عاد سلطان إلى والدته وأخبرها بما حدث معه. "يعني هنروح نعيش هناك فعلاً يا سلطان؟ ونسيب هنا؟ طب إزاي؟ " سألت منيرة بحيرة بعدما قررت مسامحته. "زي الناس يا ماما... كده أحسن لنا... لازم أبعد يا ماما... لازم أبعد عشان أعرف أكمل... هنا حاسس إن فيه حبل بيتلف على رقبتي... بعد اللي حصل صعب إني أكمل هنا." أجاب سلطان بشرود. "طب وسيلين؟ هتسيبها بعد اللي حكتهولي ده؟ " تساءلت بترقب. نبض قلبه من نطق أحرف اسمها. شرد قليلاً
ثم أجاب بغموض: "خلاص يا ماما الموضوع ده انتهى." "أيوه يا سلطان بس يابني دي عايشة وسط ثعالب... هتسيبها إزاي وهي لسه على ذمتك؟ مش أنت أخدت عهد على نفسك تحميها! " قالت بحزن وحنان. نظر لوالدته بعمق ثم قال وهو يقف ليغادر: "هطلقها يا ماما." غادر حتى لا يفضح أمره، بينما منيرة حزنت على حال تلك الفتاة اليتيمة التي تود احتضانها بحنان.
أما هو فاتجه لنعمان في محل عمله وأخبره بإنهاء الخطبة بينه وبين ابنته، ثم غادر دون تفسير الأمر، مما جعل نعمان يقف مصدومًا مكانه. رفع هاتفه وهاتف مصطفى الذي أجاب متسائلاً: "أيوه يا سلطان... إزيك؟ "أنا كويس... إيه الأخبار؟ " رد سلطان بترقب. "تفتكر إيه يا سلطان! يعني اللي حصلها مش سهل." أجاب مصطفى بهدوء وتعقل. ضربات عنيفة تضرب صدره، يبدو أن أحدهم يحطم قلبه. قال بصوت مختنق: "تمام... زي ما اتفقنا محدش يعرف إني بكلمك."
أغلق معه وأكمل طريقه إلى وجهته. *** في اليوم التالي صباحًا، استعدا سلطان ووالدته للرحيل وقد وضبا أمتعتهما. طرقات على الباب عرف هو هويّة صاحبها. اتجه للباب يفتحه بثبات فوجدها تندفع للداخل تردف بغضب وحدة: "يعني إيه لغيت الخطوبة! أنت اتجننت؟ نظر لها بكره، يريد أن ينقض عليها ولكن شخصيته تمنعه. من دمرت حياته بطمعها ومن حرقت قلب حبيبته. لم تجد منه جوابًا فأردفت صارخة: "رد علياااا...
تفسخ خطوبتنا بعد سنتين والدنيا كلها عارفة إني مرات سلطان! لهو أنا أتحمل قرفك وفقرك وخيانتك ليا وتيجي تفسخ خطوبتنا... ده أنا أهد الدنيا." كان يقف أمامها صامتًا، يربع يديه أمام صدره ويطالعها بكره واستحقار. أما هي فاستشاطت غضبًا من سكوته، ثم اتجهت لمنيرة التي تقف تتابع بحزن وأردفت بنبرة حقودة: "عاجبك اللي ابنك بيعمله يا خالتي... عايز يفسخ خطوبته مني! كل ده عشان كشفت الخطة للهانم بنت الأكابر! ثم التفتت تتطلع عليه
مردفة بمكر ودهاء واستعطاف: "وأنا يعني عملت كده ليه يا سلطان... مش من حرقة قلبي لما عرفت إنك اتجوزتها فجأة؟ كنت مفكر إني هتحمل تبقى مع واحدة غيري وأسكت كده؟ طب إزاي؟ ظل يتابعها بصمت ويتابع تمثيلها باشمئزاز. فتابعت وهى تقترب منه: "خلاص يا سلطان... هو الموضوع كان غلط من البداية... الناس الأغنية دول طرقهم متاهة... وكويس إننا خرجنا من وسطهم.... نتجوز بقى وننسى كل اللي حصل ده... ماشي؟ قولت إيه؟ مش أنت جهزت شقة وعفش!
نتجوز فيهم ونبعد عن كل ده." ابتسم ساخرًا يطالعها بكره مردفًا بهدوء: "خلصتي!؟ ضيقت عينيها مردفة بتساؤل وترقب: "يعني إيه؟ نظر لأمه يردف بقوة وصلابة وقسوة متجاهلاً وجودها: "يالا يا ماما سفرنا طويل... أنا هروح أجيب تاكسي وإنتي لمي الزبالة اللي في البيت عشان نرميها قبل ما نمشي." غادر يحضر سيارة أجرة وتركها خلفه تنظر له بصدمة وعيون متسعة لا تصدق ما قاله، وقد علمت أنها خسرته. ولكن هل ستتنازل وترضخ؟ ***
بعد ساعات طويلة وسفر، وصل سلطان ووالدته إلى محافظة سوهاج وتحديدًا أمام منزل السوهاجي. نظر لوالدته يردف باطمئنان: "تعالي يا ماما ماتقلقيش." نظرت له بتوتر وأومأت تصعد معه. فُتح الباب من قبل شقيقته سهيلة التي جرت عليه تحتضنه مردفة بلهفة وترحاب: "يا أهلاً بالغالي... اتوحشتك جوي يا خويا." بادلها سلطان بحب وثبات، بينما أسرعت تحتضن منيرة بحب مردفة: "إزيك يا خالة منيرة... كيف صحتك؟ ابتسمت
لها منيرة مردفة بهدوء: "الحمد لله يا بنتي بخير." كان هذا يحدث أمام أنظار روايح المشتعلة بوعيد وكره لهذه المرأة وابنها منذ أول لحظة. خطى سلطان مع والدته وسهيلة للداخل حيث يجلس توفيق ينتظرهما بحماس. دنى سلطان من جده يقبل يده باحترام، وكذلك فعلت منيرة بترقب، بينما أردف توفيق مرحبًا: "نورتوا داركوا." أومأت منيرة ببعض الراحة: "منورة بناسها يا حاج توفيق."
رحب بهم الجميع بسعادة باستثناء روايح، وقد تم تجهيز غرفة لمنيرة وغرفة أخرى خاصة بالحفيد الوحيد لعائلة السوهاجي سلطان. جلست العائلة بعد ساعة حول مائدة الطعام لتناول الغداء، بينما لم تنضم روايح إليهم. كان الجميع سعيد بمجيء سلطان، وبالأكثر شقيقاته البنات اللاتي تسامرن معه بحنو، كذلك فعل هو أمام أعين جده التي أنارت ببريق الفرحة. "بعد إذنك يا بوي...
هاخد سلطان وننزل الأرض أفرجه عليها وأعرفه على شغلنا." قال محمود بعد الغداء. أومأ توفيق بسعادة مردفًا: "تمام يا ولدي... زين." وقف سلطان ليغادر مع عمه، ولكنه نظر لوالدته مردفًا ببر: "محتاجة حاجة يا ماما؟ ابتسمت له بحنو وهي تجلس بجانب بدرية زوجة محمود مردفة: "تسلم يا ابني مع السلامة." غادر هو مع عمه، وأثناء طريقهم أردف محمود بتساؤل دون مراوغة: "ينفع أتكلم معاك بصراحة يا ولد أخوي؟ ضيق
سلطان عينه وأردف بترقب: "خير يا عمي اتفضل؟ تحمحم محمود مردفًا بذكاء: "اسمع يا ولدي... أنا خابر إنك متجوز." انصدم سلطان ونظر لعمه بعيون ضيقة متعجبة، فاسترسل محمود: "وخابر إن مراتك تبقى مديرة شركة الحلواني... تساءل سلطان بذكاء: "انت كنت بتراقبني!؟ أومأ محمود معترفًا: "أيوه يا ولدي... جدك كان عايز يعرف أخبارك ويطمن عليك من بعيد... وخلاني أشوف حد يراقبك ويعرفنا أخبارك أول بأول." "انصدم سلطان وأردف: "يعني جدي عارف!؟
نفى محمود مردفًا بصدق: "لاااا يا ولدي... إني مجولتش لبوي على قصة زواجك ولا أي حاجة من دي... أنا كنت ناوي أفهم الموضوع الأول... بس إني مش فاهم لحد دلوقتي حاجة واحدة بس... ليه عملت كده وليه سبتها فجأة... "يعني متعرفش؟ " سأل سلطان مستفسرًا. نفى محمود يكمل: "لأ يا ولدي... أنا عيوني كانت عليك انت مش عليها... وفيه حاجات ناقصة كتير وإني مش عارف أجمعها... وكنت ناوي أجلك القاهرة وأسألك عن كل ده بس أنت سبقتني." شرد
سلطان يفكر ثم أردف بتساؤل: "هو اللي كان بيراقبني ده حد تبعك!؟ يعني بتثق فيه؟ أومأ محمود بتأكيد: "أيوه طبعًا يا ولدي... بثق فيه جدًا جدًا كمان." أومأ سلطان مردفًا بغموض: "تمام... أنا عايز أكلمه." ضيق محمود عينيه مستفسرًا، بينما أردف سلطان بثبات: "هحكيلك يا عمي... بس وإحنا ماشيين."
خطى الاثنان يتسامرون، وقد قص سلطان على عمه كل ما حدث بصدق، كذلك محمود الذي أخذه في رحلة لمشاهدة أملاك عائلة السوهاجي وأسطول الأراضي المتنوعة المحاصيل والثمار، كذلك عرفه على العمال الذين قابلوه بترحيب شديد، وقد ثبت من اليوم الأول عزيمته وإصراره على النجاح والمشي قدمًا في طريق الوصول إلى أحلامه... وأولها رد اعتباره أمامها. ***
أما سيلين، التي أصبحت سلبية في اتخاذ خطوة جدية لمستقبلها، حيث أنها باتت تهمل مصالحها، مما أزعج وداد والمحيطين بها الموثوق بهم. في الشركة، تنهدت سيلين بضجر حين لم تستطع إكمال عملها المتماثل أمامها، ورفعت هاتفها تهاتف المحامي مردفة بإرهاق: "أستاذ ممدوح... ممكن تيجي مكتبي!؟ أغلقت الهاتف بعدما أخذ موافقته وشردت تنتظره بحزن، تريد أن تنهي هذا العذاب، فهل ينتهي؟ طرق باب مكتبها فدلف المحامي متحمحمًا
يردف بترقب: "صباح الخير يا سيلين هانم." أردفت سيلين بهدوء: "أهلاً يا أستاذ ممدوح... اتفضل." جلس ممدوح ينظر لها مردفًا بهدوء وتساؤل: "خير يا سيلين هانم!؟ تنهدت ناظرة ليدها التي تفركها بتوتر، ثم رفعت نظرها إليه وأردفت بقوة مزعومة: "أنا عايزك تنهي موضوع جوازي ده... بأسرع وقت ومن غير أي شوشرة... شوف المطلوب إيه ونفذه... والأهم يا أستاذ ممدوح إن يكون بعيد عني يعني مش عايزة أعرف تفاصيل....
وياريت الموضوع يكون ودي من غير محاكم... فاهمة طبعًا؟ أومأ ممدوح مردفًا بقبول: "تمام يا سيلين هانم... أنا هتواصل مع سلطان ونحل الموضوع بشكل ودي." اهتز داخلها بقوة من نطق اسمه. ما زال بداخلها ضعف تجاهه، حتى بعد خيانته، حتى بعد عذابه. تنهدت بعمق حتى تظهر الثبات مردفة: "تمام يا أستاذ ممدوح... اتفضل." وقف ممدوح ليغادر، بينما هي تتبعت خروجه، ثم انهارت واضعة رأسها بين يديها على المكتب. لا تريد عمل... لا تريد أموال...
لا تريد شركات... تريد استبدال كل هذا والحصول عليه فقط... سلطانها وكفى... هذا الذي لديه دفء والدها... هذا الذي يعاملها كالفراشة ويضمها كاحتضان الشمس للأرض... هذا الذي تزوجته ليومين فقط وكأنها تزوجته دهراً كاملاً. تريد سلطان الكاذب الحنون ولتعطيه الأموال ليستمر في كذبه عليها ولكن ليعود... ليعود ويأخذ ما يريد ويمدها بالقوة التي كانت عليها في حضوره. رفعت رأسها تنظر للأمام مردفة تعنف نفسها: "مش هينفع كده يا سيلين...
مش هينفع تكملي بالطريقة دي... لازم تنسيه يا سيلين... انسيه وكملي... هو محبكيش هو استغلك وبس." ظلت تقنع نفسها بهذا الكلام حتى تقوى وتستطيع التركيز على العمل. بينما في الخفاء يتم استغلال وضعها الذي تسرب بين أصحاب الشركات العملاقة لكي يوقع بها وباسم الحلواني. ***
مر شهر كامل. ساءت حالة سيلين نفسيًا وجسديًا. أهملت صحتها وباتت تهمل طعامها برغم محاولات وداد وعلية معها. بهتت ملامح وجهها الرقيق. كانت تذهب للعمل وتعود بدون حياة. أيقنت أنه أخذ حياتها معه. أيقنت أنه لم يكن محطة توقف بها قطار حياتها بل كان هو القضبان الحديدية. تلعن قلبها الذي تود لو أنها تخرجه وتكمل حياتها بدونه. ليت معها أحدًا يعينها على فراقه لكانت بخير وأقوى. ولكن ما يزيد ضعفها هو وحدتها، فلن يجد عقلها شيئًا آخر يفكر به إلا هو. للأسف تحبه بشدة لأن أفعاله الرجولية احتلت قلبها قبل خداعه.
أما سلطان، فلم يترك ثانية تمر إلا واستغلها جيدًا وأثبت كفاءته وصلابته في العمل. كسب ثقة جده وعمه وأخواته منذ اليوم الأول. حصل على فخر والدته مجددًا مما زاد حماسه للتقدم. وبرغم كل هذا إلا أن جانبه المخفي عن الأعين يصرخ باسمها. أنفاسه عبارة عن رائحتها. أفكاره عبارة عن حركاتها. نبضاته عبارة عن ضحكاتها. نعم أهانته. نعم هزت كرامته. ولكن ليس على قلبه سلطان! يعلم أنه سبب في ذلك. أحبها وماذا يفعل؟
سيعاقبها على إهانتها له بطريقته ويثبت لها ولجميع الحضور آنذاك أنه سلطان اسمًا وفعلًا. يعلم أنها فعلت هذا بسبب صدمتها ويعلم أنه حطم ثقتها به. ولكنه لن ينسى نظرات الجميع له. وخصوصًا نظرة والدته وذلك المدعو آدم. لن يتهاون معه أبدًا. طوال هذه المدة ومنيرة تلتزم غرفتها تجنبًا لروايح ومنعًا لحدوث أي مشكلة، فهي على علم مسبق بها. بينما الأخرى تثور وتغلي منذ مجيئهما وتفكر في طريقة للخلاص منهما.
في آخر النهار يجلس سلطان مع جده وعمه يتحدثون عن العمل. "براوة عليك يا ولدي... الأسبوع ده المكسب زين جوي ومضاعف عن سابق... ابن ابوك بصحيح.... علشان كده إني فتحتلك حساب باسمك وحطيت لك نصيبك فيه تقدر تصرفه كيف ما بدك." قال توفيق بسعادة وفخر. "صح يا بوي... سلطان وهو سلطان بصحيح... لو تشوفه يا بوي كيف بيشتغل تجول ده في المهنة بجاله سنين." أيد محمود. "متشكر جدًا يا جدي....
بس ممكن كمان نزود مكسبنا كمان عن كده يا جدي لو كان لينا شغلنا الخاص وبعدنا عن السماسرة." قال سلطان بهيبة وثبات كعادته. ضيق توفيق عينيه مردفًا بتساؤل واهتمام: "كيف يا ولدي؟ "بمعنى إن محاصيل الفواكه بتاعتنا مميزة وأنا شفت ده بنفسي... ف ليه مكسبها يروح معظمها لغيرنا! يعني ممكن نعمل لينا اسم ونصنع منتجاتنا بدل ما بنوردها للشركات عن طريق السماسرة." قال سلطان برتابة وغموض. نظر توفيق لمحمود بتعجب مردفًا بتساؤل: "وه وه...
يعني قصدك نعمل مصنع لينا! بس ده مش سهل يا ولدي... دي عايزة تخطيط ياما ودراسة جدوى ومحاميين وشغلانة." ابتسم سلطان وأردف بذكاء: "وممكن نعمل كده بطريقة تانية وسهلة كتير عن كده يا جدي." تعجب توفيق ومحمود أيضًا واردف بتساؤل: "فهمني كيف؟ أومأ سلطان مردفًا بحماس: "هقولك يا جدي... هقولك بفكر في إيه بس قبلها لازم أسأل كويس عن الموضوع ده... وكمان أنا عايز أتكلم معاك في موضوع مهم عمي محمود يعرفه.... بس أوعدني إنك تتقبل كلامي."
أومأ توفيق مترقبًا يردف بتساؤل: "خير يا سلطان؟ ... جول اللي عندك." *** في الصباح استيقظت سيلين على اتصال هاتفي من وداد. أجابت بكسل ونعاس: "أيوه يا وداد خير! "سيلين! أنت مشوفتيش الفيس بوك!؟ " قالت وداد بحدة. استفاقت سيلين تجلس منحنية على الفراش وتردف بتساؤل وتعجب: "لأ يا ود أنا لسه صاحية... فيه إيه على الفيس بوك لازم أشوفه؟ "فيه مصيبة يا سيلين...
للأسف فيه مصدر طلع إشاعة عن منتجات الشركة والعصائر المعلبة إنها منتهية الصلاحية وإن الفواكه المستخدمة في حالة تالفة وفيه فيديو متسرب من داخل مصنعنا اللي في العاشر وهو بيكشف للناس عن الفاكهة التالفة دي واكيد ده كله مكيدة مدبرة من حد قدر يستغل اللي حصل معاكي يا سيلين." قالت وداد بحسرة. صدمة اعتلت ملامحها وهي تقف منتفضة وتدور في الغرفة بتيه وحيرة مردفة: "ازاااي... ازاااي ده حصل...
المصنع ده تحت مسؤوليتي وأنا بباشر على منتجاته بنفسي... ازاااي الفواكه تالفة! ومين اللي عمل كده!؟ "معرفش يا سيلين... بس الدنيا مقلوبة والناس بتتكلم بطريقة وحشة أوي عنك." قالت وداد بحزن وحيرة.
أغلقت سيلين بحزن وفتحت هاتفها تتصفح الفيس بوك بيدٍ مرتعشة وقد شاهدت الإشاعات والمقالات الكاذبة في حقها، فقد أصبح الفيس بوك محطة رائدة للإشاعات ونشر الفتن، وها هي تصيب في مقتل، فهناك من استغل الوضع ويقول إن أطفاله قد ذهبوا إلى المشفى بعد تناولهم منتجات الشركة، وآخر يحكي إنه أصابه ألم شديد في معدته بعد تناوله علبة من منتجات الشركة، وغيرها من مصادر أشعلت الفتنة وزادت من حقد المتابعين عليها.
كانت تتابع بصدمة وهي تضع كفها على فمها بعجز وتهز رأسها. هل حدث ما كانت تخشاه! هل تلوث اسم عائلتها واسم والدها الذي كان يظهر عاليًا وسط جبابرة السوق! هل أسقطت ثروة والدها وهل تصيد لها الأعداء أخيرًا! كل هذا حدث بسببه... نعم... كانت قوية قبل معرفته... كانت صلبة ومتماسكة. كيف ستواجه الآن! هل يمكن أن يتخذ ضدها إجراء قانوني؟
عند هذه النقطة ولم تحتمل قررت تبديل ثيابها والذهاب للشركة لترى ما يمكن فعله. وأثناء ذلك اتصلت على محاميها الذي أجاب بحزن مردفًا: "أيوه يا سيلين هانم." "أستاذ ممدوح... أنا راحة الشركة... قابلني هناك لو سمحت." قالت بعجز وتشتت. بعد ساعة وصلت سيارة سيلين إلى مقر الشركة وقد رأت ما كانت تخشاه. فقد تجمع عدد ليس بالهين من الصحفيين أمام باب الشركة ينتظرانها لرمي التهم عليها دون شفقة أو رحمة.
ابتلعت لعابها بخوف وتوتر، وهي التي لم تتعرض لموقفٍ مشابهٍ طوال حياتها. "هنعمن إيه يا محمد؟ " قالت بحيرة لمحمد الحارس. "سيلين هانم... أنا هحاول أأمنك لحد ما تدخلي الشركة وإنتي حاولي متتكلميش معاهم خالص." أجاب محمد بمهارة. أومأت ونزل هو بحذر فتجمهر بعضهم حوله ولكنه أبعدهم ومر يفتح باب سيلين بصعوبة من بينهم، ولكنه أفسح مجالًا لها بمساعدة أصدقائه حتى مرت واختفت داخل الشركة وبقي الأمن يمنعهم خارجًا.
صعدت للأعلى بتوتر من أنظار الجميع ودلفت مكتبها، فوقفت وداد تتجه إليها وتحاول التخفيف عنها: "سيلين هانم... اهدى وأكيد فيه حل." هزت رأسها بعنف مردفة بخوف ورعب: "أهدى إزاي يا وداد! ده فيها حبس ليا... ده غير اسم بابا والشركة... ده مصنع من المصانع اللي تحت مسؤوليتي." تنهدت وداد بحزن وصمت لا تعرف ماذا تقول، فسيلين محقة تمامًا. دلفت مكتبها بعدما حضر الأستاذ ممدوح ودلف خلفها.
جلسا فأردفت سيلين بتساؤل: "الوضع إيه يا أستاذ ممدوح في المصيبة دي؟ شرد ممدوح يفكر ثم أردف: "المشكلة يا سيلين هانم إن مخزون الفاكهة الخاص بالمصنع كله تالف وده لأن التلاجات كلها اتعطلت بفعل فاعل ولما حاولنا ندقق الكاميرات لقيناها ممسوحة تمامًا وده بردو بفعل فاعل أكيد... وده حد خاين في المصنع عمل كده بأوامر من حد منافس استغل ثغرة لحضرتك ونفذ فورًا... لأنه أكيد كان بيخطط لده من زمان." نظرت له
بصدمة وعجز واردفت بتساؤل: "طيب والفواكه دي اتصنع منها منتجات فعلاً؟ هز رأسه يردف: "لأ طبعًا... لأن فيه عندنا مراقبة جودة على المنتجات... بس طبعًا الإشاعات طلعت بأن الفواكه الفاسدة دي بيتصنع منها المعلبات دايمًا." انقبض قلبها وقل تنفسها مردفة بعجز: "والعمل يا أستاذ ممدوح؟ أردف ممدوح عاجزًا أيضًا: "للأسف حاليًا صعب...
لأن أسهم الشركة انخفضت جدًا في البورصة من وقت ما ظهرت الإشاعات ومستحيل أي حد يقدم لنا دعم لأن أكيد فيه خسارة ليه... ده غير إن مافيش وقت نتعاقد مع أراضي محاصيل جديدة لأن الأغلبية محجوز... نظرت له بضعف وعجز مردفة: "يعني خلاص... مافيش حل! أنا كده ممكن أتسجن؟ هحاول أطلع في مؤتمر أو أتكلم مع الناس وأشرح الوضع... لازم ألاقي حل." أردف ممدوح بعد تفكير: "هو فيه حل بس شبه مستحيل." نظرت له ببريق
أمل أضاء داخلها مردفة: "اللي هو إيه؟ أردف ممدوح بترقب: "إننا نلاقي شريك لأسهمك... شريك جديد مالوش أسهم بحيث إنه ميخسرش وفي نفس الوقت يساندك... وكمان لو لقينا فواكه بديلة في أسرع وقت ممكن نبدلها قبل ما يصدر قرار بتفتيش المصنع." ضاع أملها مردفة بعجز وحزن: "هنلاقي ده إزاي يا أستاذ ممدوح في الوقت القصير ده... أنا خلاص... ضعت وضيعت كل حاجة... أنا السبب." حاول ممدوح تهدأتها مردفًا: "حاولي تتماسكي... وأكيد هنلاقي حل...
بس المشكلة في الوقت... يعني في كام ساعة بس الأسهم انخفضت ولو استمر الوضع على كده هنخسر كتير... علشان كده أنا هحاول أعمل لقاء صحفي تطلعي تتكلمي فيه." أومأت له بشرود وعجز أصابها، بينما وقف هو ليرى ما يمكن فعله. *** عند نبيل، الذي يجلس على مكتبه بأريحية، فالأمر لا يعنيه ومن ستهلك هي سيلين وليس هو. نعم سيفقد الكثير من الثروة ولكن يكفي أن تبتعد عنه هذه الفتاة التي لا يطيق حتى وجودها في نفس المكان. دلف عليه آدم مردفًا
بغضب: "أنت قاعد ومش همك كل اللي بيحصل ده؟ دي مصيبة." لف نبيل له ينظر ضاحكًا ويردف بهدوء: "ليه... وأنا مالي؟ المصنع خاص بسيلين وهي المسئولة عنه." "أوعى يكون أنت اللي عملتها!؟ " قال آدم بشك وتساؤل. "لأ طبعًا... مجاش في بالي الخطة دي... لأن فيها خسارة لينا إحنا كمان... بس ده حد تقيل قوي وكان مخنوق قوي منها... لأنه مسبش وراه دليل... ده غير إنه لعب لعبة ذكية قوي." رد نبيل بانزعاج.
جلس آدم يردف بتساؤل وترقب: "أكيد سيلين هتلاقي مخرج... مش معقول هتسيب الدنيا تنهار صح؟ ضحك نبيل مردفًا بشر: "توء... مفيش قدامها حل... هي خلاص بتغرق... وتقريبًا كلها أيام وتتسجن." انصدم آدم مردفًا بتعجب: "تتسجن! ازاي؟ لاء... مينفعش." "مينفعش! ليه؟ " نظر له آدم واردف بشرود وتوتر. "لأ... مفيش... أصلي استغربت يعني." قال آدم. دلف وليد مكتب عمه مقاطعًا إياهما يردف بغضب: "عمي الحق سيلين... أنت عرفت اللي حصل؟
نظر له نبيل بضجر مردفًا: "أهلاً بالاستاذ اللي مش سائل عن أي حاجة من زمان... خير؟ جلس وليد يردف بتوتر: "الدنيا مقلوبة ومصنع العاشر هيتقفل وسيلين ممكن تتسجن." ضحك نبيل مردفًا بتأكيد: "لأ مش ممكن... هي هتتسجن فعلًا... أنت زعلان ليه؟ نظر له وليد بصدمة واردف بصدق: "أيوه بس دي بنت عمنا... وبنت أخوك." غضب نبيل منه مردفًا بحدة وتعصب: "أنا ماليش أخوات غير أبوك... ومات... والبنت دي بالذات أنا مش معترف بيها...
ولا أنت ولا أختك ليكوا دعوة باللي بيحصل أحسن لكم... أنت فاهم." نظر له وليد بصمت ثم أومأ بضعف، فليس بيده شيء يفعله من أجلها، لقد أصبح سلبيًا بطريقة مضاعفة. *** دلت وداد على سيلين تردف بذعر وتلعثم: "سيلين أنت لازم تمشي بسرعة... الدنيا مقلوبة عليكي وفيه ناس جايين على هنا.. وبيقولوا إنك بتسممي أولادهم متعمدة ده... وده بسبب الإشاعات اللي ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي... فلازم تمشي حالاً."
نظرت لها سيلين برعب وهي تهز رأسها بعدم تصديق. أهكذا ستكون نهايتها وهي التي عرفت بالنزاهة والضمير طوال رحلتها المهنية مع والدها وحتى بمفردها. صرخت وداد مردفة: "يالا يا سيلين بسرررعة." وقفت سيلين لا تعلم أين تذهب وماذا تفعل. دلف محمد الحارس أيضًا يردف بعجلة: "سيلين هانم لازم نمشي بسرعة... فيه ناس اتجمعت تحت وعاملين شوشرة." وقفت تتطلع عليه مردفة بخوف حقيقي وحيرة: "طيب ممكن أتكلم معاهم!؟ أردفت وداد
بحدة وهي تدفعها للخارج: "تتكلمي مع مين... دول جايين وناويين أذية... يالا يا سيلين محمد هيطلعك من باب الطوارئ." مشت خلفهم سيلين بتخدر، وأمامها تمر مراحل عمرها المهني وبدأت تبكي، وقد زال الأمل واستحل مكانه الضعف والاستسلام. وصلت للباب الخلفي الخاص بالطوارئ، فاوقفها محمد مردفًا: "خليكي هنا لما أراقب الأوضاع." خرج محمد بحذر وعاد بعد قليل مردفًا بلغة آمرة: "يالا بسرعة." خرجت معه وظلت وداد مردفة
عندما رأت الخوف في عينيها: "متقلقيش... كله هيبقى تمام... وأنا هفضل هنا أغطي مكانك." نظرت لها بحزن ثم أومأت وغادرت خلف محمد الذي كان يراقب بحذر، إلى أن وصلت لسيارة سوداء تنتظرها في الخلف. فتح محمد الباب الخلفي واردف: "اركب يا هانم." تعجبت سيلين واردفت بتساؤل: "دي مش عربيتنا... عربية مين دي؟ نظر لها بتوتر واردف: "اركب يا هانم متقلقيش."
نظرت له قليلاً ثم ركبت في الخلف وأغلق الباب عليها وانطلقت السيارة بدونه مسرعة بعدما أوصدت أبوابها، على تلك التي صرخت مردفة عندما رأت رجلين في الأمام لم تتعرف على هويتهما: "انتوووو مين... واخدني على فييين؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!