متقلقيش يا دكتورة، إحنا موقفنا قصاده كبير لدرجة إن مفيش مقارنة، هو طبيعي يحاول استخدام أي حيلة تطلعه منها بس إحنا معانا شهود على الواقعة ومعانا تقرير طبي أظن غير الثيرابيست الخاصة بيكي، صدقيني حمادة عمره ما هينجح يخرج منها.. أخذت صبا نفسًا عميقًا قبل أن تهتف بثقة: _وأنا مش قلقانة، أنا واثقة في ربنا وفيه حضرتك يا مِتر... _حصل إيه جوا؟ تساءل عبدالله الذي كان مُتابعًا لحوارهما، فأجابه صادق بعملية:
_البيه طالب كشف طبي للدكتورة عشان يثبت إن ملوش علاقة عن الحادثة وإنها بحكم جوازها هيكون التقرير الطبي في صالحه تلك الأثناء تلونت وجنتي صبا بالحُمرة الصريحة وأخفضت رأسها في حياء شديد، لم تستطع مجابهة عبدالله ذلك الحين، وكذلك هو شعر بالحرج والخذي لما ستعيشه من خلف ذلك الوغد. ابتلع ريقه ولم يرفع عينيه عليها؛ حتى شعر باتقاد النيران في صدره، فأبعد عينيه عنها ثم قال: _لسه فيه حاجة تانية ولا خلاص كدا؟ _لأ خلاص كدا..
قالها صادق فتحرك الثلاثة إلى الخارج، حتى وقفت صبا ووجهت حديثها الهادئ الحزين إلى صادق: _معلش يا مِتر أنا هروح شغلي لوحدي.. رفض صادق مُعللًا: _خليني أوصلك يا دكتورة، قاسم بيه موصيني عليكي.. بامتنانٍ قالت: _شكرًا يا مِتر بس أنا محتاجة أكون لوحدي، معلش.. لم يريد صادق الإصرار، فانسحب من بينهما، فبات كليهما واقفين ينظران إلى بعضهما دون حديث، حتى قطعت ذلك الصمت صبا بقولها: _أنا همشي، شكرًا إنك جيت..
وما أن قالتها حتى أولته ظهرها لِتُغادر فصاح الآخر قائلًا: _مش عايزة توصيلة من بتاعت زمان؟ أدارت صبا رأسها وبعيونٍ تترقرق فيهما العبرات قالت بنبرة مهزومة: _مفيش حاجة بقت زي زمان يا عبدالله... أسرعت في إدارة رأسها خافية دموعها التي انسدلت رغمًا عنها، مسحتهم بيدها وهتفت وهي توجه عينيها نحوه: _مش حابة أعطلك معايا، أنا هاخد تاكسي ..
قلب عبدالله عينيه مستاءً ثم توجه إلى سيارة أبيه الذي استعارها دون أن يخبره، وقام بالتحرك بها حتى وقف أمامها ومال برأسه ليراها عبر النافذة قبل أن يردف: _اركبي.. أطالت النظر به ثم زفرت أنفاسها وتوجهت نحو السيارة ثم استقلت المقعد بجواره، فتحرك عبدالله متجهًا إلى مكان عملها، لم ينبس أيّ منهما بحرفٍ حتى قطع عبدالله ذلك الصمت قائلًا: _متروحيش الكشف الطبي يا صبا.. _مضطرة.. هتفتها بغصة في حلقها انعكست على صوتها الذي تغير،
فقال الآخر: _لا مش مضطرة، أنتِ موقفك أحسن منه ١٠٠مرة زي ما قال أستاذ صادق، أنتِ مش محتاجة تعمليه تفاجئ عبدالله بتساقط عبراتها بغزارة؛ حاولت صبا مسحهما لكن هيهات لهذا الكم الهائل من الدموع الذي لا يتوقف، فأردفت عندما فشلت في استجماع نفسها: _كل حاجة صعبة آخرها نهاية مرضية أكيد.. سحب عبدالله بعض المناديل الورقية من أمامه وقام بمد ذراعه فأخذتهم منه ومسحت عبراتها فأسبق هو بالحديث: _متعمليش الصعب، كدا كدا نهايته معروفة..
مالت صبا برأسها ونظرت إليه بعيون يميل لونها إلى الإحمرار قبل أن تسأله بجدية: _أنت ليه مهتم بالموضوع كدا؟ تفاجئ عبدالله بسؤالها، تلك اللحظة أوقف السيارة جانبًا ونظرا إلى خضراوتيها وهتف بعد تفكيرٍ وتردد ما بين تصريحه بحقيقة ما يشعر به أم يخفي مشاعره وفي النهاية قال بصوتٍ رخيم: _مش عايزك تتبهدلي.. الموضوع مش هيكون سهل عليكي _أنت لسه بتحبني يا عبدالله؟
كان سؤالها صادمًا بالنسبة لكليهما؛ فهي لم ترتب له سابقًا، وهو لم يتوقع سؤالًا حساس كهذا، ابتلع ريقه وعينيه لا تتحركان من عليها، حتى اجتاح كليهما مشاعرًا وُلدت من ضِلع الفراق أشعرتهما بحاجتهما لبعض كثيرًا. _أنا محبتش غيرك! معرفتش الحب غير على إيدك، ومفتكرش إني ممكن أحب تاني زي ما حبيتك!
همس بهم بنبرةٍ مهزوزة مُحملة بالآمال المُتبخرة لفرصهم الضائعة، بينما ارتجف قلبها حين انطلقت كلماته كنسمة دافئة وسط برد طويل، عيناه تومضان بصدقٍ قديم، وصوته متهدّج بالحنين، شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها، وجدار الصمت الذي فصل بينهما زمنًا انهار فجأة، فغمرت وجهها مسحة ذهول امتزجت بابتسامة مرتعشة، وعينيها تبرقان بدموع فرحٍ خجول.
اشاح عبدالله نظره عنها بصعوبة وتحرك بالسيارة متابعًا قيادته دون أن ينبس كليهما بحرفٍ بعد ذلك الإعتراف الذي أجبر هما على عيش مشاعرًا خُلقت للتو. **** جلست خلود برفقة وليد في مقهى المستشفى، فعاد هو برأسه للخلف وأغمض عينيه بتعبٍ شديد مطلقًا آه تصف مدى تعب جسده المُنهك: _مش قادر، يومين من غير نوم كتير بشفقة شديدة لوضعه تحدثت خلود: _أنت لازم تروح تنام، مينفعش تقعد أكتر من كدا، ممكن يحصلك هبوط..
لما عبدالله يجي همشي أنا عشان عربيته معايا... هتفها ثم هب واقفًا وهو يُردد عاليًا: _لا مش قادر، هطلب قهوة، تشربي إيه؟ حركت خلود رأسها يمينًا ويسارًا قبل أن تُجيبه: _لا مش عايزة.. _انجزي قالها بنفاذ صبر فقدميه بالكاد تحمله، فأخذت خلود تفكر ثم قالت: _عصير أي حاجة... لم يطيل وليد وتوجه لشراء القهوة وعصيرًا لها، بعد فترة؛ مر شاب بجوارها ووقف أمام الطاولة وتساءل: _لو سمحتي هي كافتيريا المستشفى فين؟
رفعت خلود رأسها ثم جابت المكان من حولها قبل أن تُجيبه بجدية: _اللي حضرتك واقف فيها دي نظر الشاب حوله ثم عاد ببصره عليها وتساءل: _عندهم مشروبات سخنة ولا ساقعة؟ ضاقت خلود بعينيها عليه وهتفت بتعجبٍ: _معرفش، ممكن حضرتك تسألهم.. عاد وليد حاملًا صينية يعلوها القهوة والعصير، استنكر وقوف ذلك الشاب بقُرب خلود، أسرع من خُطاه حتى وصل إلى الطاولة وعينيه يطلقان شرار وبنبرةٍ صارمة تساءل: _خير، عايز إيه؟
ظهر التوتر على تقاسيم الشاب وهتف وهو ينسحب مُبتعدًا: _مفيش، كنت بسأل الآنسة على حاجة وعرفت خلاص فلم يتقبل وليد إجابته المُبّهمة، ودنا منه وبعيون ضائقة هتف: _بتسأل على إيه يعني؟ قولي وأنا أفيدك استشعرت خلود التوتر الحادث فنهضت ووجهت حديثها إلى وليد بنيةٍ حسنة: _مفيش حاجة يا وليد، الأستاذ كان بيسأل عن الكافتيريا فين؟ رفع وليد حاجبه الأيسر تلقائيًا وصاح بحنقٍ: _والله؟ بقى هو بيسأل عن الكافتيريا وهو واقف فيها!!
ثم وجه بصره عليه وقام بمسك ياقة قميصه وجذبه نحوه بعنفٍ فصاح الشاب: _في إيه يا أستاذ نزل إيدك دي _تعالى وأنا أوريك الكافتيريا فين يا روح أمك هتفها وليد بانفعالٍ يُخالطه التوعد له ثم أجبره على السير تحت صدمة خلود التي فغرت فاها وتابعت سيرهما بقلبٍ ينبض خوفًا مما قد يحدث. بينما توجه وليد لنقطة بعيدة عن المارة وقام بدفعه بكل ما أوتي من قوة حتى اختل توازن الشاب وبالكاد استطاع السيطرة على توازن جسده
فهدر به وليد شزرًا وهو يُشير إلى أحد الأقسام خلف الشاب: _في هناك قسم للعيون، روح اكشف عشان تشوف كويس بعد كدا رمقه وليد بنظراتٍ مشتعلة كادت تحرقه فتحرك الشاب دون إضافة الكلمات حتى اختفى من أمام مرأى عينيه، فعاد وليد إلى الطاولة ثم جلس بإهمالٍ وبحنقٍ بالغ تحدث مع حرصه على عدم رفع مستوى صوته: _وأنتِ أي د يجي يكلمك كدا تردي عليه؟ استنكرت خلود انفعاله وأسلوبه الحاد، ثم أرادت التبرير: _هو سألني عن الكافتيريا وأنا...
قاطعها وليد مستاءًا من سذاجتها المفرطة وصاح: _كافتيريا إيه؟ بالعقل كدا هو مش واخد باله إنه واقف فيها؟ دا طريقة شقط يا أستاذة! اتسعت حدقتي خلود بذهولٍ ورددت ببراءة: _والله العظيم أنا رديت بحسن نية، مجمعتش إن دي معاكسة.. زفر وليد أنفاسه بضجرٍ باين ثم قال: _بعد كدا مترديش على أي حد أصلًا عشان الراجل التمام مش هيسيب كل رجالة المكان ويسأل واحدة ست فغرت خلود فاها ورددت ما قاله مستنكرة: _أنا بنوتة مش ست!!
تفاجئ وليد بردها، وأطال النظر بها قبل أن تُهاجمه نوبة ضحك فشاركته خلود الضحك وهي تجهل السبب، بينما هتف وليد مازحًا: _ماشي يا ست البنوتة، متبقيش تردي على حد، تمام؟ أماءت خلود رأسها بقبول فناولها الآخر كوب العصير وأخذ يرتشف قهوته على أمل أن تجعله مستيقظًا أكبر قدر ممكن. **** كان شارد الذهن، يسبح بأفكاره فيما أصاب زوجته، يشعرٍ بألمٍ في قلبه كما لم يشعر به من قبل. لاحظته هي وتعجبت من أمره، فقامت بالتلويح أمام
وجهه وهتفت لتجذب انتباهه: _يتهنى به اللي واخد عقلك.. انتبه عليه قاسم ورمقها بطرف عينيه، فلم يسمع ما قالته فردد بتِيه: _ها، قولتي إيه؟ ضاقت بعينيها عليه وتساءلت بغرابة: _مالك، سرحان في إيه من وقت ما جيت، أنت أصلًا كنت فين من بدري كدا؟ أطال قاسم النظر بها، يتفقد ملامح وجهها بعناية، فازدادت غرابتها منه وتضاعف قلقِها وقالت: _لا بقى، كدا فيه حاجة؟ طمني أنا قلقت.. زم الآخر شفتيه، ثم حمحم وبدأ حديثه بصوتٍ مهزوز مُتحشرج:
_أنا كنت عند الدكتور.. انتابه غصة في حلقه ففشل في مواصلة حديثه؛ بينما خفق قلب أحلام برعبٍ، خشية سماع ما لا يسُر نفسها، ازدردت وتساءلت بتوجسٍ: _ليه روحت له لوحدك، طب وقالك إيه؟ مال قاسم بجسده إلى الأمام ثم عقد راحتي يده في بعضهما؛ وأخذ وقتًا يتطلع في الفراغ أمامه قبل أن يُخبرها: _روحت لوحدي عشان أعرف نتيجة التحاليل والأشعة.. رفع بصره عليها فوجد الخوف مرسوم على تقاسيم وجهها، وبآسى شديد خرجت كلماته بصوتٍ حزين:
_النتيجة بتقول إن عندك زهايمر!! سكتت أحلام للحظاتٍ وكأن الكلمات ارتطمت بجدار عقلها ولم تجد طريقًا للخروج، شحب وجهها فجأة وتجمّدت ملامحها، بينما اتسعت عيناها في ذهولٍ صامت، وارتجفت شفتاها دون أن تنطق، وكأن الهواء ثَقُل في صدرها، فشعرت أن قلبها يخفق بعنفٍ لا تحتمله، والدم ينسحب من وجنتيها تاركًا برودة غريبة تجتاح جسدها. _زهايمر!! قالتها لتؤكد لعقلها أن ما سمعته حقيقة، زفرت أنفاسها بِثِقل وتابعت دون تصديق:
_يعني أنا هنسى كل حاجة؟ اقتربت منه أحلام وملست على وجهه بنعومة ثم تابعت بحزنٍ يسيطر على نبرتها: _يعني أنا هنسى الوش دا؟ معتش هعرفك يا قاسم!! طب إزاي؟ إزاي هنسى اللي بحبه؟ إزاي هنسى اللي بطني شالتهم؟ قولي إزاي؟ تساقط دمعها فلم يستطع قاسم تمالك عبراته التي انسدلت كالشلال وأخذ يُقبل وجهها ويديها دون أن ينطق، فلا يوجد كلمات يُمكنها التخفيف من هول الموقف، ضمها إلى صدره بقوة فارتفع صوت نحيبها الذي هز صدر قاسم من شدته.
تراجعت للخلف قليلًا وقالت: _ليه دلوقتي؟ أنا ياما اتمنيته زمان عشان أنسى كل اللي مريت بيه، بس يجي وقت ما حياتي تتعدل أنسى؟ اختبار صعب، صعب عليا إني أعرف أنكم هتكونوا قدامي وأنا مش عارفاكم!! تلك الأثناء عادت زينب من الخارج فأسرعت أحلام في مسح دموعها سريعًا ونظرت إلى قاسم بإشاراتٍ موحية إليه بألا يخبرها شيء، فالتفت قاسم إلى زينب وشكل ابتسامة على شفتيه وقال: _أهلًا يا بنتي.. ابتسمت زينب بخجلٍ وقالت: _أهلٍا بيك يا عمي..
حمحمت زينب وتساءلت: _فطرتوا؟ ولا أحضر لكم الفطار؟ انتهز قاسم تلك الفرصة لِيُخرج أحلام عن حالتها المذرية وقال: _إيه رأيكم نفطر كلنا برا النهاردة؟ بحماسة هتفت زينب: _حلو أوي.. _طب يلا روحي إلبسي على لما إحنا كمان نجهز هتفها قاسم فأسرعت زينب كالطفلة راكضة إلى الأعلى لتُبدل ملابسها بأخرى، بينما التفت قاسم وقد تحولت تقاسيمه إلى الشفقة، وحاول التخفيف من عليها بكلماته الحنونة ولمساته التي تسير على وجهها:
_مش هنفكر في أي حاجة، هنعيش كل الأوقات الحلوة مع بعض، هنستغل كل الفرص ومش هنضيعها، ماشي يا أحلام، مفيش زعل ولا اعتراض على حكمة ربنا، وهنتابع مع الدكتور وإن شاء الله ربنا قادر يجبر بخاطرنا.. سقطت دمعة شاردة من عينيها وقالت بصوتٍ مهزوز يملأه البكاء: _أنا خايفة أضيع، خايفة أتوه ولما تيجو تلحقوني أكون خايفة منكم، ما أنا مش هكون عارفاكم..
وما أن ختمت جُملتها حتى أجهشت بالبكاء، فأسرع قاسم في التقاط يدها وقبّلها بحرارة محاولًا التخفيف من حزنها: _وأنا عمري ما هسيبك لحظة، ورايح أنتِ معايا في كل خطواتي، حتى لو نسيتي وشي.. رفع يده على مكان قلبها وأضاف: _قلبك هيفضل مطمن لي، عمره ما هينساني أبدًا.. جذبها إلى حضنه وظل يُمسِد على خُصلاتها حتى هدأت وتراجعت للخلف وقالت وعينيها مصوبتان داخل عينيه: _مش عايزة حد من الولاد يعرف! عبست ملامح قاسم وعارض طلبها مُعللًا:
_لا يا أحلام دي أنا مش معاكي فيها؛ الولاد لازم يعرفوا، لازم يمهدوا لعقلهم اللي هيحصل، لكن مش فجأة يتصدموا بمرضك... لازم يعرفوا.. أخذ نفسًا وزفره على مهلٍ قبل أن يُواصل بصوتٍ أجش: _بليل وإحنا متجمعين هنقولهم مع بعض، تمام لم تُبدي رد فعل، بل شردت في عينيه وعقلها ينتج سيناريوهات عديدة لما قد يحدث لها في الفترة القادمة، خرجت من شروها على صوت زينب الفاقد للحيوية: _إيه دا أنتوا لسه ملبستوش؟ رجعتوا في كلامكم ولا إيه؟
نهض قاسم ورد عليها بعملية: _لا يا حبيبتي ثواني وهنكون جاهزين ثم مد يده لأحلام التي استوعبته بعد مدة وقامت باحتضان يده ونهضت، فشعرت زينب بثَمة أمرًا بينهما، فلم تتردد في السؤال بنبرة قلقة: _هو أنا ليه حاسة إن فيه حاجة؟ قالتها وعينيها تتطلع على والدتها التي في حالٍ مريب؛ بينما هتف قاسم نافيًا وجود شيئًا: _مفيش حاجة يا حبيبتي، اطمني
وسرعان ما صعدا كليهما إلى الطابق العلوي، تحت نظرات زينب المرتابة من هدوء والدتها الغير معتاد، لكنها لم تطيل الأمر وخرجت تقف في الحديقة في انتظار عودتهما. بعد دقائق معدودة؛ جاء قاسم برفقة أحلام لكنه تفاجئ بعدم وجود سيارته فصاح متسائلًا: _إيه دا فين عربيتي؟ _عبدالله أخدها ومشى.. قالتها أحلام مُجيبة سؤاله، وما أن أخبرته حتى انتبهوا على عودة عبدالله من الخارج، ترجل من السيارة وتفقد وقوفهم في المكان وسألهم مستفسرًا:
_رايحين فين؟ تولى قاسم الرد فأردف بهدوء: _رايحين نفطر، تعالى معانا.. أبدى عبدالله رفضه قائلًا: _لا أنا لازم أروح المستشفى لزكريا، ممكن توصلني في طريقك بس عشان عربيتي مع وليد.. _تمام، يلا بينا هتفها قاسم وتوجه إلى السيارة، ثم ركب ثلاثتهم معه، فأشعل هو المحرك وقاد السيارة مُبتعدًا عن البيت. *** انتهت صبا من فحص ليلى، ثم ابتسمت وقالت:
_لا إحنا أحسن النهاردة، وممكن نخرج كمان، بس ضروري راحة تامة وعدم حركة إلا للضرورة عشان الكسر يلم خصوصًا كسر الرقبة.. حمد لله على سلامتك يا لولو _الله يسلمك قالتها ليلى بإيجازٍ فاقتربت منها سمر وقالت: _طب لو كدا تعالي لما أجهزك عشان نخرج.. ثم نظرت إلى أبيها وقالت بنبرةً حادة وعينيها مُثبتة على زكريا: _بعد إذنك يا بابا تخرج.. _طبعًا يا بنتي
هتفها أسعد ثم انسحب إلى الخارج مُجبِرًا زكريا على الخروج معه، كذلك انسحبت صبا حتى لا يكون هناك حرج بوجودها، فبدأت سمر في تبديل ملابس ليلى، وقد وجدت صعوبة في الحركة بمفردها، فهتفت ليلى بتعبٍ: _مش هينفع لوحدك، صعب عليكي وأنا بتعب لما بضغط على نفسي.. نادي حد توقفت سمر ووضعت كلتى يديها في منتصف خصرِها وأردفت: _مفيش حد هنا.. وصبا مشيت مش عارفة راحت فين؟ _اخرجي شوفيها، يمكن واقفة لسه برا قالتها ليلى فتوجهت سمر
إلى الخارج متسائلة عنها: _هي صبا راحت فين؟ أجابها والدها قائلًا: _نادوا عليها، الظاهر في حادثة جامدة، لأن فيه حركة غريبة في المستشفى تأففت سمر بضجرٍ ورددت بصوتٍ خافت: _وبعدين، هعمل إيه؟ لاحظ زكريا حالة التِيه التي كانت عليها سمر فتساءل باهتمامٍ: _هو فيه حاجة؟ حدجته سمر بنظراتٍ مشتعلة ثم هتفت باقتضاب وهي تُوليه ظهرها: _مفيش.. ثم عاودت الدخول ووقفت في منتصف الغرفة وقالت: _مش موجودة، أنادي بابا؟ قابلتها ليلى بنظراتٍ
مستاءة قبل أن تردف: _لا طبعًا.. مينفعش فصمتن لبرهة قبل أن تُعاود ليلى حديثها الذي يأباه لسانها: _نادي على زكريا بعيون واسعة هتفت سمر بذهولٍ: _زكريا يا ليلى!! نفخت ليلى بضجرٍ وصاحت بقلة حيلة: _هو فيه غيره يعني؟ مضطرين.. تشدقت سمر بتهكمٍ قبل أن تخرج كلماتها المستنكرة: _أومال إيه طلقوني طلقوني اللي على لسانك دي؟ أبدت ليلى انزعاجها من تعليقها الساخر وأردفت بحنقٍ: _خلاص يا سمر، مش مهم نمشي ..
أسرعت ليلى في إغلاق عينيها رافضة مواصلة الحديث معها، فحركت سمر رأسها في ضيقٍ ثم تحركت باتجاه الباب، أدارت مِقبضه ولم تتخطاه قدميها، رمقت زكريا بنظرات جامدة وحدثته على مضضٍ: _تعالى ساعدنا.. تحرك زكريا مسرعًا إلى الداخل؛ ولم ينتظر فَهم ماهي المساعدة التي يُمكنه القيام بها، بل توجه باتجاه ليلى مباشرةً وقال: _أعمل إيه؟ تنفست سمر بعض الهواء وزفرته بقوة قبل أن تهدر بنبرةٍ جافة ووجهٍ حاد:
_حاول تقومها عشان أقدر أغير لها هدومها.. مش عارفة أعمل الإتنين لوحدي وما أن قالتها حتى أسرع زكريا في مُساندة ليلى لتنهض فتعلقت هي في رقبته حتى تستطيع شقيقتها خلع ملابسها، تلك الأثناء تقابلت أعينهم وقد استشعر زكريا الخذلان التي تعيشه من وراءه، ناهيك المعاناة الجسدية والنفسية اللذان سببهما لها، كانت عينيها تلمع بالدموع منذ فقدانها جنينها، كانت تلومه في كل نظرةٍ تنظر له فيها، تُشاجِره دون حديث.
بعد فترة؛ انتهت أختها مما تفعله وقالت وهي تلتقط أنفاسها: _خلصت.. يلا تعالى لما ألبسك الطرحة وكدا يبقى أنتِ جاهزة.. سحبت ليلى يدها بينما أعادها زكريا إلى الفراش وابتعد عنها بصعوبة، لكنه لم يُبعد عينيه عنها، بينما هربت هي بنظراتها بعيدًا عن موضع وقوفه، فتذكر هو شيئًا وقال: _هروح أجيب كرسي عشان نخرجها عليه.. تلك الأثناء وصل عبدالله إلى المستشفى، رأى صبا وهي تُهرول راكضة بذُعرٍ فتملكه الخوف وتجمدت
قدميه فجأة قبل أن يتساءل: _هو فيه إيه يا صبا؟ بأنفاسٍ لاهثة أجابته: _فيه مصابين كتير وأنا مش ملاحقة، المهم زكريا هيخرج واليومين اللي قعدوهم هنا بمبلغ كبير وأنا مفتكرش إنه معاه، فقولت أعرفك عشان ميتحرجش.. قالت كلماتها ثم ابتعدت عنه وأضافت: _سلام.. فاتجه عبدالله ناحية الإستقبال مباشرةً، وقام بدفع تكاليف المستشفى، ثم ذهب حيث تواجد الآخرين، فلم يجد سوى وليد برفقة أسعد، فألقى السلام عليهما ثم تساءل باهتمامٍ: _زكريا فين؟
أشار وليد بعينيه ناحية الغرفة وهو يُجيبه: _جوا.. وما كاد يُنهيها حتى فُتح باب الغرفة وخرج منه زكريا وهو يدفع ليلى التى تتوسط الكرسي المتحرك وخلفه سمر حاملة حقيبتها وأخرى تخص ليلى. _حمد لله على سلامتك يا ليلى.. قالها وليد أولًا فتلاه عبدالله مرددًا: _حمد لله على السلامة.. بإيجازٍ وصوتًا مُتعب بالكاد سمعوه: _الله يسلمكم.. فنظر زكريا إلى عبدالله وهتف سؤاله: _توصلنا بالعربية؟
حينها أخرج وليد مفتاح السيارة من جيب بنطاله، وقام بإعطاؤه لعبدالله الذي ناوله لزكريا وأردف موضحًا: _خد أنت وصلهم، وأنا ووليد هنيجي مواصلات لم ينطق زكريا بحرفٍ بل قابله بنظراتٍ مُمتنة وتابع تحرُكه إلى الخارج، حتى توقف عند الإستقبال وصاح بضياع: _نسيت موضوع الحساب دا! أغمض عينيه مستاءً من نفسه، فلاحظه عبدالله من الخلف وتوجه نحوه ثم قام بوضع ذراعه على ظهره وهمس أمام أذنه: _أنا دفعت الحساب، متحملش همه
إلتمعت نظري زكريا بامتنانٍ بالغ وهتف: _شكرًا يا عبدالله، أخرج بس من اللي ما فيه دا وهرجعملك إن شاء الله لامه عبدالله في نظراته قبل أن يدفعه للأمام بذراعه الموضوع حول ظهره وهلل بتهكم: _يلا يا زكريا إمشي، بلاش كلام عبيط.. تقوس ثغر زكريا ببسمةٍ لم تتعدى شفتيه؛ ثم تابع سيره حتى وصل إلى السيارة وقام بحمل ليلى ثم وضعها على الكرسي الأمامي، وفي الخلف جلس والدها وشقيقتها على مضضٍ لكنهما مضطرين.
قاد السيارة وتحرك بها بينما نظرا الشابين لبعضهما فأسبق عبدالله بالسؤال: _هتروح فين دلوقتي؟ أنا هروح المركز، من وقت اللي حصل وهو مقفول زفر وليد أنفاسه بتعبٍ شديد وأخبره عما يريد فعله: _أنا هروح البيت أنام اسبوع كامل، جسمي مدغدغ وعيني مش قادر افتحها.. ضحك عبدالله وقال: _يبقى طريقنا مش واحد، شاور لتاكسي من جنب وأنا من جنب وما أن قالها حتى صاح وليد: _أول واحد يقف أنا اللي هركب حتى لو وقف لك أنت.. _ماشي يا عمنا..
هتفها عبدالله مازحًا ثم أخذ كلًا منهما في إيقاف أحد سيارات الأجرة لتقل كل منهما إلى وِجهته. بعد مرور بعض الوقت؛ صف زكريا السيارة أسفل البناية خاصته، فهتفت ليلى بهجومٍ: _أنت وقفت هنا ليه؟ أنا هروح عند بابا أخذ زكريا نفسًا عميقًا ليكون هناك مُتسع في صدره لتلقي هجوم الجميع على إصراره للبقاء في بيتها: _هتقعدي في بيتك يا ليلى، وأنا اللي هاخد بالي منك.. بصوتٍ مُنفعل هتفت بسبب عدم استطاعتها على رؤياه جيدًا:
_أنت مبتفهمش، أنا بقولك هنتطلق، مفيش حاجة اسمها بيتي وتاخد بالك مني، مكُنتش وصلتني من الأول للوضع دا أحسن لي وأكرم لك.. بهدوءٍ ترجل زكريا وتوجه ناحية بابها وكاد يحملها إلا أنها صرخت بقوة: _سيبني يا زكريا، إبعد عني.. لم يكترث لها وتابع حمله لها فتدخل أسعد الذي ترجل من السيارة سريعًا وهدر به شزرًا: _بنتي مش هتطلع هنا تاني، أبوها طول مافيه النفس هو أولى بيها، إبعد عنها أنا هتصرف..
_ربنا يبارك في صحتك يا عم أسعد، بس مراتي أنا أولى بيها.. هتفها زكريا من بين أنفاسه اللاهثة عندما حمل ليلى، وقام بدخول فناء بيتهم، فصاحت سمر من خلفه: _يعمل عملته ويتصرف بوداعة كأنه معملش حاجة، أختي في وضعها دا بسببك وبسبب قرفك... تأفف زكريا قبل أن يرُد عليها: _اللي بيغلط من حقه يكفر عن غلطه ولا إيه يا سمر؟ تشدقت سمر بتهكمٍ وصاحت بنبرة حانقة: _دا لما يبقى غلطة تتغفر، لكن أنت عامل مصيبة..
خرجت ليلى عن صمتها، وصاحت عاليًا رافضة ما يحدث بنفورٍ شديد منه: _رجعني تحت، مش عايزة أطلع معاك في مكان.. تعالت أصواتهم، فخرج محمد من بيته وخلفه هناء وخلود ليتابعن ما يحدث، بينما هتف محمد متسائلًا عندما وجد وجوه الجميع مشحونة بالغضب: _هو في إيه يا زكريا؟ _مفيش حاجة يا بابا قالها زكريا وتابع صعوده، فعاودت ليلى إلى الصراخ: _أوف منك، بقولك مش عايزة أطلع هنا، بقولك مش عايزة أعيش معاك وهتطلقني، رجعني تحت تاني
لم يكف الثلاثة عن توبيخ زكريا مع محاولاتهم في استعادة ليلى، بينما قابلت هناء ما يحدث بعيون واسعة مصدومة من وقاحتهم وهتفت كلماتها الحادة كالسكاكين بغيظٍ: _أنا مش عارفة هو ساكت لهم كدا ليه؟ ما يرميها عند أبوها طلاما مش عايزة تقعد هنا ولا هو عافية؟! حدجها محمد بطرف عينيه حتى كاد يحرقها بنظراته الساخطة وقال: _ابنك عمره ما هيطاطي بالمنظر دا إلا لو عامل مصيبة!!
تبادلا النظرات ثم انسحب محمد وصعد إلى الأعلى ربما يستطيع فض النزاع الحادث، وتهدئة الأجواء المشحونة، في الأعلى؛ وضع زكريا ليلى على الفراش بحذر، وأغمض عينيه لبرهة يستجمع فيها قوته على تحمل الكلمات التي يتلقاها ممن حوله. التفت بجسده ونظر إليهما وهتف: _بعد إذن كل اللي قولتوه، أنا اللي ملزوم بمراتي زي ما وصلتها للوضع دا، اللي حابب يقعد معاها يتفضل، لكن خروج مش هيحصل!
كلماته أسكتت أسعد وسمر، واخذ ثلاثتهم يتبادلون النظرات الصامتة المشحونة، بينما انتبهوا على حضور والد زكريا فانسحب أسعد إلى الخارج لينضم إليه بينما قامت سمر بالإتصال على زوجها وهي تتوجه إلى شرفة الغرفة حتى تبتعد عن آذان الآخرين. فلم تنتظر إجابته طويلاً فلقد أجاب على الفور وبعد حوارٍ دار بينهم عن الأوضاع، بترددٍ بالغ قالت سمر: _أنا كنت عايزة استاذنك إني أفضل أسبوع ولا اتنين مع ليلى.. باستنكرٍ تام هتف:
_تقعدي اسبوع ولا اتنين في بيت زكريا!! طب لو في بيت باباكي مبلوعة شوية لكن تقعدي أنتِ وزكريا في بيت واحد إزاي يعني؟ بنفاذ صبر هتفت: _أعمل إيه بس هو اللي أصّر يقعدها في بيتها، وآل إيه هو اللي ملزوم منها.. قالتها وهي تتشدق بفمها، فرد الآخر مستاءً: _خلاص يبقى يقعد هو بيها وأنتِ ارجعي لعيالك أنا مش عارف اتعامل معاهم لوحدي أساسًا.. لم تُصدق ما سمعته منه وهتفت مُستنكرة: _يعني إيه يُقعد هو بيها؟
دي أختي يا أشرف وفي وضعها دا ملهاش غيري يهتم بيها، تعالى على نفسك شوية واستحمل العيال حتى أسبوع أكون قدرت ظبط لها الأكل والهدوم وكل اللي تحتاجه.. بانفعالٍ صاح زوجها: _والله كان ممكن استحمل شهر مش أسبوع لو كان في بيت أبوكي مش بيت زكريا، ويلا سلام عشان مش فاضي..
أنهى المكالمة فجأة وقد أغلق أمامها جميع السُبل في العناية بشقيقتها، لم ترفع سمر عينيها عن الهاتف بضيقٍ تملك منها من وراء مكالمتها له، زفرت أنفاسها الضجِرة وقامت بالخروج من الشرفة بملامحٍ عابسة حتى وجدت زكريا أمامها فهتفت بحنقٍ: _اختي مش هتقعد هنا، هتنزل تروح بيت بابا وأنا اللي هراعيها، خلص الكلام! بهجوم صاح زكريا:
_لأ خلص الكلام عندك أنتِ، دا بيتي ودي مراتي وأنا اللي أقول تقعد فين.. أنتِ عايزة تقعدي معاها أهلًا وسهلًا، بس هي مش منقولة ، خلص الكلام دنا منها زكريا حتى بات قريبًا منها وهمس بخفوت: _ياريت يا سمر متصعبيش الوضع عشان أنتِ كدا كدا هترجعي لعيالك، وأبوكي مهما قِدر يُقعد معاها مسيره هينزل لشغله، وليلى في الآخر اللي هتكون لوحدها، لكن هنا، أنا معاها ومش هسيبها لحظة، حتى لو اضطريت في وقت أنزل، فيه بديل عني يقعدوا بيها..
تراجعت سمر للخلف وحدجته بنظراتٍ مشتعلة قبل أن تهدر به بصوتٍ عالٍ مُندفع: _لو حكّمِت يا زكريا هاخدها معايا ولا أسيبها معاك بعد عمايلك فيها!! بغيرة هتف من بين أسنانه المتلاحمة: _وأنا مراتي متنامش في بيت راجل غريب! قاطعته سمر مُندفعة: _دا مش بيت راجل غريب، دا بيتي ودا جوزي! تأفف الآخر بنفاذ صبر فلقد بلغ ذروة تحمله على السخافة الحادثة، وصاح:
_والله زي ما جوزك رفض تقعدي هنا في بيتي عشان وجودي، فأنا مش لا مؤاخذة مركب أرايل عشان أبعت مراتي عنده في بيته! تفاجئت سمر بسماعِه ما دار بينها بين زوجها، ولم تستطع إبعاد عينيها عنه بصدمةٍ، فلم يعد لديها كلماتٍ تحاول بها إقناعه فالتزمت الصمت حتى استمعوا إلى صوت هناء الغاضب من الخارج فهرول زكريا راكضًا، بينما هتفت ليلى متسائلة: _هي بتزعق كدا ليه دي؟
رفعت سمر كتفيها مُبدية عدم عُلمها بما يحدث، وقررت الخروج ومعرفة حقيقة غضب تلك المرأة، في الخارج؛ كان الجميع واقفًا أمام هناء التي اندفعت في أسعد بتهكمٍ: _عايزين تاخدوها من بيتها وهي متجوزة؟ طب كان أولى إنها متدخلوش لوحدها وهي مخطوبة!! وقعت كلماتها على آذان الجميع كالصاعقة، وخصيصًا أسعد الذي شعر بوخزة شديدة في قلبه، بينما صاح زكريا غير متقبلًا ما قالته وعنفها باندفاعٍ:
_إيه اللي أنتِ بتقوليه دا، اسكتي بقى اسكتي، لسانك مبيعملش غير مشاكل وبس!! _إيه اللي والدتك بتقوله دا يا زكريا؟ ليلى كانت بتيجي قبل الجواز؟ هتفها أسعد بنبرةٍ غير مصدقة، يخشى تأكيد زكريا لسؤاله، بينما التفت الآخر إليه وأجابه: _ياعم أسعد بنتك كانت بتيجي هنا تشوف الجديد اللي عملته في الشقة، وهي وقتها كانت مراتي يعني مفيش حرمانية ولا عيب يمنع دخولها بيتها!!
تلك اللحظة تحركت سمر باتجاه هناء فلم تتقبل البتة إهانة كرامة اختها والإساءة إلى أخلاقها، دفعت زكريا بعيدًا عنها ونهرتها بصوتٍ غاضب تثأر لـ ليلى: _قبل ما تتكلمي عن أختي نص كلمة شوفي ابنك وعمايله؟ مش عاجبك إن أختي كانت بتيجي بيتها ومع جوزها وشيفاه عيب؟ في حين إن إبنك كان رامي مراته في أوضة وهو نايم في أوضة تانية؟ عارفة ليه؟
هقولك ليه، لأن المحروس ابنك مكنش عايز الحمل يحصل، عشان دماغه قذرة عايز يعيش لنفسه وانبساطه وكيفه، كان بيجبر أختي تاخد حبوب منع حمل وهو شايف قد إيه كان نفسها تحمل! ومش بس كدا، دا من وقت ما حصل الحمل وهو معاملته محدش يستحملها، وآخرة المتمّة راح كلم واحدة عليها..
ابنك كان بيسيب أختي تعبانة في البيت لوحدها ومعيطة من طريقته وأسلوبه الوحش معاها وقلب مامته كان بيكلم واحدة تانية على مراته اللي يدوب لسه متجوزها من كام شهر، يا حبيبي مبيضعيش وقت أبدًا!!
تجمد محمد وهناء مكانهما، العيون اتسعت بذهولٍ، وجوهيهما شحب لونه حتى باتت باهتة، ارتعشت شفاههم فلم يجدا كلماتٍ تُقال، إلتقت عينيهما بصدمةٍ وقعت على زكريا الذي في موقفٍ لا يُحسد عليه، نكس رأسه خجلًا من نظراتهما التي تُحاصره، كم شعر بضئل حجمه لحظتها. دنا منه محمد بِضع خُطوات وتساءل بصوتٍ متحشرج مهزوز يخفي خلفه غضبًا عارم: _الكلام اللي اتقال دا صح؟
لم يتحلى زكريا بالجُرأة لرفع رأسه والنظر في عيني والده، فخرج الآخر عن هدوئه واندفع فيه بنبرة حانقة: _بُص لي ورد عليا، الكلام دا صح؟ بصعوبة قابلها زكريا في مواجهة أبيه نظر في عينيه بعيون يميل لونهما إلى الإحمرار وأجابه هامسًا: _صح..
وما كاد يؤكد سؤال والده حتى تلقى منه صفعةً قوية على وجنته، تفاجئ بها زكريا والجميع كذلك، انسحب أسعد مُجبِرًا ابنته على السير حتى بلغا غرفة ليلى وقاموا بغلق الباب تاركين لهم إعادة تأهيله كما ينبغي. في الخارج؛ لم يكف محمد عن توبيخه بعدم تصديق لفعلته الفادحة: _آل وأنا واللي كنت فاكر إني أربي والعيال صغيرة وبعد ما يكبروا هيمشوا على المنهج بقيت عمرهم، طلعوا العيال عايزين تربية حتى وهما قد الباب!!
يا خسارة تربيتي فيك، ولا لأ دي عمرها ما كانت تربيتي أبدًا.. امشي اطلع برا البيت.. لما تتربى ابقى ارجع تاني.. قالها محمد وهو يدفعُه خارج البيت؛ فحاول زكريا إيقافه بتبريره: _يا بابا خلاص، واللَّه أنا عرفت غلطي، مش هينفع أروح في حتة وأسيب ليلى كدا!! _كنت فكر فيها قبل ما تعمل عملتك، أنا قولت برا يعني برا
هتفها محمد بصرامة حاسمًا على طرده، وتابع دفعِه حتى استطاع إخراجه من البيت ثم أغلق الباب في وجهه، ولم يكترث لتوسلات الآخر، ثم استدار محمد ورمق زوجته بنظراتٍ تحمل أطنانًا من الغضب المُشتعل وصاح من بين أسنانه: _أقسم بالله العلي العظيم إن ما دخلتي حالًا ورضيتي البت اللي جوا دي وبوستي راسها ليكون آخر يوم ليكي معايا!!
اتسعت حدقتاها بصدمة جلت على وجهها، جعلته أسودًا من فرط الصدمة، كما ارتفعت وتيرة أنفاسها وشعرت بضيق صدرها، ناهيك عن ضغطها الذي ارتفع معدله، لكنها جاهدت بعدم الظهور في هيئة مُتعبة حتى يمضيَّ ما يحدث. توجه محمد إلى الغرفة وقام بالطرق على بابها، كما لحقت به هناء ووقفت برأسٍ يدور ورؤى مشوشة، فتحت لهما سمر فولج محمد أولًا ونظر حيث تجلس ليلى وبخذيٍ بائن أردف:
_أنا آسف يا بنتي بالنيابة عن ابني وعمايله، آسف إني فكرت إنه بقى راجل عاقل يُعتمد عليه وينفع يفتح بيت ويراعي بنات الناس، والله مكنتش أعرف إنه كدا.. _أنت ملكش ذنب يا عمي.. قالتها ليلى بخجلٍ، بينما نظر محمد إلى زوجته وأشار إليها بتلبية أمره، فأسرعت هي مُتجهة إلى ليلى وقامت بتقبيل رأسها قبل أن تعتذر منها: _أنا آسفة يا ليلى.. سامحيني
وما أن قالتها حتى انسحبت بهدوءٍ إلى الخارج دون إضافة المزيد،وأغلقت الباب مسرعة وما كادت تفعل حتى ساء وضعها وأظلمت رؤيتها ثم خرت واقعة
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!