تبكي وتنتحب، تضع يدها على فمها، تكتم شهقاتها، تمنعها من الخروج، غفلت أنها بمكان جديد، تجلس به كصدقة مقنعة. تتذكر مع كل دمعة ما مر عليها بسنوات عمرها الماضية، خمسة وثلاثون عاما، يزداد ألمها مع شهقاتها، التي ثارت وبدأت في التحرر، وهي كما اعتادت تحاول إجبارها على الكتمان؛ خشية أن يسمعها هو. ثم تذكرت أنه ألقاها بعد كل ما تحملت، سنوات مرت وهي مقهورة سجيـنة، سجن أبدي، سجينة مجبرة باختيارها.
بداخل غرفة مكتبه يدور حول نفسه، يأكله الخوف عليها، يود أن يهاتفها ولا يستطيع، هو أكيد من انهيارها، يشعر بعجزه وتقيده، وجدها بعد كل تلك الأعوام التي ترقب فيها مجرد العثور على طيفها، أعوام تمنى فيها لو يشعر بقربها، أن يرتوي بالنظر لبسمتها أو حتى ظمأ عبوسها؛ ليجدها بعد صبر أنهكه وارهق فؤاده بأصعب أحوالها. يراها تستحق ما هو أفضل، أفضل بكثير.
يجالسه صديقه ورفيق دربه منذ الجامعة "طارق"، هما متشابها الطباع كما البنية الجسدية؛ اعتادا ممارسة رياضاتهما معًا منذ الجامعة، تخرجا معًا في كلية الشرطة، منذ أن التقيا تآلفا وأصبحا صديقين مقربين. تابعه طارق بصمت، وعندما طال الوقت ولم يهدأ مؤنس قطع الصمت بحديثه. "اقعد بقي، رايح جاي من بدري، حصل إيه لكل ده؟ عايز أفهم." أجاب بعصبية وتوتر. "أنا اللي مش عارف أنت جايب الهدوء والبرود ده منين!
"أنت اللي تاعب نفسك، حالتها اللي بتحكيها طبيعية جدًا، واحدة عاشت مع جوزها أكتر من ١٣ سنة، وفي الأخر بهدلها واتجوز عليها وبقت في الشارع، متوقع تعمل إيه لازم تنهار حقها يا سيدنا، سيبها تاخد وقتها وتفوق على مهلها، أنت عملت اللي عليك وزيادة، فوق لنفسك، ولمراتك اللي سايبها غضبانة." نظر له باختناق من الوضع بالكامل. "أنت مش فاهم حاجة." "خلاص فهمني." "مش وقته، ومش قادر." "يبقى وحد الله وتعالى نشوف شغلنا."
امتثل له مضطرًا يحاول جاهدًا التركيز، وبالحقيقة شرد يتذكر الماضي. تقف فتاة محجبة ذات وجه أبيض صافي خالي من مساحيق التجميل، تبدو في منتصف عقدها الثالث بغرفة الطبيب غير المتواجد. بيدها تلك الورقة تنظر إليها بعدم تصديق، على وجهها علامات الذهول والصدمة، أعينها متسعة، تفيض بالدموع، تقرأ تلك الورقة بالكاد تجمع حروفها، لا تستوعب معنى الكلمات. (عزيزتي أو زوجتي:
طبعًا منتظرة تعرفي المفاجأة اللي قولت عليها امبارح، هي ليا أكيد سارة، بس ليكي الله أعلم!
أو بصراحة ما اعتقدش، أنا دلوقت في الطيارة، جالي عقد عمل، أو بمعنى أدق لقيته بعد عذاب، المهم واللي يخصك، أنتِ بالنسبة لي رهان، رهان مع نفسي، آه والله زي ما بقول لك كده، قولت أصاحبك ولقيته مستحيل، كنتِ عاجباني قوي، قولت لنفسي كتير تغور، البنات كتير، لكن أنتِ مختلفة، لكِ بريق خاص، وعشان أرضي غروري خطبتك وعيشتك الوهم، والحقيقة قضيت يومين حلوين في قصة حب مزيفة من ناحيتي، وحقيقية من ناحيتك، أو بتحاولي تخليها حقيقة، لأن
عيشتك غَم؛ فشوفتي إني الفارس المغوار، والحقيقة غير كده، أنا حاولت أقضي معاكِ يومين شهر عسل بعد كتب الكتاب؛ لكن أنتِ للأسف رفضتي واصرتي يكون بعد الزفاف واللي أنا كنت عارف إنه مش هيحصل، ونفدتي مع إني كنت هموت وأشوف تفاصيلك، بالمناسبة السعيدة دي، أنتِ طالق، وورقتك هتوصلك قريب قوي، لأني مطلقك رسمي من يومين.)
انتهت من قراءة تلك الورقة وأصبحت بعالم آخر، تخطو بلا روح، خطوات ميتة، لا ترى أمامها، تسأل نفسها دون إجابة، تُرى ماذا فعلت لتستحق هذا؟! أي ذنب اقترفته لتستحق هذا العقاب! كان هناك من يتابعها بشفقة، يعلم من البداية نوايا الآخر الخبيثة، يعترف بخزي إنه لم يحاول قط تنبيهها، سأل نفسه، أيلومهما الآن لتركها تغوص بتلك الأكاذيب الخادعة؟! أم يلوم نفسه؟
نظر إليها بشفقة، فوجدها تتحرك بوهن، تحاول استيعاب ما حدث ووضعها الحالي، مطلقة قبل زفافها بشهر واحد، كارثة، ووالدها، وآه من والدها، تدور برأسها مئات السيناريوهات لما ينتظرها. خطوات بسيطة -لا تعلم كيف خطتها -ثم هوت بانهيار فاقدة الوعي، أسرع إليها من يتابعها فأدركها قبل الارتطام، حملها كالورقة بين يديه، أخذها واتجه بها لقسم الطوارئ ليسعفها.
أخذ الورقة قرأ ما بها، سب نفسه، جلدها دون رأفة، شعر وكأنه شارك الآخر في دناءته، أعانه بصمته لتلويث فتاة صافية صانت نفسها وسط مجتمع استباح حرمة نصفه الآخر، احتفظ بالورقة معه؛ كي لا تقع في يد آخرين، فقط حتى تستعيد وعيها. لكن ما هي إلا دقائق وذاع بالمشفى خبر طلاقها، تداول الجميع الخبر، ولا بأس من بعض الإضافات، البعض خاض في شرفها، والبعض لام الطبيب الزوج، والبعض تساءل عن سبب الطلاق؟ أعيب بها؟ أم به؟
بعد فترة من الوقت فتحت عينيها، تتطلع حولها تتأكد هل ما حدث حقيقة أم كابوس مزعج؟ نظرات من حولها أكدت لها أنه واقع مؤلم، ولكن كيف؟ كان معها بالأمس يعدها بحياة هادئة جميلة. انتبهت منتفضة أين تلك الورقة السوداء بما تحتويه من سموم، ومرض شخص يفترض أنه طبيب معالج، اقترب منها الطبيب الآخر، ادعى متابعة حالتها، ولكن بالحقيقة أراد إعطائها ما تبحث عنه، أسقطها بجانبها وكأنها بجوارها من البداية.
"أنتِ كويسة دلوقتي، ضغطك وطى جامد وعلقنا لك محاليل، تقدري تمشي." أومأت بصمت منكسر وتحركت بوهن، والأعين مصوبة نحوها البعض حاقد شامت، والبعض متعاطف، والآخر متسائل. صعدت لمكتبها بوهن أخذت حقيبتها لترحل عن المكان. أتت إليها صديقتها غادة مسرعة، تنادي عليها، تلحق بها قبل أن تغادر تتأكد مما سمعت. "شيماء استني، استني يا بنتي."
جذبتها من مرفقها برفق؛ فالتفت لها الأخرى مستسلمة بأعين ذابلة، ما رأته منها ومن حالتها تلك أكد لها ما سمعت. "ما تمشيش بالحالة دي، تعالي معايا نتكلم." لم تقوى على الحديث فقط أومأت نافية، وأكملت طريقها مغادرة، يجول بذهنها ما مرت به منذ الطفولة. تابعها الطبيب -عن بعد
-منذ أن تركته بغرفة الطوارئ حتى خرجت من المشفى بالكامل، عاد إلى مكتبه، جلس شارد بما حدث لها يلوم نفسه ويأنبها لتركها فريسة للآخر، هو فقط لا يحب التدخل في أمور الآخرين؛ فلكل حياته وطريقة تفكيره.
يعلم إنها مختلفة منذ أول تعامل معها، كما يعلم إنها تعيش معذبة، وبالرغم من ذلك تركها لتكتمل معاناتها، يعلم أنه شبه معقد من العلاقات الاجتماعية، يتعجب من حوله لعدم ارتباطه بالرغم من أنه بأواخر عقده الثالث، غافلين عن كونه يكره الزواج والحياة الزوجية، يراها نظام اجتماعي فاشل لا يؤدي سوى إلى حياة بائسة للصغار. عاد بذاكرته إلى طفولته يتذكر تفاصيلها.
بأحد المقاهي متوسطة الحال يجلس شاب ذو بشرة سمراء وشعر ناعم حالك السواد، ذو جسد رفيع يتميز بطول قامته، يبدو أنه بأواخر العقد الثالث من العمر، شارد بحياته يحدث نفسه. "وبعدها لك يا حسن، الدنيا مش ناوية تبطل خبط وبهدلة فيك، بقى بعد ما كنت مسافر بره أشتغل، أبقى عاطل بقضي يومي على القهوة، منك لله يا سامر، حسبي الله ونعم الوكيل، يا رب عدلها من عندك! أنا كل اللي طالبه ألاقي شغل كويس، يا رب افرجها! يا رب!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!