داخل إحدى أرقى الفيلات المتواجدة بمنطقة كفر عبده، والتي تعد من أرقى مناطق الإسكندرية، ولا يسكنها إلا الطبقات المخملية. تلك الفيلا تعد هي واثنتان مثيلاتها المتبقيتان على حالهما في تلك المنطقة، بعد أن هدمت باقي الفيلات وشيد مكانها أبراج سكنية شاهقة الارتفاع. لكن أصحابها ما زالوا متمسكون بها رغم العروض الكثيرة التي تأتيهم لبيعها. داخل بهو الفيلا الراقي، والذي ما إذا شاهدته تكتشف ذوق ساكنيها الرفيع.
نجد رقيه هانم تقف لتعطي أوامرها للعاملين للاهتمام بتنظيم وجبة الإفطار فوق الطاولة كما تحب، فهي مهووسة بالنظام. وخلفها كان يجلس زوجها لواء متقاعد عبدالرحمن الغنيمي على أحد المقاعد، وبيده الجريدة الورقية التي ما زال متمسكاً بقراءتها كل صباح وهو يحتسي قدح قهوته. نظر لها بعدم رضا من خلف الجريدة، ولكن فضّل عدم التدخل حتى لا تعطيه درساً في فن الإتيكيت وفن ترتيب طاولة الطعام، و و و و...
وما إلى ذلك هو في غنى عن كل هذا، فهي في كل الأحوال ستفعل ما يحلو لها. بعد قليل نجد اللواء جالساً على رأس الطاولة، كما العادة، وعلى يمينه زوجته، وعلى شماله مقعد ابنه الأكبر عمر، بجانبه مقعد زوجته شهيرة، في مقابلها مقعد ولده الثاني مالك. رقية بعصبية: زينب ياااا زينب. تت الخادمة تهرول، وما أن وقفت قبالتها قالت بخنوع: أمرك يا هانم. رقية: اطلعي اندهي البهوات، فات خمس دقائق على ميعاد الفطار.
قبل أن تكمل، وجدت ولديها يقتربان منها بعد أن سمعوها وهم يهبطون الدرج، وما أن وصلوا لها قاطعها عمر ممازحاً: والله ما أنتي تعبانة نفسك، البهوات وصلوا أهم. أعقب قوله بإمالة جسده وقام بتقبيل رأسها، ثم اعتدل وقال: صباح الفل يا رقيه هانم. ابتسمت له، ولكنها وبخته قائلة: صباح الخير، أنت مش عارف أنت والبه اللي قعد ياكل من غير حتى ما يقولي صباح الخير؟ إن مواعيد الأكل مقدسة عندي. اتجه إلى والده مقبلاً رأسه، ثم
جلس في مكانه المخصص وقال: يا ماما هما خمس دقايق مش حكاية يعني. ابتلع مالك ما بفمه وقال ممازحاً: أقدر أقول لفخامتك صباحك سكر، ولا لسه قافلة؟ صرخت به قائلة: ولد! احترم نفسك، إيه قافلة دي؟ مالك بغيظ: يا ماماااا حرام عليكي، أنتِ شايفة كل واحد فينا قد ضرفة الباب ولسه بتقولي ولد، ده لو عسكري مالي عندنا سمعها الهيبة هتروح خالص. ثم وجه حديثه لأبيه وقال: ما تقول حاجة يا بوب.
عبد الرحمن: روكا حبيبتي تقول اللي يعجبها. التقط كفها مقبلاً إياه وقال: اهدي يا روحي متعصبيش نفسك بسبب الهمج دول. نظر الاثنان لوالدهم بذهول، ثم مال مالك وهمس لأخيه: أقطع دراعي اللي ما كان أبوك وراه خروجة بالليل وبيجندلها. غمز عمر لأخيه مؤكداً على حديثه، وبدأ في تناول طعامه محاولاً كتم ضحكته على هؤلاء الآباء الذين يبدو عليهم المراهقة المتأخرة. أما الأب، فبعد تقبيل يدها سأل ولده وقال: أنت مسافر إمتى يا عمر؟
عمر: كان المفروض بكرة، بس نديم بيه طالبني في اجتماع مهم النهاردة، وقالي إن السفر هيتأجل. رقية: أنا نفسي بقى تبطل سفر وتحاول تهتم بمراتك وابنك شوية، مش معقول كده حياتك كلها سفر. ترك ما بيده ونظر لها ببرود بعد
أن أخفى حزنه ببراعة وقال: أنتي مش واخده بالك إن الهانم لسه نايمة، وهرجع ألاقيها خرجت، مع إن المفروض الكام يوم اللي بقعدهم هنا تكون هي اللي بتهتم بيه يا ماما، مش الخدامة اللي تطلع تصحيني. ياريت زي ما حضرتك اخترتيها، أتمنى تفهميها إن ليها زوج وليها ابن. رميها للمربية ديما، وكل اللي شاغلها هتسافر فين تغير جو، وهتعمل شوبينج من أنهي براند، وكل صلتها بيا إنها تتباهى بعمر الغنيمي قدام صحابها. وقف
دون إضافة حرف آخر وقال: بعد إذنكم. فقط تركهم وغادر بغضب مكتوم. وبعد أن صعد سيارته انطلق بها بسرعة، مخلفاً وراءه سحابة غبار أثر احتكاك عجلات السيارة بالأرض. بعد أن غادر، قام مالك وهو يقول بغضب: حضرتك لازم تحرق دمه الصبح عشان البومة اللي نايمة فوق دي. رقية بغضب: ولدددد. مالك: بلا ولد بلا بنت، قرفتونا اللي جابونا. بقي أنا سايبها لك وماشي. خرج سريعاً تاركاً إياها تغلي كالمرجل، وكالمعتاد ستصب جام غضبها على زوجها المسكين.
رقية بغضب: عجبك اللي بيعملوه ولادك ده؟ ينفع كده؟ حاول أن يكتم غضبه منها وقال: أنتي اللي غاوية مشاكل مع ولادك يا رقيه، قبل ما تلومي ابنك على سفره اللي هو صميم شغله، لومي الهانم اللي كنتي بتقولي فيها أشعار عشان يرضى يتجوزها. وأهو بقاله تلت سنين محسش يوم إن ليه زوجة زي البني آدمين، كل همها الخروج والفسح، ده حتى ابنها بتشوفه بالصدفة. صمت قليلاً
وقال قبل أن يغادر: الله يسامحك على البلوة السودة اللي ابتليتي بيها ابنك يا رقيه. و فقط غادر إلى عمله تاركاً إياها تسبح في بحر أفكارها وضميرها الذي يؤنبها على هذا الاختيار الفاشل، لكن كبرياؤها يمنعها من الاعتراف. داخل فيلا الدكتور كامل المصري. نجد شخصاً يهجم على غرفة بطلتنا الرقيقة دون أن يطرق الباب، مما جعلها تنتفض من موضعها صارخة بفزع، وحينما علمت هوية الفاعل صرخت بها: أنتي بتستهبلي يا ندي؟ خوفتيني.
كانت ندي تضحك بشدة عليها، وبعد أن هدأت قالت: حتى وأنتي زعلانة رقيقة يا بت انشفي، مينفعش كده. أسماء بصوت عذب ولكنه مهزوز أثر ما حدث: عايزاني أبقى زيك؟ ولا أنا عارفة نفسي بنت ولا ولد. بصي لنفسك في المراية يا ندوش، أنتي بنت جميلة وكلّك أنوثة، ليه دفنة نفسك في لبس الجينز والتي شيرت وديمًا رابطة شعرك ديل حصان، وكمان الكاب اللي مش بتخرجي من غيره، حتى صوتك بتحاولي تتخنينه، ليه كده؟ قولتلك ميت مرة اتغيري وحسي إنك بنت.
ندي بجدية: أنا عجباني كده ومش هتغير، مليش أنا في محن البنات وسهلوكتهم دي، دانا لما بشوف بت بتدلع بحس إني هطروش وربنا. امتعضت ملامح أسماء وقالت بقرف: هتطرّشي؟ في بنت تقول كده؟ الله يقرفك! صدق اللي سماكي المعلم قدورة. هندي بفخر: ليا الشرف والله. وبعدين إيه الفستان الملزق ده يا بت؟ دخلتي فيه إزاي ده؟ نظرت لها بغيظ وكادت أن ترد عليها، إلا أن دقات الباب منعتها. أذنت للطارق بالدخول.
وما كانت إلا الدادة رحمة، التي قامت بتربيتها منذ ولادتها وتحبها كثيراً. رحمة: يلا يا قمرات، الفطار جاهز والكل مستنيكم. حول طاولة كبيرة الحجم تتسع لأكثر من عشرين شخصاً، كان يجلس على رأسها دكتور كامل، وعلى يساره أخيه عزيز، تجاوره زوجته بهيرة، يجاورها ابنها كريم. وعلى يساره مقعد ابنته الغالية، تجاورها ندي ابن عمها.
وصلت الفتاتان إليهم. ألقت ندي صباحاً عابراً على الجميع وجلست مكانها. أما أسماء فمالت على والدها معانقة إياه من الخلف، ثم قبلته فوق وجنته وقالت بحب: صباح الخير يا بابي. كامل بحب: صباح الفل على قلبي. ألقت تحية الصباح على عمها وزوجته وابن عمها، ثم جلست مكانها تحت نظرات كريم التي تلتهمها التهاما. فقال بإعجاب: الدريس يجنن عليكي يا سيمو. ردت عليه بخجل: ميرسي. رفعت ندي جانب شفتها العليا بتعجب وقالت بغيظ: لا راجل يا ضاضا!
ده الفستان هيتفرتك عليها بدل ما تديها كلمتين وتقولها غيريه. الله يرحمك يا رجولة. نظر لها بغضب، ولكن قبل أن يرد عليها كانت أمه الأسرع حين قالت: أنتي مش هتبطلي أسلوب بنات الشوارع ده، أنتي ناسيه أنتي بنت مين. بعدين بدل ما تنتقديها اتعلمي منها إزاي تبقي بنت حلوة وستايل، مش لبس الولاد اللي مش بشوفك غير بيه. حزنت بداخلها، ولكنها
أخفت مشاعرها ببراعة وقالت: أنا كده ومش هتغير يا بهيرة هانم، والحمد لله مش بخرج معاكي في مكان عشان متستعريش مني. أعقبت قولها بالقيام مغادرة المكان وهي تقول: أنا ماشية، اتأخرت عالجامعة. كامل: ليه كده يا بهيرة؟ مش معقول كل شوية تسمعيها كلامك ده؟ البنت نفسيتها هتدمر بسببك.
عزيز: عندها حق يا كامل، البنت دي خلاص جننتني، غير لبسها وطريقة كلامها، سايبة بنات العائلات الكبيرة اللي معاها في الجامعة وتروح تصاحب لي بنت شحاتة دخلت الجامعة بتاعتها بمنحة مجانية، لا وكمان عرفتها على صحباتها اللي في الجامعة الحكومية، وكلهم من بنات بحري وراس التين. وطول النهار معاهم هناك. كريم: قولتلك يا بابا أدخل وأمنعهم إنهم يقربوا منها، حضرتك مرضتش. أسماء: تمنعهم إزاي مش فاهمة؟
إيه هتهددهم ولا هتخلي البادي جارد يضربوهم؟ كريم بهدوء: لا طبعاً ولا ده ولا ده، أنتي فهمتيني غلط يا حبيبتي. أنا قصدي إنهم متصاحبين عليها عشان أكيد بتصرف عليهم. أنا كنت هدفع لهم قرشين عشان يبعدوا عنها مش أكتر. دافعت عنهم قائلة: على فكرة البنات دي مش كده خالص، دول بنات محترمة جداً، وقليل جداً لو وافقوا إن ندي تعزمهم على حاجة. أنا قابلتهم كام مرة، صراحة عندهم عزة نفس وكرامة مشوفتهاش حتى في وسطنا.
كامل: ندي مش صغيرة، سيبوها براحتها، وأكيد لو في حاجة أنا شايفها غلط هتدخل فوراً. وقفت من مجلسها مقبلة يد والدها وقالت: بعد إذنكم، أنا كمان اتأخرت. وقف كريم سريعاً وقال: طب يلا حبيبتي هوصلك. نظر له كامل بعدم رضا وقال وهو يحاول ألا يظهر شيئاً: لا خليك أنت النهارده، أنا هوصلها، أصل بقالي فترة مخرجتش معاها. كتم كريم غيظه مع نظرات أبواها الخبيثة وقال: براحتك يا عمي.
ثم مثل المزاح وأكمل: أنا هسيبها لك النهارده، بس بعد كده مش هتنازل عن خطيبتي أبداً. انفجرت به بعد أن فاض الكيل من تحكمه فيها وعدم تركها تذهب لأي مكان بدونه، حتى سيارتها لا تستعملها إطلاقاً نظراً لقيامه بإيصالها لأي مكان تريده. قالت بغضب: على فكرة بقى أنا خلاص اتخنقت بجد، مش معقول كده مش عارفة أخرج لوحدي ولا أركب عربيتي، حتى خروجي مع صحباتي بتيجي معايا. هو أنت للدرجة دي مش بتثق فيا؟ كده أووووفر أوي بجد.
حاول امتصاص غضبها وأيضاً أراد أن يقلب الوضع لصالحه، فقال ممثلاً الحزن: هو عشان بحبك وعايز أفضل معاكي ديما أبقى بخنقك، وعشان خايف عليكي يبقى قلة ثقة. أسف جداً، معرفش إني وحش أوي كده. تدخلت بهيرة بغضب: مالك يا أسماء؟ إيه اللي غيرك من ناحية خطيبك كده؟ هو فيه واحدة تزعل من اهتمام حبيبها (تعمدت الضغط على حروف الكلمة لتوصيل لها ما تقصده) بيها؟ ولا أنتي غيرتي رأيك؟ ثار أبوها حينما رأى دموعها الغالية وقال: في إيه؟
ماااالكم نازلين بهدلة في البنت؟ كل ده عشان قولت هوصلها؟ يوم هي مش بنتي ومن حقي أخرج معاها، ولا أنتو خلااااص اشتريتوها؟ نظر إلى أخيه وقال بكلمات ذات مغزى وهو يرفع إصبعه كعلامة تهديد وقال بغضب جم: اسمع يا عزيز، أنا معنديش أغلى من بنتي، وعمر دموعها ما نزلت غير من بعد ما ارتبطت بابنك. عقل يا اماااااا، أنت عارف لو دماغي قفلت هقلب على الكل، فااااهم.
أعقب قوله بسحب ابنته المنهارة من البكاء تحت ذراعه بحماية، وخرج بها من بين تلك الأفاعي التي يدعو الله ويحاول جاهداً حمايتها منهم. بعدما تأكد عزيز من مغادرتهم صرخ بابنه وزوجته قائلاً: أنتم أغبية! قولتلكم بلااااش تخنقوا البنت، هي أصلاً وافقت عليك غصب عنها، وأنت ولا كأني قولت حاجة ومشيت ورا كلام أمك لحد ما هتهد كل اللي وصلنا له. بهيرة: وأنا عملت إيه يعني؟
مش كان لازم يفضل معاها عشان متفكرش تقابل الولد اللي بتحبه واللي أصلاً مش عارفين هو مين؟ كريم: بابا عنده حق، وبعدين أنا واثق من أخلاقها، استحالة توافق عليا وهي مرتبطة بحد، حتى لو كانت روحها فيه.
عزيز: اسمع أما أقولك، أنت سيبها براحتها عشان متزهقش أكتر من كده، بعدين أنتو بقالكم تلت سنين مخطوبين، لو كان في حد في حياتها كان ظهر من زمان، وأكيد الواد اللي كانت مرتبطة بيه عرف هي اتخطبت لمين وخاف. وبعدين يبقى مفيش داعي نقلق تاني، بس المهم تاخدها بالسياسة وتحاول تقنعها إنكم تتجوزوا وتكمل تعليمها وهي معاك، مش معقول لسه هتصبر سنة كمان، ده الحمد لله إنها في صيدلة هتخلص في خمس سنين مش سبعة.
كان اللواء نديم يجلس في مكتبه مع عمر وهو يمسك في يده ملفاً أزرق ويقول: أنا اخترتك أنت بالذات للمهمة دي عشان عارف إنك هتعرف تحل اللغز. عمر: أيوه يا فندم، بس أنا كل شغلي مهمات خارجية، فجأة كده أشتغل في مصر وبادي جارد كمان، هههههه. نظر له بلؤم ومد يده بالملف وقال: طب شوف الأول طبيعة المهمة وشخصياتها، وبعدين نتكلم في التفاصيل.
نظر له بعدم فهم، ولكن التقطه منه، وما أن فتحه ورأى أول ورقة حتى جحظت عيناه على تلك الصورة الملتصقة بأول ورقة ومدون تحتها اسم حبيبته وبياناتها. رفع نظره ليقابل نظرات نديم، الذي هز رأسه ليؤكد له أنها هي حبيبته، والذي مطلوب منه حمايتها هي وأبيها. نظر مرة أخرى إلى الأوراق التي بيده وبدأ يتفحصها بجنون، وبعدها قال: إزااااي؟ من إمتى الكلام ده؟
نديم بتعقل: اهدي اهدي يا عمر، أنا اخترتك أنت بالذات للمهمة دي مش عشان أنت ضابط كفء وبس، لا عشان عارف... و فقط صمت بعد تلك الكلمة التي جعلت عمر يقف مدهوشاً وقال: عارف يا عمر، وأنت فاهم بقى مش لازم أوضح. عمر: حضرتك عرفت إمتى؟
ضحك نديم وقال: من أول يوم استعلمت عنها من أربع سنين، معرفش تفاصيل وتفاجأت بجوازك من غيرها، بس لمعة عينك انطفت بعدها، محبتش أتدخل وقولت حياتك الخاصة وأنت حر فيها، بس من حوالي كام شهر وأنت في مهمة عبد الله الجوهري لقيتك رجعت تدور وراها، بعدها جالي الملف ده فقولت أكيد في معلومات وصلت لها هتفيدك لما تربط ده بده، فهمت حاجة؟ ضحك عمر بصخب وقال: إلا فهمت، فهمت أوي، صدق اللي سماك ديب.
مثل نديم الجدية وقال: حضرة الظاااابط انتبااااه. وقف مستقيماً مؤدياً التحية العسكرية ثم قال: تمام يا فندم. بعدها اقترب من نديم وقال: بعيداً عن إن دي مهمة شغل ولازم أأديها زيها زي غيرها، بس أنا هعتبرها دين في رقبتي وهردها لك، شكراً بجد يا نديم باشا. وقف نديم
وربت فوق كتفه وقال بحنو: أنت ابني قبل ما تكون ضابط عندي يا عمر، وأنا حاسس بيك وبعذابك، وأهو جالك الفرصة اللي تخليك جنبها وفي نفس الوقت تفهم إيه اللي حصل، بس خلي بالك الموضوع كبير ومش سهل، وأنا لو مكنتش متأكد إنك تقدر تفصل كويس بين شغلك ومشاعرك مكنتش أبداً مسكتك الملف ده. عمر بعزيمة نابعة من قلبه الذي يقطر دماً خوفاً وشوقاً لحبيبته قال: وأنا مش هخذلك يا باشا، والعملية دي بالذات بآمر الله هخلصها في أقرب وقت.
جلس في سيارته بعد أن خرج من مكتب اللواء نديم، ولم يفتح نوافذ السيارة المعتمة. أمسك الملف وفتحه على صورتها. حبيبته. أخذ يملس بإصبعه الإبهام فوق الصورة وهو ينظر لها نظرات تقطر... عشقا... واشتياقا... والكثير من وجع الفراق الذي ذبحه وجعله ينزف ناراً بدل الدم. تذكر رؤيته لها لأول مرة حينما كان ذاهباً لرئيس جامعتها الخاص لأمر خاص بعمله، وبعد أن أنهى المقابلة كان يهبط من الدرجات القليلة التي تكون أمام باب المبنى.
فلاش بااااااك. كان يهبط الدرجات المؤدية إلى ساحة الجامعة ليخرج منها، إلا أنه تصنم مكانه قبل آخر درجة حينما رأى ملاكاً يشع نوره حول المكان في تحدٍ سافر لنور الشمس أن يضاهيه. غاب عن الواقع حينما كانت تلك الجميلة تزيح بيدها خصلات شعرها البنية الطويلة لتجمعها على كتفها، ومع التفاتها التقت عيناهما معاً، وكأن المكان قد أصبح فارغاً إلا منهما.
تاه كلاهما في عيون الآخر، ولم يستطع أحداً منهما إنهاء تلك اللحظة، وبالأساس كان شعوراً قوياً بداخلها لا تريد أن تنتهي. ولكن كان لصديقتها رأي آخر حينما كانت تحدثها ووجدتها شارده، فنظر لمكان شرودها ووجدته هو الآخر سارحاً بها، فنكزتها وهي تقول: سيمو سيمووو. وانتفضت أسماء بفزع وقطعت ذلك التواصل وهي تلتفت لصديقتها بتيه، فقالت ألاء بمزاح: هو إيه الواد مز آخر حاجة، بس اتقلي كده متدلقيش من تسبيلك، ههههه.
نظرت لها بغيظ وقالت وهي تسحبها معها لتهرب من تلك الهالة التي حاوطتها: أنتي اتجننتي؟ يلا يلا اتأخرت وبابي مستنيني. ابتسم بحلاوة وهو يقرأ شفتيهما كما المعتاد وعرف ما يقولانه. ذهب ورائها حتى صعدت سيارتها بصحبة صديقتها، وسريعاً حفظ أرقامها، وبعدما تابعها بعينيه العسليتين حتى غادرت المكان، صعد هو الآخر سيارته، وقبل أن يديرها أخرج هاتفه وطلب رقماً ما، وحين جاء الرد قال: باشا الداخلية عامل إيه؟
حسن وهو أحد ضباط الداخلية: عمر باشا، أخيراً افتكرتنا. عمر: معلش يا صاحبي، أنت عارف الشغل والمطحنة اللي إحنا فيها. حسن: كان الله في العون يا ريس. عمر: عايزك في خدمة. حسن: أؤمرني. عمر: هبعتلك رقم عربية، عايز بياناتها ضروري. حسن: سهلة يا ريس، بكرة تكون عندك. عمر بغيظ: أنت بتستهبل يا روح أمك؟ قدامك ساعة بالكتير تكون عندي بياناتها، ساااامع. مثل حسن الرعب وقال: نص ساعة يا ريس، هو أنا قولت غير كده؟ أغلق معه
وهو يبتسم ويقول بصوت خفيض: هعرفك وهجيبك ومش هسيبك وهحاسبك على قلبي اللي خطفتيه يا... سيمو، ههههه، بس تري سيمو ده دلع إيه... هعرف. بااااااك. نظر أمامه بعيون تلمع بالإصرار وقال: هعرف إيه اللي حصلك، وهرجعك، وهحميكي بروحي، وده وعد مني. ماذا سيحدث يا ترى؟ سنرى. انتظروني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!