الفصل 38 | من 45 فصل

رواية عهد الدباغ الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
14
كلمة
5,876
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

رواية عهد الدباغ الفصل الثامن والثلاثون


ضيق محي عينيه بمكر وهو يهز رأسه بإستنكار مصطنع:

يا سلام قلبت عليا دلوقتي..بعد ما وصلت لغرضك .... لا يا ملك...أنا سايبك بمزاجي وكفاية كده... عندنا شغل متعطل.

رفع فاروق حاجبه بثقة وهو يُعدل من ياقة قميصه:

لا يا حج محي أنا كنت شايف شغلي كويس...بعدين إنت فاكر نفسك ماسك عليّا شيك على بياض... وكمان محتاج تعويض أدبي عن الضرر النفسي بسبب القلم اللى خدته ده مكنش فى إتفاقنا،كدة نراجع بنود الإتفاق من تاني.

قهقه محي بصوت عالٍ ثم أشار إليه بإصبعه قائلًا:

ضرر نفسي إيه...بعدين أنا إندمجت والقلم كان لحظة حماسة.

ضحك فاروق ببرود مستفز قائلًا:

الشاطر اللى يعرف يخطف الفرصة... تدفع تمن لحظة الحماسة...القلم مكنش سهل قدام مراتي وإبني.

مال محي نحوه هامسًا بتحذير ساخر:

طب اسمع بقى... البند الجديد بيقول إن أى غنائم إضافية لازم تتقسم بالنص.

ابتسم فاروق نصف ابتسامة وهو يسأله بدهاء:

وغنائم إيه كمان يا أبو البنود.

رمقه محي بنظرة طويلة بينما ضحك محي قائلًا:

إفتكر كويس الإتفاق يا ملك... أنا قولتلك هجيبها لحد عندك وده حصل ولا لاء.

تبسم فاروق يومئ برأسه وهو يتذكر قبل زفاف كنان بأيام...

[بالعودة لذاك الوقت

كان هنالك إحتداد بين فاروق وعهد...

بغرفة مكتبة بمقر الشركة..

جذب إحد السجائر وأشعلها ثم نفث دخانها يشعر بملل من كل شيء، كلما ظن أنه إقترب من قلب عهد عاد الى نقطة البداية...

كأن بينهما خطوة ناقصة لا تُستكمل أبدًا.

وقف أمام النافذة الزجاجية العريضة، يراقب أضواء المدينة الباهتة أسفل المبنى، بينما أصابعه تعبث بالسيجارة بين يديه بعصبية خفيفة.

صوت الباب وهو يُفتح جعله يلتفت نصف إلتفاتة فقط...

تهكم بنزق حين دلف كنان قائلًا:

إنت رجعت للسجاير من تاني، مش خايف بابا يشوفك المرة دي...

قاطعه فاروق بنبرة إستبياع:

لاء مش خايف... وإنت كنت جاي عاوز فلوس قول من الآخر وبلاش توجع دماغي.

تنفس كنان بضجر قائلًا:

لا يا عم أنا جايلك زهقان مش عارف أعمل إيه... أبوك حدد ميعاد فرحي أنا وخيال المآته، حاسس إني محتاج شوية وقت، أنا...

قاطعه فاروق مره أخري بتهكم قائلًا:

وجايلي أنا عشان أنصحك، تبقي غبي أنا آخر واحد يفيدك أنا عايش مع مراتي زي المخطوبين، يمكن المخطوبين بينهم شوية ثقة وتفاهم، أنا بقي لا بينا لا ده ولا ده، روح لـ محسن يمكن هو أحسن مني.

تهكم كنان بنزق قائلًا:

أنا قولت إنت إتجوزت إتنين وأكيد عندك خبرة وبعدين ما تطفي السيجارة إفرض حد فتن لـ بابا..

قبل أن يستكمل كنان حديثه فُتح باب المكتب ودلف محي نظر له بغضب واضح قائلًا:

وحد يفتن ليه ما انا أهو شايف بنفسي.

توقف محي للحظة وبنظرة عين لـ فاروق شعر بتوتر بتلقائية وضع باقي السيجارة بالمنفضة.

ضحك كنان قائلًا بمرح:

خوفت من نظرة عين... الملك اللى بيتهز له شنبات...

قطع بقية حديثه نظرة عين محي التحذيريه له فضحك قائلًا:

بلاش نظرتك دي يا بابا، أنا داخل على معركة.

تهكم محي بنزق قائلًا:

معركة إيه يا خايب إنت اللى إختارت تكمل، يبقى بلاش نبرة الاستغباء دي، ويلا غور من هنا شوف إيه ناقصك قبل الزفاف وكمله.. وكمان تخلص. الشغل المطلوب منك مش عاوز تقصير.

رفع كنان يديه بإستسلام زائف وهو يتراجع للخلف بخطوات بطيئة قائلًا بمكر:

حاضر يا حج... أهو ماشي، الواحد لا عارف يتجوز ولا عارف يزهق حتى براحة.

ثم أشار نحو فاروق بإبتسامة واسعة:

بس خليك شاهد إني حاولت آخد نصيحة من أخوك الكبير وهو اللى طفشني.

رمقه فاروق ببرود نافد الصبر بينما قال محي بحدة:

إطلع بره يا كنان بدل ما أندم إني سيبتك تتكلم أصلًا.

ضحك كنان بخفة ثم غادر أخيرًا، وأُغلق الباب خلفه لتسود لحظة صمت قصيرة داخل المكتب.

عاد محي بنظره إلى فاروق... نظرة ثابتة طويلة جعلت الأخير يزفر بضيق وهو يبتعد عن المكتب متجهًا نحو الأريكة الجلدية.

جلس برتابة، ثم مرر يده داخل شعره قائلًا بفتور:

لو جاي تكمل محاضرة السجاير فـ وفر كلامك يا بابا، دماغي مش ناقصة.

اقترب محي ببطء حتى جلس أمامه مباشرة، ثم قال بنبرة هادئة على غير عادته:

أنا مش داخل أتكلم عن السجاير.

رفع فاروق عينيه إليه بإستغراب خفيف.

أكمل محي وهو يراقبه بدقة:

أنا جاي أشوف إنت ناوي تعمل إيه مع مراتك.

تجمدت ملامح فاروق قليلًا، لكنه أخفى ذلك سريعًا خلف إبتسامة ساخرة:

وإنت من إمتى بتدخل في حياتي الشخصية.

رد محي دون تردد:

من ساعة ما بقيت شايفك بتضيعها بإيدك.

ضاقت عينا فاروق تدريجيًا، بينما أكمل محي:

عهد بنت عنيدة... وعندها خوف أكتر من عندها كره، وإنت كل مرة تقرب منها ترجع تكسر اللى بنيته بغبائك.

ضحك فاروق بسخرية مريرة وقال:

جميل... بقى أنا الغلطان لوحدي.

مال محي بجسده قليلًا للأمام قائلًا بصرامة:

أيوه... لأنك فاكر إن السيطرة تخلي الست تطمن... بس الست لما تخاف منك، عمرها ما هتسلمك قلبها... وبالذات لو كانت فى حالة عهد.. لازم تفهمها كويس.. ظروف جوزاكم.. إنها تحس إنها بديل مكان أختها... لازم تفهم إن ده له تأثير عليها.

ساد الصمت للحظات...

نظرات فاروق ثبتت بالأرض، وكأن الكلمات أصابت جزءًا حاول طويلًا تجاهله.

ثم قال أخيرًا بصوت منخفض:

أنا فاهم بس تعبت يا بابا... كل ما أحس إنها قربت، ترجع تبعد وكأني عدوها... إنت عارف من البداية أنا كنت عاوز عهد مش فرح.. بس النصيب حكم، ومع ذلك إتعاملت مع فرح بإحترام حاولت اسيطر على قلبي... اوقات بحس بندم إني إتجوزت عهد المفروض...

هزّ محي رأسه ببطء ثم أكمل بنبرة أكثر هدوءًا:

يمكن طريقة جوازك من عهد والتسرُع اللى حصل ظلمها قبل ما يديها فرصة تفهم نفسها حتى...البنت دخلت بيتك وهى شايلة حمل تقيل، أختها ماتت... وفجأة لقت نفسها مكانها، مع نفس الراجل، ونفس البيت، ونفس الذكريات...

إنت متخيل ده معناه إيه لواحدة زي عهد.

ظل فاروق صامتًا، وعيناه شاردتان وكأن كل كلمة تُعاد داخله بشكل مؤلم.

أكمل محي بعد لحظة:

وعهد مش قوية زى ما إنت فاكر... بالعكس، البنت كل ما تتوجع بتستخبى ورا العناد..

كل مرة تقرب منها بعصبية أو فرض سيطرة، هى مش بتشوفك فاروق... هى بتشوف خوفها.

زفر فاروق بقوة ثم مال بجسده للخلف قائلًا بتعب واضح:

وأنا مطلوب مني أعمل إيه

أسيبها تبعد... كل ما أقرب منها تحسسني إني دخيل عليها... حتى لما بغير عليها بتحول الموضوع لخناقة.

رد محي بثبات:

لأن غيرتك بتطلع بصورة تملك مش إحتواء.

الست ممكن تستحمل عصبية راجل بتحبه... إنما صعب تحب راجل حاساها إنه بيحاصرها.

إبتسم فاروق بسخرية موجوعة وهو يمرر يده على وجهه قائلًا:

واضح إن الكل فاهم عهد أكتر مني.

نظر له محي طويلًا قبل أن يقول بهدوء مقصود:

لأنك واقف عند اللى إنت عايزه... مش عند اللى هى محتاجاه.

رفع فاروق عينيه إليه ببطء.

تابع محي:

إنت طول عمرك متعود إن كل حاجة بتيجي بالقوة... شغل، نفوذ، حتى هيبتك وسط الناس...

بس عهد لا هتكسبها بخوف ولا بعناد...

دى لو حبتك فعلًا... هتجيلك برجليها من غير ما تطلب.

ساد الصمت مجددًا، لكن هذه المرة كان توازن..

تحدث فاروق أخيرًا:

أنا فعلًا بحبها يا بابا... بشكل مخليني لأول مرة مش عارف أتصرف.

لانت نظرة محي قليلًا، ثم قال:

يبقى بطل تعامل الحب كأنه معركة لازم تكسبها...

عهد مش خصمك يا فاروق... ولا صفقة دى مراتك.

إبتلع فاروق ريقه بصعوبة، بينما أكمل محي وهو ينهض من مكانه:

ولو فضل خوفها منك أكبر من أمانها معاك... هتخسرها، ساعتها بس هتعرف إنك كنت بتكسر الحاجة الوحيدة اللى قلبك اختارها بجد.

راقبه محي للحظة قبل أن يتنهد بهدوء، ثم جلس بالمقعد المقابل له قائلًا:

عشان إنت فاكر إنك داخل الجوازة دي بعقلك بس... وعهد محتاجة راجل يعرف يحتوي قبل ما يفرض نفسه.

إبتسم فاروق بتهكم خافت وهو يهز رأسه:

الإحتواء يعني أعمل إيه أكتر من اللى بعمله.

رد محي فورًا بثقة:

تعمل كتير ... لو دي فعلًا الست اللى عاوزها تكمل معاك.

تفهم فاروق، ضحك محي قائلًا:

وبعدين طالما إنت مدلوق أوي كده يبقي تتحمل شوية من عندك وهي هتلين.. وأنا عندي لك الحل... بس مش ببلاش.

نظر له فاروق سائلًا:

مش فاهم إيه اللى مش ببلاش.

ضحك محي قائلًا:

قصدي كل شئ وله تمن... وزي ما جوزتها لك قبل كده، سهل كمان أخليها هي اللى تجي لحد عندك.

تسأل فاروق:

وده إزاي بقي.

ضحك محي قائلًا:

ما قولتلك كله بتمنه يا ملك بس عندي إستفسار الأول على ضوءه هعرف ان كانت المحاولة هتجيب نتيجة أو لاء.

تسأل فاروق:

وإيه هو السؤال المهم ده بقى.

ضحك محي قائلًا:

عهد... آنسة ولا مدام.

توتر فاروق قائلًا:

وده يفرق في إيه.

أجابه محي:

يفرق كتير، جاوب.

أجابه:

مدام.

ضحك محي قائلًا:

طب كويس، أنا قولت فاروق من بعد ما خلف ياسين...

نظر له فاروق بنظرة ثقة... ضحك محي قائلًا:

طب فى تقدم أهو انا كنت مفكر إنها مش متقبلة، حدوث أمر زي ده يعني قبول أكيد مش غصب عنها.

تهكم فاروق قائلًا:

أه مش غصب عنها بس رد فعلها لما فاقت كان كأني أخدت حق مش حقي.

أومأ محي بتفهم قائلًا:

ممكن رد فعل طبيعي منها، كنوع من تعذيب الضمير... بس لو كانت فعلًا رافضاك من جواها، مكنتش سمحت إن المسافة بينكم تتكسر أصلًا.

إبتسم فاروق بسخرية خافتة وهو يهز رأسه:

إنت بتفكر الموضوع أبسط من حقيقته... عهد متناقضة بشكل يجنن، مرة تقرب ومرة تبني سور بينا فى ثانية.

رد محي بهدوء:

لأنها لسه بتحارب نفسها يا فاروق... البنت مش داخلة علاقة طبيعية...

دى داخلة حياة كانت تخص أختها فى يوم من الأيام، وكل خطوة بتاخدها بتحس معاها بالذنب، حتى لو قلبها بدأ يميل لك.

صمت فاروق قليلًا قبل أن يقول بنبرة منخفضة:

بس أنا تعبت من الإحساس إني متهم طول الوقت... حتى قربها مني بحسه متردد، كأنها كل مرة بتراجع نفسها بعد ما تضعف.

مال محي برأسه قائلًا بجدية:

وده معناه إنك المفروض تحتوي خوفها... مش تستغل لحظة ضعفها وتحاسبها عليها بعدين.

ضاقت عينا فاروق قليلًا قبل أن يسأله بحدة خافتة:

هو أنا عملت كده.

نظر له محي مباشرة ثم قال:

إنت ساعات بتتكلم بعصبية تخليها تحس إنك مستني منها تثبتلك إنها مراتك... وفرق كبير بين راجل عاوز مراته تحبه، وراجل عاوز يتأكد إنها بقت مِلك له.

تنفس فاروق ببطء، بينما أكمل محي بنبرة أخف:

وبعدين... إنت فاكر إني سألتك "مدام ولا لاء" من فراغ

رفع فاروق حاجبه باستفهام، فأردف محي مبتسمًا بخبث أبوي واضح:

لأن الست لو كانت نافراك فعلًا... عمرها ما كانت هتسمح إن علاقتكم توصل للمرحلة دي بإرادتها، حتى لو بتحبك وساكتة على نفسها.

ظل فاروق صامتًا للحظات، ثم قال بصوت خافت أقرب للإعتراف:

لأول مرة أحس إن حد ممكن يوجعني بالطريقة دي.

إبتسم محي ابتسامة خفيفة وهو يربت على كتفه:

عشان لأول مرة قلبك سابق عقلك يا ملك.

ثم أضاف بنبرة ذات معنى:

وعهد شكلها أخدت مكان أكبر جواك بعد الجواز.

لم يرد فاروق هذه المرة...

فقط أشاح بنظره بعيدًا، بينما ارتسمت على وجهه ملامح رجل بدأ يدرك أن خوفه الحقيقي لم يعد خسارة السيطرة...

بل خسارة عهد نفسها.

صمت محي لدقيقية سحب نفس هادي كأنه يرتب الكلام قبل ان يقوله، ثم قال بنبرة عملية أكثر من كونها وعظ:

الحل مش في إنك تكسبها ولا في إنك تفضل تبرر لنفسك... لو هنتكلم بوضوح… قدامك أكتر من مسار لازم تمشي فيهم مع بعض

الأول... تهدّي أسلوبك معاها بشكل مقصود، مش عشوائي.....

يعني تقلل ردود الفعل الحادة، وتوقف أي مواجهة فيها ضغط أو فرض رأي وقت الانفعال. لأن كل مرة بتعلى فيها، أنت كده بتأكد لها صورة التهديد اللي في دماغها...

التاني... تفصل بين الماضي والحاضر.

عهد مش محتاجة تذكير إنها بديل أو إن العلاقة جاية من ظرف صعب. الكلام ده حتى لو منطقي ليك، هو بيجرحها وبيشدها لورا كل مرة... المطلوب تعاملها كزوجة موجودة.. دلوقتي… مش كحالة مرتبطة بذكرى أختها.

التالت... الأمان قبل الحب.

هي مش هتديك قلبها وهي مش حاسة إنها في أمان نفسي معاك.

الأمان هنا معناه ثبات، توقع رد فعل واضح، ومفيش عقاب عاطفي ولا شد وجذب يخليها طول الوقت متوترة...

توقف لحظة، يتنفس ثم أضاف وهو ينظر له مباشرة:

والأهم… متستعجلش نتيجة...

أنت عايز تقربها بسرعة عشان تقلل إحساسك بالرفض، وهي كل ما تحس بالضغط بتبعد أكتر.

رفع فاروق عينيه له بهدوء متحفظ، فتابع محي:

الحل الحقيقي بسيط في فكرته، صعب في تنفيذه:

خلي وجودك معاها مصدر أمان ثابت… مش اختبار مستمر ليها.

تنهد فاروق قائلًا:

إنا فاهم كل ده يا بابا، بس عهد هي اللى...

قاطعه محي قائلًا:

عهد لازم تحس إنك شايفها هى... مش مجرد ست المفروض تقوم بدور مكان حد تاني.

ضاقت ملامح فاروق قليلًا، بينما أكمل محي بثبات:

لازم تحس إنك لما تبصلها، بتشوف عهد بعيوبها وعنادها وطريقتها... مش بتدور على نسخة من فرح أو بتحاول تعوض بيها اللى راح.

رد فاروق بسرعة وكأنه يدافع عن نفسه:

وأنا عمري ما عاملتها كده... انا كان نفسي تكون هي مراتي من البداية.

هزّ محي رأسه قائلًا:

يمكن بعقلك لا... بس بعض تصرفاتك بتقول غير كده.

غيرتك الزايدة، خوفك تخسرها، تسرعك فى التقرب منها... كله مخليها حاسة إنك ماسك فيها كأنها آخر فرصة مش كأنها اختيارك.

صمت فاروق للحظة، ثم قال بضيق مكتوم:

عشان هى فعلًا أهم حاجة عندي.

لانت نظرة محي قليلًا وهو يجيبه:

ما أنا عارف... وعشان كده بقولك إهدا...

الست لما تحس إنها متراقبة طول الوقت بتختنق، لكن لما تحس إن الراجل ثابت وواثق فيها... هى بنفسها بتقرب.

مرر فاروق يده على وجهه بإرهاق قائلًا:

المشكلة إني كل ما أحاول أسيب لها مساحة، ألاقيها بتبعد أكتر.

تبسم محي بخفة وقال:

لأنك بتسيب مساحة بجسمك... لكن بعينيك وتصرفاتك لسه ماسكها...

عهد ذكية، وبتلقط خوفك وتوترك بسرعة.

رفع فاروق حاجبه بضيق:

يعني أعمل إيه تاني.

مال محي نحوه قائلًا بنبرة ذات معنى:

عاملها براحة... بدون ترقب.

قرب منها من غير ما تستنى مقابل كل مرة.

خليها تتعود إن وجودك جنبها مش معناه ضغط ولا مطالبة ولا حساب.ولما تحس إنك بقيت أمان فعلًا... ساعتها هى بنفسها هتفتح لك الباب اللى إنت عمال تخبط عليه بعنف من أول يوم...

كمان عهد لازم تحس إنك ممكن تبعد عنها.

تنهد فاروق باستغراب قائلًا:

مش فاهم هبعد..

قاطعه محي قائلًا:

إنت لازم تسيب البيت.

عقد فاروق حاجبيه بحدة وهو يعتدل فى جلسته قائلًا بعدم تصديق:

أسيب البيت.. إنت بتقول إيه يا بابا.

ضحك محي بخفة وهو يلوح بيده:

إهدى يا ملك... ماقولتش تطلقها، قولت تسيب لها مساحة تحس بغيابك شوية بدل ما هى مخنوقة من حضورك طول الوقت.

ظل فاروق ينظر له بعدم اقتناع واضح، فأكمل محي بهدوء:

إنت بقالك شهور عامل حوالين البنت حصار كامل... بعصبيتك، بغيرتك، بمراقبتك ليها حتى بسكوتك...

عهد عمرها ما لحقت تشتاقلك أصلًا.

تهكم فاروق بآسف قائلًا:

تشتاقلي دى أول ما بغيب عنها بتتنفس براحة.

هز محي رأسه مبتسمًا:

ده اللى إنت فاكره... لكن فى فرق بين واحد وجوده ضاغط، وواحد غيابه مريح...

إنت لو بعدت بهدوء، بدون خناق ولا عقاب، هتبدأ تشوف هى فعلًا متعلقة بيك قد إيه.

زفر فاروق بضيق قائلًا:

وبرضو مش فاهم إيه لازمة اللعبة دي.

اقترب محي قليلًا وقال بنبرة أخفض:

مش لعبة يا فاروق... فرصة...

فرصة لعهد تفهم مشاعرها بعيد عن وجودك المستمر قدامها.

وفرصة ليك تبطل تتعامل بخوف كل دقيقة كأنها هتضيع منك.

صمت لحظة ثم أضاف بخبث خفيف:

وبعدين... الستات يا ابني مهما قالوا إنهم بيكرهوا السيطرة، بيحبوا يحسوا إن الراجل قادر يبعد ومش ملهوف طول الوقت.

رمقه فاروق بنظرة جانبية قبل أن يقول ساخرًا:

إنت داخل تشرحلي الستات دلوقتي.

ضحك محي فعلًا هذه المرة وقال:

أمال فاكرنى إتجوزت أمك إزاى بالعافية.

رغم ضيقه، خرجت من فاروق ضحكة قصيرة رغماً عنه.

استغل محي ذلك وأكمل بجدية أخف:

إسمع كلامي... لازم تسيب البيت كام يوم

لا خناق، لا تجاهل متعمد، لا برود زيادة عن اللزوم.

خليك طبيعي... لكن بعيد.

ثم نظر له مباشرة وأضاف:

لو عهد فعلًا قلبها بدأ يتعلق بيك، أول مرة تحس إن البيت فاضي منك هتتلخبط... وساعتها بس هتعرف وجودك عندها عامل إزاي.

ظل فاروق صامتًا يفكر، بينما أكمل محي بابتسامة ذات معنى:

وأهو بالمرة نعرف مين فيكم اللى هيستحمل البعد أقل من التاني.

اومأ فاروق بفهم ثم ضحك فعاود محي الحديث... وسهل تسيب البيت عندي الطريقة بس هتكلفك.

نظر له فاروق سائلًا:

مش فاهم قصدك.

تبدلت نظرة الأبوة من محي الى نظرة أخرى تعقد صفقة قائلًا:

المناقصات اللى إنت وأخوك عمالين تاخدوها من قدامي، منظري فى السوق.

ضحك فاروق قائلًا:

البيزنيس مفهوش مشاعر يا حح محي.

نظر له بغيظ مرح قائلًا:

أنا اللى كبرتكم،. بس مش تكبروا عليا، أنت عاوز عهد تجي لعندك، يبقي نعقد إتفاق.. أنا هخليها تجي لعندك، فى المقابل أدخل شريك فى المناقصة الجاية.

تنهد فاروق قائلًا:

تمام أنا هستغني عن جزء من حصتي فى المناقصة، عشرة فى المية.

نظر لها محي بتهكم قائلًا:

لا يا حلو إنت هتستغني عن نصيبك كله وأنا هدخل مشاركة مع محسن.

تفاجئ فاروق، وكاد يعترض، لكن نظرة الثقه من محي جعلته يستسلم قائلًا:

موافق هاخد بس عشرة فى المية من المناقصة.

فكر محي ثم ضحك يومئ براسه قائلًا:

وماله هعتبرها سمسرة.

ضحك فاروق فتحدث محي:

نجي بقي للخطة اللى هتخلى عهد تحيلك برجليها، إحنا هنعمل تمثلية اني إتفاجئت إنك بتلعب من ورا ضهرى وهتعصب عليك، تقوم إنت تتحمق وتسيب البيت... وبعد كده الباقي إنت وشاطرتك، بس فى تحذير ترجع البيت تاني قدامك يومين تلاته.

وافق فاروق على ذلك، لكن لم تكن الصفعة مخطط لها.

[عودة]

حين إعترض فاروق قائلًا:

بما إن القلم مكنش فى الاتفاق فانا بتراجع... كفاية نسبة خمسه وعشرين فى المية من الصفقة.

رفع محي عينيه نحو فاروق قائلًا بهدوء غامض:

إفتكر كويس الإتفاق يا ملك... أنا قولتلك هجيبها لحد عندك وده حصل ولا لاء.

عقد فاروق حاجبيه وضحك قائلًا:

حق القلم يا حج.

نظر له محي بغيظ مرح قائلًا:

صدق اللى سماك "ملك" بتتشطر على ابوك يالا تمام موافق على نسبة خمسة وعشرين فى المية بس تقنع أخوك محسن، معترض بيقول دي صفقة إنت وهو مرتبين لها، ومينفعش.

تنهد فاروق قائلًا:

تمام هقنعه.. بس..

تسأل محي:

بس إيه.

أجابه فاروق:

تسيبني كمان يومين مع عهد هنا فى المزرعة أنا مش عارف رد فعلها لما أقولها اني هرحع للـ البيت مرة تانيه، لازم أمهد لها، لا تشُك إنها كانت تمثلية.

وزن محي حديثه برأسه وأومأ قائلًا:

تمام بس هما يومين بالظبط وترجع البيت والا وقتها هعتبر الاتفاق لاغي وهاخد نسبتك كاملة.

ضحك فاروق كذالك محي شعر بانشراح فى قلبه من ملامح فاروق التى تبدلت من الوجوم معظم الوقت الى راحة ظاهرة عليه وهذا يكفيه حتى لو لم ينال أي نسبة من تلك الصفقة. .. فالخسارة مقابل لحظة سعادة على وجع فاروق مكسب.

❈-❈-❈

بعد وقت قليل..

أثناء دخول عهد بالسيارة الى المزرعة رأت سيارة تعلم أنها سيارة والد فاروق إستغربت ذلك، زاد فضول داخلها، لكن تبسمت وهي تترجل من السيارة لـ فاروق الذي يقف بنهاية ذاك السُلم... ثم توجهت للناحية الأخرى من السيارة فتحت الباب تبتسم قائلة:

معايا مفاجئه.

تبسم فاروق بحنان لـ ياسين الذي ترجل من السيارة توجه نحوه مباشرةً، إستقبله بحنان، ثم وقف قائلًا:

أحلى مفاجأة.

تبسمت عهد وهي تنظر الى فاروق سائلة:

مش العربية اللى لسه خارجه من باب المزرعة عربية عمو محي.

أومأ قائلًا:

ايوه.

تسألت بفضول:

وكان بييعمل إيه هنا، هو لسه زعلان منك.

أجابها:

لاء...

قاطعته بتسرُع:

كان جاي يصالحك.

أومأ براسه ينظر لها ينتظر رد فعلها قائلًا:

ايوه.. كمان طلب مني أرجع للبيت.

- وإنت وافقت.

هكذا سألت عهد بترقُب، فهز فاروق رأسه قائلًا:

قولت له سيبني يومين أفكر، إنتِ إيه رأيك.. فى النهاية ده بيتنا، مش معقول هنفضل كده متشتتين، أنا وإنتِ هنا فى المزرعة، وياسين عند عمي توفيق.

تلكأت عهد قليلًا، داخلها تناقُض، ظلت صامته، قطع صمتها باسين الذي قفز قائلًا:

أنا عاوز اركب حصان.

قطع ذلك أيضًا نظرة فاروق لـ عهد، كان يترقب ردها لكن حماس ياسين قطع ذلك، ليتأجل لاحقًا.

بعد وقت ضحك فاروق وهو يُعدل ياسين أمامه على ظهر أحد الخبول قائلًا بتلميح صريح:

عهد بتخاف تركب الحصان.

ضحك ياسين بطفولة قائلًا :

انا مش بخاف يا بابا، عشان أنا راجل.

تبسمت عهد وهي ترفع يدها على وجنة ياسين قائلًا بمرح:

الراجل يبقى راجل فى كله مش بس ركوب الخيل، لكن حتى مش بيعرف يلبس الشوز لوحده، ضحك فاروق بينما تذمر ياسين لحظات

سار فاروق بالحصان بسرعة مقبولة، كانت ضحكات ياسين تتعالى مع كل خطوة يخطوها الحصان، بينما يحاول بكل جدية أن يُمسك اللجام وحده، يهتف بحماس طفولي:

سيبهولي يا بابا... أنا هعرف أسوقه.

ضحك فاروق وهو يثبت يده حوله بحذر قائلًا:

تسوقه إيه ده حصان مش عربية لعبة بالريموت.

إبتسمت عهد دون تلمع عينيها يخفق قلبها بإنشراح وهي تراقبهما...

ذلك المشهد تحديدًا كان يربكها دائمًا، رؤية فاروق مع ياسين.

كل القسوة والحدة التى تعرفها عنه تختفي بطريقة غريبة أمام الطفل، وكأن رجلًا آخر يظهر لا يراه سواهما...

إفترب فاروق من مكان وقوفها كأنه التقط شرودها، ثم قال بنبرة تحمل تلميحًا واضحًا:

لسه عند رأيك الخيل مخيف.

ضيقت عينيها بخفة وهي تدرك مقصده فورًا قائلة بتأكيد مرح:

آه مخيف... خصوصًا لما يكون اللى ماسك اللجام شخص مستفز.

ضحك فاروق بصوت خافت بينما صاح ياسين بحماس:

عهد تعالى اركبي معانا.

هزت عهد رأسها سريعًا برفض:

لا يا حبيبي، أنا بتفرج أحسن.

لكن ياسين لم يستسلم، أخذ يلوح لها بيده الصغيرة قائلًا برجاء طفولي:

عشان خاطري... مرة واحدة بس.

نظرت عهد نحو فاروق بتردد واضح، فلاحظ هو ذلك فورًا.

خفض صوته قليلًا وقال بهدوء غير معتاد:

متخافيش مش هسيبك تقعي.

تحددت نظراتها عليه للحظة...

الجملة كانت بسيطة جدًا، لكنها خرجت منه بطريقة جعلتها تشعر بشيء دافئ ومربك معًا.

تهربت سريعًا من النظر إليه قائلة بتوتر خفيف:

أنا فعلًا بخاف.

أمال رأسه قليلًا ثم قال بنبرة أخف:

وأنا قولتلك إني موجود.

ساد صمت قصير، قطعه ياسين وهو يتذمر بطفولة:

يعني إيه هفضل أنا لوحدي الراجل الشجاع هنا.

ضحكت عهد رغماً عنها، بينما استغل فاروق تلك اللحظة ومد يده نحوها بثبات:

تعالي... ومتخافيش.

ترددت للحظات قبل أن تقترب ببطء، وعيناها لا تتركان الحصان بتوجس واضح...

وما إن أصبحت قريبة حتى قبض فاروق على يدها بحركة ثابتة، ثم جذبها بخفة لتجلس أمامه.

شهقت عهد بتوتر فور شعورها بذراعه تحيط بها لتثبيتها، بينما ضحك ياسين بسعادة وهو يصفق:

هييه عهد ركبت الحصان.

أما فاروق...

فلم يضحك هذه المرة...

كان ينظر إلى جانب وجهها القريب منه للغاية،.. يشعر بارتجافها الخفيف بين ذراعيه، ويبتسم داخله فقط لأنه للمرة الأولى تقبل إمتطاء الخيل... لحظات هادئه سار الحصان بخطوات هادئة فوق الرمال الممتدة، بينما النسيم الخفيف يحرك خصلات شعرها المتحررة...

كانت متيبسة قليلًا فى البداية، أصابعها متشبثة بحافة السرج بتوتر واضح، لكن مع مرور اللحظات بدأت أنفاسها تهدأ تدريجيًا...

بينما فاروق...

فكان يشعر بكل تفصيلة صغيرة تخصها بهذه المسافة القريبة رائحة عطرها الهادئة...

خفض رأسه قليلًا بالقرب من أذنها وقال بصوت هادئ:

لسه خايفة.

ترددت لحظة قبل أن تجيب بصوت منخفض:

أقل شوية.

إبتسم دون أن تراه عينيه، ثم شد اللجام برفق ليبطئ الحصان أكثر.

فى الأمام كان ياسين يضحك بحماس فوق الحصان الآخر مع العامل، يلتفت إليهما بين الحين والآخر ليصرخ بفخر:

بصوا أنا أسرع واحد.

ضحكت عهد بخفة حقيقية هذه المرة، فمال فاروق بعينيه نحوها تلقائيًا.

توقفت أنفاسه للحظة وهو يراها تضحك من قلبها

همس دون تفكير:

ضحكتك حلوة يا عهد.

إختفت ضحكتها فورًا، وتوتر جسدها قليلًا من جديد، وكأنها تذكرت فجأة قربه الشديد منها.

إدرك فاروق ذلك فورًا، فتنهد بخفوت وهو يبتعد سنتيمترًا للخلف متعمدًا أن يمنحها مساحة دون أن يحرجها.

راقبت ذلك بطرف عينيها بصمت...

ثم قالت بعد لحظة وكأنها تحاول تغيير الحديث:

واضح إن ياسين مبسوط جدًا.

أجابها وهو ينظر أمامه:

عشانك معاه

التفتت إليه باستغراب خفيف، فأكمل بهدوء:

الولد بيحب لما يشوفنا سوا من غير خناق.

ساد صمت قصير، صمت هادئ يشبه استراحة قصيرة من كل التوتر المتراكم بينهما...

ثم تحرك الحصان بخطوة مفاجئة بسيطة جعلت عهد تنتفض بخفة، لتتشبث تلقائيًا بذراع فاروق.الذي تبسم

فقد كان تمسكها بيده.. وثقة خرجت منها بعفوية دون أن تشعر.

سارت الخيل والشمس تميل للغروب تعكس أشعتها ظلالًا دافئة.

❈-❈-❈

بعد مرور يومين

ظهرًا بالجامعة..

صدفة غير طيبة، حين كان يسير كنان بالممر رأي غزال تسير مع بعض زملائها كان منهم شابً يسير لجوارها بتوازي، شعر بضيق، لاحظت غزال سيره بالمقابل رف قلبها، بداخلها تمنت لو أنها اباحت بل وذهبت نحوه، ويعلم الجميع أنها زوجته، لكن هو حذرها من ذلك، كذالك إخفاؤه لصور الزفاف ومنع نشرها، يعلمون أنه تزوج، لكن من من، با يعلمون أنها هي، ابتلعت غصتها، وأكملت سير، لكن أثناء سيرها صدح رنين هاتفها، أخرجته من حقيبتها وقرأت تلك الرسالة المُختصرة:

أنا هقف بالعربية على أول الشارع عاوزك فورًا.

بتوتر وضعت هاتفها بحقيبتها فكرت بتجاهل رسالته لكن سمعت صوت رساله أخري، خجلًا من زملاؤها قرأت الرسالة التاليه:

خمس دقايق تكوني عندي.

انسحبت من بين زملاؤها ذهبت نحو المكان الذي قال عليه، توترت حين رأته يقف أمام السيارة يبدوا متحفزًا، زاد ذلك حين إقتربت منه، لم ينتظر

أمسك بمعصمها وسحبها نحوه بحركة سريعة.

شهقت بدهشة، وارتفعت عيناها إليه فورًا.

تحدثت بصوت منخفض لكنه مشدود:

في إيه.

نظر لها لحظة دون أن يترك معصمها، وعيناه تضيقان قليلًا وكأنه يحاول قراءة ما بداخلها. قال بصوت خافت لكنه حازم:

كنتِ رايحة فين.

قطبت حاجبيها بدهشة، وحاولت سحب يدها قليلًا من قبضته قائلة:

لسه عندي محاضرة سيب إيدي... خليني الحقها.

حاولت سلت يدها

لكن قبضته لم ترتخي، بل اقترب خطوة أخرى حتى لم تعد المسافة بينهما سوى أنفاس متلاحقة...تحدث بنبرة امتزج فيها الغضب بشيء آخر أكثر غموضًا:

مش مهم تحضريها،خلينا نرجع للبيت.

كادت أن تعترض،لكن فتح باب السيارة وزج بها عنوة حتي دخلت الى السيارة إتقاءّا من نظرات البعض.

صعد هو الآخر نحو المقود،وقاد بسرعة قليلًا ثم ابطئ،تنفس بقوة قائلًا:

شوفتك من شوية… كنتِ واقفة بتضحكي مع مين ده.

اتسعت عيناها قليلًا، ثم رفعت ذقنها بعناد:

ده واحد زميلي... وبعدين وده يضايقك في إيه.

صمت لحظة، كأنه يبحث عن إجابة لا يريد الاعتراف بها. نظراته انزلقت إلى عينيها ثم إلى شفتيها سريعًا قبل أن يعيدها إليها.

قال أخيرًا بصوت أخفض:

يضايقني… طبعًا... متنسيش إنك مراتي، وأنا يهمنني منظري، محبش يتقال إن مراتي بتصاحب شباب.. وبتمشي معاهم..

تسارعت دقات قلبها رغم محاولتها إخفاء ذلك، وقالت بنبرة حاولت أن تبدو ثابتة:

ياريت إنت اللى تحسن أسلوبك معايا، أنا مش بصاحب شباب، مش أكتر من زميل، ومكنتش ماشيه معاه لوحدي، إحنا كنا مجموعة شباب وبنات ومتخفش محدش فى الجامعة يعرف إني مراتك..

توقفت عن الكلام، حين أوقف السيارة بتعسُف، شهقت من المفاجاة لكن إرتبكت حين جذها إليه ، حتى شعرت بأنفاسه القريبة...

دون إنتظار بلع شهقة شفتيها بين شفتيه يُقبلها

بقوة مصحوبة بقسوة وتملُك.

تجمدت للحظة من صدمة اندفاعه، لكن قبضتها انغلقت فوق قميصه بعفوية قبل أن تدرك ما تفعل.

كانت قبلته حادة… غاضبة… وكأنه يصب فيها كل ما عجز عن قوله منذ رآها تضحك مع ذلك الشاب.

حاولت أن تدفعه بعيدًا، لكنه كان يُحاصر وجهها بين كفيه، يُقبلها بإصرار جعل أنفاسها تتعثر.

وحين ابتعد أخيرًا، ظلت تنظر إليه بذهول وأنفاسها مضطربة.

قالت بصوت مرتجف امتزج فيه الغضب بالارتباك:

إنت… إنت مجنون.

مرر يده في شعره بعصبية، ثم التفت إليها بعينين مشتعلة قائلًا:

أيوه… يمكن.

بس المنظر ده جنني… إني أشوفك واقفة تضحكي لواحد غيري وكأن مفيش بينا حاجة.

حدقت فيه غير مصدقة، ثم قالت بعناد:

وأنا ذنبي إيه إنك عمرك ما فهمتني إن بينا حاجة أصلًا... طول الوقت بتعاملني كأني فرض عليك.. رغم إنت عارف من البداية قولت ننهي الموضوع إنت اللى صممت تكمل وتتجوزني.

انعقد فكه بقوة، وكأن كلماتها أصابته في مكان لا يريد لمسه...

ظل صامتًا ثواني، ثم قال بصوت أخفض كأنه اعتراف:

لو كنتِ فرض… مكنتش هفقد أعصابي بالشكل ده.

ارتبكت ملامحها رغمًا عنها، فاستغل ارتباكها واقترب قليلًا، لكن هذه المرة دون عنف.

رفع يده ببطء وأزاح خصلة شعر هربت من حجابها ، وعيناه ثابتتان عليها بشكل أربكها أكثر.

همس:

إنتِ مش فاهمة بتعملي فيا إيه يا غزال.

ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشيح بعينيها عنه: ابعد عني… وسيبني أنزل.

لكن بدلًا من أن يتحرك، مال نحوها مرة أخرى حتى شعرت بحرارة أنفاسه قرب أذنها، وقال بنبرة خافتة تحمل تملكًا واضحًا:

مش قبل ما أفهم حاجة واحدة...

لما كنتِ بتضحكي معاه كده… كنتِ مبسوطة.

رفعت عينيها إليه بسرعة، وكأن سؤاله باغتها أكثر من قربه نفسه.

تلعثمت للحظة قبل أن تقول بحدة محاولة الهروب من تأثيره عليها قائلة:

مين قالك كده ده زميلي مش أكتر.

ابتسم بسخرية خافتة، لكن الغيرة كانت واضحة بعينيه بشكل فاضح.

قال وهو يراقب ارتباكها:

زميلك...

إنتِ لحد دلوقتي مش مستوعبة إن أكتر حاجة ممكن تستفزني… إني أشوفك ماشية مع شاب.

قطبت حاجبيها بعدم فهم:

تقصد إيه.

ضحك بخفة بلا مرح، ثم أسند رأسه على المقعد للحظة قبل أن يعود بعينيه إليها:

ثم قال بهدوء أربكها أكثر من غضبه:

أنا ليه مش بعرف أكون هادي معاكِ

كل ما بقرب… بحس إني بفقد السيطرة.

تسارعت أنفاسها دون إرادة منها، فابتعدت بجسدها قليلًا حتى التصقت بباب السيارة.

لكن عينيه ظلتا معلقتين بها، وكأنه يقرأ ارتباكها بالتفصيل... همست بتوتر قائلة باستهزاء موجع قائلة:

عشان أنا وشي مستفز، مرات بابا قالت لى كده، كمان قالت لى إني مش هعمر فى الجواز عشان أنا مش بعرف أتكيف مع اللى قدامي، ويمكن مش مقدرة النعمة اللى أنا فيها..

توقفت تتنهد بحسرة قائلة:

زمان المخاضرة اشتغلت ودكتور المادة مش هيسمح بدخولى، رجعني البيت... لو مش فاضي أنزل أخد اي مواصلة توصلني.

نظر لها لوهله لم يرا تلك الدموع التي تكبتها

رفعت ذقنها بعناد رغم احمرار وجنتيها..

فجأة مد يده ببطء، وأمسك كفها هذه المرة برفق عكس سابقه تمامًا...

تجمدت وهي تشعر بإبهامه يمر فوق أصابعها بحركة بطيئة جعلت قلبها يرتبك أكثر...

قال بصوت منخفض:

بلاش تسمعي لكلام مرات باباكِ الفارغ.. وبطلي ترجفي كده.

نظرت إلى يدها بين يديه ثم إليه بسرعة، محاولة سحبها، لكنه تشبث بها برفق هذه المرة لا بقوة.

ثم انطلقت السيارة مجددًا وسط صمت، ومشاعر بدأت تظهر حقيقتها رغم عنادهما معًا.

❈-❈-❈

لا فائدة بها، رغم تحذيره لـ رابيا أن تستبعد والدتها عن حياتهما، لكن ها هي تخبرها عبر الهاتف بأدق تفاصيل يومها، وكأن حياتهما المشتركه ليست سوى حديث عابر يُنقل عبر الهاتف..

وقف عند عتبة الغرفة يستمع لصوتها المنخفض، ملامحه جامدة لكن عينيه تضيقان شيئًا فشيئًا...

كانت تضحك بخفة وهي تقول:

ـ لا يا ماما، هو بس كان متعصب شوية الصبح… بسبب الشغل.

ضغط على فكه بقوة، يشعر بذلك الضيق المعتاد يتمدد داخل صدره.

لم يكن يكره والدتها… بل يكره ذلك الشعور بأن هناك دائمًا طرف ثالث بينه وبين زوجته.. د

إلتفتت رابيا فجأة فتجمد صوتها حين رأته واقفًا يراقبها.

إرتبكت قليلًا ثم قالت لوالدتها بسرعة:

هكلمك بعدين يا ماما.

أغلقت الهاتف ببطء، بينما تقدم هو للداخل بخطوات هادئة على نحوٍ أثار توترها أكثر من غضبه المعتاد.

تحدث أخيرًا بصوت منخفض مُبطن باستهزاء:

قفلتي ليه كنتِ كملي لها بالتفصيل اكتر.

توترت قائلة بتبرير كاذب:

كانت بتتصل تطمن عليا أنا والبنات.

ضحك بسخرية قصيرة، ثم مال برأسه قليلًا:

أه كتر خيرها، بتطمن كمان عشان تعرف إنى كنت متعصب الصبح… وفطرتِ إية.

إزدادت ضربات قلبها وهي تراه يقترب أكثر، حتى توقف أمامها مباشرة.

قال بنبرة أخفض لكنها أشد:

كمان تعرف إحنا نمنا مع بعض ولا لأ؟.. ده كمان من ضمن الحكاوي اللي بتتحكي.

إتسعت عينا رابيا بصدمة، ثم اندفعت تقول بغضب مكتوم:

إنت إزاي تفكر كده أصلًا.

لكن نظرته بقيت ثابتة عليها، قاسية بشكل أربكها...تحدث ببطء:

لأن مفيش حاجة بتفضل بينا. كل تفصيلة بتوصل لمامتك.

هزت رأسها بعنف،

ساد الصمت للحظات، ثقيل ومشحون، بينما كانت أنفاسها تتسارع من الانفعال...

أبعدت وجهها عنه محاولة التماسك، لكنه لاحظ ارتجافة أصابعها الصغيرة...

تنهد أخيرًا، وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه، ثم قال بصوت أخف قليلًا:

أنا مش ضد مامتك يا رابيا… أنا ضد إني أحس إن علاقتي بمراتي مبقتش خاصة بينا.

قال ذلك وغادر الغرفة بل الشقة بأكملها

أغمضت عينيها بضيق، ثم جذبت الهاتف من فوق الطاولة بسرعة وكأنها ستتصل بوالدتها تلقائيًا… لكنها توقفت قبل أن تضغط أي شيء.

نظرت للشاشة طويلًا.

لأول مرة تشعر بتردد حقيقي...

زفرت بعصبية وألقت الهاتف جانبًا، ثم جلست على طرف الأريكة تضم ذراعيها حول نفسها.

كانت غاضبة منه… من طريقته… من حدته… لكن خلف ذلك الغضب كان هناك شعور آخر يزعجها أكثر؛

شعور بأنه خرج هذه المرة وهو متألم فعلًا، لا غاضب فقط...

بينما

كان يقود سيارته بسرعة أكبر من المعتاد، وملامحه متجهمة بينما يضغط بقوة على المقود.

حاول إقناع نفسه أنه محق...

أنه فقط يريد حدودًا واضحة لحياتهما...

لكن صورة ارتباكها وهي تنظر له قبل خروجه لم تفارق ذهنه...

أبطأ السيارة أخيرًا بعدما تنهد بتعب، ثم مرر يده فوق وجهه هامسًا لنفسه بمرارة:

كل مرة أحاول أنسي وأقرب منها… تحسسني إن فيه مسافة مستحيل تتقفل... رابيا محتاجة صدمة عشان تفوق من سطوة مامتها.

❈-❈-❈

هولندا

وصلت يارا قبل ساعات كانت تنتظر ان يكون نديم بإنتظارها فى المطار يبثها شوقه لها أن يضمها بقوة بعد غيابها الطويل…

أن يلومها على تركه وحيدًا كل تلك الفترة… حتى غضبه كانت تتقبله...بسبب غيابها

لكن لا شيء حدث.

خاب ذلك، وها هي منذ ساعات وحدها بالشقة تنتظر هي عودته...

ابتلعت غصتها وهي تسند رأسها للخلف هامسة بضيق:

واضح إني أنا الوحيدة اللي كان فارق معاها البعد.

صدح هاتفها

التقطته سريعّا… وعيناها لمعتا للحظة عندما ظهر اسم نديم.

فتحت المكالمة فورًا..

جاءها صوته منخفضًا ومتعبًا:

وصلتي.

تجمدت ملامحها لثانية من السؤال البارد… ثم قالت بفتور:

آه وصلت… من ساعات

تنهد بتعب وقال بإختصار

حمد الله على السلامة.

انتظرت…

ربما سيقول اشتقتلك… آسف… أي شيء…

لكنه تابع بهدوء:

معليش يمكن أتأخر شوية.

شعرت بشيء ينقبض داخل صدرها.

ردت وهي تحاول إخفاء خذلانها:

براحتك.

وكادت تغلق، لكنه قال فجأة:

يارا.

صمتت تنتظر.

تنهد ببطء… وكأنه يقاوم شيئًا داخله، ثم قال: ما تناميش غير لما أرجع.

ارتجفت أنفاسها قليلًا رغمًا عنها…

كانت تعرف نديم جيدًا… ذلك الرجل لا يطلب شيئًا بصوت كهذا إلا عندما يكون مشتاقًا حد الاختناق… لكنه يكابر فقط...

أغلقت الهاتف ببطء، ثم ضمت الوسادة لصدرها وهي تنظر نحو باب الشقة من جديد…

تنتظره هذه المرة بقلب أخف قليلًا… لكنه لا يزال موجوعًا.

❈-❈-❈

بمنزل الدباغ

بشقة فاروق

دلف خلف عهد وياسين الذي يتثائب..

ضحكت عهد قائلة:

اللى كان عاوز يسهر يسمع فيلم كارتون بينام على نفسه.

ضحك فاروق هو الآخر بينما تذمر ياسين الذي يغلبه النعاس، تبسمت عهد قائلة:

تعالي اغيرلك هدومك عشان تنام وبطل مقاوحة.

استسلم ياسين لذلك، بنفس الوقت صدح هاتف فاروق تبسم وهو ينسحب للخارح،

بدلت عهد له الثياب، ودثرته بالغطاء لم يقاوم وغفي سريعًا، تنهدت عهد وهي تجذب منامة خاصة لها بدلت ثيابها، وكادت تصعد على الفراش الآخر لكن توقفت حين شعرت بقبضة يد فاروق على معصمها قائلًا:

كفاية يا عهد، تعالي معايا.

لم تعترض وسارت معه الى غرفته.. تبسم لها قائلًا:

الأيام اللى فاتت كنتِ بتنامي فى حضني كل ليلة، الأوضة دي أنا كنت بنام فيها لوحدي.

فهمت عهد أن تلك الغرفة لم يكن يُشاركها مع فرح غص قلبها للحظات، رفع فاروق يده، رفع وجهها قائلًا:

دي أوضتنا.

حاولت الهروب بعينيها بعيد عنه، لكن ثبت وجهها بين يديه، تلاقت عيناهم غصبّ، تيسم على ذلك الخجل، وشفاها اللتان تضمهما معًا، إنحني يُقبلها قبلة طويلة قليلًا، دافئة بما يكفي لتبدل ارتباكها.

ثم همس وهو لا يزال قريبًا:

إنتِ مش ضيفة هنا… ده مكانك جانبي هنا.

رفعت عينيها تنظر له بإرتباك نطقت أسمه:

فاروق...

قاطعها لكن ليس بالكلمات بل بالقُبلات التي تجاوبت معه وإزدادت شغفًا، تتجاوب مع مشاعره وهو يحملها يضعها فوق الفراش وإنضم لها يستمتع بليلة يتألف معها بمشاعر زوج وزوجة.. صمتت الكلمات بينهما تمامًا، وكأن المسافة التي كانت بينهما لم تعد تحتاج شرحًا...

انخفض الضوء في الغرفة تدريجيًا، بينما ظلّ الصخب بينهما ممتلئًا بشيء جديد… ليس اندفاعًا، بل بداية فهم أعمق لوجودهما هنا معًا، كزوجين.

بعد وقت كان فاروق يضمها بين يديه بقوة، وهي تضع رأسها على صدره، تفوه بعد وقت سائلًا:

مكنش نفسك تلبسي فستان الزفاف.

أغمضت عينيها للحظات ثم قالت:

اقولك سر.. عمري ما تخيلت نفسي أني هتجوز أصلًا، فكرة الجواز كانت مستبعدة عندي.

أومأ فاروق مبتسم ثم ساد صمت غفوتهما...

لكن فجأة صحوت عهد تشعر بغثيان مفاجئ،بصعوبة تسحبت من ضمة فاروق ذهبت للحمام.. مازال الغثيان.. حتي بعدما أفضت ما بجوفها، استغربت ذلك الغثيان الذي إنتابها سابقًا... رغم عدم تناولها طعامً يسبب ذلك...

توقف عقلها للحظة تستوعب، الوقت... كيف لم تنتبه أن عادتها الشهرية قد تأخرت...

وضعت يدها فوق بطنها تنطق بذهول:

معقول أكون حامل!.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...