ يزن: اهدى ياامنية مريم بتهزر بنتها مع خالتها بيتفسحوا.
مريم: ايه يامنمن ياحبيبتي مالك خفيفة كدا ليه انا بهزر معاكي. أمنية: اصلي خوفت اوى لما قولتي انها مخطوفة احساس بشع. مريم: ليه هو انتي كنتي اتخطفتي قبل كدا؟ يزن: هو انتي معندكيش شغل ولا ايه يامريم؟ مريم: شكلك بتوزعني يا باشمهندس على العموم ياسيدي انا مأجزة النهارده بقولك ايه يامنمن ايه رايك ابقى اجيب شهد وتلعب هي وتقى هنا وانا وانتي نقعد نرغي مع بعض اصل انا ماليش اصحاب وانتي كمان شيفاكي لوحدك يعني باين الحال من بعضه.
أمنية: دي فكرة حلوة جدًا. مريم: شكلي هشوفك كتير ياباشمهندس في البيت والنادي.يلا بقا هستاذن دلوقتي واشوفك بكرا ياقمر سلام. دخلت أمنية الشقة بخفةٍ غير معتادة، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة أضاءت ملامحها المتعبة. خفَّت خطواتها كأنها لا تطأ الأرض، وكأن عبئًا ما كان يثقل روحها قد أُزيح أخيرًا. كانت عيناها تلمعان ببريقٍ غريب، جعل أحمد الذي كان جالسًا على الأريكة يرفع رأسه من شاشة الحاسوب وينظر إليها باندهاش.
اقترب منها ببطء، يتأمل ملامحها التي بدا عليها الفرح الصادق، ذلك الفرح الذي لم يره منذ زمن. أحمد: هو إيه اللي حصل؟ اللى انا شايفه دا حقيقى امنية هانم بذات نفسها راجعة بتضحك ومبسوطة. أمنية: اسكت يا أحمد، النهارده كان فعلاً يوم لذيذ… قابلت بنت في النادي دمّها خفيف موت، اسمها مريم، ضحكتني طول اليوم! أحمد: طب احكيلي… عملتوا إيه؟
أمنية: ولا حاجة مهمة يعني، كنا بنتعرف على بعض… بس هي كانت بتتكلم بطريقة كده تخلي الواحد يضحك غصب عنه. حسيت إنّي مش لوحدي. أحمد: بس مش ده بس… في حاجة تانية؟ إنتي مبسوطة أوي… أمنية: لا ابدا … مفيش حاجه مهمة هو دا بس. وبعدين خليني أعيش اللحظة دي من غير ما أحلل كل حاجة. أحمد لم يُصر، لكنه شعر بشيء مختلف. كان سعيدًا لرؤيتها بهذا الصفاء، رغم أنه يعلم أنها تخفي شيئًا ما، لكنه لم يُرِد أن يفسد اللحظة.
بعد لحظات قامت أمنية وأعدت الطعام وبعدها أدخلت تقى إلى حجرتها لتنعم ببعض الراحة ثم ذهبت هي الأخرى وأخذت شاور دافئ أرخى أعصابها وبعد ذلك تمددت على الفراش. كان الليل ساكنًا إلا من أنفاسهما، يتسلّل ضوء خافت من الشباك، يلقي بظلال ناعمة على ملامحها النائمة. كانت أمنية مستلقية على جانبها، ظهرها إليه، وقد نزلت خصلات من شعرها على الوسادة كستائر حرير ناعمة، تتناغم مع هدوء المكان.
أحمد لم يكن نائمًا. كان يراقبها منذ لحظات، يراقب انبساطة وجهها، وشحوب التعب وقد تلاشى شيئًا فشيئًا من قسماتها. رفع يده ببطء، وكأنه يخشى أن يوقظ حلماً ناعماً، ولمس بطرف أصابعه أطراف شعرها. لم تتحرك، لكنها شهقت شهقة خفيفة، كأنّ لمسته أيقظت شيئًا دفينًا داخلها. اقترب منها أكثر، همس قرب أذنها بصوت غارق في الحنين: وحشتيني… اوى اوى ياروحي.
استدارت ببطء نحوه، وعيناها غارقتان بين النعاس والدهشة. لم تتكلم، لكنها نظرت إليه نظرة ممتلئة بشوقٍ لا يُقال، بنظرةٍ كسرت بينهما كل ما كان يَحول. رفع يده إلى وجهها، وراح يُمرر أنامله على وجنتها برفقٍ كأنها وردة يخشى أن تذبل من حرارة الشوق، ثم انحنى ببطء وطبع قبلة هادئة على جبينها. أغمضت عينيها، وتنفّست بعمق، كما لو أنها تحتمي فيه من كل شيء. قال هامسًا،
وصوته يحمل رجفة خفيفة: أنا مفتقدك… مش بس كوجود، كلمسة، كصوت، كضِحكة… مفتقد روحك وهي حواليا. شعرت أمنية أن كل حرف منه تسلّل إلى أعماقها، كأنّ قلبها يُبعث من جديد. مدت يدها ببطء، ولمست صدره بأنامل مرتجفة، وقالت بخفوت: أنا هنا… وأنت جوّا قلبي طول الوقت، حتى وأنا مش قادرة أقول.
اقترب منها، وضمّها إليه برفقٍ، كأنّه يضمّ شيئًا ثمينًا يخشى أن يتحطم، وشعرت بجسده يحيطها بدفءٍ افتقدته طويلاً، بدفءٍ صادق لا يشبه شيئًا في الدنيا. دقات قلبه كانت واضحة، كأنها نداءٌ مألوف تعرفه جيدًا… وربما اشتاقت إليه أكثر مما تظن. حين همس باسمها مرة أخرى، “أمنية…” كانت الرجفة قد غزت جسدها، ارتعشت. تلفتت إليه، ووجدت في عينيه شوقًا عميقًا لم تعبّر عنه الكلمات. نظرت إليه طويلًا، ثم وضعت يدها على خده بحنان.
أمنية: أنا آسفة… أنا كنت تايهة. اقترب منها أكثر، قبل يدها ببطء، ثم همس بالقرب من أذنها. أحمد: تعالي ننسى كل اللي فات… ونبدأ من دلوقتي. لم تتكلم، لكنها استدارت نحوه، واحتضنته كأنها تحتمي بصدره من كل ما يؤلمها. غمرها بذراعيه، كأنّه يحاول أن يملأ الفجوة التي أحدثها الغياب. كانت لحظة صادقة، خالية من الكلمات، ممتلئة بالشوق، بالحب، وبالرجاء وانطفأت الأنوار ليعيشا معًا رحلة مليئة بالسعادة.
فى ذلك الوقت كان يزن يقف مستندًا على سيارته يشد على قبضة يده ويقول بغضب. يزن: النهاردة انتي فى حضنه لكن صدقيني هعرف ارجعك لحضني تاني ياحبيبتي مش هسيبك ليه ابدا حتى لو اضطريت أخلص منه للابد وأفضل عايش بشخصيتي الوهمية واللى قدرت بسببها اقربلك مستعد اتنازل عن كياني عشان بس ابقى جنبك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!