الفصل 29 | من 38 فصل

رواية علاقات سامة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سلوى فاضل

المشاهدات
20
كلمة
8,156
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

تحبس نفسها بغرفتها، تبكي حتى تغيب عن الدنيا ترثي نفسها. ذبلت ووهن جسدها. كادت أن تتجاهل رنين هاتفها المتزايد، مدت يدها لتغلقه فاقشعر بدنها برهبة لرؤية اسم من كسر غرورها ودعسها أسفل حذائه. فضغطت على زر الإجابة سريعًا حسب تعليماته، تجفف دموعها تستنشق الهواء بعمق تحاول إخفاء نبرة الهوان بصوتها. تشعر بالسوء بما يكفي، لا تريد أي ضغط أو...

أو توسل. منذ ما حدث وهي تشعر بالرخص وهو هددها بالتصريح والتلميح بفضــحها إن خالفته. أصبحت لعبته يلهو بالعبث بأعصابها كلما شعر بالملل. وصلها صوته حادًا زاجرًا مهينًا: -ساعة عشان تردي! -أول ما شوفت اسمك رديت. -التلفون يكون لازق في إيدك، أول ما أتصل تردي فاهمة، ويا ويلك لو تأخرتِ تاني. عملتي إيه الكام يوم اللي فاتو؟ -ما خرجتش من البيت ولا تحركت من مكاني.

-الاستهبال وشغل الدلع ده مش معايا، إنتِ لحد دلوقتي ما تعرفيش مين كمال غالب. فلمي نفسك، مش عايزة أغضب عليكِ، ما تخلينيش أجي لك. مجرد التلويح بحضوره أفزعها. أصبحت تخشى الاجتماع به، تراه ذئبًا في شكل بشر. ولولا ما حدث لحاولت الفرار واللوذ بما تبقى من كرامتها: -بلاش تيجي قبل ما نتجوز، عشان... عشان خاطر اسمك وسمعتك. قولي عايز إيه وأنا هعمله والله! ابتسم بنصر، وصله رعبها وارتجاف نبرتها. متأكد أن قدمها لا تحملها الآن.

فلانت نبرته: -أحبك وأنتِ مؤدبة. كل يوم أول ما تصحي تروقي البيت كله وتلمعيه، تاكلي كويس وتعملي الحاجات اللي بتعمليها عشان تحافظي على جسمك ونضارته. مش عايز إرهاق أو هالات سودا. عايزك فرسة، ما هو مش تلمعي مع مؤنس، ومعايا تتنيلي وتبوظي! بآخر جملة حدثها بحدة وغضب. انسابت دموعها، لكنها لن تستطيع الاعتراض. هي من ذهبت إليه، هي من أذت نفسها، فلتتحمل. -خرستي يعني. -مش قادرة أخرج والله! -ومين قال إن رجلك هتعتب الشارع.

-بروح مركز تجميل، عشان الحاجات دي. -بتروحي كل قد إيه؟ -كل أسبوع تقريبًا، بس مش قادرة والله! -كلامي يتنفذ سواء على هواكِ أو لأ. لو هتموتي تنفذي كلامي وبالنص، وإلا والله أربيكِ من الأول، وبعد ما أربيكِ أنشر الفيديو في كل مكان وتبقي متاحة على الهوا للي يسوى واللي ما يسواش. -لا خلاص هسمع الكلام والله.

-أيوه كده اتعدلي. أنا مش فاضي اليومين دول عشان أوديكِ، نأجل جزء مركز التجميل لما أفضي، لأن الهانم مش هتخرج لوحدها تاني. نظام الأكل والنوم مفروغ منه، تهتمي بكل التفاصيل دي. مش عايز أقول لك ممكن أعمل إيه لو كلامي ما اتنفذش بالحرف! المهم مع كل حاجة تعمليها تبعتي لي رسالة، يعني تصحي تبعتي أنا صحيت، وهكذا، كل حاجة بمعنى كل حاجة بالتفصيل. أنا أرد أو لأ دي بتاعتي، احذري الكذب! مفهوم. -حاضر.

-أول ما أقفل تقومي تاكلي. أي حاجة عايزها اكتبيها على الواتس وأنا أبعتها لك. أنهى المكالمة بوقاحة فدخلت بنوبة بكاء حار تنعي نفسها. لا تعلم بأي جحر ثعبان أدخلت نفسها. أصبحت على يقين أنها ستتذوق كافة أشكال القهر والإذلال. بدأ عقلها يسرد عليها كل أفعالها بالماضي، يسترجع شريط حياتها يخبرها أنها بوقت سداد فاتورة ما فعلت.

صباح اليوم التالي، انتظرت بصبر موعد حضور رامي تحت نظرات والدها المبهمة. حاولت استنباط معناها دون نتيجة. شغلت نفسها بأشياء عدة آملة أن يمر الوقت سريعًا. وكأنه يشعر بما تعانيه كان يسابق الساعة ليصل إليها. رنة مميزة على هاتفها سبقت طرقاته على بابهم. استقبلته ببسمة مشرقة. دخلا الصالون ولحقهما سامح، الذي بدأ حديثه قبل دخوله وتابع حتى جلس: -خروج ما فيش، الله أعلم هتروحوا فين!

شعرت شيماء بحرج من أسلوبه العدائي، فحدثها رامي ببسمة، قاصدًا إبعادها عن مجال حديثه مع والدها: -شيماء لو سمحتي عايز ميه. تابعه بنظره حتى اختفت، ثم حدَّج والدها بثقة: -مش فاهم، ليه مش هنخرج؟ ما تقولش خايف على شيماء مني!! -لأ، خايف على سمعتي، مش هاسيب نفسي للظنون. إيه اللي يضمن لي إنك مش زي صاحبك؟ ما يمكن تاخد غرضك منها وترميها، تطلق لتاني مرة قبل الفرح.

-ما تتكلمش عنها بالطريقة دي تاني، والحيوان التاني ما كانش صاحبي. قولي يا عمي لما أسامة حذرك من وسيم وطلب منك ما توافقش عليه، ليه ما أخدتش بكلامه؟

وكمان استعجلت كتب الكتاب، زي ما تكون قاصد. أنا فكرت كتير في السبب اللي خلاك تعمل كده، بس الحقيقة تصرفاتك وتفكيرك أكبر من قدراتي. وبصراحة أكتر مش عايزك تتعب نفسك وتخاف على شيماء، لأني بخاف عليها حتى من نفسي. لو عليا كنت تممت الجواز من الأول، بس كان لازم تاخد وقتها وترتاح من اللي حصل لها. جلس على طرف الكرسي باعتدال وتحفز، ثم تابع:

-مش هاسمح لأي حد أيًا كان يضايقها أو يدوس على طرفها. فاتحملنا الأسبوعين تلاتة الجايين، وبعدهم تاخد حريتك وفلوس الوصية. حدجه بصدمة، أيعلم بأمر الوصية؟!! احمر وجهه بغيظ ونهض غاضبًا وتركه بالغرفة. على بابها وجد شيماء منزوية جانبًا تخبره دموعها بسماعها لحديثهما. تبادلا النظرات لثوانٍ حتى قطعها صوت رامي الذي اعتدل في جلسته يخبره: -هاخد شيماء وننزل يا عمي.

دلفت إليه ووجهها يتحدث عن حالتها. فانتفض رامي وقطع المسافة بينهما بخطوة، جذب كفها بلين أجلسها وجلس جانبها، رفع رأسها إليه يجفف دموعها: -ما كنتش عايزك تسمعي، ما تزعليش. تعالي ننزل هانسيِّك اللي حصل. يوزع نظراته بينها وبين الطريق. تألم لبكائها الصامت، تركها تخرج ألمها ثم أوقف السيارة جانبًا. أخذ كفها بين راحتيه وثبت مقلتيه ببحر عينيها يحتويها بنظراته الحنونة:

-ممكن تبطلي عياط. موقف وخلص، واللي حصل قبله كمان خلص. وأنا وعدتك والله لا أزعلك ولا أسمح لأي حد يضايقك. أومأت وحاولت رسم بسمة بدت حزينة، فقبل كفها ومسح دموعها ثم قاد سيارته قاصدًا وجهته. وبعد فترة انتبهت للمكان فسألت بدهشة: -إحنا رايحين فين؟ خصها بنظرة مبتسمة وغمز لها بمشاكسة ثم عاد بنظره للطريق: -إيه رأيك؟ مبسوطة! -جدًا، بقالي كتير ما زرتش جدو كان واحشني قوي.

-أحلامك أوامر. نزور جدو وتحكي له عني طبعًا وبعدين نزور جدي وجدتي وأحكي لهم أنا عنك. وبعدين نروح نقعد في مكان، نتكلم ونتغدى ونحلي. إيه رأيك؟ -موافقة جدًا. مر الوقت بسعادة. استقرا داخل أحد المطاعم وبعد تناول الغداء، بدأ رامي حديثه. ينظر لها تارة ويخفض عينيه تارة. امتلأت كلماته بالتوتر يمهد لكلمات ثقيلة لا يعرف كيف سيكون طريقهما بعدها. حملت نبرته ببعض الأحيان الأسف والندم:

-أنا عارف إن جوازنا جه فجأة، ما نعرفش حاجة عن حياة بعض. كنت بسمع منك شوية حاجات صدفة. والحقيقة برضو كنت بتعمد أمر من الأماكن اللي بشوفك فيها مع صاحبتك غادة. نظرت له بدهشة، أكان يتابعها بالفعل كما لمحت غادة؟ لم يتركها لدهشتها واسترسل يوضح موقفه:

-لو حلفت لك إني مش عارف عملت كده ليه مش هتصدقي وعندك حق، بس دي الحقيقة. أنا سألت نفسي كتير وما وصلتش لإجابة. لما ارتبطتي جزء مني فرح، لأن ارتباطك أجبرني أبعد. وفي نفس الوقت جزء مني حزن وأنبني لأنك بقيتي لغيري وبالتحديد وسيم. تُنصت باهتمام لا تقاطع مهما توالت برأسها الأسئلة. حاول فهم رد فعلها راجيًا مسامحتها. استرسل يجْلد نفسه ويمهد لها أن تتقبل رغبة شيماء راضية أو صاغرة. استنشق بعمق يمد نفسه بالقوة ليكمل اعترافه:

-كنت شبه متأكد إن ضميره مش صافي ناحيتك. بشوفه بيغلي بعد كل مرة تصديه، ويكذب عشان يحسن شكله. ما كانش متعود إن واحدة تقوله لأ وتصر على ده. أنا ظلمتك زيهم. تجعدت معالم وجهها باستفهام. كانت متكئة على المنضدة فاعتدلت: -وقت ما حصل لخبطة في مرتبى افتكرت إنك قصدتي عشان تلفتي انتباهي. اخفضت رأسها بحزن ألم مهجته فعقب موضحًا: -بس والله ندمت في وقتها!

أول ما لمحت دموعك المحبوسة، لما تعبتِ في الجامع كنت بجلد نفسي، ندمت ندم عمري. من بعدها بقيت كل ما أشوفك واقفة مع صاحبتك أتحجج بأي حاجة وأروح ناحيتكم، وأسمع كلامك معاها. وكل مرة إحساس غريب يملكني، أحاول أعانده وأعاند نفسي، بس ما كنتش بقدر. كل مرة أسمع منك حاجة الاقيني حاسس بيكِ لدرجة إني أحيانًا ببقي عايز أحضنك وأبعدك عن كل اللي يضايقك، وللأسف بعدها ظلمتك تاني.

رفعت رأسها واتسعت مقلتيها بصدمة ولم تخرج من صمتها. فسحب نفس عميق، يشجع نفسه ليواصل: -لما تقدم لك وسيم وقبلتي اقنعت نفسي إنك بترسمي على حد فينا. تعثرت الكلمات بفمه مع انكماش قسمات وجهها تحارب سقوط دموعها وانطفأ نوره. حاول العثور على كلمات مناسبة تهون صدمتها به ويبرر بها سوء ظنونه:

-يومها شوفت في عينيكِ دموع عارفها كويس دموع الخذلان. عينيكِ بتدور على حد وسط الموجودين. وسمعت كلامك مع غادة. صدقيني يومها كان صعب في كل حاجة. تجوزتي وسيم، عياطك ودموعك اللي قتلتني، خوفت عليكِ منه ومش قادر أنبهك. كتير أسمع كلامك معاه، احترمك أكتر وأصغر قدام نفسي أكتر.

اخفضت رأسها بخزي من العالم كله، شعرت وكأنه ألقاها من قمة سعادتها إلى أعماق بئر تعاستها. سقطت منها دمعة حارة أزالتها سريعًا، تهدجت أنفاسها وهي تحاول بكل طاقتها تنظيمها واستعادة هدوئها. تسرب إليه الخوف، ألن تسامحه؟ أستبعد؟!! تغلب الحزن على نبرته، ما عاد يستطيع إخفاءه وتغيرت ملامحه ترثي نفسها لبداية فقدان الحبيب. احمرت عينيه بألم فاخفض وجهه قليلًا يحجب عنها عينيه:

-مش قادر أقول سامحيني، لأني مش مسامح نفسي، بس هاحكي لك ليه بقيت أفكر كده؟ كان ممكن أبدأ بحكايتي وحياتي، عشان تتعاطفي معايا، وتسامحي من قبل ما أتكلم، بس فضلت أبدأ بحكاياتنا، حكايتي معاكِ من البداية عشان تحطي أنتِ بأيدك النهاية اللي تشوفيها مناسبة ليكِ.

شهيق حاد حارق أشعل عقله بذكريات الماضي. وصلها إحساسه من ثقل أنفاسه فرفعت رأسها؛ لتتمكن من رؤية وجهه والألم الذي غزا قسماته، وأسقطه ببحر الأحزان. فخرجت كلماته حزينة ساخرة حتى تخلت عنه السخرية وتركه فريسة الجوى يسيطر على قلبه: -كل الناس تعرف إني الابن الناقم والجاحد للدكتور ماهر الديب صاحب المال والجاه، ما حدش منهم يعرف حاجة عن حياتي ولا اللي شوفته معاه؟

محدش فكر ليه دكتور جراح ناجح ينطلب بالاسم في مستشفيات كبيرة، لسه لحد النهارده في الاستقبال؟! ولا ليه ما فيش مستشفى من اللي بيطلبوه بالاسم قدمت عرض أو وافقت على طلبه أنه يشتغل فيهم؟ رفعت كامل رأسها وطالعته بدهشة. وصلها المعنى بوضوح، والده يحاربه. سحب نفس أعمق وجاهد لينظر داخل عينها واسترسل بألم عميق سكن فؤاده لأعوام وجسم عليه:

-ما حدش يعرف الوحدة ولا الخوف والرعب اللي شوفتهم معاه. ما حدش يعرف الحفلات المستمرة كان بيحصل فيها إيه؟ عمري ما أنسى آخر حفلة حضرتها واللي بعدها جدي الله يرحمه أخدني معاه. لولاه كان زماني ألعن من وسيم، كنت هبقى... هبقى زيهم.

كم الشجن بكلماته والحزن العميق المنبعث منها جعلها تنسى كل ما اقترفه بحقها. مدت يدها بتوتر تحتوي كفه بين راحتيها وشددت عليه. طالعته بنظرة داعمة. نمت على وجهه ابتسامة حزينة يعلم أن وضعه يستحق الشفقة. استنشق الهواء بعمق وبدأ سرد ذكرياته عما شاهده بتلك الحفلة. ارتَعَش جسده وكأنه يعيشها من جديد. يشدد من غلق مقلتيه بعنف يمنع عنهما صورة من الماضي البغيض. تعدمه شيماء بالضغط على كفه، تؤكد عليه وجودها بجانبه ومشاركتها لأحزانه. تركته يخرج كل ما ألمه وأرهقه. وبالنهاية نظر داخل

عينها وتحدث بنبرة مقتولة: -شوفت الستات كلهم زيها وخوفت أكون زيه. لحد ما شوفتك تصدي وسيم ومتمسكة بموقفك، قوية رغم ضعفك، بكلامك عن جدك والخذلان من والدك حسيت إن في شيء مشترك بينا. أنا آسف بجد أسف لأني خذلتك، أسف لأني جرحتك وظلمتك، آسف لأني ضيعتك وخسرتك وعارف إني هندم باقي عمري. تعالت دقات قلبها وارتعشت يديها، فسحت يدها بهدوء تضمَّهما معًا، ثم أخفضت وجهها وأغلقت مقلتيها تجمع شتات نفسها، تخبر ذاتها أنه

زوجها ولا حرج من اعترافها: -أنا... أنا ما يخلصنيش ندمك. -بجد؟! -بجد. يمكن في بداية كلامك حزنت وقلبي وجعني وفكرت في البعد، لكن لما حكيت طفولتك نسيت كل حاجة. ما شوفتش غير الوجع اللي جواك، ومش عارفة أعمل إيه عشان أشيله عنك أو أقلله! غير أني تأكدت إنك هتوفي بوعدك. -إنتِ بتتكلمي بجد! سامحتيني! -لأ بهزار. أنا عايزة شاي غير اللي برد. -يعني مستعدة تكملي معايا وتستحمليني، مش هتملي وتزهقي، مش هتبعدي وتوجعيني زيهم.

-أحب أعرفك إن عندي نفس الفوبيا (البُعد) . بحس إن كل اللي حواليا هيجي يوم ويبعدوا. بطلب من غادة كل يوم ما تبعدش وتسيبني. لما هو قرب رغم رفضي له إلا إني خوفت من البُعد. حتى لما اتجوزنا رغم إني بحس بالأمان في وجودك إلا أني بردو بخاف، بخاف قوي تبعد في يوم وتهجرني. في بداية كلامك أثر فيَّا قرب البعد أكتر من باقي كلامك. حركة رأسها العشوائية حجبت عنها رؤية البسمة التي أنارت وجهه بسعادة وإشراق، جذب يدها يضمها بين راحتيه

يغلفهما بحب دافئ وحنان: -بجد يا شيماء أنا بالنسبة لك الأمان. أنا والله هاحميكِ حتى من نفسي! عارفة أنا دايمًا معاكِ بكون مختلف، معاكِ بس تقع القشرة الناشفة اللي حاوطت نفسي بها. وعد أشيلك في عيني، لا أجرحك ولا أبعد إلا بطلبك أو بنهاية الأجل. -بعد الشر عنك، ما تقولش كده تاني. -بحبك.

بدأ البعض أخذ خطوات جدية لتغيير حياته كما يهوى؛ ليصحح مسارها. فبدأ الثنائيان حسن ونيرة ورامي وشيماء في تجهيز عش الزوجية فانتقل حسن لبيت والدته تاركًا منزله لنيرة لتضع لمساتها به تنظمه كيفما تشاء. ورامي اتفق مع شيماء أن يبدلا غرفته بأخرى مناسبة محتفظين بباقي الأثاث فقط سيتم تلميعه وطلاء الجدران ليحتفظا على عبق جديه وذكرياتهما.

دمية رقيقة ومغرورة أهدته نفسها، فامتلكها عازمًا الاستمتاع بها وتدميرها ببطء وتمهُّل. يوبخها ويُسمعها أسوأ الكلمات. وإن حاولت الاعتراض يهدد بنشر ما سجله. حبسها حبسًا انفراديًا ببيتها يمنعها حتى عن الخروج لإحضار مستلزماتها. يرسل لها ما تريد مع أحد عساكره. يرافقها إلى مركز التجميل لتستعيد نضارة بشرتها التي فقدتها لنضوح حالتها النفسية عليها. يسقط قلبها ويهوى حال وصولهما لبيتها؛ خوفًا أن يعيد ما حدث أو يحدث ما هو أسوأ؛ فلم تعد تأمن مكره. كل أفعالها تزيد متعته باللهو بها. يتركها لأوهامها، يمهد لانتقامه. سيفعل بها الكثير، لتعرف ووالدها الراحل من هو كمال غالب. سيغلبها بمكره، ويقهرها بدهائه. سارة الآن بعرينه وقريبًا ستغدو بين مخالبه.

انسدل الأسبوع سريعًا لمن تملكتهم السعادة وبطيئًا لذوي الجروح والألآم. خلاله لازم مؤنس الشرود يجاهد ليصب تركيزه بالعمل، تحت نظرات طارق المتابعة، والذي يساعده ليشحذ تركيزه بالعمل. طيف أغلقت على نفسها واكتفت ببدء حياتها العملية. استلمت عملها الذي رغم بساطته إلا أنها تشعر بالتيه والخوف. ولم تخلُ أي ورقة تنجزها من الأخطاء المتعددة. احتل تفكيرها ما رُسِّخ بعقل ابنتها وزُرِع بقلبها. تتجاهل هاتفها الذي لا يستقبل سوى مكالمات

مؤنس. من خجل أن يذهب إليها، يعلم إنها تُحَمّله وزر بُعد ابنتها. لا يدرك أنها لا تلومه من الأساس ولا تُحَمِّل غيرها وزر ما حدث ويحدث. ويزيد عليها مر الانتظار. اشتاقت لابنتها فور ابتعادها عنها، وزاد عذابها الحلم الذي يراودها كلما أجبرها جسدها على النوم.

بعدما عادت من العمل تشعر بثقلها تحمل على أكتافها من الهموم جبال. فشلت قبل أن تبدأ؛ فيبدو أن صاحب العمل سيستغني عنها قريبًا جدًا. استاء من أخطائها المتكررة. ألقت ثقل جسدها على المقعد خلفها ضمت نفسها وسرحت في حياتها وما آلت إليه فغشى عينها النوم وراودها حلمها الذي صاحبها منذ أن قابلت ابنتها:

«تقف بمنطقة صخرية جافة تسمع صراخ ابنتها تنادي عليها من مكان بات بعيدًا جدًا لا تستطيع تحديده. رغم تداخل كلماتها مع بكائها المنتحب إلا أنها فسرتها بوضوح. ابنتها تناشدها القرب لترتمي بحضنها تلمس الأمان. حاولت بكل طاقتها إخراج صوتها ومناداتها، لكنه حبس داخل جوفها سُلْسِل بحنجرتها، فلا تصدر منها حتى همهمات. تكسو الدموع وجهها، تحاول مرارًا إخراج صوتها دون جدوى؛ فاستيقظت منتفضة وجهها مبلل بالدموع وصراخ ابنتها ما زال يصم أذنيها».

طوال الأسبوع ترى ذات الحلم وبكل مرة يزداد صوت ابنتها بُعدًا حتى بات لا يصل إليها مداه، لكن القلب سمعه وغص بحسرة مريرة، يربط بين حلمها وما تمر به، تتمنى أن تخيب ظنونها.

لم يتوقف عقله عن سرد وتحليل ما دار بينهم. هدوؤهم يثير قلقه وحدسه يخبره أنهم يمكرون. جزء بسيط بعقله يخبره بأن من وعدهم من رجال القوات المسلحة فلن يخلف وعده وإن تقاعد لبلوغه سن المعاش. يتمنى ألا يصيب حدسه. لن يقبل سوى باقتناص حق طيف من بين براثنهم. سيتحلى بالصبر، سيقتل نفسه إن لزم الأمر من أجلها. هاتف المحامي مرات عدة ناقشه بكل الاحتمالات حتى مل منه. كلما مر الوقت كلما زاد توتره وهاتف داخلي يخبره أن القادم قاتم. بكل مداهمة لأحدى البؤر الإجرامية يتخيلهم جميعًا شهاب؛ فيخرج بهم غضبه. وأخيرًا أتى الموعد المتفق عليه، وها هو يجلس ومحاميه في انتظار مقابلة شهاب ووالده. ينظر في ساعته بين الحين والفَيْنة. طالعه

المحامي وحاول طمأنته: -ما تقلقش زمانهم طالعين، أكيد بيحاولوا يضغطوا على أعصابنا. -مش متطمن، حاسس إنهم بيدبروا لحاجة. بتلك اللحظة طل عليهم والد شهاب بطلته المعتادة غير التي ادعى إياها بالمقابلة السابقة. جلس بكبر واعتلى قسمات وجهه بسمة ظافرة وبنبرة صلفة متغطرسة أخبرهم:

-شهاب سافر والبنت بالتأكيد معاه، كنتم فاكرين، أنها ممكن تاخد البنت، دي واحدة حقيرة، ما تمشيش غير بيد من حديد. تصرفاتها في آخر فترة عك في عك، تحمد ربنا إننا سمحنا لها تشوف البنت لآخر مرة، قبل ما تسافر. انتفض واقفًا وتبعه المحامي الذي استعد ليحول بينهما؛ فهيئة مؤنس تبدو كمن يستعد للانقضاض على خصمه، وهذا قد يضعهما في موقف سيئ كما يعرض وظيفة مؤنس للضرر:

-إزاي تسافر، الحضانة حاليًا مش من حقه، هو اتجوز من قبل الطلاق، حتى الزواج كان لازم يخطرها به، وأنت المفروض رجل قوات مسلحة بتدافع عن الحقوق، مش تضيعها. تدخل المحامي يحاول الوصول لأي معلومة: -اهدي يا سيادة الرائد خلينا نتفاهم. يعني حضرتك يا سيادة اللوا كنت عارف إنهم هيسافروا، ما إحنا ممكن نحضر البنت من خلال الانتربول، بعد ما الحكم يؤكد الحضانة للأم، وده هيسبب شوشرة لك ولاسمك.

-وأنت فاكر إن الدولة هتقوم وتكلم الانتربول لتنفيذ حكم وصاية طيف! ريح نفسك يا حضرة المحامي هي أصلًا بترتب للجواز بعد عدتها ما تخلص من الأستاذ اللي واقف بمنتهى التبجح ويرفع صوته في بيتي، وبكده الحضانة ترجع لي لأني استحالة أقبل إن حفيدتي تربى مع جدها التاني ويمشي وراها بالحزام زي ما عمل مع أمها، وفي كل الأحوال استحالة أسمح لها تلوث البنت بقذارتها.

فقد كامل قدرته على ضبط النفس، تملكته شياطين العالم حتى احمرت عيناه من فرط غضبه، كاد ينقض عليه لولا أن المحامي وقف أمامه كحائط صد وتمسك به بكامل قوته وقدرته، فلن يتردد ذلك الثابت كاسمه والجالس بتعجرُف يضع ساق فوق أخرى غير آبه بثورته عن تقديم شكوى رسمية لقادته وإلحاق الضرر به. رغم كل ذلك لم يستطع وقف جموح كلمات مؤنس:

-طيف أشرف منكم كلكم، هي إنسانة وأنتم شياطين، القذارة هي أفعالكم وحقها هافضل وراه، هرفع بدل القضية عشرة، وكل كلامك ده هتدفع تمنه غالي. -حقيقي! متشوق أدفع التمن، الزيارة انتهت يا سادة، شرفتُم. بالكاد تمكن المحامي من دفع مؤنس للتحرك، بدا وكأن قدميه ثبتت بالأرض ولا يزال جسده متحفز للهجوم، يحدِّج الآخر بنظرات نارية تُقابل بأخرى باردة مستفزة. يكاد عقله ينفجر من تدافع الأفكار، أنفاسه متصارعة ووجهه محتقن بالدماء،

أسئلة عديدة تدور برأسه: كيف ستتقبل طيف ما حدث؟ هل ستحمله وزره؟! نكث مجبرًا بأول وعوده لها وأهمها، لا يعلم كيف سيخبرها، خذلها لم ينصرها، اتجه إلى طارق وقص له ما حدث وكل مخاوفه، وبعد نقاش لم يطل اتجها إلى طيف.

استقبلتهما توزع نظره بينهما، تأكدت من وقوع حلمها؛ فجلست معهم وحلق صمت مؤلم بالمكان جعل أنفاس مؤنس هي المتحدث الوحيد، وتبدلت الأدوار أخفض نظره بخجل لعجزه عن نصرتها وهي تطالعه برجاء أن يخلف ظنها، وكلما زاد الصمت وأطبق كلما انحنى ظهره وتجلت كسرته. تنحنح طارق مجليًا حنجرته محاولًا تجاوز الموقف وإنهائه رفقًا بالجميع:

-مدام طيف، مؤنس والمحامي عملوا اللي عليهم وأكثر، الفترة اللي فاتت كانوا بيجمعوا الورق والمعلومات اللي تمكنك من حضانة البنت، بدأوا بالفعل إجراءات رفع القضية تحسبًا لأي رد فعل من طليقك وأسرته، لكن وللأسف طرقهم ملتوية، عيب حقيقي على لواء جيش متقاعد استخدام الأسلوب ده للمراوغة، كانوا مرتبين نفسهم، أجلوا المقابلة لحد ما يسافروا بالبنت. باتصالاتنا هنحاول نعرف وجهتهم ونرفع القضية، لكن حبال المحاكم طويلة، واحب أؤكد لك إن مؤنس حقيقي عمل كل اللي يقدر عليه وأكثر، وأعتقد أنه ألزم نفسه باللي يفوق طاقته بكتير.

لم تقاطعه وأخلفت جميع تصوراتهما لدرجة أدهشتهما بشدة، وأثارت قلق وتخوف مؤنس عليها حد الهلع، وبمنتهى الهدوء انسحبت ودلفت غرفتها مغلقة بابها، كاد أن يلحق بها للداخل فمنعه طارق، ممسكًا ذراعه: -رايح فين؟ -مش شايف عاملة إزاي، قلقان يا طارق قلقان يا أخي. -اديها وقتها، من حقها تتوجع، دي بنتها اللي سرقوها منها، أنت مش فاهم هي حاسة بإيه دلوقتي. -عندك حق ما أنا عمري ما كنت أب قبل كده.

-أنت متأكد إن ده مش قصدي، وبالرغم من كده فأنت حسيت بفقد الابن بدل المرة أربعة وأنا شاهد على حالتك بكل مرة يوصلك الخبر. يا مؤنس الأم بتشوف ابنها بقلبها، ترتبط به أول ما يتكون بأحشائها، بنتها عدت العشر سنين، متخيل وجعها، غير إن البنت سمعتها كلام صعب زي ما حكيت لي، عشان كده بقول لك سيبها تاخد وقتها وتتمالك نفسها. جلس بإرهاق يخفي وجهه داخل كفيه وسحب نفس عميق، ثم مسح وجهه: -قلقان عليها يا طارق هي أضعف من اللي بيحصل لها.

-أنت مش أرحم بها من ربنا، خليك موقن لو ده أكبر من طاقتها ما كانش ربنا اختبرها فيه، ساعدها أنا مش معترض، بس اديها وقتها الأول. امتثل له عازمًا مهاتفتها والاطمئنان عليها، غادرا وذهب كل لطريقه. جلست على الفراش تحتضن ساقيها تنظر أمامها بتيه وعقلها شارد. ظلت على حالها وقت طويل، كأنها تستوعب ما حدث، ثم تهدجت أنفاسها ببكاء حار، وضعت راحتيها على فمها تكتم صرخاتها. وجدت عقلها

يعيد عليها كلمات شهاب: «لما نغلط لازم نتعاقب والعقاب يوجه للجسد أو الروح، عقاب الجسد يا طيف ينتهي ويندمل، لكن عقاب الروح بيدوم كتير». عادت بذاكرتها لتلك المرة التي رفعت صوتها عليه، ثارت ولم تهب عقابه، فعاقبها بحرمانها من حلا، وحين ترجته وقف ذلك العقاب، وجد لها عقاب آخر مناسب من وجهة نظره. عادت بعقلها تعيش تلك اللحظات الآثمة التي ذبحتها وجعلتها خاضعة له.

مساء هذا اليوم وبوقت النوم، اطمأنا على استمتاع حلا بنوم هادئ، دلف الغرفة وهي تتبعه، أمرها بالوقوف بمنتصف الغرفة أخذ يدور حولها ببطء كمحقق محنك، يرهبها ويستنزفها معنويًا: -بما أنك زهقتِ من العقاب البدني وما بقاش فارق معاكِ، وطلبتي عقاب تاني... -والله مش قصدي! آسفة. اخرسها بنظرة حادة حارقة:

-ففكرت لك في عقاب ممتاز، يعرفك مقامك بدون جهد مني، لكن هاتفضلي فكراه طول عمرك. في الدول الأوروبية في بعض الناس اللي شايفة نفسها زيك كده مش عارفة تكون بني آدمين بتختار تعيش حياة الحيوانات، فقررت أخوض التجربة دي معاكِ بالليل تكوني الحيوان بتاعي، بمعنى بمجرد دخولك والباب يتقفل تتحولي لحيوان وتتعاملي معاملته بكل التفاصيل، الصغير منها قبل الكبير، وهدربك أديكِ الأمر تنفذيه، عدم التنفيذ معناه نرجع للعقاب الأصلي وأحرمك من حلا.

شحب وجهها وأغمضت عينيها بقهر، واسترسل هو بتشفي ومكر: -الحال ده يستمر إد إيه... أيوه تلت أيام، ومش مسموح بتقصير في البيت والتقصير معناه يوم زيادة ومش محتاجة أقول لك مفيش حلا لحد ما تخلصي العقوبة، قولي لي تحبي أناديكِ باسم أي حيوان.

عادت من ذكرياتها وأنفاسها متهدجة من معايشة تلك الذكريات السوداء، تغمض عينيها وتطبق عليها لعلها تمحوها من مخيلتها، فهو نفذ كل قال، أبدع في إذلالها وتمعن، كلما فاضت دموعها ضحك بصخب، قهــرها يرضيه، ذلها يسعده، ثلاثة أيام تفنن بتلقيبها بالأقبح، شعرت حقًا كأنها كذلك.

وبعقل تربى وعاش على فكرة العقاب، وبلحظة فقدت فيها الأمل، صور لها عقلها ووسوس لها شيطانها بمعاقبة نفسها كما فعل شهاب، ليعفو عنها ويعيد لها ابنتها، أطالت النظر للسوط الذي ما زال بموضعه، حاولت التقاطه عدة مرات وفشلت، تهابه مثلما تهاب شهاب وأكثر، وعندما أدركت عجزها عن إيذاء نفسها بدنيًا، حدثها شيطانها بتحقير نفسها بعقابه الأخير؛ فوقفت بقلب الغرفة وعاملت نفسها كما فعل شهاب حينها، يتردد بعقلها كلماته ووصفه لها، تفعل بنفسها كل ما فعله بها، شعرت وكأنه يدور حولها، يسخر منها، يلقبها بالأبشع، ظلَّت هكذا حتى خارت قوتها وسقطت أرضًا.

باليوم التالي فتحت مقلتيها، تشعر بإنهاك جسدها تنظر لحالتها المزري وملابسها الملقاة جانبها، أعاد عليها عقلها ذكريات الأمس القريب والبعيد؛ فلم ترحمه وأعادت فعلها، وقفت حتى ثار جسدها عليها فسقطت بمحلها تبكي، وحين انتبهت انتفضت واقفة، حتى سقطت مغشي عليها، وبإصرار واصلت تعذيب نفسها حتى دخلت في إغماء لم تفق منه.

اتصل بها مرات عديدة بأوقات متفرقة ولم يمل، توقع أن تتجاهله، لكن طال أمد التجاهل يعلم أنهم أعدوا فعلهم سلفًا سواء ظهر في الصورة أو لا، لكن يبدو أنها تحمله وحده إثمهم. هناك هاجس لا يفارقه استبعده بالبداية عن ذهنه ثم عاد يلح عليه، ترك لها الوقت لتبدأ مداواة نفسها ثم سيساعدها ويمد لها يد الغوث، وقلب العاشق المتيم يخبره أنها فقدت صبرها وقد تقدم على خطوة حمقاء قد تفقد بها حياتها وتقع بإثم أبدي. ارتعد قلبه وانتفض من موضعه يسبقه إليها، لام نفسه فكيف تركها لأربعة أيام كاملة لا تجيبه ومنعزلة عن العالم!!!

كيف طاوعه قلبه؟! لا مزيد من التردد تحرك إلى بيتها مسرعًا، يسابق دقات الساعة، هاتف طارق يخبره بقدومه ولربما احتاج مؤازرة زوجته لطيف.

وقف ببابها يطرقه بكل ما أوتي من قوة، تذكر نسخة المفتاح التي يحتفظ بها منذ مهاجمة والدها، فتح وانطلق لغرفتها ضربته الصدمة حجبت عقله وأوقفت تفكيره لثوانٍ شحيحة، وما لبث أن عاد لصوابه فأزاح وجهه عنها، وصرخ يمنع زوجة صديقه من الدخول، أسوأ موقف وضع به على الإطلاق. رفعها عن الأرض ووضعها بالفراش وتحاشا أن يقع بصره عليها وكاد أن يتعثر بها، أخرج غطاء من الخزانة سترها به وتأكد من تغطيتها بالكامل، خرج إليهما ودلفت زوجة طارق حاولت إفاقتها دون جدوى فألبستها وأسرع مؤنس بها للمشفى.

ملأت وجهه الصدمة، لم يستوعب عقله ما حدث ويحاول العثور على تفسير مناسب. لحظات مرت عليه سنين، عينه متعلقة بباب غرفتها يراقب حركة الطبيب والتمريض من حوله. حالة من الهرج لسوء حالتها، جفاف وسوء تغذية متفاعلان مع مرض السكري. يبثه طارق بضع كلمات من حين لآخر محاولًا تهدئته دون جدوى، ورغم عدم سماح الطبيب له بالدخول إليها إلا أنه رفض المغادرة، وجلس أمام غرفتها.

انتفض مستيقظًا مع بداية نشاط الحركة بالرواق، طالع المكان حوله يتمنى أن يكون كابوسًا وانتهى، لكنه واقع مرير. نظر إليها عبر زجاج غرفتها وبداخله مزيج من مشاعر متضاربة، يتذكر كلمات الطبيب عن مدى سوء وضعها وأنها ستستغرق بضع ساعات أو أيام لتشعر بالعالم حولها. مضطرًا سيعود لروتينية حياته منتظرًا عودتها من هروبها.

بضع أيام مرت وهو يقسم يومه بين عمله ووالدته ثم يقضي باقي اليوم يطالع بابها، ومنفصلة عن واقعها هاربة منه لآخر افتراضي.

بدولة عربية شقيقة، مر على وصولهم بضعة أيام، استعادت ريفال نمط حياتها، وبدأت مع شهاب حرب باردة، كل منهما يحاول فرض سيطرته على الآخر. نزال مستتر ومشادات عابرة وقعت بينهما. هي نشيطة بطبعها، لا تحب إدخال الأغراب، تستقبل خادمة مرة كل فترة لتنظيف عميق للمنزل، تحافظ عليه ولا تترك خلفها أي أثر، لكن فرد غير ثلاثة، وثلاثة متعاونين يختلف عن ثلاثة بينهم شهاب. أسلوبه الآمر الحاد لا يلائمها، متمردة بطبعها وتكسر القيود. لم يحاول شهاب فهم طبعها مقتنع أن التدرج في فرض رغباته هو ما يناسبها، بدأ برفض التعاون أو المحافظة على المكان، يراه خطوة أولى لفرض تحكمه، يعتقد أنَّها لا تعلم نواياه.

هي الحلقة الضعيفة والهشة بينهما. منذ الوهلة الأولى أعلنت لها ريفال وجوب الاعتماد على نفسها بكل تفاصيلها بداية من ترتيب غرفتها، وإن احتاجت للمساعدة فعليها سؤال والدها. وشهاب غارق برغبة عارمة لترويض فرسته الجامحة، طفلة باتت ذابلة بلا اهتمام ولا حب أو حنان، نبتة جُزَّت من أرضها وبخلوا عليها بأخرى بديلة؛ فانزوت وانغلقت على نفسها، تحاول تجنب الجميع.

تجلس بمكتب فخم لأحد الشخصيات المرموقة بالدولة، تعلو وجهها ابتسامة عريضة تتحدث وكأنها بمكانها وبأريحية شديدة: -والله اشتقنالتچ، كل هاذي غيبة، ظنيتك ما راح تعودين. -ليش يا بو عبد الله، ما طولت لها الدرجة. -لا ريڤال ابغاتچ تتكلمين مصري، أنا أعشق المصري. أطلقت ضحكة رنانة مدوية، وعقبت بنبرة أنثوية متلاعبة:

-تحب المصري والمصريين يا أبو عبد الله، أنا ما طولتش قوي كده الموضوع وما فيه أبويا وأمي صمموا اتجوز في مصر، خصوصًا بعد اللي حصل. -إيش اللي صار؟ أرى أهلك مكبرين ها الموضوع، ليش ما تچوزيني ريڤال، تعلمين أني اعشقتچ. -من القلب للقلب، بس مراتك لما عرفت حاولت تقتلني، وأنت عارف عيلتها مين؟ وفي الأول والآخر أنت جوزها وأبو عيالها، ولما حبت تتخلص من حد دارت عليا. -ما تذكريني، كنت راح موت بجهري عليتچ.

-والعمر مش بعزقة، عشان كده وافقت على الفكرة. -تشوفيني جليل ريڤال. -توء، مش قليل، بس عيلة مراتك قريبة من العيلة المالكة، ومش هيسمحوا إن سيرتهم تتمس بسوء وجوازي أسلم حل عشان يتأكدوا، إني بعيد، ويحلوا عني. -خبريني عن زوجتك، ريال زين؟ -الغدنفر. -إيش هاذا الغدنفر؟ شكلوا ما ريال زين.

-تصدق أنا رفضته من قبل ما أشوفه، واخد في نفسه قلم محترم، وقبل ما تسأل عامل زي الطاووس، ريش على ما فيش، لكن أهلي أصروا، وشرطوا رجوعي بالجواز، ولما قعدت معاه الحقيقة أثار فضولي، فقولت أكسب فيه ثواب وأربيه، أهو أصلح اللي أبوه وأمه فشلوا فيه. ضحك بصخب ثم التقط أنفاسه معقبًا: -مانك سهلة، والله كل ما أجعد وياچ، تبهريني، والله كلي شوج، أعرف شو راح تسوين، تعتقدين راح تقدرين عليه وحدك. -ليه وحدي، وينك يا ريال؟

-عامجولتك مانك سهلة وايضًا، ايش سويتو لأيام الماضية. -قرفني، سي السيد حضرتوا مش عايز يشيل حاجة من مكانها، بالعافية يتحرك يعمل حاجة، وشغل البيت لتلاتة كتير. -ليش تلاتة؟! -مخلف بنت، أخدها من أمها بالعافية، وأمها ضعيفة فرض عليها سلطته. -سهلة نزوّجها. أطلقت ضحكة رنانة ثم استرسلت معتذرة: -كل تفكيرك في الجواز، البنت لسه صغيرة حوالي عشر حداشر سنة مش فاكرة، لسه عيلة يعني. -أراكِ توصلتي لحل.

-قاريني على طول، البنت أنا فهمتها تعمل كل حاجة لنفسها، وهي منطوية خصوصًا بعد ما ملوا دماغها بإن أمها سابتها. الفكرة فيه هو، لسه بشوف عايز يوصل لإيه؟ راخية الحبل زي ما بيقولوا، ولو لقيته عايز شَدَّة هقولك. -أنا في ضهرتچ دايمًا ريڤال، شو ما بدتچ راح أسوي. -تسلم لي يا أبو عبد الله.

كمَن يجلس على صفيح ساخن، ينفث لهيب أنفاسه، ينتظر عودتها وعلى وجهه شرارات الغضب. فتحت الباب ودلفت للداخل، قرأت مكنونه فتجاهلته متجهة لغرفتهما. بدلت ملابسها ووضعت الطعام، جلس ثلاثتهم تناولوه، ثم انسحبت حلا بصمت ولم ينتبه لها شهاب، فجل تفكيره منصب بزوجته وكيف يتصرف معها. وكما كان يفعل مع طيف تركها تنهي أعمال المنزل أولًا وانتظرها بالغرفة. عندما دخلت وجدته جالسًا بتحفز فطنت سببه؛ فتجاهلته للمرة الثانية. اعتلت الأريكة المريحة المصممة لتحتل زاوية الغرفة المجاورة للفراش، فتحت هاتفها تتابع مواقع التواصل الاجتماعي. أتاها صوته مع إتمام جلوسها،

امتلأت نبرته بغضب مكتوم: -دوامك بيخلص إمتى؟ طالعته بتدقيق، ثم أجابت بعدم اكتراث: -خمسة. عادت لتصب تركيزها بالهاتف؛ فنهض وجذبه بعنف، فوقفت بغضب مماثل وأخذت الهاتف بنفس الطريقة ثم رفعت سبابتها بوجهه محذرة: -إياك، ثم إياك يا شهاب تتعامل معايا كده تاني. -لما أكون بكلمك تسيبي اللي في إيدك وتتكلمي معايا. -ليه؟

وبعدين ما أنا رديت عليك ولا عايزاني أقولها جملة كاملة صحيحة، تمام، لقد انتهى دوامي في تمام الساعة الخامسة، كويس كده. تحدث بعاصفة هوجاء: -أنتِ بتتريقي؟!! -شكلك فاضي وأنا حقيقي مجهدة؛ فتصبح على خير أنا هاقعد بره وأنت البيت بيتك طبعًا، خد راحتك على الآخر أنا مش بنام دلوقتي.

تحركت نحو الباب فجذبها بغضب ودون مقدمات صفعها صفعة دوى صداها بالغرفة، توسعت مقلتيها بصدمة، لم تتوقع فعلته، احمرت عينها من أوج سخطها؛ فتلك أول مرة بحياتها يقدم أحد على صفعها، حتى والديها لم يفعلا مهما أخطأت، ولن تقبل فعله، بل ستجعله يدفع ثمنه. ضيقت عينيها، كادت تطلق منهما الشرر، رفعت إصبعها وبأحرف مشتعلة توعدته:

-ورب الكون يا شهاب لتدفع تمن القلم ده غالي قوي، لو فاكرني مراتك الأولى، هنزل تحت رجليك أعيط تبقى بتحلم. أنا اللي يفكر يزعلني يفكر بس أبهدله، وأنت مش فكرت أنت مديت إيديك فمتزعلش من اللي هيحصل. -حقيقي! تحولت بسمة الاستفزاز العريضة والواثقة التي اعتلت وجهه مع كلمته الأولى لثورة غاضبة؛ فانقض على ذراعها بعنف:

-مفيش ست في الكون تقدر تدفع شهاب ثابت التمن، أدفع لما أكون عايز غير كده أنا اللي بدفع اللي قدامي التمن اللي عايزه، فاهمة! نفضت ذراعها منه وتركت الغرفة، ذهبت للمجلس كبركان ثائر لا يهدأ أبدًا، ومن فرط حنقها لم تستطع الجلوس، ظلَّت تدور حول نفسها وتحوم، لن تغفر له تجرؤه، تضع يدها على وجهها تتحسس أثر صفعته؛ فيزداد بركانها توهُّجًا. أرسلت رسالة نصية لأبو عبد الله: «هاجي لك المكتب بدري قوي ما تتأخرش ضروري»

ألقت الهاتف وظلت على حالتها وشهاب بالغرفة يشعر أنَّه انتصر بأول خطوة. مع بداية فرد الشمس لأشعتها كانت تنطلق بسيارتها متجهة إلى مكتب أبو عبد الله، وبرؤية معالمها فطن لوقوع خطب جلل. -شو اللي زعل الجمر؟ -أبو عبد الله، أنا عايزك تجيب لي حقي، الحيوان ده مد إيده عليَّا، أنا ريڤال، هو فاكر نفسه مين؟ -يا عيب الشوم، ريال يضرب مرا، مانه ريال، والله أجيب حجتچ، اجعدي، نشوف عجائب زين، يرضي الجمر. بعد فترة تفكير بسيطة

أردف وقد وجد ما يصبو إليه: -والله عندي فكرة زينة، تچيب لك حجتچ وبالجانون، وتتنفذ بيد غيرنا. -ازاي يعني؟ وليه مش بإيدنا؟ -تجولون بمصر إيش؟ أخد الحج حرفة، مو صح؟ -أيوه؟ -بهذي الفكرة، راح تاخدين حجتچ، بدون ما يكون لك يد، وهو ما يجدر يسوي لك شي، ولا يجدر يرفع عينه بكتيتچ، راح يستحي يعترف أنك خلف ما راح يصير بالأصل. -إيه هو اللي راح يصير؟

-هاذي ريڤال حجي، هالحين إحنا راح نسوي حيلة، قصة يظهر منها أنه حاول يسرق سيارة، صاحبها تركها مفتوحة بالطريق ونسوي بلاغ بالمغفر. -بس العقوبة صغيرة، ما تجيش حق القلم ولا انتظاري لحد ما الشمس تطلع. -خمسة أيام، وشوفي، ما سهلة ريڤال، وهو كيف ما جولتي ما جرب حدا يأمر عليه، وعشان ما تزعلي، راح نعطيه عجوبة تعزيزة عشرة جلدات، زين! -عشرين. -والله لاجل هاذي لعيون سوي أي شي، ما ريدك غضبانة.

لم يمر اليوم وسوى وشهاب بالمغفر، ولأول مرة يجرب الظلم، وبالفعل حكم كما أرادا، ووجهت له أول صفعة حقيقة من الحياة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...