الفصل 18 | من 21 فصل

رواية عاشق بدرجة مجنون الفصل الثامن عشر 18 - بقلم الهام عبد الرحمن

المشاهدات
16
كلمة
1,743
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

كان الجو هادي في جنينة النادي. صوت الأطفال من بعيد، وضحكة أمنية الناعمة وهي بتتكلم مع تقى كانت بتنغرس جوا قلب أحمد وبيحس إنه أخيرًا بيسترجع لحظات كان فاقدها من زمان. أحمد كان رايح يجيب عصير، وساب أمنية وتقى قاعدين على الترابيزة اللي تحت الشجرة. يزن دخل من بوابة النادي، بملابس شيك ونضارة سودا مخبية نص ملامحه، لكن مشاعره كانت باينة في كل حركة من حركاته. ماكانش متوقع أبدًا يشوف أحمد جنب أمنية.

قلبه اتخبط في ضلوعه، وعقله وقف عن التفكير. أمنية رفعت عينيها، واتسمرت في مكانها. اللحظة اللي كان فيها يزن بيقرب منهم، وخطوته التانية كانت هتخليه في مرمى نظر أحمد اللي كان راجع عليهم. أحمد قرب. عينه بدأت ترتفع. قلب أمنية بيخبط، مش عارفة تتكلم. ويزن على بعد لحظة من المواجهة. وفجأة! إيد شدّت يزن من دراعه بقوة. بص مصدوم، لقى مريم واقفة قدامه بوش مرتبك وضربات قلب سريعة. “إيه يا شريف؟! يعني حتى ماجاش على بالك تعتذرلي؟

ولا كرامتك ناقحة عليك للدرجة دى؟! كانت بتتكلم بصوت عالي شوية، بنبرة فيها زعل، لكن توترها كان باين. وشها محمر وعينيها مش قادرة تبصله كتير. يزن اتجمد مكانه، بص لها مستغرب وقال بنبرة واطية: “إنتي بتعملي إيه؟! ردت عليه بسرعة وهي بتقرب أكتر وبتبعده عن مجال رؤية أحمد: “أنا؟ بأعاتبك على قلّة الذوق بتاعتك! يعني امبارح تحرجنى وتزعقلى وتسمعنى كلام يسم البدن، وتاني يوم تعمل نفسك مش شايفني؟!

ضحكة عصبية خرجت منها، لكن عينيها كانت بتلمّح على أحمد اللي لسه بيرجع للترابيزة، من غير ما يحس بحاجة. أحمد قعد جنب أمنية، وبدأ يحكي معاها بهدوء. ومريم سحبت يزن بعيد، قلبها بيخبط، بس عقلها بيشتغل بسرعة. تنهدت مريم براحة حينما رأت أحمد وعلمت أنه لم ير يزن. يزن بتردد: “أنا بجد آسف على أسلوبي معاكي امبارح، بس إنتي استفزتيني أوي. إزاي تنزلي في وقت متأخر، لا و لابسة بيجاما؟

إنتي متخيلة لو كنت أنا طلعت أو مسمعتش صريخك كان ممكن يحصل فيكي إيه؟ مريم بضحكة متوترة: “ما خلاص بقى يا جدع، هو إنت هتفضل تقطم فيا كده كتير؟ وبعدين ما هو إنت السبب في نزولي. أقولك إحنا أحسن حاجة نقفل على الموضوع ده، لأننا كل لما هنتكلم هنتشكل مع بعض.” يزن: “أنا بقول كده بردو، يلا بينا نمشي من هنا.” مريم بخبث: “إيه ده، مش هنقعد مع أمنية النهارده؟ دي حتى موجودة هناك أهي.” يزن بتوتر:

“لأ مش هينفع، أصل أنا مشغول شوية. وبعدين هي تقريبًا قاعدة مع جوزها وميصحش نقتحم عليهم خصوصيتهم. أنا همشي، عندي شغل مهم، يلا سلام.” ذهب يزن مسرعًا من النادي، يلعن حظه العاثر وكيف كان سيضيع في غمضة عين لولا ظهور مريم فجأة وإنقاذها له دون أن تعلم. منذ أن انتقلت مريم للسكن في الشقة المقابلة لشقة يزن، لم تكن مجرّد جارة فضولية. بل كانت تتابع تصرفاته وتحلل كلماته ونظراته بدقة الطبيب الذي يراقب مريضه في جلسة غير معلنة.

كانت تستدرجه للحديث البسيط، تصطنع المزاح أحيانًا، وتفتعل جدالًا بريئًا حينًا آخر، فقط لتفتح بابًا جديدًا داخل عقله. مرت الأيام وكانت مريم تفرض وجودها في حياة يزن بشكل مستمر في محاولة منها لعلاجه وجعله يتنحى عن فكرة حبه لأمنية. فقد كانت تعلم أن علاجه الحقيقي لن يكون بالدواء فقط، بل بإعادة برمجة عقله ووجدانه. مريم كانت تبني علاقة ثقة ببطء، لتكون أول من يعترف أمامها بحقيقته، لكن في الوقت المناسب، لا قبله.

وفي إحدى الأيام، خبزت مريم صينية من الكيك وأخذت بعضًا منها وذهبت إليه لتعطيه إياه. وحينما فتح لها الباب، أبعدته ودخلت دون استئذان وجلست على الأريكة وهي تقول بابتسامة: مريم: “تعالى تعالى يا باشمهندس، أنا عاملالك كيك إنما إيه جناااان. قرب دوق ده، أنا شيف جامدة أوي.” نظر لها يزن بقلة حيلة وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا ويقول في نفسه: “مفيش فايدة، مش هعرف أخلص منها أبدًا. مش عارف هي حشرية كده ليه؟ ثم ذهب وجلس بجوارها.

فمدت يدها بقطعة من الكيك وهي تقول: “الكيك ده عاوز كوبايتين شاي، هقوم أعمل وأجي. أوعى تتحرك من مكانك، أنا عارفة مكان كل حاجة.” أعدت الشاي وجلست بجواره تتناوله مع الكيك بتلذذ. مريم بابتسامة خفيفة: “هو إنت دايمًا كده ساكت ومبتحبش تتكلم؟ ولا بتتكلم بس مع اللي بتحبهم بس؟ يزن بابتسامة مرتبكة: “أنا بس مش بحب أحكي كتير… يمكن عشان محدش بيسمع بجد.” مريم بتلمّح بإحساس: “طب أنا هسمعك… من غير ما أحكم، موافق؟ يزن:

“أنا معنديش حاجة أحكيها، مبحبش أتكلم ولا أفرض نفسي على حد.” شعرت مريم أنه يقصدها بحديثه ذلك ولكنها لم تعره اهتمامًا. “عارف؟ كان عندي حالة من حوالي سنة لشاب كان بيحب واحدة وبيتهيأله إنها بتحبه لكن الحقيقة إنه كان بيتوهم كده…” يزن شدّ يده على الكوب، وحاول أن يخفي توتره: “آه؟ إيه؟ … لأ يعني… القصص دي بتتكرر، الناس كلها عندها أوهام في الحب.” مريم بنبرة محسوبة:

“بس ساعات الوهم بيتحول لهوس… وبيخلي الواحد يصدق إن اللي بيحبه شايفه بنفس العين… وده خطر. ياترى إنت حبيت قبل كده؟ يزن بتردد: “الحب ده مجرد وهم، حاجة بنضحك بيها على نفسنا عشان نهرب من متاعب الدنيا، لكن مفيش ست بتحب راجل. كل الستات خاينين.” مع مرور الأيام، بدأ “يزن” يشعر بالراحة في الحديث مع مريم.

لم تكن تهاجمه بأسئلة مباشرة، بل كانت تترك له المساحة ليحكي بطريقته، عن “أحلامه”، و”الخذلان”، و”امرأة أحبّها وخذلته”… دون أن يعرف أنها تسجّل داخلها خريطة كاملة لوهمه العاطفي. يزن بصوت واطي: “عمركِ حبيتي حد وبقيتي متأكدة إنه بيحبك… بس فجأة اكتشفتي إنكِ كنتي لوحدك؟ مريم بهدوء: “آه… بس فرق معايا إني صدقت الحقيقة مش الوهم… لأن الوهم بيخلّي القلب يتدمر، والعقل ينهار.” يزن ساكت شوية:

“أنا… أنا حبيت بجد، سنين… بس يمكن كنت لوحدي فعلاً. معرفش هي حبتني فعلاً ولا كان بيتهيألي.” مريم بنظرة حنونة، وقلبها بيوجعها عليه: “يمكن تكون محتاج تشوف الحب بعين تانية… مش بعين الماضي.” نظر لها يزن والصمت يتملّك ملامحه… كأنه لأول مرة يسمح لنفسه أن يسمع هذا الحديث من شخص آخر غير نفسه، شخص لا يحكم عليه… لكن قلبه كان يشعر بالارتباك.

“أنا حاولت أنساها… حاولت أصدق إن اللي حصل كان وهم… بس لسه صوتها في دماغي، ضحكتها، كل تفصيلة فيها… كل ده بيرجعلي كل ليلة.” مريم كانت تستمع بقلبها قبل أذنها… وترى كم عانى وكم يشعر بالإرهاق العصبي، ليس فقط من حب انتهى، لكن من خيبة أمل في نفسه. “الحب الحقيقي ما بيكسرش، يا يزن… اللي يوجعك بالشكل ده ما كانش حب… كان تعلق… هوس… احتياج مش أكتر.” يزن بتنهيدة عميقة وهو ينظر بعيدًا:

“بس أنا كنت شايف إنها ليا… كنت متأكد… لدرجة إني…” سكت فجأة، كأن لسانه اتعقد. مريم حاولت تخفف الجو، فقامت واحضرت له قطعة كيك أخرى كما تعودت في الآونة الأخيرة، ومدتها له بابتسامة خفيفة: “كل لما تحس إنك موجوع خدلك حتة كيك، هيفرق معاك أوي. الحلويات بتملا القلب سعادة.” ضحكة خفيفة خرجت من بين شفايفه لأول مرة بجد… أول مرة ملامحه تفك من الجمود اللي كان فيها.

“أنا حاسس إنك بتغيريني من غير ما آخد بالي. معاكي بحس إن. مش أنا ببقى عاوز أضحك وأتكلم وأحكي.” مريم نظرت له نظرة فيها دفء، وقالت بهدوء: “وأنا مش عايزة أغيّرك… أنا بس عايزة ترجع تكون نفسك… من غير خوف، من غير وجع، من غير وهم.” في هذا اليوم خلّف أثر داخل يزن… ولأول مرة، بعد شهور من العزلة والضياع، دخل لينعم ببعض الراحة بعد أن غادرت مريم وهو مبتسم قليلاً… يمكن فعلاً أنا حاسس إني بقيت كويس بسبب الكيك… أو يمكن بسبب مريم.

في شقة مريم كانو تمسك دفترها وتدون…. “بدأ يثق… بدأ يحكي… الطريق طويل، بس أنا معاه، لحد ما يشفى، أو… لحد ما يقع في حبي بدل وهمه.”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...