استيقظ حسن سريعًا، رغم أن الوقت استغرق طويلًا ليجبر عينيه على الانغلاق. لم يذق للراحة طعمًا، ويأمل في تذوقها يومًا والنعيم بها. بدل ملابسه واستعد للذهاب، وسط نظرات والدته المترقبة، وزوجها السَّاخرة، وأخيه المتابعة. انتهى وتلاقت عيناه بأعين والدته، يجزم أنه رأى داخلهما رجاء. أتخشى فقده؟
دقق النظر ليتأكد، فأبعدت وجهها خشيت أن تفضحها عينها. أحب الإحساس الذي داهمه، استمتع بتلك اللذة، ليس انتقامًا، بل شعور آخر لم يذقه قبلًا. فصوت داخله أخبره أنها تخشى فراقه، شعر بحبها له. استلذ بشعوره واستمتع به، يشعر بمشاعر أُم حقيقية. ما أروعها تلك المشاعر!
طوال طريقه يتذكر إحساسه، فيبتسم برضى. وصل لبيت والده، استقبلته أخته سعاد التي تعاملت بفتور، كأنَّه تركهم من ساعات قليلة. دخل يجول بعينيه المكان، داهمته ذكرياته به، وللأسف جميعها بين ظلم وقهر لطفل صغير، لا يعرف حتى الكلمات التي يدافع بها عن نفسه. بعد قليل خرج إليه والده يرحب به: -إزيك يا حسن، عامل إيه؟
رفع إليه نظره، واعتدل واقفًا، ابتسم باشتياق حقيقي. اقترب منه وألقى نفسه بين أحضانه، لعلها لحظة تهور، لكنه لم يندم لما فعل. بادله والده وشدد من ضمه، ربت على ظهره بحنان. لم يبادل اشتياقه بكلمات يُعتاد تداولها، لكن يكفي ما شعر به. راحة سكنت فؤاده وأعطته دفعة جددت طاقته لتحمل ما هو قادم. اكتفى حسن بالمشاعر وذلك العناق، فهو أمنية صعبة التنفيذ يومًا، وكأن اليوم يوم تحقيق الأمنيات. -عامل إيه يا حسن؟ شكلك اتغير كتير، كبرت.
-بقيت في ثانوي، سنتين وأدخل الجامعة. -جوز أمك عامل معاك إيه؟ بيضايقك؟ ابتسم وداخله مدرك أنه سؤال اعتيادي، أو ربما يخبره أنه عاش معه بنعيم. حدث نفسه بجملة واحدة: "كلاهما جحيم يا والدي، لا راحة هنا أو هناك، ربما لن أجدها، أو قد أصنعها لنفسي يومًا ما." -ما بتردش ليه يا حسن؟ جوزها بيضايقك؟ قول لي ما تخافش.
-عادي يا بابا، تقريبًا ما بقتش أتقابل معاه غير وقت الغدا، يا إما أنا بره أو بذاكر. يمكن بعد ما سبتني بشوية، فضل فترة وبعدها خلاص. -مش أنت اللي كنت بتعمل مشاكل هنا وفي المدرسة، والكل قالي إنك محتاج أمك؟ بتلومني ليه دلوقتي؟ -مش بلومك يا بابا، حضرتك سألت وأنا جاوبت مش قصدي حاجة. المهم حمد الله على السلامة. سعاد كبرت قوي، شكلها اتغير، تقريبًا ما عرفتنيش. أجابه ببسمة:
-عندها تسع سنين، بتتكسف شوية، بس أكيد عارفاك. أنا قايل لهم إنك جاي، عارفة إنك حسن أخوها. سامر زمانه على وصول، راح يسلم على أصحابه، ما هو كان بيتصل بهم من هناك كل فترة. رافقهم الصمت لفترة، كل منهم يفكر بشرود. ربما لا يجدون ما يتحدثون به. وبعد فترة تحدث الأب: -جبت كام السنة اللي فاتت؟ ابتسم حسن بحزن، فالسؤال فاتر، انتهى أوانه منذ أشهر. -تمانين %. -ليه كده؟ مش كنت بتذاكر كويس؟ أكيد ما حدش كان تابع معاك ولا اهتم.
-المهم إني دخلت ثانوي، أنا ماشي كويس الحمد لله، ومن السنة الجاية هاظبط دروس، ربنا يسهل. مع نهاية الجملة خرجت زوجة والده وقاطعت حديثهما: -يا ترى الدروس دي مين هيدفع تمنها؟ لو فاكر أبوك بيغرف فلوس بره، تبقي غلطان. إحنا عايشين بالعافية. ابتسم بجانب فمه: -حمد الله على السلامة. -أي دروس عايزها يا حسن؟
أنا متكفل بها، وهبعت لك مصروف شهري حاجة معقولة عشان تعرف تصرف وتلبس كويس. أنا صحيح سايبك لأمك، لكن مسؤول عنك. عايزك تجيب درجات عالية، اهتم بدراستك ومستقبلك يا حسن، عايزك راجل يعتمد عليه. أنهى جملته ونظر إلى زوجته نظرة آخرستها، مسترسلًا: -اعملي لنا حاجة نشربها وهاتي الموبيل من جوه. تحركت غاضبة. تحدث والده بعملية:
-اسمع مني الكلام ده وفكر فيه كويس قوي. أكيد أنت مش مرتاح. الدنيا دي مش عايزة الضعيف، عايزة القوي، اللي وجعها يزيده صلابة. مش كل حاجة نتمناها تحصل، بالعكس كتير يحصل عكسها، مش معنى كده نستسلم، لأ، نحارب عشان نوصل لهدفنا. الشاطر يا حسن اللي يتحدى نفسه وظروفه، يشتغل بكل طاقته عشان يحقق حلمه، ومهما وقعت تقف من تاني. كتير ظروفهم صعبة وبيحققوا حلمهم، يمكن أكتر من اللي ظروفه مساعداه. ربنا مش بيعمل حاجة وحشة يا حسن، كلها خطوات عشان نوصل، حتى وقعتنا محسوبة، عشان تدينا قوة وصلابة، فهمتني يا حسن.
ابتسم حسن بصفاء وامتن لوالده. كلماته عملية لكنها صادقة، امدته بالقوة والثبات لتحقيق ذاته. أكمل والده: -مصاريف دروسك عليا، وابعت لي أرقام المدرسين اللي هتاخد معاهم، عشان أتابعك، ومصروفك هبعته لك، اعتبره كل دخلك، قسمه. وبلاش المشي مع البنات يا حسن، أنت لك أخت، راعي ربنا في بنات الناس، عشان يقعد لأختك. أنا هديك موبيل، حافظ عليه، واشتري لك خط كمان، عشان أعرف أكلمك وأنا مسافر، مستقبلك يا حسن، مش هوصيك.
-حاضر يا بابا، ما تقلقش. ابتسم والده برضى. وبتلك اللحظة خرجت إليهما زوجته تحاول إخفاء ضيقها بكل طاقتها، أعطت زوجها ما طلب، حولت نظرها لحسن بتهديد لم يلاحظه زوجها، ثم سرعان ما رسمت على وجهها بسمة ود مُدعية. تحدث والده وهو يتناول المشروب: -اشرب يا حسن وبعدين ننزل نشتري الخط.
شعر بسعادة غير منتهية لاهتمام والده. وبعد فترة تحركا، وسط نقم وضيق زوجته، التي تُجاهِد لإظهار عكس ما بداخلها. لا تحسب حسن ابنًا له، وتعامله كضيف وعالة. انتهيا وعادا إلى البيت؛ فوجدا سامر الذي قابل حسن بترحاب شديد، وأحضان طويلة. -إزيك يا حسن؟ وحشتني قوي، شكلك اتغير كتير. سعد بترحيب أخيه وبالحميمية بحديثه، بادله الأحضان بأخرى مشتاقة سعيدة. -أنت كمان شكلك اتغير جامد يا سامر.
-أكيد، ما أنا كنت أربع سنين وشوية، لكن دلوقتي ١١. -لسه صغير بردو، عامل إيه في دراستك؟ -الحمد لله كويس. إيه اللي في إيدك ده؟ بردو بابا اداك التليفون القديم بتاعي؟ أنا قولته خليه معايا ويديك الفون الجديد، مش عارف ليه ما وافقش! المهم جبت خط ولا لسه. ماتت فرحته، تمنى لو لم يخبره سامر. أحيانًا الجهل بالشيء أفضل من معرفته، لكنه حاول التمسك بسعادته، فبالنهاية معه هاتف نقال، لو لم يعطه أبوه إياه، لم يكن ليمتلكه، وهذا يكفي.
أجاب بعد أن أعاد بسمته: -آه جاب لي خط، خد الرقم بقي وابقي كلمني. بابا قال إنك بتكلم أصحابك اللي هنا كل فترة. -أكيد طبعًا يا حسن، أنت واحشني قوي. فاكر لما كنا بنلعب مع بعض في الحتة دي، وتشيلني وتلف بيا؟ يااه، كانت أيام جميلة. قول لي أنت عامل إيه؟ بقيت في ثانوي يا معلم، وبتمشي مع بنات. -يا عم بنات إيه بس؟
أنا في مدرسة حكومي، البنات لوحدها والولاد لوحدها، مفيش اختلاط. وكده أحسن. وبعدين على رأي بابا، إحنا عندنا أخت نخاف عليها. -ماشي يا سيدي، يا ملتزم أنت. ما تبات معانا يا حسن. عند هذه الجملة خرج إليهما والدهما وزوجته التي حدجت سامر بنظرات نارية، بينما تحدث والدهما بترحيب للفكرة:
-صح يا حسن، خليك معانا. دا أنا طالب كباب وكفتة من محل جامد، وابقي خد هدوم من أخوك، طلع له يا سامر حاجة جديدة، وسيبها لأخوك ما تاخدهاش منه. جديدة يا سامر، اديله طاقمين جداد، طلعه الهدوم الجديدة يختار منها. نظر لابنه بابتسامة؛ فبادله إياها بسعادة شديدة أسعدته، بينما اشتد غضب زوجته. هاتف حسن والدته يخبرها بمبيته. قضى يومًا سعيدًا، امتلأ حديثهم بالضحك والنكات التي تعمد سامر إلقائها طوال جمعهم. ثم سأل حسن والده:
-هي إجازتك قد إيه يا بابا؟ -هرجع بعد يومين يا حسن. -بسرعة كده!!! رد سامر بتلقائية: -بسرعة إيه يا حسن! إحنا بقالنا أسبوعين ولازم نرجع عشان مدرستي أنا وسعاد. إحنا نزلنا المرة دي في الدراسة عشان بابا كان عايز ورق مهم لازم يخلصه دلوقتي. حدجه والده بنظرات غاضبة متوعدة، وانطفأت فرحة حسن. تذكره والده بنهاية إجازته، بل غفل عنه بالسنوات الماضية ولم يتذكره لمرة واحدة. أيعتقد أن رابطهم الوحيد هو النقود؟!
وبنفس الوقت سعدت زوجة الأب أخيرًا. ابتسمت برضى من كلمات ابنها. رفع حسن رأسه ونظر لوالده بعتاب متحدثًا: -ترجع بالسلامة يا بابا. أنا عايز أنام، أدخل فين؟ أجابه والده وكأن شيئًا لم يحدث: -في أوضتكم القديمة، هتنام أنت وسامر وسعاد هتنام أوضتها. تحدثت زوجة والده تكيده: -ما أبوك اشترى أوضة جديدة لسامر بسرير واحد، وغير أوضة الصالون خلاها نوم لسعاد. تنهد بخيبة أمل: -يعني ماليش مكان. تحدث والده بحسم، ينهي الحوار:
-مكانك مع أخوك جوه، ناموا جنب بعض. نظر إليه حسن بانكسار وتحرك بقلب محطم. رافقه سامر إلى الغرفة، حاول استدعاء النوم سريعًا، ولما فشل ادعاه، هروبًا من واقع نكره، لا مكان له به، حتى الفرح عندما زاره لفظه سريعًا. صدق قول والده: "تأتينا الدنيا بعكس ما نتمنى." بالصباح بدل حسن ملابسه، تناول فطوره وهو شارد الذهن. حاول تمثيل الفرح، لكنه فشل. كاد أن يغادر، فناداه والده. التفت إليه دون حديث وانتظر سماع ما سيلقيه عليه والده:
-افتكر كلامي يا حسن، هقابلك بكرة بدري عشان أخلص معاك مشاوير ضروري. معلش بكرة كمان مفيش مدرسة. خد حاجتك والتليفون، واهتم بمذاكرتك، خليك أقوى من الدنيا دايمًا. أدخل خد هدومك من جوه. أتى سامر وبيده حقيقة هدايا ورقية كبيرة تحوي الملابس التي اختارها حسن بالمساء، وأعطاه إياها، وعلى وجهه بسمة عريضة. -الهدوم أهي يا حسن. -خدها يا حسن واسمع الكلام، وبكرة هنكمل كلامنا، اتفقنا. أومأ وتحرك منهزمًا مكسورًا كقلبه.
تجلس وحيدة مهمومة. تعلم أنها ليست أمًا مثالية، ربما تعامله ببعض من الجفاء واللامبالاة، لكن وجوده معها يكفي. تراه دومًا مهما حدث أو يحدث بينهما. إحساسها بفقده سابقًا كان قاتلًا. تعلم أنه تناقض بها، لن تنكر. تُعَنِّف نفسها أحيانًا، تحبه وتشتاق إليه. كثيرًا تنوي عناقه وبثه حنانها؛ وتتراجع حين ترى صورة والده بشخصه، فتتحول إلى الجفاء والجمود.
حالتها سيئة متوترة مضطربة. جفاها النوم طوال الليلة الماضية. تخشى ألا يعود إليها. تعلم شعوره تجاهها، لا يُدرك قدره بقلبها، وهي لم ولن تستطيع البوح له. عاد حسن؛ فغمرتها السعادة وانتفض قلبها لحظة دخوله المكان، لكنها لم تفصح أو تبدي له. على العكس تمام تحولت نظرتها السعيدة إلى الحدة مع التفاتة لها، وصاحت به غاضبة: -أخيرًا جيت!
أول حاجة عملها غيابك عن المدرسة. طبعًا ما هو مش فارق معاه غير مصلحته وخلاص، وتلاقيه مشورك ولا شغلك في البيت ووفر مجهود عياله ومراته. ما هو لو كان شايفك ولا عدك من ولاده كان أخدك معه وهو مسافر، مش سابك هنا واتحجج بمشاكلك، وهو أصلا اللي كسر لك رجلك. تضغط عليه وهو فقد بالأمس كل الطاقة التي استجمعها منهما. يسأل نفسه، لمَ حظه عسر هكذا؟ متى ستبتسم له الحياة؟ أليس من حقه أن يحيا كباقي البشر؟ تنهد بيأس:
-ماما، ممكن أدخل أريح شوية؟ ونأجل النقاش ده بعدين، أنا مش رايح المدرسة بكرة كمان بابا عايزني في مشوار مهم. -كمان مش رايح بكرة؟ ومشوار إيه ده؟ -مش عارف، لما أعرف هاقول لك. تحرك لغرفته وحمد الله أنَّ أخاه بالمدرسة؛ أغلق باب الغرفة بالمفتاح ثم سمح لدموعه بالتحرر. لا يزال طفلًا وطفولته ضائعة. بكى ليغسل همومه ويستطيع تحمل المزيد والمزيد، يشعر بتعب وإرهاق كما لو كان يعدو لمسافات طويلة، ولا يزال ينتظر الراحة.
باليوم التالي ذهب حسن إلى والده، الذي لاحظ ذبوله وألم روحه الطاغي على مظهره. تألم من أجله ومنعه كبرياؤه من التحدث معه. يوقن أنَّ زوجته سبب حالة حسن. أخبرته ألا مكان له بينهم. أدرك نيتها تجاه ابنه متأخرًا. لا يستطيع تركها من أجل أولاده، يكفي تجربة مُرَّة واحدة. وبنفس الوقت كيدها أحيانًا يسبقه ويلجمه. تحرك مع ابنه، فعَّل له حسابًا بنكيًا بوصايته وفيزا يستطيع من خلالهما إرسال الأموال إليه دون الوصول إلى أمه أو زوجها. توقع أن يُذهب ذلك هم حسن ويعيد إليه بسمته البسيطة التي رآها سابقًا، وذهبت أمنيته هباءً. لم يُدرك أن ابنه يريد فقط رغد الاهتمام والحب. بعد أن انتهيا جلسا بأحد المطاعم. تحدث والده
في محاولة لتخفيف عنه: -تأكدت يا حسن إن مش كل اللي بنتمناه بيتحقق. طالعه بأعين ذابلة منكسرة، تجمعت الدموع التي لم تفارقه طوال الليل، عادت لتسكن جفونه؛ فانهارت حصون والده للحظات معه. لم يتخيل يومًا أن يكون سببًا لانكسار أحد أبنائه. جلس جانبه، ربت على ظهره بحنان لم يتعامل به سابقًا، وتحدث بحنان ونصح أبوي:
-عمري ما نسيتك يا حسن، ما فيش أب مهما كان قوي أو قاسي ينسى ابنه. مش العفش اللي هيبين فاكرك ولا نسيك، وزي ما شوفت إحنا مش موجودين فيها، يعني بننزل ترانزيت، أيام ونرجع تاني. كل مرة أنزل بروح لك المدرسة وأشوفك من بعيد، مش خوف من حد، لكن كنت صغير قوي، صعب تفهم إنك تشوفني شوية وأمشي.
صمت قليلًا لا يعلم كيف يُخبره باعتياده على هذا بمرور الوقت. اعتاد أن يتابعه عن بُعد، ولا يعلمه بوجوده. لكن تلك المرة أراد رؤياه والقرب منه، فلأول مرة يراه شابًا كبيرًا. ربما سنه أقل من الشباب، لكن أفعاله التي رآها وتعاطيه مع المحيطين به، تحركاته التي تابعها بصمت، أكدت له أنه أصبح شابًا، بل رجل صغير يتحمل مسؤولية نفسه، رجل يعتمد عليه. هذا مع الكثير من الأسباب الأخرى، هي ما جعلته يتصل به ليجلس معه ويحدثه.
لم يتجاوز تفكيره حدود عقله، ولا سبيل له لتجاوز تلك الحدود. أحيانًا تصمت الألسنة وتتحدث النظرات، وربما المشاعر. قطع الصمت مرة أخرى، تحدث بما يستطيع البوح به: -أنت البكري، مهما كانت مشكلتي مع أمك، مش جامعك معها، ووعد كل إجازة أنزلها نتقابل وأقعد معاك وتشوف أخواتك وتتفسح معانا. عايزك قوي يا حسن، ما تسيبش الدنيا تسوقك للي هي عايزاه، لأ، عايزك أنت تحدد عايز إيه؟
وتعمله مهما وقف قدامك صعوبات. أدام واثق إنه صح ويرضي ربنا، يبقى عافر وقاوم. شوف عايز إيه واعمله، خليك متأكد إن أبو حسن بيحب حسن، ومهما حصل اوعي تدخل الشك لقلبك في يوم. يمكن بس بحبك بطريقتي، يمكن المسافات بعدت بس الحب موجود لأنه غريزي يا حسن، ربنا اللي وجده جوايا وجواك. أقول لك على حاجة، حتى أمك بتحبك بس بطريقتها، هي مش بتعرف تعبر ودي مشكلتها.
نظر إليه حسن وبداخله مشاعر متناقضة ومتداخلة. حديث والده أراحه كما شتته، أسكن جروحه قليلًا، حفَّزه وجدد طاقته. نمت بسمة صغيرة على وجهه بالكاد تُرى، أراحت والده قليلًا، فابتسم له ببشاشة: -كدة يبقى نطلب غدا وحلو كمان. ضحك حسن بخفوت، ومسح دموعه العالقة بجفنيه، فاسترسل والده وهو يفتح قائمة الطعام: -خليك دايما أقوى من الظروف وأقوى من الأسعار اللي قدامي دي.
صدحت ضحكته بسعادة من طريقة والده الجديدة عليه. مرت جلسة جميلة لم يعكر صفوها أي كلمات مقصودة أو غير مقصودة، جلسة بدأت حزينة وانتهت سعيدة وابدلت طاقتهما السلبية بأخرى إيجابية دافعة للأمام.
مر الأسبوع سعيدًا يُغيِّر مجرى حياة الجميع، عدا طيف؛ فأسبوعها مؤلم لما تخيلته عن خطبة الضابط، ولم يكن نقطة فاصلة بحياتها كالجميع. لا تزال تشعر بوجود الضابط حولها أحيانًا بالجامعة أو المترو؛ فتلتفت بكل اتجاه مرات تجده بالقرب وأخرى لا؛ فتتوقع توهمها بوجوده، حتى كادت أن تُجَن.
كعادة الحياة مع طيف تُغير مجريات أمورها متأخرة. بالأسبوع التالي، بيوم عادت منهكة من يوم جامعي حافل، وقلب حزين فهي لم تشعر بوجوده لأربعة أيام متتالية. كل يوم تمنت نفسها برؤيته أو حتى الشعور بطيفه. خطت للداخل وحمدت ربها، أن أباها لم ينتظرها بحفل من السبَاب والصَّفَعَات كعادته معها؛ هي مُرهقة جسديًا وفكريًا بما يكفي، وعندما توسطت المكان أتتها كلمات والدها الآمرة دون أن يحول نظره إليها وظل ينظر للجريدة بيده.
-مفيش جامعة بكرة، وبعد الغدا تقومي تظبطي البيت، في عريس جايلك بكرة وعايز يشوفك. أذهلتها كلماته، هي ما كانت تنقصها لتقضي عليها. تحدثت تحاول الفرار من مصير تخشاه: -عريس! بابا الترم لسه في أوله، أجل موضوع العريس شوية، أنا كمان تعبانة مش هقدر أعمل حاجة زيادة في البيت النهاردة، خليني أشتغل وهديك مرتبى كله، أخد بس فلوس المواصلات، مش لازم حتى فطار هاكل من البيت.
بهدوء شديد ترك الجريدة، وتحرك نحوها. للحظة شعرت إنه مال لرأيها، لكن عندما اقترب منها ووقف على بُعد نصف متر منها على الأكثر، وتمكنت من رؤية تعابير وجهه بوضوح ارتجفت وشحب وجهها الذي تلقى صفعة مدوية، تركت خلفها علامات أصابعه مرسومة على وجهها، أعقبها بكلماته التي لم تختلف عن صفعته:
-كلامي ما يتكسرش، خصوصًا من واحدة، أنت هنا ما لكيش رأي ولا صوت، تعملي اللي أؤمرك به وبس. العريس جاي بكرة، يا تخلصي اللي قلت عليه باحترامك ومن نفسك، وإلا أنت عارفة بالضبط هتخلصي إزاي. عاد لجلسته واسترسل غير آبه لتعابير وجهها المصدومة والتي حاكت الأموات:
-وابقي نامي وارتاحي بعد تخلصي البيت، أما الترم ده فبراحتك، لو سقطتي مش هتعيدي، أو على الأقل مش هتعيدي في البيت ده، ابقي عيديه في بيت جوزك لو وافق. ومعلومة عشان نقفل الحوار لأني صدعت، العريس أنا وافقت عليه أساسًا، وجاي لأنه عايز يشوفك ويتكلم معاكِ، يعني المقابلة تحصيل حاصل. يلا امشي اعملي اللي قلت عليه من غير كلام، حطي الأكل الأول عشان أتغدى وأنام شوية قبل ما أنزل، مش بحب أقعد والبيت بيتنفض مش برتاح.
تحرك لغرفته واستلقى على الفراش، وأكمل إلقاء أوامره: -حضري الأكل بسرعة. بكت بصمت، يشعرها دائمًا ويعلمها مرارًا ألا قيمة لها، عروس ماريونيت وهو المتحكم بخيوطها، يحركها كيفما شاء، حتى أبسط حقوقها يسلبها منها، كل شيء: راحتها، مستقبلها، سعادتها وعمرها، ليته يسلب منها حياتها ويدفنها تحت الثرى! فتنعم بالراحة الأبدية؛ فبالتأكيد سيرحمها الله ويعوضها عن عذاب الدنيا الذي تعيشه منذ وفاة والدتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!