بعد مرور أسبوعين… أمنية بقت تشوفه كتير. مرة في المول، ومرة في إشارة المرور، ومرة تانية في آخر الطابور في السوبر ماركت. كل مرة نفس الملامح… نفس النظرة. وكل مرة لما تقرب… يختفي. بدأت تحس إنها بتنهار. بقت تصحى مفزوعة من كوابيس، بتصرخ باسمه، وتضم نفسها تفتكر نظرات العتاب اللي كانت في عينيه واللي كانت بتقتلها وتحسسها بتأنيب الضمير. كانت دايما حاسة إنها السبب في موته. أحمد كان دايمًا جنبها، يحضنها، يهدّيها، يمسح عرقها،
يقولها بصوت هادي: "أنا جنبك، مفيش حاجة، دا كابوس وراح متخافيش ياحبيبتي." لكن الكوابيس ما راحتش… بالعكس، زادت. وفي ليلة… أمنية كانت قاعدة على الأرض في الصالة، وسط ورق مطبوع من صور الكاميرات، مرسوم عليها دوائر حمراء حوالين لشاب لابس كاب. أحمد دخل وشاف المشهد وبصلها بحزن. واتقدم ليها بهدوء، وركع جنبها، وقال برقة: "أمنية… انتي ليه بتعملي في نفسك وفينا كدا؟
انتي تعبانة، وأنا حاسس بيكي. بس انتي كده بتعذبي نفسك وبتعذبينا معاكي." رفعت عينيها ليه، كانت عينيها مليانة دموع: "أنا مش مجنونة يا أحمد… هو بيراقبني. بشوفه في كل مكان… وبعدين يختفي. دا حتى في الكاميرات… ظهر! بس وشه متداري في الكاب اللي لابسه كأنه بيتحدى إننا نمسكه. قدر ييجي عيد ميلاد بنتي أنا شوفته هناك." أحمد أخد نفس طويل، وقرب منها أكتر:
"أمنية ياحبيبتي اللي انتي فيه دا مجرد وهم. ارجوكى فوقي لنفسك ولبيتك. بنتك محتجاكي." ولما حس إنها مش هتستسلم ومصرة على رايها قام ووقف، وبقى صوته فيه نبرة حزم لأول مرة: "يزن مات… مات قدام عينينا، وانتهى. انتي لازم تفهمي دا، وتعيشي حياتك. مش كل شبح من الماضي هنجري وراه." أمنية وقفت هي كمان، جسمها بيرتعش:
"أحمد… هو خطفني قبل كده، وفضلت شهور مرعوبة منه. فضلت أقوله إني متجوزة لكن هو كان عاوز يقنعني بغير كدا. انت متخيل لو كنت صدقته كان هيحصل إيه؟ أنا كنت هبقى زانية يا أحمد فاهم يعني إيه؟ لما مات حسيت إني حرة لكن ضميري كان بيموتني عشان أنا السبب في موته. نظراته وهو بيترجاني أفضل معاه بتحرق روحي. بس رجع… أو على الأقل، أنا شايفاه. وقلبي بيقولي إنه ما ماتش." أحمد لف وشه ناحية الحيطة، حاول يسيطر على أعصابه، وبعدين رجع بصّ
لها: "أمنية، إحنا عندنا بنت، وحياة، ومستقبل… أنا بحبك، ومش عايز أخسرك، بس الطريقة اللي ماشية بيها دي هتخسرنا إحنا الاتنين." "انتي ممكن تكوني حاسة بتأنيب الضمير حاسة بالشفقة عليه لكن انتي مستوعبة ان الحكاية دي مر عليها 3 سنين يعني مفيش أي مبرر يخليكي ترجعي للذكرى السودة دي. ارجوكى ارحمي نفسك وارحمينا معاكي." سكتت أمنية، لكن عينيها فضلت متعلقة بالورق اللي على الأرض، بنظرة فيها إصرار وتعب. وهي بتقول في نفسها:
"أنا مش هسكت، ولازم أعرف الحقيقة… حتى لو محدش صدقني." في ليلة من الليالي كانت أمنية قاعدة على طرف السرير، ضهرها مسنود على المخدة، عينيها شاردة في نقطة مش باينة، وإيديها بتلعب في أطراف شعرها بهدوء، كأنها بتدوّر على حاجة مش لاقياها جوا نفسها. دخل أحمد، وبص لها لحظة من على الباب، وبعدين قرب بهدوء وقعد جنبها على السرير. مد إيده على إيدها وقال بصوت ناعم:
"وحشتيني… عارف إنك تعبانة، بس أنا كمان ليا قلب بيحبك وبيتوجع لما يشوفك كده." ميل عليها، وابتدى يبوّس إيدها، وبعدين رقبتها، وصوته بقى أهدى: "نفسي آخدك في حضني. نفسي أشوف ضحكتك، أحس بلمستك، حضنك اللي كان بيطمنّي… محتاجك دلوقتي، محتاج نحس ببعض تاني. انتي وحشتيني أوى يا أمنية." أمنية اتنفضت شوية، ومالت بجسمها بعيد، وقالت بصوت واطي ومطفي: "مش قادرة يا أحمد… مش دلوقتي." اتجمد للحظة، وبصّ لها بذهول، وبعدين وقف فجأة،
صوته اتغير: "مش دلوقتي؟! دايماً مش دلوقتي! انتي بقيتي غريبة كده ليه؟! أنا جوزك يا أمنية، مش ضيف تقولي له اتفضل امشي! سكتت، وعينيها دمعت، قالت بخفوت: "أنا آسفة… بس فعلاً مش قادرة." "آه… طبعًا. ماهو سيادتك مش رايقالي هتروقي إزاي وانتي بتفكري طول الوقت في وهم مش موجود إلا في خيالك، وأنا بقيت ولا كأني موجود. بقالي شهور بحاول أقرب، بس إنتي خلاص… بقيتي في عالم تاني." أمنية حطت إيدها على وشها، وبدأت تبكي بصوت مكتوم. أحمد
وهو بيلبس هدومه بسرعة: "أنا خارج… يمكن لما أختفي شوية تحسي إن لسه في راجل في حياتك مستني نظرة أو كلمة. مش هفضل أتحايل عليكي كل مرة." خرج وقفل الباب وراه، وهي فضلت قاعدة مكانها، جسمها بيترعش ودموعها بتنزل من غير صوت. وقالت لنفسها وهي بتبكي: "أنا مش قصدي… والله غصب عني، تايهة… وخايفة ومفيش حد حاسس باللي جوايا." الهدوء في الشقة كان مرعب. صوت قفلة الباب لسه بيرن في ودنها، ودموعها بتنزل من غير تحكّم.
قامت ببطء، راحت للمراية، بصّت لنفسها، وشافت واحدة تانية… عينيها غرقانة من الدموع، شعرها مش مترتب، وملامحها شبه ميتة. بصوت مكسور: "أنا ضايعة… وخسرته، زيه زي كل حاجة حلوة في حياتي." مشيت لغاية الكنبة، وقعدت عليها، حضنت رُكبها، وابتدت دموعها تنزل بغزارة. صوت بكاها عالي، مكتوم، مش بكاء ندم، لكن بكاء واحدة تايهة، بتصرخ ومفيش حد سامع.
جابت موبايلها، فتحت صور قديمة ليها مع أحمد، وهما بيضحكوا، وهما مسافرين، وهما بيستقبلوا بنتهم أول مرة. ضحكتهم ساعتها كانت حقيقية… مفيهاش جرح ولا خوف. قربت الصورة من وشها، وهمست: "أنا بحبك يا أحمد… بس في حاجة جوايا مكسورة ومش عارفة أصلّحها. سامحني أنا عارفة إني غلطانة بس أنا مش قادرة أصدق إنه مجرد وهم." بعد شوية، بكائها هدى. قامت، راحت أوضة بنتها، بصّت عليها وهي نايمة، قربت منها وباسِتها على جبينها.
"مش هينفع أفضل كده… أنا بالشكل ده هضيّعكم كلكم." بصّت للشباك، والهوا داخل بهدوء، كأنّه بيهمس لها: "اللي فات خلاص… بس لسه عندك فرصة تعيشي، لو عرفتي تخلصي من شبح الوهم اللي جواكي." كان الوقت قرب نص الليل… أمنية قاعدة على الكنبة، عينها على الباب، قلبها بيدق بسرعة، وكل دقيقة بتحسبها ساعة. وفجأة… الباب اتفتح. دخل أحمد، وكان ملامحه جامدة، مكشر، ومش بيبص حتى ناحيتها. راح على الأوضة، وابتدى يغيّر هدومه بصمت.
أمنية وقفت بهدوء، وراحت وراه، ووقفت جنبه، بصت له بحذر. بصوت واطي: "أساعدك؟ ما ردش عليها، بس حس بيها، وبإيده شاورلها تسيبه. مدت إيدها رغم رفضه، وابتدت تساعده بفك زراير قميصه، وهو واقف ثابت، مش بيبصلها. إيديها كانت بترتعش، بس فضلت تكمّل، ولما خلصت، وقفت قدامه، وعينيها مليانة دموع. بصوت مخنوق:
"أنا آسفة يا أحمد… والله آسفة. أنا مش عارفة أخرج من اللي جوايا، مش عارفة أنسى، ولا أصدق. بس أنا عايزاك… ما تسبنيش. إنت الأمان الوحيد اللي فاضلي، وسندي ف الدنيا دي. أنا بتكسر كل يوم، وإنت الوحيد اللي بتلمّني." مدت إيديها وحضنته، ودموعها بلت صدره. أحمد اتنفس بعمق، وقلبه وجعه وهو شايفها كده. ضمها بقوة، ومسح على ضهرها بإيده. بصوت هادي وحزين:
"أنا جنبك، ومش هتخلي عنك أبدًا. بس لازم تصدقي إن يزن مات… وانتي لازم تعيشي. كل ده اللي بتحسيه وهم… وهم بيعذبك وبيبعدك عننا. أنا هنا… حقيقي… وبحبك بلاش تزودي الفجوة بينا." رفع وشها، وباس عينها ومسح دموعها بشفايفه، وبعدين باسها على شفايفها، ببطء وحنية. ابتدت تدوب بين إيديه، وتمسك فيه أكتر. إيده كانت بتمشي على ضهرها، وهو بيهمس لها بكلام حب: "وحشتيني… نفسي ترجعّيلي… كلك بعقلك وقلبك واحساسك."
"أنا محتاجك… ومش قادر أعيش من غيرك." ابتدت ترد عليه، بحب وتنهيدة وجع كانت محبوسة. اللحظة دي كانت أول مرة تحس فيها بالأمان من زمان. هو حضنها أكتر، وباس رقبتها، وهي غمضت عينيها واستسلمت. الأنوار اتطفت، وراح الاحبة يداووا جراح قلوبهم بسرقة لحظات سعادة من الزمن. في الوقت دا كان بره البيت… الشارع ساكن، بس تحت الشباك… فيه شخص واقف، لابس كاب أسود، وشه مش باين، بس عينه بتبص على شباك الأوضة.
إيده مقفولة بإحكام، وصدره بيعلو وينزل من الغضب. النظرة اللي في عينه… نار بعد ما شاف نور الأوضة إنطفى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!