مازال القلب يتعلق، يتمنى ويآمل، يآمل أحاديث خِفية تُخبرني أني مختلف، ذو قلبٍ نقي، آمل كلمة ،ابتسامة، مكالمة، كل ما هو بسيط يأسرني ويسعد قلبي. *** _أنت صليت صلاة استخارة قريب؟ كان سؤال عبدالله جدي، فانتبه له صديقه بحاجبان معقودان متعجبًا من سؤاله ثم أجاب بإيجاز: _لأ، ليه؟ اعتدل عبدالله في جلسته وانعكست نبرته إلى السخرية في قوله: _ماهو مش معقول اللي بيحصل فجأة دا من غير صلاة استخارة، أصل كلها إشارات
تأفف زكريا وهز رأسه مستنكرًا مزاحه الذي ليس في محله، وهتف بغيظ: _هو أنت مبتعرفش تفرق بين الجد والهزار، أنا قايم ماشي لحقه عبدالله وأمسك يده معيدًا إياه على الكرسي وأردف مبررًا: _يعني لما نتكلم جد هيحصل ايه؟ الراجل هيجيبلك الأجهزة لغاية البيت؟! اتسعت حدقتي زكريا وهو يردد بضيق: _يابني بقى.. منع عبدالله ابتسامته التي كادت تغزو شفتيه وتحلى بالجدية المصطنعة وقال: _طب اهدى وكل حاجة هتبقى تمام خرج زكريا من ثوب تمسُكِه وصاح
بنبرة مغلوبة على أمرها: _هتبقى تمام إزاي؟ وامتى؟ دا الفرح كمان كام يوم، الفرح اللي أصلًا معرفش هيبقى فين؟ اعتدل زكريا حيث يكون مقابل صديقه وأضاف بنبرة مُتعبة: ـ انت متعرفش أنا كنت بحط القرش على القرش إزاي وأمنع كل حاجة نفسي فيها عشان أجمع تمن الأجهزة دي، وأنت عارف اللي فيها يدوب أبويا بيصرف على البيت لا بيساعدني ولا حد واقف جنبي، أنا بطولي، وهي الميكانيكا اللي شغال فيها دي هتجيبلي بقيت الفلوس في خلال أيام إزاي؟
دا أنا شغال مع واحد بيموت على القرش، يعني لو طلبت منه سُلفة مش هديني حاجة، كل حاجة كانت ماشية كويس.. صمت وأغمض عينيه وهو يصر أسنانه وحديث ليلى يدور في عقله فردد ما يفكره به رغمًا عنه: _أنا مكنش ينفع أعمل كدا.. ضاق عبدالله بعينيه عليه متسائلًا بفضولٍ: _هو إيه اللي مكنش ينفع تعمله؟ أعاد زكريا فتح عينيه وقد تملك منه الخوف خشية أن تُفضح فعلته، نهض فجأة وقال: _أنا همشي..
دفع عبدالله الحساب وتَبِع صديقه ليغادرا معًا، ولم يكف عن قول ما يُطمئن قلبه ويريح عقله. *** عاد عبدالله إلى المنطقة خاصته بمفرده، تفاجئ بوقوف ليلى عند منزل زكريا، هرولت نحوه حين رأته وبنبرةٍ هجومية وأسلوبٍ حاد هدرت به: _صاحبك فين يا عبدالله؟ مبيردش على مكالماتي ليه؟ لو فاكر إنه ممكن يهرب بالحجج اللي بيقولها دي يبقى لسه ميعرفنيش!! رد قولي هو فين؟
كانت مريبة بالنسبة له، فلم يحدث بينهما أي نقاش من قبل، ولم يعلم أنها تمتلك شخصية شرسة كهذه، ابتلع ريقه وحاول توضيح الأمر بقوله: _اهدي، زكريا راح على شغله، إحنا كنا مع بعض بنشوف موضوع القاعة اللي جالها قرار إزالة دا.. قاطعته ليلى بترديدها للكلمات بتيه: _يعني الموضوع بجد.. يعني هو مش بيضحك عليا؟ كان الآخر متعجبًا من حالتها المُبهمة، فلما سيكذب عليها زكريا؟ أراد عبدالله إقناعها بما حدث وأن الأمر جدي فأخبرها
العائق الآخر الذي حدث: _لأ طبعًا الموضوع بجد، وزكريا حالته بقت وحشة أكتر لما صاحب الأجهزة الكهربائية كلمه وبلغه إن تمنها بقى الضعف.. صعقت ليلى مما سمعته، شهقت بصدمةٍ حلّت على وجهها، اتسعت حدقتيها وهي تطالع بهما عبدالله قبل أن تردد مذهولة: _إزاي دا!! دا كان رايح يشتريهم النهاردة بعد ما جمع فلوسهم، كل دا حصل فجأة كدا!! أغمضت عينيها لثانية ثم أعادت فتحهما وقد احتدت تقاسيمها وصرّت على أسنانها بغضبٍ وهتفت وهي توليه ظهرها:
_هو السبب، كل حاجة هتقف، كل حاجة هتتعطل بسببه، وأنا هدفع التمن.. ضيق عبدالله عينيه وهو يتتبع خُطواتها، فكلماتها أثارت الريبة داخله، وشعر أن ثمة أمرًا قد حدث، حاول إلهاء عقله بموضوعٍ آخر، وعاد إلى منزله فاستقبلته والدته معاتبة: _انت فين من الصبح يا عبدالله؟ كل شوية مشوار شكل وتقولي لما اجي هفهمك..
اقترب منها بعجلة وأمسك يديها متلهف لإخبارها عزمِه على خُطوة لطالما انتظرها بفروغ صبر، أجلسها على الأريكة وجلس مقابلها ومازال ممسكًا بيديها، تنهد ثم ابتسم بعذوبة وأردف بحماسٍ: _أنا عايز أتقدم لصبا.. قال جملته وهو يترقب ملامح وجهها، ازدادت ابتسامته حين رأى ابتسامة والدته التي غزت شفتيها، وهللت بسعادة عارمة: _وأخيرًا، دا أنا مستنية اللحظة دي من زمان
سحبت يديها ورفعت إحداهما بقرب فمها مُصدِرة بعض الزغاريد دون توقف، أسرع عبدالله محاولًا إيقافها: _لا اصبري لما الموضوع يتم الأول تراجعت عما تفعله وقالت نادمة: _عندك حق، استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، لما الموضوع إن شاء الله يتم وقتها نزغرط براحتنا أخذ عبدالله نفسًا وأخرجه على مهلٍ ومالت تقاسيم وجهه إلى الخوف وقال بترددٍ: _أنا خايف ميتمش ياما استشعرت والدته خوفه، وأرادت أن تُطَمئِنه فقالت بعض الكلمات
المعاتبة في البداية: _متقولش كدا يا عبدالله، كل منطوق واقع قدره يا حبيبي، ثق في ربنا وقول إن شاءالله الموضوع يتم والدكتورة تبقى من نصيبي.. نكس عبدالله رأسه وقد خيم الحزن وجهه وردد: _ماهو دا أكتر حاجة قلقاني، إن أهلها يشوفوني أقل من بنتهم، وخصوصًا أنها دكتورة وأنا يدوب صنايع.. استنكرت والدته التقليل من شأنه وأردفت كلماتٍ تزيد ثقته بنفسه: _أنت مش قليل ولا عمرك كنت قليل.. رفعت رأسه المُنكس وتابعت بجدية:
_أنت عارف كويس أنت إيه ومين، ولو هما هيقيسوا الجواز بتعليمك، فهما هيكونوا غلطانين لأنهم هيخسروا أجدع واحن وأطيب شاب في الدنيا، ومش بقول كدا عشانك ابني، والله يا عبدالله والشهادة تتقال أنا طول عمري فخورة بيك ورافعة راسي من وراك، أنت نستني كل وجع عشيته زمان، تربيتك ونضافة قلبك خلوني أحمد ربنا على الظروف اللي مريت بيها لأنها خلتني أربي راجل يُعتمد عليه، يسد وقت الجد وعمره ما قال تعبت بالعكس بيروح للمكان اللي القرش الحلال يكون فيه، فهنا يابني لو مبصوش لمعدنك الأصيل يبقى أنت اللي كسبت وهما اللي خسروا
تنهد عبدالله مخرجًا همومه مع أنفاسه، يخشى فراق صباه، أغمض عينيه فتشكلت صورتها في ظلامه، أعاد فتح عينيه وبنبرةٍ هادئة قال: _مقدرش على خسارتها ياما، أنا مش عايز من الدنيا غيرها، أنا أتوه لو هي موجودة، دي هي راحتي وسط مدعكة الدنيا اللي واقع فيها دي لمعت عيناي أحلام وابتسمت بتأثر شديد، جذبته إلى صدرها وضمته بقوة ثم ربتت على ظهره وقالت بحنانٍ: _ربنا يجعلها من نصيبك يا نن عيوني تنهد عبدالله وأردف:
_أيوة ادعيلي كتير يا أحلام ابتسمت والدته بهدوء وعادت تدعوا له: _يارب إن كانت خير قربها لابني وإن كانت شر... قاطعها عبدالله بمشاعر صادقة: _قربها يارب برده نظر إلى والدته بحدقتين واسعتين وعاتبها بمشاكسة: _كنتي هتقولي إيه يا أحلام، كنتي هتضيعي البت من ايدي بدعوة قهقهت والدته عاليًا وأردفت بنبرةٍ متقطعة من بين ضحكها: _هي الدعوة بتتقال كدا..
رمقها عبدالله بطرق عينيه مستاءً منها، ثم نهض وولج غرفته متجهًا إلى صندوق النقود، قفز على الفراش وقام بإفراغه وبدأ يَعُد النقود، كانت تتابعه والدته من الخارج بنظراتها المترقبة، حتى رأت وجهه الحزين، واستشعرت عقله الشارد، فنهضت دون تردد وانضمت له ثم جلست على طرف الفراش وقالت لتجذب عقله إليها: _قليلين أوي؟ عاد إليها قاطعًا حبال أفكاره وردد وهو يطالع النقود بحسرة: _دول يدوب يجيبوا دبلة بالعافية..
أخذت والدته نفسًا عميق ثم بدأت بخلع قِرطها فانتبه عليها عبدالله، قطب جبينه بغرابة وتساءل مستفسرًا: _أنتِ بتعملي إيه؟ حمحمت ثم أمسكت يُمناه ووضعت القرط بها وأغلقت يده؛ ثم أوضحت: _بيعه يجيب لك خاتم كمان على الدبلة.. رفض عبدالله ذلك بقوله: _لا طبعًا مش هاخد منك حاجة، دا حلقك وأنا مش هبيعه، ربنا يسهلها من عنده حتى لو أخدت سُلفة من حد لكن مش هبيع حلقك رمقته بنظرات مستاءة وهتفت ممتعضة:
_يعني على آخر الزمن عبدالله القاضي ياخد سُلفة بدل ماهو اللي يسلف حركت رأسها مستنكرة ما يحدث وأضافت بنبرةٍ غاضبة: _يابني بطل نشوفية دماغك دي، دا أنت بإشارة منك الفلوس كلها تترمى تحت رجليك إيه اللي يجبرك تستلف من حد وأنت أصلًا مش محتاج!! ليه تظهر نفسك بصورة مختلفة عنك قدام الناس وأنت قادر تغري عيونهم بالفلوس.. قاطعها عبدالله بزمجرته، فلم يعد يحتمل، هب واقفًا رافضًا سماع المزيد من كلماتها وصاح عاليًا:
_أنا عمري ما هعمل اللي أنتِ عايزاني أعمله دا، أنا أهون عندي أكون عبدالله اللي بيستلف من الناس ولا إني أخد تمن ظُلمك وقهرتك، وكرامتي غالية أوي واغلى من الفلوس اللي بتتكلمي عنها دي، ومش كل شوية تفتحي الموضوع دا معايا تركها وغادر المنزل، فشعرت أحلام بألمٍ في قلبها، واختنق صدرها فأخرجت همومها في صورة بكاء مرير ربما تشعر بالتحسن.
وجد عبدالله قدميه تقوده إلى مكتبة محمود، أراد أن يُثبت لنفسه ولوالدته أنهم سيرضونه دون حاجة إلى تلك النقود اللعينة، وقف يستنشق بعض الهواء، يضبط أنفاسه المضطربة، ثم دلف المكتبة فاستقبله محمود مرحبًا به: _ازيك يا عبدالله يابني، اتفضل شكل عبدالله ابتسامة هادئة؛ ثم أجابه وهو لا يطيق الإنتظار حتى يتقدم لخِطبة صباه: _أنا بخير يا عم محمود، طمني عليك _أنا كويس يابني الحمدلله
قالها محمود وشعر أن هناك أمرًا به، فلقد كان يتلفت حوله بارتباك واضح، وكأن لسانه يريد النطق بشيءٍ ويتراجع، حمحم وسأله بجدية يشوبها القلق: _مالك يا عبدالله؟ حاسس إنك عايز تقول حاجة.. شكره عبدالله بتدخله لأنه فتح له مجالًا للتحدث دون الإطالة في التفكير، أخذ نفسًا عميقًا وبدأ حديثه بنبرة متلعثمة: _سامحني لو الكلام خرج ملخبط، بس مش عارف أبدا منين، الموقف أول مرة اتحط فيه... ابتلع ريقه وتابع تحت نظرات محمود القلِقة:
_أنا جايلك أطلب ايد الدكتورة صبا... تفاجئ محمود بما طلبه عبدالله، فكان هذا آخر ما توقعه، لم يفكر في شيءٍ من هذا القبيل سابقًا، طالت نظراته عليه وكثُرت التساؤلات في عقله فتوجس عبدالله خيفة، وخشى أن يرفضه، فحاول إظهار نفسه له وبعيون لامعة ونبرةٍ متلهفة تحدث:
_عارف ياعم محمود أنا معروف عني إني ممكن أطلع أجيب نجمة من السما لو حد محتاجها، عمري ما بصيت أنا طلعت إزاي ولا الوصول قد إيه كان صعب ولا أي حاجة غير إني اجيب النجمة دي للي بحبه، وأنت لو وافقت عليا أنا مش بس هجيب للدكتورة نجمة أنا هجيب لها القمر بكل رضا بس أنت وافق.. هرب محمود بعينيه وأردف بنبرةٍ جافة: _المواضيع دي مش بتتاخد كدا، لازم أخد وأدي مع نفسي وشوية حاجات كدا تتعمل قبل ما أديلك رد ولا إيه؟
لم يُعجب عبدالله بأسلوبه وهروب عينيه، كذلك كلماته كأنه يماطل في الأمر حتى يأتي بسببٍ يرفضه به، لم يكف عقله عن التفكير فوقع بين صراع أفكاره السوداوية، حمحم ثم قال له بإيجاز: _معاك حق، خد وقتك.. عن اذنك أولاه عبدالله ظهره وقلبه يتآكله القلق، لم يكن مرتاحًا لردوده الباردة، العشرات من الأسئلة قد راودته حينذاك؛ لماذا لم يشعر بسعادته عند طلبه ليد ابنته؟ هل يراه غير لائق بابنته؟
العديد والعديد من التساؤلات التي تهاجم عقله، فعكرت صفوه ومحت حماسه.. أحس بحاجته للتحدث مع صبا، ربما تنجح في اطمئنان قلبه، لم يتردد وقام بمُهاتفتها بعد أن ذهب إلى مكانٍ يخلوا من الأعين، أجابته بعد ثوانْ بسيطة بصوتٍ رقيق: _عبدالله _يا هنا عبدالله بإسمه اللي بيتنطق منك
قالها بسعادةٍ لا توصف فور سماعه اسمه، ابتسمت صبا بخجلٍ ولم ترد والتزمت الصمت، تغلب القلق على عبدالله وتجهمت تعابيره، أخرج تنهيدة مهمومة مُحملة بين طياتها الخوف من فقدان صباه، شعرت بثمة أمرًا به فتساءلت باهتمامٍ: _أنت كويس؟ _أنا خايف وأنا عمري ما حسيت بالخوف قبل كدا.. أردفها بصوتٍ واهن وأضاف بعد أن تنفس بعض الهواء: _الحب دا طلع نقطة ضعف الإنسان..
لم تستشف صبا الأمر فكلماته قد أقلقتها وحالته ضاعفت الخوف داخلها فلم تحتمل وسألته بنبرةٍ قلِقة متوجسة: _مالك بس يا عبدالله خايف من إيه وأنا موجودة؟ _خايف متبقيش موجودة!! قالها وقد شعر بغصة مريرة في حلقه، أغمض عينيه حين آلمه قلبه، حتمًا لن يحتمل خسارتها، فهي غاليته، حبيبة فؤاده ونور سبيله، خشت صبا حدوث ما يخافه لكنها لم تسيء الظن بالله، أخذت نفسًا ونطقت بعض الكلمات التي تبث في كليهما الطمأنينة:
_ثق في ربنا وفي حُبنا، أنا عمري ما قلبي ما هيحب غيرك، حتى لو النصيب مكنش زي ما حِلمنا واتمنينا.. رفض عبدالله وبكل جوارحه ما قالته، وهلل متذكرًا جملة والدته: _كل منطوق واقع قدره، قولي نصيبنا مع بعض وطريقنا واحد.. تنهدت صبا ورددت ما يريد سماعه حتى تُطمئِن قلبه: _نصيبنا مع بعض وطريقنا واحد.. متخافش يا حبيبي ابتسم هو ثم أخبرها بحماسٍ تجدد في أوصاله عما قام به منذ دقائق: _أنا روحت لأبوكي..
لم تدعه يُكمل وتساءلت بمزيجٍ من المشاعر المتناقضة؛ فتملكها الحماس وأيضًا سكن الخوف جوفها، وبلهفةٍ قالت: _قالك ايه، قولتله إيه؟ قول كل اللي حصل أخذ نفسًا وتريث في كلماته وهو يخبرها بشموخٍ ما دار بينهما ناهيًا الحوار بقوله: _بس دا اللي حصل، أكيد هيجي البيت دلوقتي ويعرفكم.. لم يكاد يُنهي جملته حتي انتبهت صبا على مجيء والدها، فارتكبت ورجف جسدها فجأة، تسارعت نبضات قلبها كأنها في سباقٍ وتركض منذ فترة، حمحمت
وحاولت إنهاء المكالمة: _بابا جه، أنا هقفل.. صدح آذان العشاء تلك اللحظة فعادت تُحادثه قبل أن تغلق: _عبدالله، صلي العشا.. ابتسم وأومأ برأسه قائلًا: _تمام .. أنهت الإتصال فولجت والدتها بعد أن أذنت لها صبا بالدخول، كانت مُمِسكة بالهاتف ونظريها يقعان على والدتها والتوتر يشع منهما، تعجبت إجلال من وقوفها ونظراتها التي توحي بخوفها، لكنها لم تعطي للأمر أهمية وقالت بجدية: _تعالي ابوكي عايزك
أماءت صبا بالقبول فأولتها والدتها ظهرها لتخرج لكنها لم تشعر بحركة ابنتها؛ فنظرت إليها ووجدتها مُتجمدة مكانها شاردة فهتفت عاليًا بريبة من أمرها: _صبا، واقفة متنحة كدا ليه، بقولك أبوكي عايزك انتبهت عليها وبتلعثمٍ رددت: _جاية جاية.. تشدقت إجلال مستاءة وهمت بالخروج، تبِعَتها صبا إلى الخارج بقدمين يتخبطان في بعضهما، وقفت أمام أبيها وتساءلت بصوتٍ غير مسموع بوضوحٍ: _نعم يا بابا، حضرتك عايزني؟
أماء برأسه وأشار إلى الأريكة موجهًا حديثه لكلتاهن: _اقعدوا جلسن ثم قال محمود ما لديه دون مماطلة: _صبا اتقدم لها عريس.. *** لم يبرح عبدالله مكانه؛ كان يـطالع اسمها على شاشة هاتفه المضيئة، تفاجئ بصوتٍ يقتحم وحدته وهو يلتقط هاتف عبدالله من بين يديه بعد أن قرأ الإسم المُدون: _الدكترة!! صعق عبدالله حين اتضحت ملامح حمادة أمامه، تجهمت تعابيره وانعقد ما بين حاجبيه بغضبٍ، وسرعان ما التقط الهاتف من بيديه وبعصبية بالغة صاح:
_إيه اللي عملته دا؟ مين إدالك الحق تاخد موبايلي بالطريقة دي؟ ببرودٍ حادثه حمادة: _الدكتورة صبا.. بلغ عبدالله ذروة غضبه ولم يشعر بيديه التي أمسكت تلابيب قميص حمادة وحذره بغضبٍ عارم: _سيرتها متجيش على لسانك أنت فاهم! نفض حمادة يدي عبدالله عنه، وضبط قيمصه بهدوء ثم أعاد النظر إليه وسأله: _ليه؟ ليه مقولتليش على علاقتكم ببعض؟ ومتحاولش تحور، أنا عارف إنك كنت تعرفها وإحنا لسه صحاب!!
رمقه عبدالله شزرًا ثم تركه وابتعد عنه بِضع خُطوات، بينما لم يرضى الآخر عن ذهابه دون معرفة السبب فأردف كلماته ليثير استفزازه: _ولا أنت كنت ناوي على الغدر من بدري فمقولتش! توقف عبدالله عن السير، استدار وقابل حمادة بنظراتٍ مستشاطة، اقترب منه ومن بين أسنانه المتلاحمة هتف:
_أنت عمرك ما كنت صاحبي يا حمادة، اللي يبص في رزق صاحبه، واللي يحقد على نجاحه ويسخر من طموحه ميبقاش صاحب، أنت طول عمرك باصص لفلوسي، عمرك مبصيت أنا جبتهم إزاي، عمرك ما شجعتني على أي خطوة كنت عايز أخدها تخليني أحسن وحياتي مرتاحة، دايما بتقلل مني، مع إن أنت اللي قليل أنت اللي عندك نقص وطول الوقت بتكمله مني، أنت لا كنت صاحب ولا هتكون، أصل اللي يستحل حاجة الناس لنفسه وهو عارف إن حرام ياخد حاجة مش بتاعته يبقى غدار وميتأمنش على سر، أنا لولا أختي اللي على زمتك كنت بلغت عن المصايب اللي بتعملها وفاكر إن محدش شايفك..
دنا منه عبدالله إلى أن إلتصق بصدره وأضاف بخفوت: _بس أنا عندي رصيد لكل واحد، وقت ما خلص صدقني مش هعمل حساب لأي حد، فحاول تتجنبني.. كاد يغادره إلا أنه تراجع وحدجه بسخطٍ وأردف بحدة محذرًا: _اسم صبا لو جه على لسانك مرة تانية هخليك من غير لسان.. تركه ومضى بعيدًا، فصاح الآخر ببغضٍ شديد: _بكرهك يا عبدالله، بكرهك
لفِظَها وهو يتوعد له أشر وعيد بينما نظر عبدالله إلى المسجد ولم يطيل النظر وفر هاربًا من أمامه، انتقى مكانٍ آخر بعيدًا عن ذلك الأحمق الذي عكر صفوه، ولم يستطع إخماد غضبه بسهولة، فأشعل إحدى سجائره يفرغ غضبه في تنفيث دخانها. *** انفرجت شفتي إجلال بسعادة دقت طُبول قلبها وهتفت متسائلة: _مين دا يا محمود حد نعرفه؟
كانت نبضات قلب صبا تزداد عنفوانًا، تشعر وكأن الأمر سوف يُكشف حين يذكُر والدها إسمه، لا تدري كيف ستتمالك نفسها وتتصنع بعدم معرفتها الأمر، أخفضت رأسها هاربة من أعينهما، بينما أجاب محمود زوجته: _عبدالله القاضي.. _عبدالله!! رددتها إجلال بعدم تصديق، فلم تتوقعه قط، توجهت النظرات نحو صبا حين سألها والدها: _مالك يا دكتورة ساكتة ليه؟
لم تقدر على مواجهة عينيه، فهي تحمل على عاتقها ذنب خيانة ثقته، فكيف لها أن تواجهه وتتصنع وكأنها لا تعرف الأمر؟ التزمت الصمت ولا زالت مُنكِسة الرأس فقهقت إجلال ومن بين ضحكها قالت: _متكسفهاش يا محمود.. رمقها محمود بنظرات مستشاطة أخافتها، فأخفت ضحكتها على الفور والتزمت الصمت، بينما عاد محمود إلى صبا وأردف بنبرةٍ حادة: _هو كويس بس عيوبه أكتر من مميزاته، ودا قالقني..
تفاجئت صبا بكلام والداها وشعرت بأن دلوًا من الماء الساخن قد سقط أعلاها فأخرسها، حاولت التحدث لكن قد انعقد لسانها ولم تقدر، فأرغمت أذنيها على الإستمتاع لوالدها وهو يُكمل حديثه:
_تعليمه متوسط، وملوش شغلانة ثابتة والأهم من كل دا إن معرفلوش أب، عم، خال، عيلة بالمعنى الأصح، دا يدوب معرفش غير إبراهيم الله يرحمه جوز أمه، من يوم ما أمه خطت الحارة وهو على أيدها حتة لحمة حمرا وأنا مش مرتاح للموضوع دا، وإبراهيم الله يرحمه بعد ما اتجوزها عمره ما اتكلم عنه ولا عن أهله، لدرجة إني حسيت أنه جاي في الـ... صمت ثم استنكر ظنونه السيئة:
_استغفر الله العظيم، الواحد كان نسى الموضوع دا، بس رجعت أفكر فيه تاني من وقت ما الواد كلمني تدخلت إجلال مردفة بعض الكلمات في حق أحلام:
_يا خويا ما هي قالتلنا أن جوزها مات وأهله صعبين وهي اضطرت تسيب البلد اللي كانت عايشة فيها وتيجي هنا عشان خافت على ابنها منهم، الشهادة لله يا محمود أحلام كويسة ومحترمة وطول السنين اللي عاشتهم هنا في الحارة مشوفتش منها حاجة وحشة، طيبة وفي حالها وربت عبدالله أحسن تربية، الواحد لازم يقول اللي ليه واللي عليه.. صوّب محمود نظراته على صبا وتعجب من حالتها، وفسرها أنها خجِلة، لكنه ود سؤالها عن رأيها في النهاية
رأيها الأهم من بينهما: _إيه يا دكتورة، هتفضلي ساكتة؟ ما تقولي رأيك بصعوبة قابلتها في النطق قالت بخفوت: _اللي حضرتك تشوفه يا بابا.. كاد يتابع حواره معها لكنه استمع إلى الإقامة، فنهض وقال مختصرًا: _هنزل أصلي العشا ولما أرجع نشوف الموضوع دا..
هرولت صبا إلى غرفتها فور ذهاب والدها، ووقفت خلف الباب تستنشق الصعداء، وضعت يدها على صدرها فكان يعلوا ويهبط بصورة قاسية مضطربة، حاولت تهدئة ما أصابها والإستعداد إلى متابعة الحديث عند عودة والدها. *** في أحد الأحياء الراقية، حيث المنازل ذو البنيان الفاخرة الحديثة، داخل فيلا، استقبلته والدته وإخوته بحفاوة: _حمدالله على سلامتك يا عاصم قالتها والدته وهي تقترب منه تُقبل وجنته بحرارة فرد بهدوء: _الله يسلمك يا حبيبتي
أضاف أخيه بمزاحٍ: _بِكرية ماما جت خلاص الكل هيتنسى.. لكزته والدته في كتفه مرددة بغيظ: _إيه الكلام البيئة دا، كلامك بقى مش ممكن من وقت ما دخلت الجامعة.. قلب عينيه باسيتاء واضح ولم يمنع نفسه من قول ما أملى عليه عقله لحظتها: _أيوا كل حاجة هتجبيها في الجامعة، عشان مش على هواكي أكدت والدته ذلك: _دا فعلًا، مش دي الجامعة اللي أحب أنك تكون فيها استنكر تفكيرها العنصري وأردف مُمِتعضًا: _كفاية أنها بمجهودي..
وجه أنظاره نحو أخيه وتحولت تعابيره إلى التفاخر والتعالي وأضاف: _مش هندسة بالفلوس ضربه عاصم على مؤخرة رأسه وصاح: _أنت مكسوف تقول إنك فاشل؟ _بكرة تشوفوا الفاشل دا هيبقى إيه بعد التخرج، هيبقى أحسن اعلامي في مصر كلها هتفها بتفاخر وثقة لذاته، لم تعطه والدته أهمية كبيرة فالوقت ليس في محله، تنهدت ووجهت أنظارها إلى عاصم وقالت بقلقٍ لحالته التي لم تستقر بعد:
_حبيبي اطلع ارتاح في اوضتك، مش عارفة أنت ليه أصريت تخرج من المستشفى دلوقتي؟ أماء بقبول لكنه عدّل كلامها: _أنا هطلع أغير هدومي بس عشان خارج.. فغرت والدته فاها بصدمةٍ وهتفت مُعارضة قراره: _خروج فين دلوقتي؟ أنت لسه متعافتش، أنت لازم ترتاح تنهد عاصم وقال حاسِمًا أمر خروجه: _أنا كويس يا ماما.. انحنى على وجنتها وطبع قُبلة عليها وأضاف: _متخافيش عليا
تركها وصعد الطابق الثاني تحت نظراتها المستشاطة من عدم اهتمامه بصحته، بينما أخرجها ولدها الآخر من شرودها بتعليقه: _لو كنت أنا كنت دلوقتي محبوس في الأوضة ومقفول عليا بالمفتاح، يابختك يا عاصم؛ مسيطر رمقته والدته بنظراتٍ مشتعلة ففر هاربًا من أمامها دون إضافة المزيد، بينما تنهدت الأخرى بضيق مرددة: _ربنا يهديك يا عاصم..
في الأعلى حيث غرفة عاصم، جلس على الفراش بحذر، ثم خلع عن رأسه قبعة سترته والتي كان يخفي بها جرح رأسه ليمنع القيل والقال. تنهد وطالع أمامه بعقلٍ منشغل في تلك الطبيبة، تقوس ثغره ببسمةٍ عفوية كلما تذكرها، رفع ذراعه وتحسس جرح رأسه وهمس: _عنيفة بس عجباني!! *** انتهت للتو من أداء صلاة العشاء، وأسرعت ناحية هاتفها الذي لم يكف عن الاتصالات من عدة دقائق، تعجبت من المتصل وبتردد أجابت: _عبدالله!
تفاجئت بهجومه عليها لدرجة أن قلبها انخلع من مكانه برعب وهي تستمتع لحديثه المُنفعل: _أنتِ ازاي تروحي تقولي لجوزك على علاقتي بصبا؟! أنتِ عارفة كويس إني منبه إن محدش يعرف عن العلاقة دي غير لما أخد خطوة رسمية، مش قادر أصدق إنك تبيعي أخوكي بجد، دا إحنا مهما حصل بينا في الآخر أخوات، مينفعش سري تقوليه لحد حتى لو للمحروس جوزك!! بحاول استوعب إنك أنتِ يا زينب اللي تعملي فيا كدا مش قادر بجد، الله يسامحك
أنهى عبدالله الإتصال، بينما لم يصدر منها صوتًا، كانت متفاجئة بما سمعته، تُطالِع أمامها بذهولٍ، في تلك الأثناء عاد حمادة إلى المنزل فسقطت نظراتها عليه، ولج بوجهٍ عبوس يبدو عليه الغضب، ابتلعت هي ريقها وبهدوءٍ قالت: _ليه قولت لعبدالله؟ دهش حمادة بمعرفتها، رمقها لبرهة دون تعقيب ثم تصنع جهله بالأمر: _قولت لعبدالله إيه؟ وقفت أمامه وعينيها تلومه على فعلته، وبحدةٍ صاحت زينب:
_ليه أأتمنك على سر وتروح تقوله، أنت مش عارف إني علاقتي بيه زي الزفت بسببك رايح تبوظها أكتر وبرده بسببك، دا جزائي إني وثقت في جوزي وأمنتك على سر أخويا!! حاول حمادة الهرب من أسئلتها ولومها وظل يردد كلماتٍ ليست نصب الحوار: _هو لحق قالك؟ وبعدين أنتِ بتتكلمي معايا بالطريقة دي إزاي؟ قاطعته زينب بصراخها في وجهه: _متغيرش الموضوع، رد عليا وقولي ليه عملت كدا ليه؟
بلغ حمادة ذروة تحمله على غضبها السخيف، لم يشعر بنفسه سوى وهو يدفعها بكل ما أوتي من قوةٍ حتى سقطت أرضًا، إنهال عليها ببعض الضربات على وجهها حتى سالت الدماء من فمها، فتابع ضربه المبرح بقدميه، كان يتفنن في ضربه بوحشية في أجزاءٍ متفرقة من جسدها، لا يسمع أي من صراخها التي تتوسله أن يدعها وشأنها، فقط يريد إفراغ شحنة غضبه، فيزيد من ضربه ولا يكترث لما يسببه لها من أذى جسدى.
هدأ ونظر لها بنظرة مشمئزة ثم بصق عليها وغادر المنزل، أما عن زينب فلم تمتلك قدرة الصراخ، فلقد حُشِر صوتها داخلها، لا تقدر على إخراج صوتًا تستغيث به، فقط تسمع وتيرة أنفاسها العالية، تشوشت رؤيتها وتسارعت نبضات قلبها وكأنها اللحظات الأخيرة لها، وماهي إلا ثوانٍ حتى غابت عن الوعي تمامًا. *** بينما كان عبدالله عائدًا إلى المنزل هاتفته صبا متسائلة باهتمامٍ: _صليت؟ لم يجب عبدالله فكيف يخبرها أنه لم يصلي؟
تنهد فسمعت تنهيدته واستشفت ما ورائها فهتفت متذمرة: _أنت بتعمل كدا ليه يا عبدالله؟ ليه مش عايز تمشي لربنا خطوة، ليه بتبعد عنه بالشكل دا؟ وفي الآخر تيجي تطلب منه إنه يتمم لك أمورك، مش بتكون مكسوف وأنت بتطلب منه حاجة ومش بتعمل اللي عليك!! كلماتها تزيد من استيائه واحتقاره لنفسه، أوصد عينيه محاولًا تبرير موقفه: _أنا بس كنت مضايق فـ... تدعه يواصل وهتفت باندفاع:
_فـ إيه، بلاش مبررات ملهاش لازمة، يعني وأنت واقف قدام ربنا ويسالك مصلتش ليه هتقوله أصل كنت مضايق؟ هل دا هيشفع لك يعني؟!! تأفف عبدالله ولم يعد يقبل المزيد من الكلمات التي تضيق صدره وتؤنب ضميره، فصاح محاولًا إنهاء الحوار: _خلاص يا صبا انا كدا كدا طالع البيت وهصلي فيه.. استشعرت ضيقه، وشعرت بالندم حيال أسلوبها الفظ، فلم تكن صائبة في انفعالها، تنهدت لتُبخر غضبها وأردفت نادمة بلين:
_أنا آسفة اني اتعصبت، بس والله عشان بحبك خايفة عليك وعايزاك تنتظم في الصلاة.. أراد عبدالله إنهاء الحوار بينهما فقال: _محصلش حاجة، سلام عشان انا طلعت البيت ولج المنزل وألقى بجسده على الأريكة، حدج السقف لبرهة قبل أن تنضم إليه والدته متسائلة بلهفةٍ: _ها يا حبيبي، عملت ايه طمني لم يجيبها على الفور، بل أطال النظر إليها فأقلقها، وعادت متسائلة بتوجسٍ لسماع ما لا تود سماعه: _إيه النظرة دي؟ هو قالك ايه؟ ابتلع
عبدالله ريقه واكتفى بقول: _قال هياخد رأي اللي في البيت الأول زفرت والدته بارتياح وأردفت: _طيب ما طبيعي أي أب هيقول كدا، أومال أنت فاكر هتقوله عايز بنتك هيقولك اتفضلها اهي، لازم ياخد رأي مراته ورأيها ويعزز من بنته ويسيبك أنت اللي تجري وراها وتسأل، كل دا طبيعي يا حبيبي أنت إيه اللي مضايقك بقى؟ _عارف، عارف كل اللي بتقوليه دا، بس أنا محستش أنه فرحان لما طلبت ايدها، مش عارف بس شوفت في عنيه حاجات حسستني إني...
لم تدعه يواصل، فقاطعت كلامه بقولها: _لحظة يا عبدالله.. نهضت وتوجهت باتجاه غرفتها، غابت لفترة ثم عادت ومعها مطوية بيضاء أعطتها إلى عبدالله الذي تعجب منها وتساءل مستفسرًا: _إيه دا؟ أخذت نفسًا زفرته على مهل ثم أجابت بإيجاز: _افتحه وأنت تعرف أسرع عبدالله في فتحه وصُعق من المبلغ الضخم التي تحتويه المطوية، قلِق داخله وأعاد النظر إلى والدته، لا يريد تصديق ما يُمليه عليه شيطان عقله، رفع النقود وسألها بجدية: _بتوع إيه دول؟
نكست أحلام رأسها، فهي لا تتمتع بتلك الشجاعة لتخبره عنهم، أغمض عبدالله عينيه في محاولة منه على كبح جماح غضبه، وردد بحدةٍ يقاوم ظهورها: _لو اللي في دماغي صح.. قاطعته بإلقاء حديثها دُفعة واحدة: _صح شد عبدالله قبضته على النقود ثم انتفض من مكانه فأسرعت في قول ما تتمنى أن يلين به قلبه: _دا حقك، خدهم وروح لابو صبا وصدقني هيغروه وهيوافق على طول تجهمت تعابيره واحمر وجهه وهدر بغضب:
_أنتِ عايزاني أقبض تمن قهرتك وظلمهم ليكي، عايزاني اتجوز بفلوس فاكر أنه لما يبعتها هنسامحه على اللي عمله فيكي وفيا؟! صمت لثانية ثم أضاف بعقلٍ يكاد يجن من فِعلتها: _أنتِ بأخدك الفلوس دي صغرتينا أوي، فضلتي تربي فيا وتعلميني عزة النفس وإن كرامتي فوق الكل وبعاملتك دي دوستي علينا، خلتيه يفكر أن مقامنا فلوس، مش قادر استوعب إنك تعملي كدا
ألقى نظرة لوم عليها ثم غادر المنزل، لم تستطع والدته الصمود وخرت قدميها فلم تعد تحملها، وقعت بإهمال على الأريكة سابحة بين ذكرياتها، فانفطر قلبها حزنًا على ما عاشته ومرت به، ودون وعيٍ منها أجهشت في البكاء مُتحسرة على ما مضى. ***
وقف عبدالله أمام أحد القصور الفخمة، يطالعها ببغضٍ شديد، يزداد الكُره في قلبه كلما قرأ لمن يعود القصر، كان يصر أسنانه بغضبٍ لو تحول لإنسان لحرق وخرب ذلك القصر دون تفكير، بلع لعابه ومشى بخـطواتٍ ثائرة غير متزنة، وقف أمام بوابته وقام بالطرق عليها بعنفٍ. فُتحت البوابة من قِبل أفراد الأمن، وقف أحدهم في الداخل يضع يده على جيبه الخلفي حيث يوجد سلاحه، والآخر اقترب بخُطاه من عبدالله وسأله بعملية: _أنت مين؟
وكأنه لم يسمع سؤاله، فقط يريد الوصول لمراده فقط، فهتف وعينيه مُصوبتان على الداخل: _ناديلي اللي مشغلك استنكر الرجل لهجة عبدالله في الحديث فاحتدت تقاسيم وجهه، وضرب بخفة على ذراع عبدالله وهو يردد بتحذير: _طب امشي أخفض عبدالله نظريه على يدي الآخر الموضوعة على ذراعه، نفضها عنه بيده الأخرى ورمقه بنظرات ذئب يراقب فريسته جيدًا قبل أن ينقض عليها. ***
أعاد فتح محمود مكتبته، فلم يود العودة إلى المنزل قبل التفكير جيدًا في مسألة زواج ابنته من عبدالله، يحاول وضع النِقاط على الحروف قبل أن يأخذ قرارًا سيترتب عليه الكثير. قطع عليه حبال شروده ذلك الصوت الذي اقتحم المكان فجأة: _عم محمود.. انتبه عليه محمود ورفع رأسه يتعرف على هويته، فوجده حمادة، عبست ملامحه فور رؤيته فهو لا يروق له، حاول جاهدًا ألا يكون عديم الذوق معه، وبصعوبة قابلها في الحديث معه قال: _أهلًا يا حمادة، خير؟
أطال حمادة النظر إليه قبل أن يخبره بما جاء لأجله، يرتب حديثه أولًا فهو لن يكون سهلًا عليه سماعه، وحتمًا سينال جزءًا من غضبه عند إعلامه بما يدور خلفه. تنهد وبدأ حديثه فلا رجوع في ذلك، عليه الثأر من ذلك المغرور، ولن يكون هناك أكثر مما سيفعله لينتقم لنفسه ويرضي غريزته الناقصه: _كنت عايز أقولك على حاجة شوفتها وقولت ميصحش عم محمود يفضل على عماه بسبب واحد ميعرفش عن الأصول حاجة..
ضاق محمود بعينيه فلم يستشف ما وراءه، ولم يمنع نبرته المهاجمة التي تحدث بها: _تقصد إيه بكلامك دا، ادخل في الموضوع على طول مش فاضي أماء الآخر بتفهم ولم يطيل وأخبره: _أنا شوفت عبدالله وهو نازل من تاكسي وبعدها التاكسي دخل الحارة والدكتورة نزلت منه... تفاجئ محمود بكلامه، التف حول الحاجز الفاصل بينهما وامسكه من تلابيب قميصه وهدر به شزرًا: _ايه الكلام الفارغ اللي بتقوله دا، أنت عارف بتتكلم عن مين؟ بتتكلم عن بنتي!!
_عارف إني بتكلم عن بنتك، وأكيد مش هجيلك وأنا بقول أي كلام، أنا اتاكدت أن بينهم علاقة وعشان كدا مقدرتش يكون عبدالله بيعمل حاجة من وراك، مش معقول عن محمود الراجل الطيب واحد زي عبد الله يستغفـ... لم يضيف المزيد فانهار عليه محمود وظل يهزه بعنفٍ مستنكرًا ما يقوله: _أنت كداب أنا بنتي متعملش كدا أبدًا..
اجتمع الناس إثر صوت محمود وحاولوا فض الإشتباك بينهم، أبعدوهم بصعوبة، لم يقف محمود مكانه لحظة بل ركض مهرولًا إلى منزله تحت نظرات ذلك الثعلب الذي يتابع بانتصار، عدل قميصه وهو يردد بخفوت: _بالشفا يا عبدالله.. ولج محمود المنزل وهو لا يرى أمامه، قابلته زوجته وتوجست خيفة من هيئته الغاضبة، ولم تسأله بعد عما به فسألها هو بنبرة ليست بحاجة للنقاش: _بنتك فين؟ دعب الرعب أوصالها ورجف جسدها من فرط خوفها، وأجابته بنبرة مهزوزة:
_في أوضتها.. لم يقف مكانه بل توجه ناحية غرفته واقتحمها، ذعرت صبا من دخوله المفاجئ، وهبت واقفة وقلبها ينبض بقوة، اقترب منها محمود وسألها بغضبٍ: _علاقتك إيه بعبدالله؟ برقت عينيها بصدمةٍ، حاولت جمع شتات نفسها حتى لا يُفضح أمرها إن لم يكتشف بعد وقالت بهدوءٍ: _علاقة إيه يا بابا اللي حضرتك بتقول عليها؟ دنا منها وعلامات الغضب تزداد على وجهه وصاح عاليًا:
_أنا اللي بسأل هنا، علاقتك بيه إيه يخليكي تركبي معاه تاكسي وينزل قبل منك؟ حتمًا تلك نهايتها، ابتلعت لعابها الذي سال وجاهدت خوفها قدر المستطاع لتظهر بصورة قوية غير مهزوزة وانكرت معرفتها بالأمر: _محصلش.. مين اللي قالك كدا؟ _مش مهم مين اللي قال يا بنت محمود، المهم أن الكلام دا حقيقي ولا لأ هتفها بصوتٍ عالٍ حتى شعر بألمٍ في حنجرته، ربما جرحها من وراء غضبه، أمسك ذراعها وهزها بعنف وهو يردد: _هاتيلي موبايلك..
اتسعت حدقتيها وامتلأت عينيها بالدموع التي تهدد بالسقوط، ارتفع صدرها وهبط بعنفٍ، بالتأكيد اليوم ليلة موتها، بينما صدح صوت محمود وهو يأمر زوجته: _شوفي لي موبايلها فين وهاتيه
ما كان منها إلا إطاعته لتتقي شره، بحثت عن هاتفها فوجدته على الفراش، أتت به وأعطته لزوجها الذي بحث بين الأرقام فلم يجد اسم عبدالله، أعاد النظر إليها وحرك رأسه مرارًا، نقل رقم عبدالله من هاتفه إلى هاتفها، ولم يكاد يُكمل الرقم حتى ظهر أمامه كاملًا مدونًا بحرف العين. كز أسنانه بعصبية بالغة، أدار الهاتف ووضعه في وجهها بشرٍ: _إيه دا يا دكتورة؟!! لم تجيبه فنهرها بغضب: _انطقي، إيه دا؟
سقطت عبراتها كالشلال وأجابته من بين بكائها بتلعثمٍ: _يا بابا معايا رقمه عشان كنت برن عليه وقت ما يجي ياخدني... ظل يومأ برأسه وقام بطلبه في إنتظار إجابته بفروغ صبر، بينما ازداد نحيب صبا، فلقد تأكدت أن موتها بعد ثوانٍ معدودة، خفق قلبها بقوة وهي في إنتظار صدور حكم إعدامها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!