الفصل 10 | من 38 فصل

رواية علاقات سامة الفصل العاشر 10 - بقلم سلوى فاضل

المشاهدات
27
كلمة
5,222
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

شعرت بغدر الدنيا التي تسلبها الحياة والأمان، تسلبها الأحباب واحدًا تلو الآخر، والدتها ثم أختها ثم صديقتها الوحيدة، حتى عندما أهدتها الفرح منعته عنها سريعًا، وأعطتها بدلًا منه معتقلًا بأسوارٍ شاهقة، ظلت على حالها حتى غابها النوم. استيقظت فجرًا صلت فرضها، ثم بدأت تكتب لسهى وتدون لها تفاصيل ما حدث، وتعتذر منها، وأخيرًا تودعها. الجواب

"سهى وحاشاني قوي، كان نفسي أترمي في حضنك زي كل مرة أتعب فيها، وأحكي لك اللي حصل، مش عارفة أقولك إيه! وأحكي لك إزاي اللي حصل لي! أنا تعبت قوي اتهانت واتذليت، شهاب جوزي وسجاني الجديد، طبعه صعب قوي، أصعب من بابا، عمل فيا كتير؛ بسبب اللي حصل آخر يوم في الجامعة، أصعب من الضرب مليون مرة، عقابه شديد وأصعب ما فيه إنه منعني عنك، تخيلي!!

حطني في سجن انفرادي، بعدني عن باقي أحبابي، سامحيني، أنا بحبك زي منال بالظبط، ومنعي عنك ده الموت بالنسبة لي، أنت كنتِ مأمني الأخير، آخر ملاذ ليا، آخر حد يخاف عليا، مش عارفة من غيرك أيامي هتكون إزاي!! مين يهون عليَّا مرها؟

ادعي لي يا سهى دايما، والله بعدي عنك صعب، أنا بقيت ميتة ماشية على رجلين، جسد بدون روح، حقيقي بقيت لعبة في إيده يحركها زي ما يحب، بقيت عروسة ماريونيت بجد، هو اللي بيتحكم فيا وتفاصيلي أبص فين، آكل إيه، أكلم مين، أنا خايفة من اللحظة الجاية مش من بكرة بس، الموت ليا راحة كبيرة، لكنها بعيدة عني، ادعيلي كل ما تفتكريني، لو شفتيه يا سهى قوليله يسامحني ويدعي لي، قوليله عمري ما أنساه، وإنه فرحتي الوحيدة."

كفكفت دموعها، ثم طوت الورقة وخبأتها بملابسها. استعدت لملاقاة شهابها الحارق في تمام موعده كما نبهها؛ لتتجنب العقاب. حين أتى احتَلَّ الصمت المشحون الأجواء حتى وصلا للجامعة. قبل بدء المحاضرة اقتربت سهى من طيف كما اعتادت، كادت أن تلقي السلام لولا تحرك طيف السريع وابتعادها، فاضت دموعها بصمت، تعجبت منها سهى واتسعت مقلتاها، لم تدرك سبب تصرفها بالبداية، ثم استنتجت أن شهاب هو السبب.

انتظرت طيف انتهاء المحاضرة، أسرعت تسبق تحرك سهى واستطاعت، جاورتها متحركة وسهى ما زالت تجمع أغراضها، ألقت الورق فوق كتبها دون لفت الانتباه؛ فالتقطه بسرعة كما لو كانت تعلم ما سيحدث، تم ذلك بتلقائية، وكأن هناك توارد فكري بينهما، حدسها أخبرها بوجود خطب جلل تجهله، أسرعت طيف مغادرة ومتوجهة إلى سجانها. بخطى مثقلة، دلفت إليه ووقفت أمامه. ترك ما بيده واعتدل بجلسته، نظر لها باستحقار ثم لساعة يده. تحدث وعلى وجهه علامات الشدة:

-المحاضرة خلصت من نص ساعة، كنت فين؟ ثبتت مكانها خشيت التحرك فيزيد غضبه؛ فملامحه عابسة قاتمة. تحدثت بتبرير: -المدرج كان زحمة قوي كنت بتحرك براحة، انتظرت الطريق يفضى، يا دوب المسافة هناك لهنا، والله! نظر إليها بتدقيق، يعلم صدقها ولكن يريد إرهابها، يعشق رجفة الخوف التي تتملكها. تركها على حالتها لعدة دقائق، شحبت ودق قلبها بعنف، عندها اكتفى. تحدث وهو ينظر للأوراق على مكتبه، يدعي العمل بها: -المحاضرة الجاية الساعة كام؟

-بعد نص ساعة تقريبا. -اقعدي. جلست أمامه تنتظر باقي حديثه. -المحاضرة في أي مدرج؟ -أربعة أ. -وريني المحاضرة اللي فاتت. فعلت تجهل مراده، بينما هو يؤكد لها تحكمه في كل ما يخصها، صغيره وكبيره، ووقوعها دومًا تحت منظاره وسطوته، لا خصوصية لها أبدًا. دقق بكل تفاصيل المحاضرة، طريقة كاتبتها، كم ما دونت، سألها ببعض ما كتبت، حاولت الإجابة فأخطأت، وضاعت حروفها، فضرب المكتب بيديه بعنف وصرخ بوجهها، فانتفضت ذعرًا:

-كنت قاعدة في المحاضرة بتعملي إيه لو مش عارفة تردي؟ عارفة لو في بيتي كنت عاملتك زي العيال الصغيرة. ازداد ارتجافها وشحوبها، حمدت الله أن زيجتهما لم تتم بعد، فتلميحه لها مخيف. وحاولت التبرير: -والله المادة دي صعبة! بفهم النص من المحاضرة والباقي من السكاشن والمذاكرة. -الجامعة للمحاضرات، مش لمقابلة العشاق والأصحاب، مش نادي هي، شوفتي صاحبتك؟

نظر إليها بتدقيق غاضب رافق سؤاله الأخير، بالرغم من إنه راقبها وشاهد ما حدث منتشيًا وسعد بعلامات الصدمة بوجهها، إلا أنه يؤكد لها مرارًا صغرها أمامه يحجمها، فلا إرادة لها، تابعة فقط تنفذ ما يملى عليها وإلا رأت العذاب. أصاب هدفه بجدارة؛ شعرت بالخزي لتلميحه لما بدر منها سابقًا، ومن سخريته من علاقتها بصديقتها، أجابته تنكر وتنفي ما رغبت به بشدة واحترقت شوقًا لفعله: -والله ما اتكلمناش! حتى لما جت تسلم عليا مشيت بسرعة.

أغلق كشكول المحاضرات والقاه أمامها: -قومي روحي المحاضرة، دي آخر واحدة؟ -لأ، لسه في محاضرة كمان بعدها وسكشن. -بعد كل واحدة تيجي هنا، تقعدي نفس القعدة دي، وأياكِ تسرحي في المحاضرة، اتحركِ. تحركت ودموعها تغزو وجهها، تتساءل متى ستنتهي معاناتها أو حياتها؟!

مر اليوم وغيره من الأيام بنفس التسلسل، تذبل روحها كل يومٍ عن سابقه، تحاول الاعتياد على حياتها التي أصبحت أكثر قتامة، وكلما شعرت بالاختناق من معاملة شهاب، وقفت بين يدي الله تشكو وتتضرع، تدعوه وترجوه أن يرفع عنها معاناتها. لم يستطع سامح تحمل الحياة بدون تعنيف ابنتيه، فكيف سيخرج غضبه من يومه ومن مديره بالعمل؟! أينعم ارتاح من غمز ولمز زوجته سهام، لكنه أرهق من كتمان غضبه وعدم التنفيس عنه.

عشرة أيام كاملة مرت، لم يقرب ابنتيه بسوء اكتفى خلالهم بالصراخ عليهما، فاض به، فلم يجد مفرًا من إخراج غضبه بأي منهما كما اعتاد. عاد من العمل فرز المكان بعينيه، بحث عنهما، وجدهما تتحدثان بعفوية عن يومهما الدراسي، وعن إحدى دعابات صديقتها. لم يكن هناك غرابة بحوارهما أو ما يدعو للغضب، مجرد دعابات بسيطة بريئة كعمرهما. ودون مقدمات شعرتا وكأنهما تطيران بالهواء كالريشة بمهب الريح، صراخ والديهما يصم الآذان، يركلهما ويصفعهما،

ثم وقف يصرخ بهما: -رايحين المدرسة تتعلموا ولا تتسرمحوا وتهزروا، أنا هربيكم عشان تاني مرة تركزوا في دروسكم. ارتسم الرعب بحروفهما، حاولتا دفع الخطأ عنهما، فتحدثت شيماء تبرر ونادية تنفي: -والله يا بابا ده كان في الفسحة! -أنا ما عملتش حاجة، والله! هي حكت اللي حصل بس. -فين العصاية؟ -لا، بالله يا بابا، حرمنا والله! -كل واحدة فيكم ٢٠ عصاية. -مش هنعمل كده تاني، مش هنتكلم في حاجة تاني، خلاص، والله! -كلمة كمان يبقوا ٣٠.

تحرك يجلب العصا تركهما يبكيا ويرتجفا خوفًا، ثم عاد فخورًا بنفسه وبهالته العائدة، أوقفهما أمامه وبدأ رحلة العزف على يديهما، وكلاهما ترجو وتعتذر، ولكل منهما معزوفة مختلفة صوت التقاء العصا بيدها، سلسلة ألمها ورجائها حتى اعتذارهما مختلف. أنهى معزوفيتيه، أخرج فيهما غضب الفترة الماضية كلها. عادت سهام من الخارج استنتجت من حالتهم ما حدث، فتحدثت ساخرة ومتعجبة منه: -ما قدرتش تستحمل عشرة أيام من غير ما تضربهم؟!

طاب الفلوس اللي بتاخدها ما أثرتش فيك ومنعتك؟! -هي الهانم كانت فين كده من غير ما تقول! -لاا، أنا مش العيال، عشان أكش وأخاف، تقدر تقولي هتقول لبابا إيه دلوقتي!! يكون في علمك لو أخد منك الفلوس وفوقهم مرتبك أنا ماليش فيه، ومش هديك جنيه من فلوسي. -هيعرف منين إن شاء الله! -من بناتك مثلًا، النهاردة الأربع وهما رايحين بكرة على بيات، وعايزة أقول لك إني هناك مش بشوفهم، طول الوقت بابا ملازمهم، مش بيسيبهم معايا لوحدهم أبدًا.

تابعت كل من شيماء ونادية حديثهما الدائر، صدمت شيماء لعدم اهتمام والدتها بهما فقط تهتم بالمادة، بينما نادية لم تندهش حتى ولم تكترث. وعند جملة سهام الأخيرة، نظر سامح لهما بتحفز: -والله العظيم! اللي تفتح بؤها بكلمة واحدة هي حرة! ارتجفتا من هيئته وأومأتا موافقتين. مر اليوم بكوابيسه، وأتى صباح محمل برياح خماسينية، فوجئ سامح بالحاج محمد حماه ينتظره بنهاية دوامه بالعمل وعلى وجهه علامات الغضب.

أقنع سامح نفسه بأنها صدفة غير حميدة، لكن كلمات الجد أيقظته على صدمة حقيقة: -ازيك يا حاج، جاي بنفسك لحد شغلي كمان، كنت كلمني في التليفون أجي لك مع البنات بالليل. أجابه بحدة غاضبة متزايدة: -جيت لك قبل ما أشوف البنات، عشان ما تفكرش واحدة منهم اللي اشتكت، وعشان تتأكد إني متابعكم فعلًا، مش كلام، تحب العصاية اللي فرحان بها دي تتكسر عليك! لو فاكر ده كلام والسلام، استخدمها تاني كده، وشوف اللي هيحصل!

أنهى كلماته وعلامات التحذير والوعيد تعلو وجهه بتحفز، شحب سامح ودار بخلده سؤال واحد، هل سيمنع عنه المال؟! لم يكد يستمتع به، فاق من شروده على حديث حماه: -أول وآخر إنذار لك يا سامح، إياك تمد إيدك عليهم! فاهم. رحل كما أتى، بقي سامح محله يميز غيظًا، لا يدرى كيف علم الجد؟! يفكر طوال طريق عودته وبتساؤل: كيف علم؟ بالبيت جلس يوزع نظرات متفحصة للجميع، رأى بأعين ابنتيه خوف وذعر، وبأعين زوجته استفهام وتعجب أفصحت عنهما: -مالك!

عامل كده ليه؟ -يعني مش عارفة! -أعرف منين؟ وأيه؟ كنت معاك ومش واخدة بالي! -كلمتي أبوكِ النهاردة؟ نظرت له بتدقيق، ثم ضحكت فأثارت عجب ابنتيها: -مش سهل الحاج، بيتحرى عننا بجد. مش أنت اللي عرفتيه؟ يبقى عيلة منهم. مفيش واحدة منهم تقدر تكسر كلمتك؛ لأنك هتكسر دماغها، ومش هيفكروا كده، لكن بابا جد في اللي قاله، عارف إنك مش هتتحمل؛ فمتابعك، اهدى كده بدل ما تخسر الفلوس اللي بيبعتها لك عشان خاطر عيونهم.

طالعها بصمت يوقن حقيقة قولها، لن يتحمل الحرمان من أموال الجد. كاد أن يتحدث ولكنها أكملت وهي تتحرك لتضع الطعام على المائدة: -كلنا مستفيدين يا سامح، أنا وأنت والعيال، كل واحد فينا مبسوط وراضي، فبلاش تضيع على نفسك الفرصة؛ لأني مش هفرط في اللي وصلت له، وبابا مش ناوي يسيب البنات، هتكون الخسران الوحيد. لازم الصمت؛ للمرة الثانية تضع أمامه الحقيقة صريحة.

دلف غرفته يختلي بنفسه فترة، ثم خرج ليتناول معهن الطعام، ثم يغادروا متجهين لبيت حماه، هناك جلس مع الجد منفردًا، تحدث مدافعًا عن نفسه: -أنا كنت مضغوط، وكلام البنات استفزني، غلطوا، بقلل ضربهم بالتدريج عشان لو لقوني تراجعت فجأة ومش بحاسبهم عيارهم يفلت، دول بنات لازم نحافظ عليهم يا حاج. -والحفاظ عليهم بالضرب! فاكر أنهم كده مش هيغلطوا!

بالعكس ده هو اللي يجيب الغلط لحد عندنا، هيجي عليهم وقت وينفجروا في وشنا، هعمل نفسي مصدق خوفك عليهم، بص يا سامح، ما تمدش إيدك عليهم ولو واحدة غلطت، أنا أحاسبها وأفهمها الغلط فين، وليه؟ لكن طريقتك دي مرفوضة، ومش هاسمح بده تاني، وكده كلامي معاك خلص. بالطبع لم يغير سامح مفهومه، ولم يكن ضربهما للتقويم، بل هدف من حديثه الحفاظ على تدفق أموال الحاج محمد، مصدر راحته. وفي المساء جلس الجد مع حفيدتاه، يتابعوا التلفاز. وبعد

فترة تحدثت نادية متسائلة: -جدو، هي خالتو ماتت إزاي؟ كانت تعبانة؟ ارتسم الحزن على وجهه، وامتلأت بنبرته بالحنين والاشتياق: -الموت مش لازم نتيجة المرض، يا نادية، له أسباب كتير سببها الرئيسي انتهاء الأجل، أنت عارفة أنا اللي سميتك على اسمها، عايزك تبقي شبهها في شخصيتها. -بجد يا جدوا، أحكي لي عنها، أنا مش فاكراها خالص. ردت شيماء بطفولة: -يا سلام يا جدو يعني سميت نادية على اسم خالتو وأنا لأ. ضحك الجد بصفاء:

-عشان الكبيرة أول حفيدة ليا، فسمتها على اسم الغالية، هي أمكم ماحكتش عنها قدامكم. ردت نادية بتلقائية وثقة بأن الجد لن يخون ثقتهم به، وأنه درعهم الواقي. -ماما مش بتقعد تتكلم معانا، ولو مرة قعدت تشكي وتحكي مشاكل. -تعالوا معايا أوضة جدو، نقعد على السرير، أحكيلكم كل حاجة، وقبل ما ندخل أجيب لكم لبن والقرفة بتاعتي عشان نتكلم ونحكي بمزاج. أجابتا بحماس وعلى وجهيهما ابتسامة سعيدة لا تشرق سوى معه: -أحلى جدو في الدنيا.

بغرفته جلستا على الفراش أمامه، بدأ يحكي ويقص لهما عن فقيدته: -كانت الكبيرة زيك يا نادية، كانت شاطرة في الدراسة، طول عمرها نفسها تبقي مرشدة سياحية، تحب التاريخ والآثار، كانت الأقرب لقلبي، مش بفضلها عن أمكم، والله!

لكن حماسها وتحديدها لهدفها ومستقبلها كان عاجبني جدًا، خصوصًا أنها بتسعى لتحقيق حلمها. أمكم كان مستواها الدراسي مش قد كده وأنا كنت عارف إن دي طاقتها، كنت بجيب لها مدرسين يساعدوها، وهي فهمت اهتمامي بها ضيق من مستواها، كلمتها وحاولت أفهمها كتير بدون فايدة، المهم ما أخدتش بالي، قولت لما تكبر تفهم ودي كانت غلطتي، مع الوقت بقت تغير من اختها. كبرت نادية وقدرت تدخل كلية الآثار، كانت متفوقة؛ فاشتغلت على طول في شركة سياحة مشهورة، للأسف وقتها الإرهاب كان منتشر ويضرب في السياح والسياحة، في مرة طلعت رحلة مع فوج سياحي الأقصر..

سقطت دموعه: -قلبي كان مقبوض ما كنتش عايزها تسافر، ردت عليَّا يومها بابتسامة وقالت لي «ما تقلقش يا حاج العمر واحد والرب واحد، والمكتوب هنشوفه في أي مكان». هي كمان قلبها كان حاسس، حضنتني يومها وكأنها عارفة إنه الحضن الأخير، كانت آخر مرة أشوفها، بعدها شوفتها في كفنها وشها كان منور الانفجار حدفها بعيد حصل لها كسور كتير قوي في جسمها بس ربنا حفظه من النار ومن..

بكى وكأنه يراها الآن، شاركتاه الفتاتان البكاء اقتربتا منه حاوطتاه تربتان على كتفه برثاء. تحدثت نادية بدموع: -آسفة أني فكرتك. سيطر على حالته وتوقف عن البكاء: -عمري ما نسيتها، هي بس وحشتني قوي عشر سنين مروا، بشوفها في الصور كل ما توحشني قوي. -إيه رأيك أدخل كلية الآثار أنا كمان وأبقى زيها؟!

-لا يا حبيبتي خليكِ اللي انت عايزاه، مش أي حد تاني، وأنت كمان يا شيماء شوفوا مصلحتكم فين واعملوها بدون ما تضروا حد، خليكم دايمًا عارفين إن ربنا مطلع على القلوب خليها حافظوا على نقائها كل حركة أو فعل تكون في الصح وترضي ربنا. سألت شيماء ببراءة: -ولو غلطنا واحنا مش عارفين يا جدوا، وبعد كده عرفنا، نعمل إيه؟

هو لما بابا بيضربنا على الغلط كده ربنا مش بيدينا سيئات يعني ربنا بيسامحنا عشان اتضربنا واتعاقبنا، هو ربنا اللي قال نضرب كده، أصل بابا بيضربنا جامد قوي وكثير. تنهد الجد بإرهاق: -لا يا حبيبتي، أبوكم بس فاهم غلط، ربنا يسامح يا شيماء لما نتوب عن الغلط، يعني غلطتي وتوبتي ودعيت ربنا؛ فربنا يغفر لك غلطتك. ابتسم الجد وسأل نفسه: -يعني إيه يا جدوا؟ ابتسمت شيماء، كادت طرح نفس السؤال، تبادلا البسمات واسترسل:

-يعني ربنا يمسح السيئات اللي كتبها ويكتب مكانها حسنات، عشان سبتي الغلط وغرضك رضاه فهمتي. أومأت باسمة، فتابع حديثه: -أنا عارف إن أبوكم ضربكم تاني. نظرتا إليه بأعين متسعة وخوف: -وكلمته قبل ما تيجوا عشان يتأكد أني ما عرفتش منكم، ووعد ده مش هيتكرر تاني، بس أنتم عارفين، أنا نفسي يعمل كده. تابعهما بعينيه، ورأى نظراتهما التي حزنت من قوله عاتبته شيماء والتزمت نادية الصمت: -كده يا جدوا؟! أنا زعلانة منك.

ارتسمت على وجهه بسمة حزينة طالع لنادية متسائلًا: -وأنت يا نادية ساكتة ليه؟ مش زعلانة! رمقته بحزن ولم تتحدث، فاسترسل: -ما تزعلوش، أنا مش قصدي اللي فهمتوه، بس دي آخر فرصة له، لو أذاكم تاني هتيجوا تعيشوا معايا هنا، عشان كده نفسي يغلط مرة؛ فآخذكم وبالي مرتاح، لأني صعب أحكم عليه بحرمانه منكم، وأنا عارف يعني إيه الحرمان من الضنى، بس عندكم حق مش المفروض أتمنى كده لأنكم اللي هتدفعوا التمن، حقكم عليَّا.

ارتمتا بين أحضانه، فضمهما بسعادة، وتحدثت نادية: -لا يا جدوا، لو كده أنا مستعدة أتحمل عادي مرة كمان وتعدي وأفضل معاك دايما. -أنا كمان يا جدوا، دي تبقى أحلى مرة اتضرب فيها. غص قلبه، لا يعي كيف لأب أن يصل لابنتيه لتمني فراقه؟! كيف له أن يتخلى عنهما بتلك القسوة؟! احتضنهما بحنان، وهما كلاهما تخفي وجهها بصدره:

-عايزكم يا بنات إيد واحدة، مفيش واحدة منكم تيجي على أختها أو تبعد عنها، حبوا بعض خليكم سند لبعض، أوعوا تغيروا أو تطمعوا، اعرفوا إن ربنا مطلع على قلوبكم حافظوا عليها من تراب الدنيا، ولو جه عليكم وقت وبعدتم، ارجعوا تاني، نادية أنت الكبيرة، اعتبري دي وصيتي لكِ دايما نفذيها، أنت أقوى من شيماء، خليكِ سند لها دايما، ما تخبيش مشاعرك عنها، هي حاسة بيكِ من غير ما تتكلمي.

ابتسمت نادية، فجدها يعلم ما بداخلها ورفعت شيماء وجهها ليقابل وجه جدها وتحدثت بتلقائية: -نادية طيبة، دايما تقولي أعمل إيه عشان ما أضربش، ماما مش بتقول لي حاجة، ولو اتضربت وايدي وجعتني، بتقولي أحطها تحت المية عشان مش توجعني، الأول كنت بفتكرها مش عايزاني ألعب، ولما سمعت كلامها مش بقيت أتضرب كتير لحد ما جه جدوا البطل، وخلى بابا يبطل يضربنا. اتسعت ابتسامة نادية وتحدث الجد:

-عارفين يا بنات ربنا سبحانه وتعالى ميز كل واحد بحاجة، ولو كل واحد عرف ميزته فين، هيرتاح ويحمد ربنا عليها. -يعني أنا يا جدوا عندي ميزة، أصل بابا بيقول عليا فاشلة. -لا يا مشمش، أنت عندك ميزة كبيرة قوي. -بجد يا جدوا، أنا!!! تعالت ضحكته وأجابها: -عندك قلب كبير يا حبيبت جدو، قلبك صافي بتسامحي، حضنك دافي وجميل، وأنت يا نادية شخصيتك قوية، محددة هدفك، تقدري تساعدي نفسك واللي حواليكِ كمان.

سعدت نادية تمنت أن تشبه والدتها الجد في طيبته وصفاء قلبه. مر المساء سعيدًا عليهم جميعا. بيئته الجديدة ذات تربة خصبة قوَّت نبتته الصغيرة، وتحسنت حالته النفسية وأصبح أكثر هدوءًا وراحة. لا ينكر شعوره ببعض الاشتياق لوالديه بعد فترة من انتقاله، ودار داخله تساؤل أرهقه وعذبه: ألم يشتاقا إليه؟ لمَ لم يحاولا مهاتفته أو زيارته؟ فقرر سؤال جده عنهما. جلس رومي على الأريكة جانب جده بعد أن تناولوا طعام الغداء، طالعه إليه بتوتر،

فسأله جده باهتمام: -مالك يا رامي؟ في حاجة مضايقاك! اخفض رأسه لا يقوى على النظر إليه يخشى إجابته: -ماما وبابا وحشوني قوي، محدش منهم اتصل يسأل عليا أو حتى جه من سفره؟ لن يستطيع إخباره الحقيقة لا يزال صغيرًا على الخذلان يكفي ما مر به، حاول تحسين صورة والديه ولو بالكذب؛ فليسامحه الله الذي يدرك حسن مقصده: -اتصلوا طبعًا، أنا ما رديتش أخليك تكلمهم عشان يحسوا بغلطهم، ويفوقوا.

-وحشوني قوي، صحيح كنت بشوفهم بالصدفة، لكن في النهاية بشوفهم كل يوم ولو وقت الغدا بس، يكلموني ولو سؤال وخلاص، ممكن لو اتصلوا بجد تخليني أكلمهم. نظر إليه الجد يحاول أن يستشف هل أدرك حفيده الحقيقة أم لا؟ فأكمل رامي: -لو اتصلوا وأنت رفضت هكلموني على الموبيل، لكن هما ما اتصلوش، لو كلموك فعلًا قولهم إنهم وحشوني. التقت الأعين تفيض بالحزن والرثاء لزهرة تتوق للحنان الأبوي. نهض رامي متجهًا لغرفته وترك جده حزينًا من أجله.

أقبلت الجدة شهيرة متسائلة: -في إيه محمود! مالك؟ -مش عارف ولادنا هيفوقوا إمتى؟ خايف على رامي، حتى وهم بعيد الولد تعبان. -وحشوه! عارف مشيرة وحشتني قوي، كنت بشوفها لما تطلب مني فلوس، يا إما أتصل بها تيجي، مخصماني من يوم ما اتجوزنا. -أول مرة تقولي الموضوع ده، زعلت ليه؟ عملتي حاجة حرام ولا غلط، ما هو كله عشان خاطر ابنها، وحتى لو كان عشانك، ده حقك وشرع ربنا. -أنت غير ابنك يا محمود، إزاي وحيدك وطلع مختلف عنك كده؟

عاد الحزن يسكن معالمه: -ماهر جواه الخير، أنا ربيته عليه، من زمان بيحلم بالشهرة، مش عيب، لكن العيب الطريقة اللي استخدمها، أنا لحد اللحظة دي مش متخيل اللي رامي شافه، إزاي وصل للمستوى ده؟ وبقي كده! -ما تلومش نفسك، ده اختياره، استسهل، ما حبش يتعب، بس إن شاء الله يفوق! عشان خاطرك، الفترة الصغيرة اللي عيشتها في بيتك، رفعت قدرك عندي وزادت احترامي لك. ابتسم لها بود:

-طيب ادخلي لحفيدك طيبي خاطره، وبعدين اعملي لنا كوبايتين شاي نشربهم في البلكونة الشمس بره هادية وجميلة، هانتظرك جوه. بادلته الابتسام دلفت لحفيدها تحدثت معه حتى رسمت البسمة على وجهه ضمته لها بحنان، ثم لحقت الجد. الرتابة لا تزال تحاوط حسن، لا جديد، فقط يذاكر، صمت بالبيت وخارجه، لا أصدقاء له.

طيف كما هي، تتابعها سهى عن بعد ولم تحاول الاقتراب منها، تخشى عليها من بطش شهاب، وتبحث عن ذلك الضابط؛ لعله طوق نجاة طيف، لكنه اختفى ولم يعاود الظهور. تحتفظ بجواب طيف يرافقها بكل خطوة لعلها تحتاجه، تعاود قراءته من حين لآخر وتشفق على صديقتها بكل مرة، تتمنى لها صلاح الحال، وأن ينجدها الله من بؤس حياتها.

مر الوقت، وتوالت الأيام سريعا وكل على حاله، تحاول طيف عدم إغضاب شهاب واتباع تعليماته، وهو يدرك ذلك بنشوة، يزيد قيودها بالتدريج ويحكمها عليها، يمنعها عن الذهاب إلى الجامعة دون سبب، أصبحت كثيرة التغيب. حلت امتحانات نهاية الترم والعام الدراسي، سعد الجميع مع نهايتها، إلا طيف التي ترتعد خوفًا؛ لاقتراب إتمام زواجها وبقائها مع شهاب ببيت واحد.

لا تزال سهى تبحث عن ذلك الضابط ولم تمل، اتصلت بطيف مرات عدة بعد نهاية الامتحانات دون أن تفصح عن اسمها لعلها تجيبها بإحداها، وبكل مرة تقابل بالفشل. تم إتمام زواج طيف بحفل متوسط يضم الأقارب فقط، فوجئت حينها بانفصال والدي شهاب منذ زمن، وزواج والده بأخرى، تشعر ببغضه لها، يوجه لها نظرات قاتمة مبهمة، تشبه نظرات زوجها.

أعلنت الجامعة عن نتيجة الامتحانات، وتقديرات طلابها، ذهبت سهى للجامعة بأمل مقابلة طيف، وذهب أملها سدى ولم تجدها، أيقنت أن شهاب منعها عن الحضور. دب الأمل بقلبها عندما وجدت الضابط هناك، أسرعت خلفه لتلحقه، تنادي عليه وهي لا تعلم بما تلقبه: -لو سمحت، لو سمحت، يا أستاذ، يا حضرت الظابط لو سمحت. التف إليها أخيرًا، لم يتذكرها وتعجب من حالها، لكنه بحالة مزاجية سيئة؛ فلم تبدر منه أي كلمة. وقفت أمامه تلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة:

-مش فاكرني؟ أنا سهى صاحبة طيف. تبدل العجب بالحزن، واستمر على صمته دون تعقيب؛ فاسترسلت: -طيف في أزمة، أنا مش عارفة المفروض تعرف ولا لأ؟ لكن احتمال تكون آخر أمل لها، طيف مغصوبة على كل حاجة في حياتها، حتى جوازها غصب، هي في جحيم. كاد يرحل، فلا فائدة للحديث، فوقفت أمامه تمنع رحيله، أخرجت خطاب طيف ومدته إليه:

-أنا عارفة إن كلامي متأخر وممكن ما تصدقش، ده جواب كتبته ليَّا عشان جوزها منعها عني، عايزها وحيدة ومعزولة عن الناس؛ عشان يتحكم فيها، طيف ملهاش حد يدافع عنها باباها مش حابب وجودها، اقرأه وبعدها مش هكلمك تاني في أي حاجة، لأني ببساطة مش هشوفك تاني. التقطه منها، قرأ ما فيه، سكنت الصدمة روحه، أدرك سبب حزنها الذي يسكن معالمها وكلماتها، حديثها مع صديقتها بأول لقاء، شرد لا يعلم كيف يمد لها يد العون، توقف عقله عن التفكير.

حالته تلك أسعدت سهى فهناك أمل أن تجد صديقتها مَن يساعدها، هتفت بأمل متسائلة تتأكد مما شعرت: -صدقتني؟ -هي عاملة إيه؟ وعملها إيه يومها؟ -للأسف ما عنديش أي إجابة، زي ما قرأت منعها عني، كنت بتابعها لما كانت تيجي الجامعة بطمن من بعيد، وحتى دي كان عامل حسابها وغيبها كتير، وبالنهاية امتحنا ولما اتصلت عشان أطمن عليها باباها قال لي اتجوزت، حتى النتيجة ما جاتش تشوفها، هي حاسة أنها في سجن، مش عارفة ممكن تساعدها أو لأ؟

ولا حتى إزاي، بس أنت آخر أمل لها، كلامها في الآخر عليك. -بجد! تقصدني أنا، هي.. هي.. طيب سكتت ليه؟ ليه لما كلمتها ما فهمتش؟ تنهد بيأس: -عايز أحتفظ بالجواب، هتضايقي؟ -أكيد لأ، أنا باجي به عشانك، يمكن تقدر تساعدها في يوم! هي ما فهمتش لأنها ما تخيلتش أنك ممكن تبادلها إحساسها، والحقيقة أنا كمان كنت مستبعدة ده، وقولتلها كده، حياتها صعبة خوفت تتعلق بأمل كداب، هو أنت تقدر تساعدها فعلا؟

نظر لها بشرود؛ فهو لا يعلم إن كان يستطيع مساعدتها أم لا؟ أعاد نظره للجواب ووضعه بجيبه ورحل بصمت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...