نفذت الخطة بإحكام، وثقت الكاميرات خطواته ومقابلاته التي رتبوا لها جيدًا. ورغم اتخاذه الحيطة والحذر، إلا أنه وقع بالفخ كما رسم. ولأنه لا تهاون بقضايا شرب الخمور، نال أكثر من ستين جلدة مع أمر بالحبس لثلاثة أشهر كاملة. أنهك جسده ووهن. لم يتوقف عقله عن التفكير، أيقن أن الشخص الذي ترافقه زوجته ذو نفوذ، لذا يخطط ويذلل العسرات ليتم ما يريد بدقة متناهية.
لا يعلم لماذا تمثلت صورة طيف أمامه، يراها بعدما جلدها منكبة على وجهها بجسدها الجريح والمكدوم. لم يتلق جلداته دفعة واحدة كما فعل معها. كيف تحملت بهزل بدنها وصحتها المتأخرة؟ غضب من نفسه، أيفكر بها ويتعاطف معها! استحقت ما فعل. عاد عقله يقارن بينها وبين ريفال، فتجعدت معالمه بغضب.
ثلاثة أشهر كاملة بلا أم تحنو أو أب يغمرها بالأمان، فـتلاطمت حلا بين أمواج الحسرة تتذوق مرارة اليتم وتتجرع قسوة الحياة. تعمدت ريفال تجاهلها وبالكاد منعت نفسها عن تعنيفها. إن تقابلت الأوجه، طالعتها بازدراء وبغض، فذبلت زهرتها وانطفأ بريقها وتاهت روحها.
أما سارة، فما زالت بعرين كمال لا معين لها ولا مغيث. اغتيلت كرامتها ودهست تحت أقدامه. عاشت الإذلال وتجرعته. مارس عليها بحقارة وخسة ما ادعته على مؤنس، جعلها بالصباح خادمة وبالمساء بائعة هوى أو جارية، تؤمر، تجبر، تعذب بكل السبل.
عكفت على محاسبة نفسها بالأوقات البسيطة التي نَعِمَت فيها بالوحدة. وضعت نفسها أمام مرآة صادقة، رأت عيوبها وعددتها. حصرت كل من أخطأت بحقهم، وبمقدمتهم طيف ومؤنس وسارة. نعم، أساءت لنفسها، ربما هي فقط من أذت نفسها وضرَّتها. دسَّت بها جميع الخصال السيئة: كبر، تعجرف وغرور. وخطيئتها الكبرى كمال، ألقت بنفسها في مستنقعه، فتنفست الجحيم. لا تعلم كيف تحملت العيش معه لثلاثة أشهر!
ابتسمت ساخرة، فقد عاقبها ذات مرة لظهور هالات سوداء أسفل عينها. عذبها بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
وقفت أمام المرآة تطالع نفسها. هزل جسدها وامتلأ كل ما هو مخفي منه بعلامات عصيانه التي لا تكاد تندمل، فيضع علامات ورسومات جديدة تحمل نفس اللونين الأحمر والأزرق. ابتسمت بسخرية لاذعة، بل يزيد البنفسجي والأسود. جسدها الذي طالما افتخرت به، بات لوحة سريالية من قساوة إبداعه. ورغم ذلك، يوجب عليها المحافظة على نضارة وجهها ورسم بسمة مبتذلة على قسماته. من واجباتها اليومية، كما يلزمها، التزين ووضع مساحيق تجميل صارخة. كعروس يوم عرسها، أو بالأصح كمومياء تعرض نفسها. استنشقت بعمق هواء فاسد يمزق ويحرق صدرها ونفثت زفيرًا محملًا بلهيب اشتعال روحها.
قصدت الدرج متوجهة للمطبخ، لتضع الطعام على المنضدة. اقترب موعد وصوله، وها هي تزينت وارتدت ما يظهر مفاتنها المعذبة كما يأمرها دوما. انتهت عد من آخر طبق، وقبل أن تتحرك لوضعه صحبة رفقائه، سمعت صوته يعلن حضوره. ثبتت قدمها وكأن جذورها نبتت وتشبثت بمحلها. تستمع لكلماته الغاضبة، يتحدث بالهاتف مع أحدهم: -يعني إيه صور تسربت؟ وهما فاكرين بطلع اعترافات منهم إزاي؟ دول ستات و**** ما ينفعش معاهم غير كدة. صمت يستمع للطرف الآخر،
ثم رد بعنف وعصبية: -وأيه المشكلة لما تتشوه ولا يجيلها نزيف داخلي! ما هي واحدة بايعة نفسها قضية دعارة ومخدرات، أنام معاها عشان تعترف ولا أعدِّلها وأربيها؟ خلوني أحقق معاها وهما عارفين شغال إزاي، ولا عشان الرأي العام قام عليهم فادفع أنا التمن؟
ارتعدت خوفًا. لم تعتد بنبرته كل هذا الكم من الغضب. سبت نفسها لتأخرها في إعداد المائدة. إن خرجت أمامه الآن ستهلك لا محالة، سيصب جم غضبه بها. وإن عدلت عن وضع الطبق وتذكرته، فهي بالطبع هالكة. وبالحالتين ستعيش ألمًا لا يحتمل. لم يكن بيدها إلا الابتهال لله داعية أن يصعد للأعلى لتضع الطبق الأخير ثم تفر هاربة.
لم يرها، فلم يتذكرها. تناول طعامه بعصبية ثم صعد لغرفته. جلس يفكر كيف ينجو بنفسه. لم تغفل مقلتيه حتى الصباح، وكذلك هي. هو بالأعلى وهي بالأسفل داخل المطبخ. ومع دحر نور الشمس لغسق الليل، اتجه كمال لعمله ليحاول حل مشكلته، فتنفست الصعداء وصعدت لتغتصب دقائق قليلة من النوم تعيد طاقتها التي استنزفت في ترقب خروجه، ثم تبدأ عملها كخادمة وحيدة بالفيلا.
تدبر حسن أموره ووضع رفقة أخته وزوجته خطة لتنفيذ ما يرغب خلال الساعات القليلة التي سيقضيها في الدولة الأخرى. تحدثت نيرة تؤكد عليه من فرط توترها: -هتحتاج السرعة يا حسن عشان تأمن أي تصرف من طنط. -ربنا ييسر إن شاء الله زي ما اتفقنا، اطلع من المطار على البنك، أحول الفلوس وأخلص كل الإجراءات، بعدها على البيت آخد بابا وعلى المطار.
لم يهدر حسن مزيدًا من الوقت. حجز تذاكر الطيران وحرص على الوصول مع إشراق الصباح، الذي قضاه كاملًا داخل أروقة البنك وبين أوراقه. لم يتوقف لسانه عن الذكر والتضرع إلى الله ليساعده وييسر له الصعب. ارتسمت بسمة سعيدة مع انتهاء الجزء الأول للمهمة، وبقي له الجزء الأصعب والأهم: تحرير والده. توجه للعنوان الذي أعطته سعاد إياه. ظل على تواصل معها ليتأكد أنه لم يضل، وبالطريق والمكان الصحيحان.
تسارعت دقات قلبه وتواترت سحب نفس عميق وأخرجه، ثم طرق الباب بهدوء. فتحت له الخادمة ودعته للدخول للمجلس. اتسمت خطواته بالثبات والقوة، بعكس زوجة والدته التي لم تتوقع قدومه، وارتسمت الصدمة جلية على تعابيرها. أصبح لها كعفريت العلبة، بأي مكان تجده، وكلما ظنت ابتعاده عن حياتها، تكتشف خطأها وتوغله بها. استولى بالماضي على حب زوجها واهتمامه، وإن كان عن بعد. ثم استولى على أمواله. والآن استحوذ على ابنتها وحبها. لن تسمح له بالمزيد.
وضح له جليا ما دار بخلدها، فنظراتها النارية تحدثت عنها، وكادت تحرقه. أما هو، فزيَّن ثقته بالهدوء. لم يهتز أو يتأثر بحالتها. ابتسم بهدوء وتحرك بصمت يبحث عن والده. فأتاه صوتها من خلفه صارخًا: -إيه اللي جابك هنا؟ اطلع بره. -طالع، أكيد مش جاي أقعد معاكِ.
وقفت تصرخ عليه تلقي على مسامعه كل كلمات الطرد التي تعرفها. لم يبالِ ودلف ممر الغرف باحثًا عن والده. دق باب غرفة فالتالية حتى وجده. أما هي، فحين فقدت الأمل في جعله يطيعها، لم تجد مفرًا من مهاتفة المغفر واتهامه باقتحام البيت، لعله يفر قبل وصولهم! ولم تحسب عاقبة فعلها الأحمق.
امتلأت مقلتيه بالحزن حين وقعت على هيئة والده الذي تملكه اليأس والوهن. هزل جسده ونكست هامته، وهو من كان عتيا صنديدا. اقترب منه بخطوات خجلة، ثم جثا أمامه معتذرًا: -والله ما عرفت غير من كام يوم، ما ترددت لحظة إني أجي. يا دوب رتبت أموري. إن شاء الله ترجع معايا مصر بعد إذنك طبعًا. سعاد كمان معايا وهي اللي ساعدتني عشان آجي. أنا اتصلت بيك كتير والله، كتير قوي. آسف.
ابتسم له والده ممتنًا، ونعت عينيه عجزه وضعف حاله. تقص مرارة الغدر وانقلاب الحال. جفف حسن دموعه، ابتسمت معالمه رغم فياض مقلتيه، وطالعه مشجعًا يطمئنه برفع رايات العزة والتحرر. فقابله بواحة بأخرى شاكرة لبذرة صالحة نبتت شامخة قوية رغم الحرمان. تبادلا عناقًا طويلًا، يبث لكلاهما الأشواق.
أغلق الباب من الداخل يكمل تنفيذ ما نوى، وجمع أغراض والده الأساسية وأوراقه. جال بعينيه في المكان، هم بالبدء واستوقفه والده الذي حاول جاهدًا توجيهه للنظر لمكان بعينه، مكان مرتفع بالنسبة له لا تصل له يداه. ذهب ببصره وتبعته قدماه، فتمكنت الصدمة من معالمه وغزاه الغضب. فزوجة والده تعمدت وضع هاتفه ومتعلقاته أمامه حيث لا تصل يداه، قاصدة إيلامه تعذيبه نفسيًا، تشعره بالحاجة والحسرة. أعطى والده الهاتف، فـأسرع بالاتصال برقم، ومد يده لحسن الذي استمع لكلمات
الطرف الآخر المتذمرة: -لو هتكرري نفس الموال ونفس الأسلوب، فأقفلي أحسن. وآخر مرة أقولك، زوجك حول الفلوس كلها باسم ابنه ولغى التوكيل. لو عايزة الفلوس كلمي ابنه. -أنا ابنه. عرفت باللي حصل قريب وأنا معاه. لو حضرتك تقدر تساعدني نرجع مصر، أنا حجزت التذاكر بعد كام ساعة. أسرع إليهما يدعم موقفهما بالوقت الذي جمع حسن أغراض والده حسب إرشاده لمكان ما يريد. خلال دقائق معدودة، انتهى من تجهيز حقيبة والده وأخذ أوراقه جميعًا.
طرقات حادة ثابتة على باب الغرفة جعلتهما يخمن طارقها، ولم يكن سوى ضباط المغفر. فتح حسن الباب بعدما تأهب للموقف واستعاد هيبة طلته وثباتها. عرف للضابط عن نفسه، ثم خطى نحو والده ودفع كرسيه أمامه. وضع يده بجيب سترته يضم جواز سفر والده بقبضة يده. طلب منهم الضابط الخروج للمجلس، فامتثل حسن وخرج رفقة والده، ولم ينس سحب الحقيبة معه. وبسؤال الضابط عن فعله، رد ببساطة وعفوية:
-أنا من محارمها، فطبيعي أتحرك بحرية. هي زوجة والدي، وكنت جوه في حديث خاص معاه، وحضرتك ممكن تسأله. -وكيف راح يجيب؟ ما تدري بمرضه! -عارف طبعًا، وحضرتك ممكن توجه له أسئلة إجابتها آه أو لأ، ولو تحب ممكن يكتب.
حديثه نال استحسان الضابط، كما أثار غضب الزوجة. جزت على أسنانها تعنف نفسها، تفقد تعقلها وقت الغضب. بدأ الضابط توجيه الأسئلة، يتلقى الإجابة بالنفي أو التأكيد، وجميعها دعمت موقف حسن. ثوانٍ وانضم لهم صديق والده، وواصل دعمه. وقفت زوجته تميز غيظًا. انتصر حسن وقضي الأمر.
بلغة العيون تعامل حسن مع والده وصديقه. تأكد الضابط من كيد الشكوى، وبدأ يعنف مقدمتها بالكلام. تحرك حسن يدفع كرسي والده، وصديق الأب يسحب الحقيبة ويتحدث مع الضابط. سبقت خطواتهم حركة الضابط ليتجنبوا أي معوقات أو مضايقات من الزوجة الحانقة والساخطة، ممن توشك على الانفجار. وجهها محتقن بالدماء، عروقها بارزة، بدت كشيطان رجيم. أغلق الضابط باب المنزل عقب خروجه منهيًا كل السبل بوجهها.
بالسيارة، كل ينظر أمامه، عدى الأب. تعلقت عينه على بيت ظنه بيوم وطنه. يمر شريط العمر بذاكرته. أغلق مقلتيه بندم موجع، ثم فتحهما يطالع حسن، نبتته الصالحة، عبر مرآة السيارة بإعزاز واعتذار. التقت العيون وتبنت الكلمات الاعتذار والسماح. عقله يحدثه: فسدت نبتة وصلحت الأخرى، فسد سامر وصلح حسن. لكن ماذا عن سعاد؟ دق قلبه بفزع يتساءل: كيف هي؟
شكت قسوة أخوها، ثم انقطعت أخبارها، ثم اكتشف توغل الإدمان بروحه. هل آذاها تحت وطأة السموم؟ هل أفسدها وأصابها ما أصابه؟ اتسعت عينه بذعر، فكتب على هاتفه يسأل عنها. التف بذعر جعل قلب حسن يهوى بقدمه، وأجابه ببسمة مطمئنة. لا يعلم كيف انقضت مدة عقوبته. جل ما يدركه تعاظم غضبه وتأججه، وعقله ينسج كيف سيثأر من زوجته بعدما يتعافى من وهنه وسوء حالة جسده. استقبلته ريفال شامتة، ولم تخفِ شماتتها، بل أعلنتها صريحة دون مواربة:
-أهلًا بالغضنفر، أتمنى يكون الرد وصلك وعرفت مين اللي بيروض مين. -البجاحة وصلت معاكِ للمرحلة دي، متوقع من واحدة زيك. -ما أنتَ لو فاكرني هوطي أبوس إيدك ولا أترجاك تبقى غبي. أنا ريفال اللي محدش زعلها وعاش عادي كده، وأنت تطاولت عليَّ فاكرني لقمة طرية زي المحروسة اللي قبلي. لا يا شهاب، لو أنتَ نار فأنا الجحيم بعينه. فكر كده، فكر بس تدوس على طرفي وأنا أولع فيك.
رغم هدوء ورفاهية حياتها الجديدة، والتي غُلفت باحتواء مؤنس لها، إلا أن حلمًا يصر على مرافقتها عكر صفوها. يوقظها من أعماق نومها مفزوعة تتنفس بعنف، وكأنها عدت لمسافات طويلة. فينتفض إثر حركتها يهدئ روعها ولا يتركها إلا وقد غطت في بحر أحلامها. تكررت حالتها لحد أقلقه، وبتروٍّ طلب منها عيادة طبيب نفسي. لم يرد التخلص من قلقه، بل الاطمئنان عليها، فرأى بعينها الرفض، وبحالها انكسار وذبول. شرح لها مراده مرارًا، فتجيبه نظراتها اللائمة. لم يتحمل عتابها فاعتذر ولم يكرر المحاولة.
اعتاد السهر جوارها، يوقظها إن طال حلمها أو كابوسها. يقويها بكل طاقته، يذيقها الاهتمام والدعم. تسلل إليه الإرهاق، فكلما بنى أساسًا قويًا بعلاقتهما، ظهر شرخ بموضع آخر. يكاد يجزم أنها تخفي عنه شيئًا يرهقها ويعذبها. كثيرًا ما يجدها منفردة بدموعها تبثها شكوى صامتة. وكلما سألها، ترجعه لاشتياقها لابنتها. قلبه يخبره بوجود ما هو أكبر، ما تعجز عن سرده أو ربما تخجل. تنهد بإرهاق، عليه ضغوط عديدة. فهو محاصر بين رفض والدته لزيجته ولطيف تحديدًا، وامتناعها عن الدخول لبيته. وبين طيف وما تخفيه قاصدة يؤرقها ويرهقه. وهو تائه لا يعلم للراحة عنوان. ظن بزواجه ممن ملكت قلبه سينال راحة البال، ووجده خيط دخان.
أفكار متزاحمة، انتظار، حيرة وأرق صادقه يبقيه مستيقظًا. يطالعها بعين ترجو الراحة التي ضلت طريقه عامدة وضنت عليه بصفو البال حتى ييأس. يسهر لتجده جوارها إذا أفزعها ما تخفي، فهذت بما أجج واشعل أنفاسه وقتله حيًّا: -لا، لا أرجوك، ابعد أرجوك لا، مؤنس ما يستاهلش كده، لا لااااا.
دوت صرختها بحلمها وواقعها، فاستيقظت فزعة تطالع المكان حولها بأعين جاحظة. تقابلت الأعين، ولم يخفَ عنها الحزن الذي توغل بنظراته وقلبه. ربت عليها بآلية يهون آلامها، وهو يحتاج لمن يهون ويداوي جرحه. نهض تاركًا الغرفة. عاودت الاستلقاء تضم جسدها بوضع الجنين ترثي حالهما. جلس مهزومًا منكسا الرأس. زوجته وحبيبته تحلم بآخر تناشده البعد شفقة عليه، تسقيه مما سقى طليقته. أهو دين يرده؟ أظلم طليقته وظن أنه وحده من ظلم؟
عاشت معه سنوات وهو يبحث عن طيف محبوبته. أهكذا تألمت وانكسرت؟ لكنه صارحها قبل أن يخطو إليها، وهو أيضًا من اقتحم حياة زوجته التي تحب بطل أحلامها وتناشد البعد. ألذلك لم تعد تشعر به؟ لمعت مقلتيه بدموع لن يحررها. ضاع عمره باحثًا عن سراب، عن حلم مسمم يقتله. فعلت به ما لم يستطع البعد والحرمان صنعه. دوائر سوداء سحبته دار بفلكها، حتى أنارت الشمس الأرجاء، فهرب إلى عمله.
دلف مؤنس بهدوء صامت وعملية. وجد طارق يعد ويرتب لحملة المداهمة التي سيشارك بها. استمع لتعليمات المهمة وخطتها بعقل شارد. لم يخفَ بؤس حالته على صديقه الذي سأل بجدية مرحة: -مالك يا مؤنس؟ بالذمة ده شكل واحد ترقى من شهر، وعريس من تلت شهور؟!!! ابتسم مؤنس ساخرًا ولم يعقب. جلس طارق بالكرسي المقابل له أمام المكتب يطالعه بترقب، يتابع جلوسه الشارد. ومؤنس يطالع الفراغ لا يرى سوى صورة طيف بالمساء. فتحدث طارق بجدية:
-مؤنس، أنت دخلت الجوازة دي وعارف تفاصيلها. ياما قلت لك اللي شفتها زمان غير الموجودة دلوقتي، وما سمعتش غير نفسك. ارجوك ركز في شغلك، هو الباقي لك. لما صدقنا أخدت الترقية اللي ضاعت عليك بسببها بردو. -هي ومش هي يا طارق، ساعات ترفعني معاها للسما وساعات تاخدني لسابع أرض. سحب نفسًا عميقًا مغلقًا مقلتيه وحررهما مع كلماته: -نفسي أحس إني عارف عنها كل حاجة. نفسي أدخل جواها وأطلع اللي واجعها. نفسي أرجع لها بنتها.
-كل أحلامك دي لها، فين أحلامك لنفسك؟ أحلامكم المشتركة، فين مؤنس من أحلامك؟ ليه ناسي نفسك؟ ابتسامة ساخرة صغيرة نمت على جانب فمه، ثم دلك جبهته وتحدث بإرهاق: -تاه، مؤنس تاه وتعب. اعتدل بجلسته وتحول للجدية الشديدة. وامتثل صديقه له اشفاقًا عليه: -يلا نراجع الخطة ونتأكد من التفاصيل عشان نتحرك.
-المداهمة مش سهلة والوكر فيه سلاح كتير وعددهم كبير. المواجهة والصدام هتكون على أوجها. لو مش مستعد وفي كامل لياقتك هتتعرض الحملة للخطر. مؤنس، أنا مش عايز أخسرك. أنا مش عارف قلت لك الجملة دي كام مرة. ابتسم بإرهاق يجد بالموت رحمة له مما يعاني. حقًا، كل ما يتمنى الآن هو انتهاء معاناته.
يقتلها ضميرها، هو جنتها بالأرض وهي له الجحيم. أكيدة من سماعه لما لفظت. لحظتها كانت بين الكرى واليقظة، ترى الحلم والحقيقة. مزقتها أنفاسه المتلاحقة. لا تعلم كيف سيراها الآن! انسابت دموعها، أسيظنها خائنة؟
لا، لن يظن بها السوء أبدًا. لكنه سيعاني. يؤنبها ضميرها لحلم تحلمه، والآن طعنته به وإن لم تقصد. بعد تفكير دام لساعات طويلة، أخذت قرارًا: ستصارحه وتطلب الطلاق. لن تتحمل عذابه وعذاب ضميرها لفترة أطول. عاشت معه كل ما تمنت يومًا وما لم تفعل. فلن تسبب له المزيد من الألم، وإن قابل ذلك حرمانها لحصنها وأمانها. لن تقابل إحسانه بالإساءة. ستتألم ببعده جزاء خيانة اقترفتها ولو داخل حلمًا. أغمضت عينها، ستتجرع عذاب البعد للمرة الثالثة. يبدو أن الوحدة قدرها.
اتصلت به بمحل عمله، لن تصبر حتى عودته، تجزم أنه بأسوأ أحواله. أجابها أحد العساكر: -الباشا خرج في مداهمة والكل في المستشفى. الإصابات كتيرة، بين مصاب وشهيد. شحب وجهها وهوى قلبها أرضًا. يتردد بعقلها فقط كلمتان: "بين مصاب وشهيد". اتسعت عينها بذعر، هل يمكن أن تفقده؟ أسيعد عنها دون رجعة؟ هل سيرحل وهو مقتول منها دون أن توضح له وتشرح؟ سقطت دمعة نادمة، مسحتها سريعًا تتمنى نفسها: -مش هايموت، مش هايسيبني، لا، لا مؤنس لأ.
أسرعت إلى المستشفى. لا تعرف كيف استعدت أو كيف وصلت. اتجهت للغرفة كما أخبروها بالاستقبال. سألت إحدى الممرضات متلهفة عن المريض نزيل الغرفة المقصودة. لم تذكر كلتاهما اسم الضابط، فصمتها الممرضة بإجابتها: -البقاء لله. بالغرفة التالية للغرفة المقابلة لمكان وقوف طيف، يقف طارق مع مؤنس الذي يشاركه غرفته، مخليًا خاصته لزميلهم الذي توفى. لمح طيف تحدث الممرضة. التف إلى مؤنس الجالس على الأريكة الداخلية بإرهاق وتعب:
-مؤنس، مش دي مدام طيف؟ سكنته سخرية يائسة. أيتوقع الاهتمام منها بعد ما سمعه بالأمس؟ -طيف! لأ، مش هي، مش هتسأل أبدًا. -قوم بس، الممرضة ممكن تفتكرها بتسأل عن زميلنا اللي سبت له الغرفة واستشهد. -ريح نفسك أسـ... -بتقع يا مؤنس، الحقها.
أسرع مؤنس إليها ولم يستمع لباقي كلماته. سيطر عليه الخوف والقلق حين سقطت بين يديه غائبة عن الدنيا تنزف عينها الدموع. حاول طارق معاونته وتحمل ثقل جسدها عنه، فقد أصيب مؤنس بطلق ناري بأحد ذراعيه، ولولا إصراره على الخروج على مسؤوليته، لتوجب ذلك البقاء بالمشفى لبضع أيام. وفوجئ بهجوم مؤنس عليه: -ابعد إيدك يا طارق وشوف دكتورة تكشف عليها. -هتقع منك يا مؤنس، دراعك مصاب. -سيبك مني وشوف دكتورة، يا طارق، دكتورة.
تتحرك بوهن بين أروقة المشفى قاصدة غرفة الأطباء بعد يوم مرهق قضته بالطوارئ. تحدث حسن على الهاتف: -أيوه يا حسن، دكتورة نسا، بس في ضغط جامد والدكاترة الموجودين النهاردة عددهم قليل، بساعد باللي أقدر عليه. كادت تتجاوز هذا الرواق لآخر لولا انتباهها لصوت مؤنس، فأسرعت إليهم تعاونهم ونقلوا طيف لغرفة الكشف، وقامت بالكشف عليها: -ما تقلقش، هي كويسة. ضغطها واطي شوية. هي بتتابع حملها؟ -حمل! حامل!!!
-أيوة، باين في السونار. الأفضل تتابع وبسرعة. هي أجهضت قبل كدة كام مرة. نظر لها بتدقيق، استشعر القلق منها، فسألته: -هي أجهضت قبل كدا؟ أعرف مرة من كام شهر كانت في نصف فترة الحمل تقريبًا. رأى تعجبها، فأجاب متضررًا: -كانت متجوزة قبلي. -آسفة، مش قصدي. الرحم مجهد وهتحتاج تحاليل ومتابعة عشان نتجنب أي خطورة على صحتها. -يا ريت نبدأ من دلوقتي. تم عمل كل الفحوصات لها أثناء غيبوبتها التي استمرت لساعة كاملة.
تحدثت نيرة مع مؤنس بأسف: -زي ما قلت لحضرتك، الرحم مجهد جدًا، متوقع في أي وقت يحصل إجهاض. فيه تليف وعنق الرحم في وضع سيء. -نسبة الخطورة عليها كبيرة؟ -عشان يتم الحمل لازم عناية كبيرة وممكن تلزم السرير لفترة طويلة. أي مجهود زيادة أو حركة ممكن تأذيها هي والجنين. رغم صعوبة ما أبلغته، إلا أنه لم يهتم سوى بحالة طيف الصحية. لا يعلم كيف ستتلقى الخبر. هون عليه طارق، وبداخله يشفق عليه، وكأن فقد أبناءه بات سمته.
بدأت طيف تستعيد وعيها تنادي عليه تناشده البقاء وعدم الرحيل. ابتسم بألم، لا يعلم أيسعد لفعلها أم يهلك لما هزت به بالأمس. هرع إليها قاطعًا السنتيمترات الفاصلة بينهما يطمئنها مع صرختها التي سحبتها من غيابات الإغماء لأرض الواقع: -مؤنس، لا، لا ما تسيبنيش أرجوك! -أنا هنا معاكِ يا طيف.
نظرت إليه تتأكد إنه حقيقة وواقع، ثم انهارت فوق صدره تبكي وتعتذر. تركها حتى هدأت، ولم يجد أي كلمات تعبر أو تهون وهج مشاعره وتضاربها. عادوا للبيت تحت نظرات طارق الذي عجز عن التهوين عن صديقه أو عن العثور على كلمات مناسبة للموقف.
جلس مؤنس مهزومًا منكصرًا، ضاقت عليه الأرض بما رحبت. يتكرر حديث الطبيبة على مسامعه. والآن فقط انتبه أنه على وشك فقد طفله الذي ما زال نطفة صغيرة، وهو من سيضع له كلمة النهاية. هل كُتب عليه قطع نسله رغم قدرته؟ متى ستصفح عنه الدنيا وتعطيه له قدر من السعادة وراحة البال دون سحبها؟ إلى متى سيظل يبحث عن مبتغاه دون نتيجة؟
طموحاته وأحلامه بسيطة ومشروعة. لقد اتخذ قراره، لن يجازف بحياة طيف وفقدانها. لكن كيف سيخبرها بحملها ثم يطلب منها قتله؟ وآخر ما كان ينقصه هو كلمات طيف التي ظنت حالته بسبب حلمها. لا تتحمل حالته تشعرها بالذنب وتقتل ضميرها وتعصر قلبها. ولأنها لم تعتد النقاش أو توضيح مرادها، ولا مهارة لديها سوى الطاعة والصبر، فاختارت بداية مدمرة ظنت بها راحته وتحريره: -أنا.. أنا آسفة للي سمعته، والله مش زي ما فهمت!
أنا.. عايزة اتـ.. أطلق و... لم تكد تكمل، فتملكتها الصدمة من رد فعله. دوت ضحكاته بهيستيرية حزينة، وكأنها دمعات أبت الهطول. تملكها الخوف والقلق عليه. تسابقت دقات قلبها تشفق عليه منها ومن عذابه. بكى قلبها لأجله وانعقد لسانها. ودت لو تستطيع فعل كل ما يجول بتفكيرها، ما لا تستطيع البوح به حتى لنفسها. كيف تداويه وكل ما بها جروح وندوب؟ سحبها من دوامة أفكارها كلماته المتناقضة:
-للأسف يا طيف، أنتِ حامل، لكن ما تقلقيش. الطفل لازم ينزل، هتجهضي ابني. ما زال ببحر أحزانه لا يستطيع مقاومة أمواجه. يعيد الكلمات لعله يتقبلها ولا يستطيع. أما هي، فأخذتها كلماته لماضٍ لم تشفَ منه، تخفي مرارته بغيابات أفكارها هاربة. تراجعت للخلف كأفكارها. يردد لسانها كلمة واحدة: "حامل". ثبتت محلها كما علقت مقلتاها بمكان جلوسه، وعقلها يتساءل: لمَ دومًا تترجى لبقاء جنينها؟ لمَ لا يرغب بنبتتها؟ أيرغب في إذلالها كشهاب؟
لكنه يغايره ولا يجوز جمعه معه ولو بنفس الفكرة. حيرة شديدة وقعت بين ظلوماتها. لمَ ماثله في قتل جنينه؟ أ لأنه منها؟ تحركت بخطى ثقيلة تتداخل صورته مع صورة شهاب. رغم صغر المسافة بينهما، إلا أنها شعرت بها أميالًا. جثت أمامه ولا تزال صورته غير واضحة، تارة تراه مؤنس وأخرى شهاب. ثم استقرت صورته على حقيقته. كسَت عبراتها وجهها. تراه محني الهامة والألم غائر بمعالم وجهه. لا تدرك أن وجع الروح أعتى وأعظم من ألم الجسد. أخذت كفه
بين راحتها وأردفت راجية: -أنا عارفة إنك موجوع مني، والله أنا كمان موجوعة عشانك. أبوس إيدك يا مؤنس بلاش ابني يدفع التمن، بلاش عشان خاطر ربنا. قبلت يده راجية، فسحبها بعنف محذرًا بعينه من تكرار فعلتها. انتفض جسدها ثم تمالكت نفسها مسترسلة: -ما خنتكش والله... -ما شكيت ولا هشك في يوم. ما قلتش كده عشان اللي بتفكري فيه، ده كلام الدكتورة، صحتك مش هتتحمل. مسحت دموعها بكفها، وتحدثت بحماس حزين:
-هاخد بالي من صحتي عشانه، مش هتحرك، هعمل كل حاجة وأي حاجة بس خليه يا مؤنس. تدحرج لؤلؤ مقلتيها يذبحه ويثقل كاهليه، وزاد حمله بتهدج أنفاسها وتقطع كلماتها: -كل مرة بتحايل عليه يسيب حملي يكمل. بوست إيده ورجله وقتله برده. قبل حلا وبعدها كتير قتلتهم بعنفه. ما تعملش زيه! أنتَ إنسان. والله هاحكي لك كل حاجة، وديني عند بابا أجيب حاجة من هناك، بعدها هاقولك كل حاجة. اوعدني تسيب الطفل بالله يا مؤنس.
ضمه إلى صدره بكل قوته، يحاول بثها الأمان يحميها من الوجع. تمنى لو لم يكن أصيب اليوم ليطوقها بذراعيه ويبعد عنها كل ما يؤذيها. علا نشيجها ورج المكان، وهو يحكم ضمها ويهمس بأذنها: -أهدي، أهدي، هنتابع مع دكتورة ونمشي على تعليماتها. هنسيب البيبي لو مفيش خطر عليكِ، لكن مفيش طلاق يا طيف، مفيش طلاق. إزاي قلتها؟ إزاي قدرتي؟!!! -آسفة، والله آسفة! -قومي اغسلي وشك وناكل بره، بعدها نروح تجيبي اللي عايزاه.
مر الوقت بطيئًا متلكئًا حتى وصلوا إلى بيت والدها الذي استقبلهما بكلمات مستهزئة وتوبيخ مغلف بالعنف، كعادته القبيحة معها: -جاي ترجعها! لا، البضاعة المباعة لا ترد. مش كنت بتحامى لها لحقت تزهق! على كده شهاب له الجنة، صدقت أنها صنف عوج عايز الضرب. -يا ريت تحتفظ برأيك لنفسك، هي هتاخد اللي عايزاه ونمشي. -ملهاش حاجة، كل اللي هنا بتاعي. لما أموت تاخد اللي عايزاه.
لم تتحمل المزيد بالفعل. روحها تفارقها، على وشك خسارة منقذها من مال إليه قلبها. خسرت روحه وحبه، فانفكَّت عقدة لسانها وحُلَّت في وجوده لأول مرة. واجهته بما ضمرته داخلها لأعوام وأعوام: -حرام عليك، ليه بتعمل كده؟
عمري ما حسيت بحنانك ولا حسيت أني منك. رميتني لأول واحد عشان تخلص مني. دوقت معاه العذاب ١٣ سنة، اتهانت وتعذبت بكل الطرق، ورغم كده كان أهون منك ألف مرة، حتى منال ماتت مقهورة بسببك ورفضت تحضر عزاها. إزاي مستحمل موت بنتك وعايش كده؟ أنا بموت في اليوم ميت مرة عشان بنتي بعيدة. متأكدة إن أبوها مش زيك، ياما عايرني بيك. أنتَ ليه كده! حرام، حرام والله، أنا كرهت نفسي لأني منك.
لم يتوقعا كلماتها وثورتها. تباينت ردود أفعالهما. سعد مؤنس لبداية تحررها من سجنها وبداية تعبرها عن غضبها. بينما انفعل والدها واحتقن وجهه بالدماء. تقدم نحوها عدة خطوات يناظرها بوعيد، فتراجعت للخلف خطوة ولم تستطع المواصلة. مر نصب عينيها ما فعله بها لإرضاء طليقها أو لفرض سلطته عليها. ارتجف بدنها مع كلماته: -أنتِ جاية تحاسبيني! واضح إن شهاب ما قدرش يعيد تربيتك زي ما قالي. سهلة أعيدها أنا. تدخل مؤنس ووقف أمامه، محذرًا بغضب
مما مر به على مدار أعوام: -إيدك. طيف مراتي ومش مسموح لأي حد يلمسها بأذى. هي عايزة حاجة تاخدها ونمشي. نصيحة، ما تعتمدش على صبري عليك عشان خاطرها. أي تصرف يضايقني هتدفع تمنه غالي بتوصية بسيطة في القسم، تمام. الغضب كلمة بسيطة عما يشعر به، لكن الحيطة أهم. سيتحملهما لبضع دقائق حتى يغادرا. انسحب إلى غرفته. تحركت طيف إلى غرفتها السابقة، أخذت ما أرادت، ثم غادرا. دار بعقل مؤنس سؤال سيطر عليه: كيف لها أن تفكر في الانفصال؟
أتود العودة لوالدها؟ كيف ستحيا معه وهو بهذه العقلية؟ استقلا سيارة أجرة وعادا للبيت والصمت يحلق بينهما. تتشبث طيف بحقيبتها تحتضنها كما لو كان بها كنز ثمين. انتفخت جفونها من وفرة ما جادت مقلتاها. لم يتحمل مؤنس المزيد. يريد إنهاء ما يحدث، يكفي هذا الحد الدامي. جلس على أول كرسي قابله يطالبها بالتوضيح: -اقعدي واحكي، أنا سامعك.
-أنا عارفة إني تعبتك معايا كتير. من يوم ما قابلتك وأنت بتبعد عني كل حاجة وحشة، وأنا.. أنا مش عارفة أقدم لك أي حاجة. كتير أفكر أعمل إيه ومش بعرف. يمكن عشان عمري ما كان ليا رأي، دايمًا أعمل اللي يتقالي. صمتت للحظة تستجمع شتاتها، وهو يستمع منتظرًا ما ستفجره بوجهه: -مش عارفة اللي هقوله يديني ولا لأ. صدقني مش عارفة! -أنا سامعك، من غير مقدمات يا طيف ومن غير ما تخافي خرجي كل اللي جواكِ.
-زمان وأنا في الجامعة، حصل لي موقف محرج. ظابط صغير ساعدني، ومن وقتها بقيت أشوفه كل فترة من بعيد، والله، والله يا مؤنس. أخرجت من حقيبتها ظرف بهت عليه الزمن، ومدت يدها المرتجفة به تقص عليه ما يعلم تحدثه عنه. اتسعت مقلتاه ولم يتوقع ما تسرد، والتزم الصمت يرى نفسه بعينيها. عقد حاجبيه بتركيز متمعن يصغي لها:
-حسيت بحاجات مش فاهمة معناها، بفرح لما بشوفه. لما اتكتب كتابي على شـ.. وشوفته بعدها، كان هاين عليا أموت نفسي من الحالة اللي وصلها بسببي، وأخدت عقابي. لكن من شهاب، لأنه شافني يومها ودي كانت أول مرة. كتير أحس أنه حواليا، أتوتر ويبان عليا، وكل مرة أتعاقب بحاجة أكبر. بدأت أعود نفسي أتحكم في انفعالي وأخبي مشاعري. افترقت الطرق واتحبست بين جدران حياة شهاب. وكل ما أتعب وأبقى على حافة الانهيار..
انكمش وجهها ببكاء، تتنفس بعمق لتسيطر على حالها، وهو يتابعها بترقب. تتزايد دقات قلبه وترتفع، كاد يجزم أنها تسمعها، غافلًا عن تفسيرها المغاير لما يحدث داخله: -أحلم به يطبطب عليا ويقويني. والله كنت بستغفر وأندم رغم أنه حلم! حسيت إني خاينة واستحق اللي شهاب بيعمله فيَّ. من بعد ما دخلت حياتي وبدأت تساعدني، بقيت أحلم بيك وبه. وكل مرة الحلم يكمل منه جزء. شوفتك تعبان ورغم كده بتساعدني. رفعت وجهها تطالعه بندم وأسف:
-اللي وجعني إني رجعت أحس بوجوده حواليا، وبقيت أحلم بيك مهموم وواقف جنبه وأنا على الشط التاني محتارة أروح لمين فيكم. كل يوم يمر احترمك أكتر واحتقر نفسي وألومها لأن الحلم بيتكرر ومش بيفارقني. امبارح حلمت نفس الحلم، اخترتك والله وترجيته يبعد! لكنه ضمني. أنا آسفة والله آسفة. انهيارها واختناق أنفاسها هو ما أخرجه من حالته. عانقها بأنفاس متهدجة من فرط نشوته. أدخلها بين ضلوعه وبفؤاده. تشبثت به وفاضت بآخر ما حجبت عنه:
-الظرف ده الحاجة الوحيدة اللي أخدتها منه واحتفظت بها. ما قدرتش أتخلص منها. سامحني يا مؤنس، سامحني. لم يتركها إلا حين ارتخت يداها، ورغبة ملحة تغزوه لمعرفة ما احتفظت به من أثره. وكان له ظرف الحظ والبهجة، تلك الوردة التي أعطاها لها، أو ما تبقى منها. هل خُبِّئ عنه الفرح ليداهمه دفعة واحدة؟
فما يشعر به الآن تخطى البهجة والسعادة. ابتسم بحبور ونشوة عقدت لسانه، فرفع وجهها بحنان يخبّرها بمدى سروره. رقص فؤاده بين ضلوعه طربًا. جفف عبراتها محاوطًا وجهها براحتيه، قابل ذهولها وتعجبها بقصائد غزل تلقيها مقلتاه وتنشدها.
حاوط كفها براحته وتحركا بها للغرفة، تتراقص البسمة على وجهه ولم تتركه. أجلسها على الفراش وهي تطالعه متعجبة ومترقبة. ولم تكن الوحيدة التي تحمل من الماضي ذكرى. أخرج صندوقه الذي يحتفظ به بين ملابسه. لم يفتحه من قبل، فقط يطالعه بحزن ورجاء، لكنه الآن يطالعه بأسعد أوقاته وأحلاها. أعطاها ورقة من الماضي بثت فيها شكواها، وكانت حلقة الوصل رغم البعد. وبلغة العين طلب منها قراءتها، ففاضت مقلتاها يتراقص على وجنتيها دُرٌّ مبتهج، واستمعت
لكلماته تضع نهاية الجرح: -ما زعلتش عشان أنا وهو واحد. كنتِ بتحكي لي عني يا طيف. يومها لقيتني بدون تفكير رايح أشوف نتيجتك. صاحبتك جريت ورايا وحكت لي اللي حصل لك. عشت ١٣ سنة على أمل اللقاء. دورت عليكِ فيهم كل يوم وفي كل مكان. افتكروني تجننت. للحظة ظننتك طيف في حياتي. لكن قلبي قالي أنك حقيقة وربطني بكِ كل يوم أكتر من اللي قبله. قولي يا طيف إن إحساسك بيا لسه زي ما هو، أنا كنت يأست، كنت خايف أسألك وأكون واهم.
-والله كنت بحس بيك، لكن خوفت أبين. خوفت أكون خاينة. قالها لي كتير لدرجة إني صدقت وأقول لنفسي أحلامي دليل خيانتي. -اتهمك لأنه سرقك مني ومن حياتك. حلمتي عشان ربنا وعدنا لبعض. أتوجعنا عشان نعرف قيمة بعض ولما الفرح يجي يفيض ويغطينا. من النهاردة فرح يا طيف، إن شاء الله فرح دايم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!