الفصل 12 | من 38 فصل

رواية علاقات سامة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سلوى فاضل

المشاهدات
26
كلمة
2,590
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 32%
حجم الخط: 18

تردد صراخها غير المنقطع حتى وصل لمسامع والدة شهاب، فأسرعت إليها. طَرَقَت الباب مرارًا، تنادي باسمها. وطيف بعالم آخر، ترى نصب عينيها صورة أختها وبسماتها، تصرخ باسمها لعلها تجيب النداء. خنجر مسموم شق قلبها، فأدماه وروحها تأبى الصعود. يئست حماتها من إجابتها، فاتصلت بشهاب: -أنت فين يا ابني تعالي بسرعة. -أنا جنب البيت يا ماما، في حاجة! -طيف بتصرخ من بدري بخبط ومش بتفتح، تعالى شوف جرى لها إيه؟

-هاحاسبها على عدم ردها عليكِ... قاطعته مستنكرة: -يا ابني عايزاك تلحق مراتك مش تحاسبها، أكيد في مصيبة. فتح الباب ودلف بهدوء مبالغ به عكس حال والدته، التي أسرعت لطيف وضَمَّـتها بحنان، تحتوي ألمها: -مالك يا بنتي فيكِ إيه؟ فقدت الشعور بما حولها، فلم تسمع أو تدرك ما يدور حولها. تردد النداء على أختها ترجوها البقاء، حتى أُغشِي عليها. استنكرت والدته ثباته وعدم مبالاته لانهيار زوجته: -أنت بتتفرج يا شهاب. -أعمل إيه طيب؟

-كلم أختها ولا أبوها افهم في إيه؟ استجاب مضطرًا، لم يتهم بمهاتفة والدها، اتصل بزوج أختها وعلم بوفاتها. بكت الأم رثاءً للأختين، وما زاد صدمتها وتعاطفها مع طيف هو حالة الثبات وعدم الاهتمام التي تحلى بها والدها ورفضه الذهاب لتلقي عزاء ابنته. لم يرَ بذهابه سوى مشقة السفر، عَدَّته من عجائب الدنيا. أشفقت على طيف، وأصرَّت على بقائها بعنايتها حتى تتجاوز صدمتها.

رفض شهاب بالبداية، ثم اضطر للموافقة كي لا يثير شكوك والدته تجاهه. يومان انفصلت فيهما طيف عن الواقع من شدة حزنها، أُسرت داخل ذكرياتها. أرادت السفر لزيارة أختها، يكفي أنها لم تكن بجوارها وقت نزولها مرقدها الأخير. جاهدت مع والدها وزوجها، رجتهما بكل الطرق، لم يستجب كلاهما. فشهاب ترك لوالدها حرية الاختيار: -لو أبوكِ مسافر روحي معاه أنا مش رايح، ولوحدك مرفوض. أما والدها فكانت إجابته مختلفة مجردة من المشاعر والإنسانية:

-لأ، بطلي زن وإلَّا اشتكي لجوزك، اختك ماتت وادفنت، اقري قرآن من هنا مش لازم على قبرها، والحسنات هتروح لها سواء مِن هنا أو هناك، اتهَدّي بقي. فاستسلمت بالنهاية. ساد الهدوء غرفة نادية وشيماء، تذكرتا دروسهما. قطعت شيماء الصَّمت وغلب الحزن على نبرتها: -جدوا تعبان قوي، أنا خايفة، حاسة إن المرة دي غير كل مرة. -ما تقوليش كدا تاني، إن شاء الله هيبقى كويس. تنفست بعمق، ثم أعربت عما يجول بخاطرها:

-أنا كمان خايفة، تفتكري هنرجع لبابا تاني. -الدنيا مِن غير جدوا وحشة قوي، مش عايزاه يمشي، مش عايزاه يكون تعبان، نفسي يكون بخير ومبسوط، هو يستاهل كده، مش هنلاقي حد يحبنا زيه يا نادية أبدًا. أملأت عينيها بالعبرات واسترسلت بنبرة حزينة يشوبها الرجاء: -لو مشي مش هيبقالي غيرك يا نادية، ماما بعيد قوي وبابا ناسينا من زمان، أنا عمري ما أنساكِ أو أبعد عنك يا نادية، هو أنت ممكن تبعدي عني وتسيبيني؟ -أبعد أروح فين بس؟

تعالى نشوف جدوا. دلفتا غرفة الجد. تحدثت شيماء بمرح: -جدو يا جدو يا أحسن جد. تحدث بتعب واضح ونبرة غلبها المرض بالرغم من اجتهاده ليبدو بحالة جيدة: -العسل جه يشوف جدو. -لا أنا جيت آخد العسل من جدو العسل. تحدثت نادية بجدية كعادتها، توقف مزاحهما غير المتناهي: -طيب نوقف العسل اللي غرق المكان ونتكلم جد شوية، عامل إيه يا جدو؟ أنا وشيماء قلقانين عليك، ما تروح المستشفى أحسن! أكيد الرعاية هناك أفضل.

-العمر واحد والرب واحد، عايز لما الأجل ينتهي أكون وسطكم، أشبع منكم لأخر لحظة في عمري، مش عايز أموت لوحدي على سرير بارد. ألقت شيماء نفسها بين ذراعي الجد باكية، حل صمت حزين بالأجواء. قطعه صوت جدهما: -عارفين يا بنات الموت بياخد الجسم، لكن تفضل الذكرى بالقلوب، كلامي يتردد بعقلكم، محفور في جواكم، ولا هتنسوا جدو؟ أجابت شيماء بتلقائية:

-عمرنا ما ننسى أجمل جدو، أكتر حد حبنا، من غيرك الدنيا مُرَّة وصعبة، أنا بحبك قوي يا جدو، قبل ما تكون في حياتنا كانت وحشة قوي، وأنت جيت حَلّيتها وبقيت أنت دنيتنا. نظرت له نادية بابتسامة حزينة وفاضت دموعها. فتحدث الجد:

-مش لازم تتكلمي عشان أحسن بيكِ، أنا بحبكم أنتم الاتنين أكتر من بعض، أقولكم سر بحبكم أكتر من أمكم، أنتم أحن عليا منها، أنا عايز أوصيكم يا بنات على بعض وعلى أمكم وأبوكم خليكم بارين بهم حتى لو فضلوا قاسيين، عاملوا ربنا مش الإنسان، أوعوا تتفرقوا أو الدنيا تبعدكم عن بعض. -بلاش تتكلم كأنك بتقول وصيتك، بلاش يا جدو. ابتسم الجد بطيبة: -حاضر يا حبيبتي، روحي يا شيماء ذاكري وسبيني مع نادية شوية. جففت دموعها وتحدثت

بمرح تخفف حزن الأجواء: -هتقول لها سر ومش عايزني أسمعه، امم أنا ممكن أغلس، بس عشان خاطرك همشي. قبلته ثم خرجت. فاقتربت نادية من الجد وجلست على الفراش مقابلة له وعلى وجهها ابتسامة هادئة. -قول يا جدو أنا سامعاك. -فهماني يا نادية، أنا فعلًا عايزك في حاجة مهمة، ما ينفعش تتأجل أكتر من كده. أصغت بإنصات شديد حتى انتهى: -دي وصيتي لكِ، أوعي تنسيها أو تفرطي فيها، أختك من غيرك ضعيفة.

أومأت له موافقة وتشعر أنه ألقى عليها حملاً ثقيلاً. مرت الأيام ومؤنس يبحث عن طيف لم ييأس، بالرغم من انتقال عمل شهاب لجامعة أخرى، وعمل على إخفاء أثره والتعتيم عليه ليصعب اقتفاؤه، مستعينًا بنفوذ والده -ضابط القوات المسلحة -ومعارفه. استمات مؤنس للوصول إلى أي معلومة يستثمرها ليصل إلى طيفه دون جدوى. أصبح روتينه اليومي العمل والبحث عنها ثم الاستلقاء بفراشه يحاول تنظيم أفكاره والبحث عن شعاع أمل لإيجادها.

وبهذا الوقت دلفت إليه والدته غاضبة، يرودها خوف أم أضناها القلق على ابنها: -وبعدين معاك يا مؤنس! تعبتني يا ابني. -ليه بس يا أمي؟ أنا كويس أهو. -أنت بتضحك على مين؟! أنت لازم تتجوز، كده كتير. -مش عايز، اتكلمنا في الموضوع ده كتير قوي. -يعني هو اللي خلقها ما خلقش غيرها! -لو سمحت بلاش نفتح الكلام ده. -لا بقى هافتحه مرة واتنين وعشرة، وحيدي، عايزة أفرح بجوازك وأشوف لك ولاد كتير مش عايزة أسيبك لوحدك في الدنيا.

-عايزة إيه يا ماما دلوقتي؟ -تتجوز. -ربنا يسهل. -يسهل لما تتقدم لها. -أتقدم لمين؟! أنا مش ناوي أتقدم لحد! -لبنت العقيد اللي حكيت لي عليها. طالعها بيأس: -أنا بحكي لك آخد رأيك، وأنت تاخدي من الكلام اللي يعجبك بس، يا أمي مش هرتاح معاها، هي معجبة بالشكل العام بتحب المظاهر. -بتحبك وده عز الطلب. -بتحب نفسها والمظاهر، مش هرتاح غير مع واحدة بس، ومش عارف ألاقيها. رمقته غاضبة وبكلمات تحمل بطياتها التهديد تحدثت؛

لعله يلين وينفذ مبتغاها: -لو فضلت معاند اعتبر إني مش موجودة وما تتكلمش معايا ولا لسانك يخاطب لساني. غادرت الغرفة حاقنة غاضبة، فشعر بالضيق؛ تتكاتف عليه الحياة وتضيق سبلها أمامه، يعلم مدى إصرار والدته وعنادها لنيل مبتغاها ومرادها. ببطء مر الليل ونثرت الشمس أشعتها الحارقة. جلس مؤنس خلف مكتبه بضيق، يطرق بأصابعه على سطحه برتابة وشرود؛ فلم يستمع لطرقات بابه، الذي فُتح ودلف منه صديقه طارق: -بقالي ساعة بخبط. -آه، صباح الخير.

-هو إيه اللي أه! وبعدين يا مؤنس، هتفضل موقف حياتك على واحدة عايشة حياتها عادي، زمانها خلفت كمان وأنت محلك سر، أنت كمان بسببها مش بتركز في الشغل أحيانًا. تنهد بقلة بيأس: -أمي مصرة أتزوج. -والله عندها حق، يمكن تنساها وتخلص. -بص يا طارق عشان ما نخسرش بعض ما تجيبش سيرتها، تمام. ضحك بتهكم واستنكار: -حاضر، طيب أرضي والدتك واتجوز، إيه رأيك في بنت سيادة العقيد «سارة»، كويسة ومعجبة، بتلمح لك والبعيد جِبِلَّة.

-أنت كمان، يا جماعة دي باصة للمظاهر وبس. طالعها بشرود مفكر، ثم نظر إلى صديقه بسكون حاد أثار ريبته فتساءل: -مالك يا مؤنس سرحت ليه؟ ثبت مقلتيه على صديقه وعقله شارد يعرض عليه أمرًا نوى فعله. ثم ناقشه بأمور العمل ومر اليوم. عادا من عيادة الطبيبة النسائية والصَّمت يحلق بينهما، لديها ما تود البوح به ويلجمها الخوف. اختار شهاب أحد ثيابها النسائية ووضعه على الفراش، أمرها بمقلتيه بارتدائه. امتثلت ثم تحركت نحوه بوهن راجٍ.

تابعها بنظراته الثاقبة، تركها بحيرتها حتى اقتربت وقابلته واقفة، حينها صدح صوته الماكر: -عايزة تقولي إيه وخايفة؟ قولي سامعك. جثَت أرضًا، وضعت كفه بين راحتيها وتحدثت مع دموعها راجية متوسلة: -عشان خاطر ربنا يا شهاب، وحياة كل حاجة غالية عليك، سيب الحمل يكمل المرة دي، نفسي أكون أم، الطفل ده هيكون حتة منك، هتربيه زي ما أنت عايز، امتداد لك. قبَّلَت يديه أثناء حديثها، وكل كيانها يرجوه الرحمة. فتحدث بتجبر وتعالٍ:

-أنت اللي مش بيكمل لك حمل يا طيف، العيب عندك. -الدكتورة قالت بسبب عنف العلاقة، كل مرة بتقول كده، مش هقول لك عشاني بس عشان ابنك أو بنتك، مامتك كمان نفسها تشوف لك طفل، عشان خاطرها، وأنا والله من إيدك دي لإيدك دي اللي تؤمر به زي العادي هعمله، بس سيب لي الطفل ده يكبر جوايا، بلاش يحصل زي كل مرة، أبوس إيدك. نظر لها بخبث يتقنه وتحدث بنبرة تعلم دومًا لإخفائها ما يؤذي: -ماشي، هفكر، اقفي وقربي.

بارتجاف استقامت أمامه وقلبها يدعو الله راجيًا استمالة قلبه اليابس، ليرحم نطفة تنمو بأحشائها. وضعت يديها حول خصرها بحماية، مستجيبة له. حل الصباح محملًا ببعض العواصف الترابية؛ تشعر بالألم يضرب جسدها من بعد حملة من الجوع والبطش. آنت روحها وصرخ البدن، لم تنزف ككل مرة، لكنها متعبة لا تستطيع النهوض. حاولت دون جدوى، تحت نظراته الباسمة المراقبة. تركها لفترة ترثي حالها، ثم جاءها صوته ناهيًا:

-لو قمتي هيحصل نزيف، خليكي نايمة، ما تعمليش حاجة النهاردة، ماما هتطلع لك تشوفك وتساعدك، طيف ده له مقابل هتعرفه في وقته، لو ما حصلش نزيف لبكرة هتصل بالدكتورة تتابع معاكِ، نامي. همَّت أن تومئ له فتذكرت تلذذه بطاعتها الذليلة: -حاضر. ابتسم بانتصار، باتت مطيعة أكثر من اللازم. جلس بغرفته يذاكر بتركيز، فحياته أصبحت الدراسة وجده وجدته هم كل دنياه، لا يرى دونهما، بات منغلقًا على نفسه، لا أصدقاء له من الجنسين.

والداه يدوران بفلكهما وهو خارجه، غفلا عنه، وهو اجتهد حتى ينحيهما بعيدًا عن مشاعره وتفكيره، أنهكه الاشتياق حتى اعتاد الجفاء والبعد. دلف إليه جده بابتسامة حنونة: -دكتور رامي مش ناوي ينام ويرتاح شوية عشان بكرة في جامعة ولا إيه؟ شكلك ناوي تروح نايم. -أنا خلصت خلاص بالظبط ربع ساعة. -ربع ساعة بس وتعالى أشرب اللبن ونام. -يا جدو أنا كبرت على شرب اللبن. -كله إلا اللبن ده مهم للعضم، ويهدي الأعصاب عشان تنام بعمق.

-والله بشربه عشان خاطركم؛ بتزعلوا لو ما شربتش. -ربع ساعة بالظبط عشان اللبن ما يبردش، هجهزه عشان شهيرة تعبانة. انتفض داخله، وامتلأت نبرته بالخوف القلق: -مالها تيته؟ حاسة بإيه؟ كاد يذهب إليها يتملكه هاجس يخشى وقوعه، الفقد. جذبه جده لأحضانه، يربت على ظهره ويمسد على رأسه بحنان: -ما تخافش كده يا حبيبي، الضغط مش مستقر، بتدوخ ساعات، هي ترتاح وهتبقى زي الفل.

نظر إليه برجاء، يخشى فراقهما؛ فهما كنزه الثمين، هما والداه الحقيقيان. -خلاص هكمل مذاكرة بكرة، هاجي أقعد معاكم نتكلم شوية، وبعدين أنام. أومأ الجد له مبتسمًا وتحركا معًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...