الفصل 27 | من 53 فصل

رواية عودة الوصال الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سارة ناصر

المشاهدات
23
كلمة
26,412
وقت القراءة
133 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

_" ومين نقطة ضعفك غيري عشان تجمعني معاهم فجمله واحده يابن البدري !"




سحب يديها ليجلسها علي المقعد بينما جلس هو على طرف الفراش تزامناً مع رده الواثق :




_" وسام منكوشه وبحبها برده خدي بالك .."




إبتسمت له باتساعٍ في حين أكمل هو يواصل بعقلانيه :




_" وعشان تكوني عارفه عمر ما كان الشكل الحلو هو كل حاجه ، يعني لما تكوني متسرحه هحبك ولو منكوشه مش هحبك ؟! ، زي ما بردو لو حد بيحاول يجمل ملامحه عشان شايف إنها مش حلوه ومش ملفته ، الشكل ممكن يكون ملفت بس عُمر الحب ما يبقي بالشكل أبداً ، كل واحد ليه اللي يحب شكله ويعشق تفاصيله من غير مجهود، كُلنا جمال وكل واحد ليه جماله الخاص!"




أنهى "غسان" حديثه وهو يطالعها بينما رفعت هي شفتيها يإستنكارٍ ثم قلبت عينيها بغيظٍ تجيبه إجابه قاتله رغم حديثه المنطقي :




_" وايه كمان يا بتاع الرقصات!! ، شوف مين اللي بيتكلم !"




قالتها "نيروز" وهي تلوي شفتيها بسخريه في حين خرجت ضحكاته العاليه بغير تصديق مما فعلته هي من ردة فعل ، إعتدل أخيراً بجلسته ثم أجابها بمراوغه :




_" عالأقل بيرقصوا غيرهم بيعقب!"




قالها وهو يلمح لها علي قولها ثم غمز لها بوقاحه ، فوجدها تنظر له بثباتٍ ثم حركت رأسها بغير إهتمام ، فحاصرها "غسان" مجدداً بقوله وهو يضع كفه بهدوء علي كفه الأخر ثم اعتدل بانتظارٍ قائلاً لها بخبثٍ غلفه عبثه:




_" طب أنا قاعد أهو ،. قومي وريني عشان مبصش برا يلا "




كبتت ضحكاتها ثم رفعت يديها بتأديب تشير له بإصعبها قائله بلهجه أمره:




_" بطل قلة أدب وإحترم نفسك لو سمحت!"




تأدبه مع خروج ضحكاتها بطريقه لا تتوافق مع حديثها ، ضحك بخفه ومن ثم نهض يقف أمامها وهو يمد يديه مع انحناء جسده ليجلب علبة الدواء من الكيس ثم إنتشل من جاء موعدها حتى أخرجها وهو يمد يديه يعطيها لها ، أخذتها منه ببسمتها التي عادت حانيه ثم مدت يديها تمسك زجاجة المياه تنجرع منها تزامناً مع قوله المُفسر :




_" البرشامه دي قبل الأكل، وفي واحده تانيه صفرا زي عمك ومراته وعياله بتتاخد بعد الأكل "




قهقهت بقوه على حديثه بينما ابتسم على ضحكتها حتى واصل يكمل بتوضيحٍ :




_"وأنا هروح أغير هدومي وعندي كام مشوار كده هروحهم وهرجعلك تاني ، فـ أنا همشي وهبعتلك حامد بعد شويه يقعد معاكي عشان لو حصل حاجه يكون مكاني ، مش هتأخر !!"





قال حديثه بهدوءٍ رغم رؤيته الإستغراب الذى كسى ملامح وجهها من فكرة تركه لها في حين كانت تعلم هي بأنه لم يتحرك على الأقل إلا بعد ساعات عندما يجتمع الجميع حولها ، وقبل أن تسأله حاول تشتيتها بأفعاله ثم رفع يديه يمررها على خصلاتها و رفع الأخرى يضعها على ظهرها من الخلف وهو يضمها إليه بهدوءٍ هاسماً بجانب أذنها بتبريرٍ :




_" عمر ما رقاصه تملى عيني ، محدش يملي عيني غيرك انتَ يا عقباوي !"




شعر بإهتزاز جسدها أثر ضحكاتها ثم مدت يديها تلكمه بخفه بصدره كعادتها بعفويه ثم رددت بغمزة عين :




_" ثبتني يا بن البدري!"




_"دا ابن البدري كان فاكر إن كل حاجه بتسطل العقل حرام ، لحد ما جت ضحكتك دي وسطلتني بالحلال واللهِ .."




قالها "غسان " بضحكٍ وهو ينظر بسعادة على ضحكتها الذى يفضل هو النظر إليها ، توجه بوجهه يقبل وجنتيها بمرحٍ بينما فصلته عن اللحظه دقة باب الغرفه ، نفخ بمللٍ ثم نظر لها قائلاً بسخريه :




_" بيت هادي محدش صاحي فيه بقاله يجي عشر ساعات ولما اجي أبوس يقطعوا الأرزاق ، أما نشوف مين اللي وقع من حامد ده وناسيه هنا ..."




قالها بسخريه وهو يتذكر ما يفعله والده به ، كبتت ضحكتها بينما توجه هو يفتح باب الغرفه فوجدها من أمامه تطالعه بصمتٍ متمعن حتى إبتسم هو بسخريه مردداً :




_" تيجي منك بردو مش بعيده !"




نظرت له "ياسمين" باستنكارٍ دون فهم ما يردفه هو ، فتحت الباب هي أكثر ثم تخطته حتى توجهت تقف أمام شقيقتها وهي تضع يديها على ذراعها بحذرٍ ناظره لها بلهفه ، طمأنتها "نيروز". بينما سمعت هي صوته وهو يقول :




_" أنا همشي أنا بقا .."




_", لأ إستنى !"




قالتها "نيروز" ومن ثم سحبت يد"ياسمين" لتقف أمامه ، حتى وزع هو أنظاره بتساؤل ، فابتسمت هي بهدوءٍ ثم حاولت بأن تجعل الوضع بينهما ألطف كما كان :




_" أنا عاوزه معرفتكم ببعض تكون هاديه ولطيفه زي ما كانت ، ممكن أفهم يعني.. إيه اللي بيحصل !"




وقف "غسان" يتابع وهو صامت بينما إبتسمت لها "ياسمين" بحنوٍ ثم قالت بتوضيحٍ :




_" أنا مش عندي مشكله خالص ، بالعكس هو ممكن الوقت اللي كنا فيه خلى كل واحد خلقه ضيق ومش طايق بجاحة ولا قلة أدب التاني فـ أنا كنت عذراه بجد ومش عندي مشكله من نحيته "





قالتها مع وصفها له بجرأه ، ضحكت "نيروز" عندما رأته ينظر لها بدهشه مشيراً. على نفسه وهو يقول باستنكارٍ :




_" مين ده اللي بجح وقليل الأدب ، أنا ؟!"




هزت رأسها وهي تضحك بينما سمع صوت ضحكات "نيروز" ، فتنهد هو يأخذ أنفاسه يجيبها بتفهمٍ :




_" أنا مش زعلان ، أنا عارف هي عندك إيه ودي حاجه متزعلنيش ، ده غير إن انتِ زي أختى وعموماً الله يكون فعون حازم !"




صمت ثم ينظر على ملامحها التي تبدلت لنفس دهشته ، حتى علمت بأنه يردها لها ، إقترب خطوه واحده ثم مال بوجهه يقبل "نيروز " من وجنتيها بتبجحٍ أمام شقيقتها ومن ثم التفت بعد قوله لها :




_" سلام يا رزه !"




قالها وهو يتوجه ليخرج من الغرفه تاركاً بابها مفتوح ، تحت نظرات الخجل من "نيروز" والأخرى التي ضحكت بقلة حيله وهي تحرك رأسها تنظر إلى شقيقتها مردده :




_" صحيح والله اللي تفتكره موسى يطلع فرعون!"




صمتت تنظر على ضحكة شقيقتها الواسعه وهي تسألها بإهتمامٍ :




_" ماما صحت ؟"




_" محدش صحى غيري أنا وورده ، هي بتعمل الفطار فالمطبخ على ما يصحوا ، أنا كنت جاية أشوفك وأطلع لك لبس كويس عشان تطلعي تقعدي فالصاله على ما الفطار يجهز !"




أماءت لها "نيروز" بابتسامه حانيه ثم جلست على المقعد من جديد وهي تنظر على الأخرى التي توجهت ناحية خزانتها تجلب لها ملابس مناسبه للجلوس بالخارج ومتناقسه غير التي ترتديها من عدم تناسق بسبب ما حدث أمس..




___________________________________________




_" إستنـي على ما أطلع المفتاح !"




خرجت الكلمات من "سليم" بعدما خرج من المصعد وهو يسند يد "زينات" الذي ذهب بها مبكراً إلى المستشفي ، كان كف يديها ملتف بشاشٍ، كما أنه وُضع على وجهها بجانب حاجببها لاصق طبي صغير مع بعض الخدوش البسيطـه على وجنتيها ، نظرت له بغيظٍ من طريقته حتى أنها تغضب من ما فُغل أمس بها وهو يقف غير مبالياً بها وحتى لم يعنف إبنته التي فعلت بها ذلك هي والأخرى ، وبل تركها حتى الصباح ليذهب بها إلى المستشفى حتى عادا الإثنان بهذا الوقت ، أما عن "سليم" فكانت يديه مرتجفه بطريقه غير ملحوظه فمثل هذا الوقت يجب أن يغلق الباب عليهما وهما بالداخل تحسباً لذلك الأهوج ، ماذا ان رٱهم ، وكأن أمنيته التي لا يريدها قد حدثت الٱن ،. سمع صوت إغلاق باب شقة "سميه" من خلفه حتى أمسك بالمفتاح بيديه ولم يلتفت برأسه ، أما "زينات" فطالعت ذلك الذي توجه لهم بخطواتٍ هادئه ثابته بغيطٍ، شعر "سليم" بيد أحدهم توكزه بخفه من كتفه بالخلف مع سماعه صوته الهادئ وهو يقول :





_" لفلي يا متر !"




ثلاث كلماتٍ قالهم "غسان" بهدوء شديد بل ومن الغريب بأنه تماسك من الإنفعال حتى ظهر ببرودة ما يفعله ، إلتفت له "سليم" ، بينما نظرت له "زينات" بإشمئزازٍ وهي تردد له :




_" إنتَ عاوز إيـه ؟ إحنا مش خلصنا !"




تبدلت ملامح "غسان" للجمود ثم نظر لها بحده كما كانت حدة رده عليها :




_" إبنك فـيـن !!

نظرت له "زينات" بسماجة ولم تجيبه، بينما سمع هو صوت "سليم" الذي أعلن بجهلهما عن السؤال:

"منعرفش فين من ساعة ما مشى إمبارح، منعرفلوش مكان!"

ابتسم "غسان" بسخرية عليه، بينما وزع نظراته على وجه الأخرى ويديها بشماتة، حتى هتف لها مجددًا يسألها هي وكأنه لم يسمع الإجابة:

"ابنك فين!"

هزت رأسها باستنكار، ثم رفعت شفتيها قائلة بنفاذ صبر له:

"ما قولنالك منعرفش، إيه مبتسمعش!"

"لمؤاخذة يا متر!"

قالها "غسان" بهدوء وخفوت، ومن ثم رفع يديه يضعها على رقبتها وهو يضغط عليها بحدة، أما الآخر فوقف ينظر بدهشة، لم تحركه، بل هي من تحركت، حتى أنها لم تستطع الحديث والرد عليه عندما هتف هو لها مجددًا بوعيد:

"أنا ممكن أموتك فإيدي عادي، يعني تخلصي وتخلصيني وتقوليلي ابنك الناقص فين عشان متزعلوش مني، إنتوا لسه مشوفتوش زعل لحد وقتي!"

قالها بإنفعال، فمد "سليم" يديه سريعًا يفصل يديه عن عنقها وهو يردد هو الآخر بإنفعال:

"إبعد عنها، إنت مجنون!"

قالها وهو يعنفه، فمد "غسان" يديه يدفعه عنه حتى اصطدمت رأس "سليم" بباب المنزل من خلفه، تأوهت هي مع سعل الآخر بشدة وهي تحاول أخذ أنفاسها، توجه "غسان" من بعدها يقترب منه حتى هبط برأسه يهمس بجانب أذنه بسخرية:

"كانوا بيقولونا الراجل اللي تمشيه كلمة واحدة ست ميبقاش راجل، يبقي خروف، ده لو الست اللي ممشياه ميتقالش عليها ست أصلا، يا.. خروف!"

اعتلت أنفاس "سليم" بقوة، في حين أنه اندفع بقوله وهو يتحدث أمام وجه الآخر:

"أنا ممكن أوديك فداهية على كل اللي بتعمله ده!"

حرك "غسان" رأسه بسخرية، ثم أشار لـ "زينات" التي وضعت يديها على عنقها بألم، فهتف هو بتهكم:

"جوزك فاكر نفسه حاجة وهو أصلا ولا حاجة."

صمت، ثم حرك عينيه على "سليم" حتى أكمل بقوله الحاد المغلف بالتهديد الصريح:

"تودي مين فداهية يا متر! أنا اللي فإيدي أوديك فستين داهية مش داهية واحدة، خد عندك.. اعتداء بالضرب على مراتي إنت ومراتك، لأ والمرة الأولى إنت اللي اقتحمت بيتها وغصبتها على حاجة مش عاوزاها وهي كانت بترفض بمنتهي الهدوء وبتدافع عن نفسها، وانت مش وصي، مفيش وصي خروف! والتانية بردو تعتبر شروع فقتل والسكينة اللي جت فكتف مراتي لأ، واللي كانت هتيجي فيا، يعني دي لوحدها حاجة تانية وهو خارج بالسكينة من بيتك وقدام عينيك، الجرح موجود ومتخيط، وضرب مراتك لسه معلم عليها والشهود موجودين، تحب نبدأ منين؟ ومش هقف ضدك لما تقول أنا خطفت بنتك، لأ خطفتها بس هاتلهم دليلك يلا!"

تبدلت ملامح "سليم" للتهجم، في حين نظرت "زينات" بتردد لما قاله عنها هي وحدها، وبالأخص هي الأخرى يظهر عليها علامات اعتداء، وإن حدث ما قاله سيسمى دفاع عن النفس، في حين بأنه يوجد فرق بين واقعه والأخرى، رتب لها جيدًا، إذن! لم يمنع "سليم" رده المندفع من تبجحه الذي ازداد عليه، بل أجابه بإندفاع وهو يتحلى بالجرأة الزائفة:

"ميفرقش معايا!"

"ولا أنا فارق معايا غير نيروز واللي هيقرب منها بكلمة واحدة بس يقول على نفسه بعد كده يا رحمان يا رحيم، وده ميمنعش إني رجعت فكلامي، حقي هاخده بس مش بقضايا وكلام فاضي بإيدي.. سامع؟.. بإيدي يا متر!"

قال كلماته بشرر، ثم توجه ينظر للأخرى ليسألها للمرة الثالثة:

"آخر مرة هقولها ولو ملقيتش إجابة إقسم بربي ما إنت خارجة من تحت إيدي سليمة، ابنك فين!"

كل الحوار منذ أن خرج لم يخرج له صوت إلا آخر كلمتين أردفهما هو بصراخ شديد جعلها تنتفض، بل وجعل الشقق تفتح!

"عـ عـند آدم..!"

ابتسم بإنتصار، ثم هز رأسه بنظرة عينيه الشاردة تزامنا مع قوله وتأكيد ما كان يفكر هو به:

"زي ما توقعت، النجسين بيتلموا مع بعض فعلا!!"

قالها بوقاحة، ثم سمع هو صوت فتح باب الشقة بواسطة يد "سليم"، ثم سحب زوجته بيديه حتى أغلق الباب بسرعة بوجههم جميعًا، ولم يخرج سوى "بدر" و"حازم" دون علم الآخرين، حتى أنهما خرجا وسط انشغالهم، ومن الشقة الأخرى خرج والده وصديقه اللذان كانا يجلسان بصالة المنزل!

التفت "غسان" يعدل من هيئته، ثم ابتسم لهم وكأن شيئًا لم يحدث، حتى رفع يديه قائلاً لهم:

"كله تمام يا رجالة، كله يرجع زي ما كان، مفيش حاجة!"

قالها بغرابة، ومن ثم أشار لابن عمه والآخر بالوداع وهو يدخل شقته، حتى دخل ومن خلفه صديقه، بينما لم يتفهم سوى "بدر" ما الذي يفكر به الآخر، حتى أنه أشار لعمه بالاستئذان ومن ثم حث "حازم" على الدخول مجددًا، حتى أغلقت الشقتين معًا..

بعد مرور وقت قليل، جلس على المقعد في الحديقة الخاصة بالمستشفى ينظر من أمامه وفقط بشرود، حتى أن جرح ما بجانب فمه هو الآخر قد تم وضع لاصق طبي عليه، تنهد "عز" يخرج أنفاسه، بينما تذكر هو ما علمه من حالة والدته، حتى أنها وضعت تحت جهاز خاص بالتنفس لفترة بسيطة، مما يعني أنها ستصبح على ما يرام، وإلى الآن يستمر حالها كذلك، بينما جلست بجانبه "فرح" وهي تنظر من أمامها على لون الزرع الأخضر الموضوع بجانب بعضه بانتظام، وأيضًا طاقم الممرضات في كل مكان، التفتت برأسها له تنظر له بصمت، فهو لم يتحدث إلى الآن، حتى أنها علمت فقط بأن ما حدث بوجهه من شقيقها، لكن لم يطل معها هو بالحديث، خرجت أنفاسها المسموعة ثم تحدثت تقتل ترددها:

"متسرحش كتير يا عز، عالأقل إتكلم، إتكلم معايا متسكتش كده!"

التفت ينظر لها بملامح وجهه الخالية من التعابير، فقط أومأ لها برأسه، بينما حاولت فتح الحديث معه مرة أخرى وهي تتساءل:

"طب قولي مروحتش الشغل ليه النهارده؟"

"برتاح شوية، قومي يلا عشان تطلعي ترتاحي وعشان الجلسة!"

قالها بهدوء، بينما ابتسمت له "فرح" وهي تهز رأسها قائلة لتوضح له ما لم ينتبه هو له:

"معادها جه وخدتها وخلصتها من بدري ونزلت أقعد عشان طلب مني كده، متشغلش بالك انت، المهم قوم وشوف نفسك انت، تقريبًا مأكلتش حاجة من إمبارح!!"

ابتسم لها بحب، ثم أشار لها تعبيرًا عن أنه لا يوجد مشكلة، شعر بإهتزاز هاتفه بجيبه، فمال يخرجه ببطء ومن ثم نظر على شاشته وهو يزفر بملل، ثم وضعه بجيب بنطاله من جديد تحت أنظارها المتمعنة، بينما تساءلت هي بفضول:

"مين ومبتردش ليه؟"

"مرات خالك هتلاقيها بتطمن بس مش قادر أخش معاها فجدال عشان هتقولي هاجي وأنا أقولها متجيش، هبقى أرد عليها بعدين وخلاص!"

ما أن انتهى أومأت له بتفهم، وهي تنظر له بحنو، بينما دق هاتفه مرة أخرى، أخرجه ينظر بنفاذ صبر حتى تهجمت ملامحه وهو يحرك رأسه بتعب، أخذ نفسًا عميقًا وهو يقلل صوته تزامنا مع نهوضه بجانبها وهو يتحدث على عجالة:

"شكلها مفيهاش راحة، ده تليفون شغل ومحدش هيسيبني ألا مأروحلهم الورشة، خلي بالك من نفسك وأنا كده كده هاجي بدري إن شاء الله.. سلام!"

أومأت له وهي تنظر له عندما ذهب وصوته عندما أجاب على الهاتف كان على بعد منها، نظرتها بأثره كانت شفقة وفخر بآن واحد، حتى أنها لم تراه يومًا يأخذ راحة له ولجسده، كما لم يأخذ راحة لنفسيته وضغطه الذي يعايشه مع واقعه وكأنه أمر طبيعي، لم يعاني منه بكثرة مثلما عانى الآن بسبب ظهور شقيقه من جديد، مما يبدو بأنها شردت لوقت، في كل مرة تتذكره لشقيقها هذا والآخر، بل وعندما تذكرت مأساة قد حدثت وبها شقيقتها نزلت منها دمعتها على الفور! في ذلك الوقت حتى ما حدث أمس كافيًا لجعلها بمزاج ليس جيد! وعندما يضيق بنا أي ركن لم نستطع سوى البكاء، ماذا عن دمعتين الآن لا مانع إذن!

رفعت يديها تمسح وجهها عندما وجدته يأتي لها من على بعد.

مسحت آثار الدموع من على وجنتيها سريعا، ثم اعتدلت حتى رأته يقف من أمامها مبتسما بهدوء وهو يرحب بها.

"إيه الأخبار؟"

ابتسمت له بتكلفه وهي تومأ له بالإيجاب تزامنا مع قولها.

"الحمد لله كويسه!"

نظر لها "بسام" وهو يبتسم بهدوء، بينما أراد هو فتح الموضوع معها الذي علمه فور قدومه في الصباح.

تنهد يأخذ أنفاسه ثم أخرج يديه من جيب البالطو الأبيض مع قوله لها يستأذنها.

"ممكن أقعد؟"

ابتسمت له "فرح" بترحيب لما قاله ثم أشارت له بلباقه فجلس هو مع احتفاظ مسافه بينهما حتى نبس بنبره متساءله.

"عز أخباره ايه؟"

"كويس الحمد لله.."

نظر لها بتمعن ثم تنفس ببطء وهو يعتدل ثم تنحنح بحنجرته قائلا لها بهدوء.

"مادام هو مش هنا فـ أنا هقولك علي اللي مفروض يتقال وتبقي تقوليله الموضوع بعد كده براحه وأنا مش هفتحه معاه عشان ميتحرجش مني!"

انتبهت لما يقول ثم التفتت برأسها تسمع بقية حديثه عندما بدأ هو يقول.

"الكاميرات صورت عز وهو بيتخانق قدام المستشفى والموضوع اتعرف وإدارة المستشفى كانت هتبعت تجيب عز واللي كان معاه لأن الكلام ده ليه عقوبة وعلي حسب الكلام انه بيأذي من صورة المستشفي لأن المكان اللي كانو بيتخانقو فيه تبع المستشفي فيعتبر الخناق كان جواها وليها عقوبة كغرامه وغيره.. ولحسن الحظ كان في كام دكتور معايا وحاولت أهدي الموضوع شويه قبل ما يبعتوله!!"

صمت يتابع ملامح وجهها المتوترة بل وظهر في عينيها الخوف على شقيقها.

رفعت أنظارها تطالع وجهه حتى نظرت لعينيه بأسف وهي تقول.

"أنا بجد أسفه يا دكتور بسام، عز مش كده خالص بس حصل سوء تفاهم وكان صعب علينا حتى كان قبلها رجعت حالة ماما تسوء من نحية التنفس زي ما كانت أول مره وحضرتك مكنتش موجود."

نظر لها بأمان كي لا تري بحديثه التهديد وعلى العكس كان هو يطمئنها فقط مع إرادته لإرسال رساله له هو.

ابتسم بهدوء ثم هز رأسه مرددا بنبره هادئه.

"أنا فاهم ومقدر بس عاوز أقولك خلي عز يتحكم بأعصابه وميعملش كده تاني حتى لو مش فمكان زي ده، وعلى حسب اللي شوفته إنه كان أخوكم اللي كان بردو بيتخانق معاه هنا بس محدش شافه غيري فـ إن شاء الله الأمور تتظبط وحاولوا تقعدوا مع بعض وتلاقوا حل لعله خير!"

نظرت له "فرح" بخيبه ثم حركت أنظارها توزعها على المكان من حولها وكأن الحديث قد فاض وسيخرج لمن يوجد أمامها الٱن.

أجابته بعجز وتشتت على حديثه.

"للأسف مينفعش أو معتش ينفع، مشكلة شريف إنه عاوز ماما تموت زي ما مامته ماتت، أنا حاسه بيه وهو عاوز يقرب منا بس مش عارف حتى أنا.. فكرة إنه بيشوفني مع عز واخته اللي كانت معاه ماتت وسابته بأبشع الطرق اللي ممكن تتوصف هو.."

صمتت عندما شعرت بضعف نبرتها بينما دُهش هو من حديثها دون مقدمات ورغم ذلك تظاهر بالإستماع مع تعاطفه الذي يحاول بأن لا يظهره.

بل وذهب عقله لما فعله شقيقه معه منذ أن وعى على الحياه.

تناقض بين ما يقارنه ولكن فكرة خوف شقيقه عليه تجعله غير مصدقا لما يحدث ولما يقول! من اعتاد الطمأنينه؟

انتبه بكامل حواسه بإهتمام ظهر على وجهه بشده عندما واصلت هي تكمل منذ أن توقفت عند آخر كلمة أردفتها هي.

"هو.. عاش معاناه بس المعاناه مخلتوش يبقي شخص مسالم وعاوز يعيش بمنتهي الهدوء، بالعكس دي خلته عاوز كل ما يشوف عيله متقربه من بعضها يروح يفكها عن بعضها، خليته شخص معمي عاوز ينتقم من حاجه حصلت بإرادة ربنا، حتى انتقامه من نحية ماما كان بالكلام اللي بيأخرها فكل مره كانت هي بتتقدم فيها، بخاف منه وخوفي منه عمره ما هيغلب وجع قلبي علي اللي حصل عنده واللي حصل لأختي اللي لحد الٱن محدش عارف هي اتظلمت كده ازاي وليه في حين إننا مصدقينها من غير ما نعرف تفاصيل، يمكن التفاصيل هو عارفها ووجعاه بس تعامله غلط وبيوجعنا حتى بيوجعه هو كمان!"

ما أن إنتهت هبطت منها دمعه وحيده عبرت عن ما تكتمه بداخلها بل ويعود بقوة بعد ظهور شقيقها ومما يحدث لشقيقها هي الأخرى! إذن يفتح لهم باب الوجع من جديد في حين أنهما كانا بهدوء رغم ما بداخلهم! لما يخرج ما بداخلهم الٱن! بسبب أب لا يتحسب لما يفعله؟ أم أم لا تفعل حساب لنتيجة قرارها واختيارها؟ قبلت الزواج على زوجته الأولى بل وبقى هو الأمر سرا في البداية حتى أن أطفاله من الأولى كانوا صغارا! تضغط عليه أكثر وهو أكثر ما به ضغط الٱن وقبل الٱن!

ابتلع "بسام" ريقه ثم أخرج من جيب البالطو منشفه ورقية حتى مد يديه لها بها ثم قال بنبره هادئه يواسيها.

"متعيطيش، امسكي!"

أخذتها منه ببطئ ثم رفعتها على وجنتيها تمسح بها بينما سمعت صوته الهادئ العقلاني بقولها.

"سمعت الشيخ الشعراوي بيقول: لو حصلك حاجه أو مصيبة وأيا كان، متبصش للي حصلك واللي راح منك، بالعكس نبص للي لسه باقيلنا هنلاقي اللي باقي أكتر يمكن مصيبتنا أهون من مصيبة غيرنا، وقال ساعة ما يجيلنا حاجه تتعبنا منقولش ده ضرر، لا..نشوف الموضوع من جهه تانيه ونقول ربنا عمل كده ليه، ابتلاء، عاوز يشوف صبرنا على الإمتحان ده، نستصحب أمانة الإيمان الأولى، منخدش ساعة نؤمن باللي حصل وساعة نقول ليه، وهنعمل ايه."

حديثه المطمئن العقلاني وصل لها بشدة، حتى أن مواساته في كل مرة تأتي بنصيحة لها وإفادة وليست مجرد مواساة بحديث سيزول أثره. ابتسمت له بامتنان وهي تحاول أخذ أنفاسها براحة بينما سمعته هو يتحدث من جديد يسألها:

"عارفه تقولى إيـه؟"

نظرت له وهي تستجوبه بهزة رأسها وعينيها، بينما تابع هو مباشرة يهتف بنبرة عميقة:

"وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد."

"ونعمه بالله."

قالتها برضا، فابتسم هو يخفف عنها عندما قال بلطف متذكراً شيئاً ما:

"لما كانت الدنيا بتضيق بيا وأنا صغير شويه كان حد عزيز عليا يقولي 'ده اللي ليه أب ميحملش هم ما بالك بقا اللي ليه رب!'"

قالها "بسام" متذكراً والده، حيث لم يذكره هو كي لا يجرح مشاعرها كون والدها متوفي. ابتسمت له بامتنان ثم هتفت تؤيد:

"معاك حق فعلا، الحمد لله!"

قالتها بإبتسامة واسعة، بينما رد لها الإبتسامة وهو ينظر لها بإطمئنان، حتى شعر بأنه محاصر من نظرة عينيها الممتنة له. تنحنح بحنجرته ثم نهض يهرب من ما يشعر به، حتى رأى هو من يشير له من على بعد. هز رأسه لها بأذن ثم قال:

"طب عن إذنك، محتاجه حاجه؟"

"شكرا، مش عارفه أقولك إيه بس كلامك بجد خفف عني شويه!"

إبتسامة ولكنها كانت باتساع، حتى هز رأسه لها فقط ولم يبرر هو بل رحل من أمامها كي لا يقع في بحر نظراتها كما إستشعر. ابتسمت بأثره وهي تأخذ أنفاسها بل وتشرد بحديثه، كل مرة يصبح هو منقذها في الحديث.

***

"يخرب عقلك، حوت واللي يزعلك يموت!"

كلمات خرجت من "شادي" الجالس على المقعد بغرفة "غسان" الذي وقف يمرر المشط على خصلاته وهو يرجعها إلى الخلف. لم يعطي لحديث الآخر اهتمام، بل مد يديه سريعاً بعدما تجهز من إرتدائه لملابسه، ثم وضع المفاتيح بجيبه كما أمسك الهاتف يضعه بجيبه على عجالة وهو يشير له تزامناً مع سيره ليخرج من الغرفة:

"إخلص يلا!"

قالها "غسان" لـ "شادي" الذي نهض هو الآخر وقبل أن يخرج وقف ينظر على مظهره بالمرآة برضا، ومن ثم توجه ليخرج خارج الغرفة، حتى وجده يقف مع والدته ووالده بالصالة. نظر "غسان" إلي والده ثم ابتسم له بهدوء، يوضح له مرة أخرى:

"خليك قاعد معاها يا حامد وخلي بالك منها لو عمها جه فأي لحظة هو والتعبانة اللي معاه دي، وعندها دوا كده فـ كيس فكرها تاخده بعد الأكل هي عارفة هو نهوه بس فكرها، وأنا مش هتأخر هاجي بسرعه إن شاء الله."

ورغم طبيعة ما يردفه بأن يكون لوالدته وليس لوالده، إلا أنه يعلم مدى اهتمام والده بشدة في التفاصيل حيث استشف مدى راحة الأخرى مع والده هو. وبالفعل استشعرت به حنان والدها الراحل. حتى أن "غسان" لم يغفل من ما تفكر به والدته تجاه "نيروز". أومأ له "حامد" بهدوء، ثم سأله بإهتمام:

"طب وانت رايح فين مقولتليش يعني؟"

نظر له كما نظر لـ "والدته" التي طالعته بتساؤل هي الأخرى. أما هو فلم يجيب إلا أن نظر لـ "شادي" الذي هتف سريعاً من قبله ببراعة في الإقناع قبل أن يجيب الآخر:

"رايح معايا الشغل عشان نشوف الأجازة هتقعد قد ايه، وكمان لنيروز عشان جرح دراعها ده شكله هيطول وكده!"

نظرت له والدته بتشكك بينما هز "حامد" رأسه بهدوء قائلاً لهما:

"طب متتأخروش عشان لو في حاجة!"

"متقلقش بس خلي بالك منها زي ما قولتلك.."

قال "غسان" حديثه ومن ثم تركه وهو يتوجه ناحية باب الشقة حتى اعتلت ضحكاته عندما سمع قول والده:

"فـ عيني يا نحنوح قبل ما تبقي فـ قلبك."

أغلق الباب مع سماعه لصوت ضحكات والدته من الداخل، حتى توجه إلى المصعد ومعه "شادي" الذي أمسك هاتفه ليري الوقت. بينما في الداخل تجهز "حامد" حتى يذهب إلى الشقة الأخرى مع زوجته، حيث كانت "وسام" بدرسها في الخارج!

***

في شقة "عايده" جلس "حازم" بغرفة "جميله" بعدما أتى من الخارج، والتي لم تذهب لجامعتها اليوم بسبب إرهاقها وإنهاكها مما حدث أمس. دخلت "عايده" وهي تمسك بكوبين على صينية صغيرة. ابتسما لها بإمتنان، فجلست "عايده" على الفراش من أمامهما، بينما انتشل كل منهما الكوب تزامناً مع حديث "حازم" لها وهو يبتسم بهدوء:

"تسلم إيدك يا حبيبتي."

ابتسمت "عايده" له باتساع، أما هو فوزع أنظاره عليهما والمترقبة منهما حتى أنه لم يفتح معهم ذلك الموضوع الذي قاله. تنهد يأخذ أنفاسه ثم هتف بنبرة هادئة لهما:

"عايز أفتح معاكم موضوع وأشوف رأيكم فيه وبالذات جميله."

"قول يا حبيبي سامعينك!"

أردفتها "عايده" بنبرة لينة، بينما أومأ له رأسه وهو يركز نظراته على شقيقته الصامته بإنتظار، فابتسم هو يتحدث من جديد بوضوح:

"عز الشرقاوي طالب مني إيد جميله!"

ابتسمت "عايده" بسعادة حتى أن قول ابنتها بما قاله الآخر قد تحقق ولم يتحدث "عز" عبث إذن. نظرت له ببهجة ثم رددت بغير تصديق:

"صحيح يا حازم، جالك وقالك كده فعلا؟"

هز لها رأسه بالإيجاب وهو يضحك، بينما نظر على شقيقته التي احمرت وجنتيها بخجل من ما ستبديه من رد فعل أمامه. رفع ذراعه يضعه على ظهر "جميله" بحنو، ثم نبس بنبرة هادئة يسألها:

"محتاج أعرف رأيك يا جميله، إنتِ أهم رأي فيـنا هنا، إنتِ أكيد عارفاه، شوفي كده حاسه نحيته بـ راحة! أو لو عندك مشكلة ومش قادرة تدخلي فعلاقة دلوقتي نأجل الموضوع، سمعيني اللي محتاجه تقوليه وأنا سامعك أهو!"

ابتسمت له "جميله" بحنو، ثم حاولت أن تخرج منها نبرتها كي لا تخرج بتعلثم حتى أجابته أخيراً:

"معنديش مشاكل يا حازم وإن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير، بس قول لبابا الأول يمكن هو عنده مشكلة!!"

من المفترض بأن تكون آخر الكلمات سخرية، أما عنها فكانت خيبة، وخيبة كبرى! تنهد يأخذ أنفاسه تحت أنظارهم ثم أجابهم بهدوء وحزم:

"أبوكي لازم هيطلع مشكلة من لا مشكلة متوقع رأيه هيكون إيه، أنا اتصلت بيه قبل ما أجيلكم الشقة يجي يعني شوية وجاي، أنا عارف هو ممكن يقول إيه لو عرف بالظبط شغله وحاله رغم إن ده مش عيب ولا حرام ولا قليل، وعايزكم تعرفوا حاجة مهمة.. أنا مليش إلا أنتم في الدنيا دي أنتم وياسمين، وأنا مش هستنى لما أبوكي يا جميله يجوزك ويجيبلك عريس غصب عنك إنتِ مش عارفاه ولا حتى عاوزاه، أنا تعبت من كل اللي بيحصل وآن الأوان تبقوا من مسئوليتي وخليه هو بقا مع مراته وبنته اللي ضايعة وابنه اللي هيبقى سوابق لو غسان بلغ باللي حصل ده غير اللي هو كان فيه، ربنا يبعد عننا شرهم، وإحنا مخدناش بالنا من زمان أنه اختارهم هم عننا بطريقة مش مباشرة، ولو وصل بيا الحال آخدكم من هنا وأقعدكم عندي هعملها، إحنا جايين الدنيا نكافح ونعيش، وكفاحنا معاه ملوش آخر بس الواحد منا ليه آخر وطاقته بتروح وهو لسه فأول طريقه ومحتاجها.."

حديث مؤلم، ألم كل منهم ظهر مع قوله لحديثه الذي يفكر به هو منذ فترة. تنهدت "جميله" تأخذ أنفاسها بوجع، بينما صمتت "عايده" بقلة حيلة. ومن ثم قبل الإجابة على حديثه والتي كانت صعبة سمعوا هم صوت غلق باب الشقة. نظروا إلى بعضهم بهدوء، بينما وقف هو على باب الغرفة ينظر بعد أن رأى "حازم" يجلس من على بعد. لم ترفع "جميله" نظراتها له بل توجه هو يجلس بجانب "عايده" على الفراش ومن ثم نظر إليهم باستنكار حتى ابتسم بتهكم على "جميله" التي تحاشته بنظراتها ومن ثم نبس بنبرة ساخرة:

"أهلا بالبلطجيه اللي نزلت ضرب فـ مرات أبوها يعني واحدة مكان أمها."

فاكراني مش واخد بالي ولا أي.. حسابك معايا لسه مخلصش يا دكتوره.

رفعت "جميلة" أنظارها تواجهه بقوة بها فقط، بينما تحدث "حازم" قائلاً بنفي لما قاله بأول حديثه:

"مرات أبونا عمرها ما تبقى أمنا، أمنا محدش هيبقي زيها. دا غير إن البلطجة كانت منها الأول لما نزلت ضرب في نيروز، يعني البداية مش منها. ولا كانت تستني لما تدور ضرب فيها وتعدمها العافية زي ما عملت في التانية."

ترقبت الأنظار حتى أن حديث "حازم" كان بحزم. نظر له "سليم" بجمود، ثم هتف يجيبه بحده:

"كلام المحامين ده مش هنا، ولا مبرر للي حصل. دي منظر دكتورة متربية ومتعلمة وهيبقى ليها مكانة عالية في نظر اللي حواليها."

"أنا مش عايزة مكانة عالية في نظر اللي حواليا، أنا عايزة أرتاح. ممكن تسيبني في حالي بقى؟ عشان أنا تعبت ومعتش حمل أي كلام. كلامك بقى زي السكينة اللي كانت حامية وبقت تلِمّة بتأثر بس بالبطيء. لو مستني مني أصرخ وأعيط وأعاتب فده مش موجود عندي دلوقتي، ولا حتى الأسف عشان اللي عملته ده أقل حاجة ممكن تتقدم ليها. ولا أنا شوفت ربع زعلك ده عليا ولا على ماما حتى. ممكن قبل ما تعاتبني وتقرر تعاقبني تبص وتشوف إذا كان اللي بتعمله ده عدل ولا مش عدل؟"

حديث أردفته "جميلة" بهدوء شديد عكس من المفترض لها بأن يكون صراخ. الآن تهيج دمائه تدريجياً، بل ومن دون سبب مقنع، ولكن يبدو أن زوجته الأخرى قد ملئت عقله بحديث ضدها، حديث عن عقاب لها. لا تمل هي بتاتاً. نهض يوجه يديه حتى يمسكها من خصلات شعرها، ولكن إذ بيد "حازم" كانت بالمرصاد حتى أمسك يد والده بقوة يمنعه، ثم وقف هو الآخر بعدما وقفت "عايدة" وهي تسمع "حازم" يهتف بحزم:

"إيدك متتمدش عليها تاني!!"

صمت يدفع يد والده بعيداً، ثم تحدث مرة أخرى بتوضيح:

"لما عرفت إنها امتدت عليها المرة اللي فاتت وأنا مش موجود، قولت عشان كانت بتزعق وتتكلم بصوت عالي لأ، والكلام مكنش فيه حاجة غلط على حسب ما سمعت. بس قولت نسكت ومنقولش، يمكن بيعلمها إزاي مترفعش صوتها على أبوها اللي خلفها. بس قولي الوقتي هي عملت إيه غلط؟ عملت إيه هي من أول ما خلفتها عشان تمارس قوتك عليها بالضرب والإهانة بالكلام والمعايرة والكلام اللي زي السم؟ أنا خلاص اتعودت أمسك إيدك اللي ماشية تترفع على أي حد دي، ولو عرفت إنها امتدت عليها تاني أنا همشيهم من هنا وهقعدهم في مكان إنت مش هتعرف له طريق. ونهاية الكلام ده واللي جايبك هنا عشانه، بعرفك إن جميلة أختي جايلها عريس وأنا هوافق عليه."

تجاهل الجميع للحديث وركز بقوة على آخره، حتى أنه نبس بنبرة جامدة يستهزء:

"جاي عريس وهتوافق عليه؟ وأنا إيه شفاف قدامك؟ وبعدين مين ده اللي جايلك إنت وسايب أبوها اللي مسئول عنها؟"

قالها باستهزاء، بينما ابتسم "حازم" يوضح:

"لا ما أخوها مسئول. وأنا بعطيك معلومة بس، يعني موافقتك إن شاء الله مش هي اللي هتمشي الحوار ده!"

"يعني إيه؟"

"يعني عز متقدم لها وبعرفك عشان أديله معاد يجي. ولو مش موافق يجي هنا نجيبه عندي، معنديش مشكلة. بس عشان متشوفش بنتك بتتجوز مثلاً فجأة وإنت مش على علم بده!"

نظر له "سليم" بغيظ، ثم هتف يسأله بإنفعال أمام نظرات "جميلة" الساكنة ووالدتها الخائفة:

"وهو انت لما تعرفني إنه جاي لها عريس هتقولي اسمه هو بس؟ مش محتاج تعرفني هو مين اسمه إيه بالكامل ولا حتى بيشتغل إيه وأعرفه ولا معرفهوش، ولا إنت واخد القرار وخلاص؟"

تنهد "حازم" يأخذ أنفاسه، ثم جلس أمام أنظاره تزامناً مع إشارته لوالدته وشقيقته بأن يجلسا. ثم أجابه بهدوء وتوضيح:

"لأ، شخص متعرفوش أو ممكن تسمع عنه بس. وإسمه بالكامل عز صالح عبد الرحمن الشرقاوي. وبيشتغل ميكانيكي وهو اللي بصلح عنده العربية لما تتعطل. وكمان أخته تبقى صاحبة فرح ومعاها في نفس الكلية. حاجة تاني محتاج تعرفها؟"

كان حديثه ساخر إلى حدٍ ما، وهو يردفه على مسامع "سليم" الذي شرد وتغيرت ملامح وجهه بشدة. "عز صالح عبد الرحمن الشرقاوي..!" أسمع ذلك الاسم من قبل، بل ولديه ماضي مع هذه العائلة! ابتلع ريقه من تشابه الاسم. تشابه؟ أم أنه الاسم بذاته! لا يوجد تشابه بين نفس الأسماء! حاول تجميع الأفكار بعقله، بينما نظراتهم كانت مترقبة وبشدة. ما المانع أن خرج منه حديثه بتعلثم ليبرر. حاول أن تخرج منه نبرته بغير تعلثم بها. حتى نظر له وهو يجلس من أمامه، ثم هتف بما جاء به عقله كي يبرر اعتراضه:

"ميكانيكي؟ وأنا بنتي دكتورة؟ على جثتي لو ده حصل!"

تسارعت دقات قلبها هي التي كانت تهاب الرفض وبشدة، حتى أنها لا تعلم بأنها ستشعر كذلك! مشاعرها ليست محددة إلا وقت الرفض! انتبهت هي على صوت "حازم" وهو يردد بنبرة هادئة وبشدة:

"ماله الميكانيكي معلش؟ هو ده مش شغل وبيتعب بردو؟ وبعدين ده بيصرف على أمه وأخته وباباه ميت من زمان وبيتع و بيشقى يعني ميتخافش منه على بنتك. على الأقل بيشتغل مش زي ابنك اللي لحد الوقتي قاعد ومبيشتغلش ولا حتى خد شهادته من علامة اللي يسقط فيه بقاله سنين ولسه قدامه جيش وموال والعمر بيضيع منه عالفاضي. آه ده مش متعلم بس راجل! ومش مهم توافق عليه لو على جثتك يدخل هنا، في أماكن كتير يجي فيها من غير على جثتك!"

نظر له "سليم" بغضب، ثم خرج صوته بإنفعال وهو يشير لهم:

"لو الجوازة دي حصلت مش هتشوفوا مني خير."

ظهر خوفه في نبرته، أو لما يشعر بالخوف الآن! تضاعف غضبه عندما هتف "حازم" يجيبه على قوله بنبرة اعتبرها الآخر تحدي وعناد منه:

"هيجي وهتم على خير إن شاء الله. ومش طالبين منك تدفع لها حاجة، هي مش جاهزة والباقي عليا أنا. خليها تشوف حياتها هي كمان بعيد عن هنا بدل ما مبناخدش من هنا غير الأذى والهم وبس. وأنا موافق عليه وأوي كمان، ولو حد غيره متعلم ومعاه شهادة بس أبوه بيصرف عليه مش هقبل بيه وهيبقي على جثتي أنا. لكن ده هو اللي هيشيل أذاك منها ويراعي ربنا فيها."

فاض به الكيل، مع ضيق الحديث من الآخر، حتى أنه رفع يديه يصفعه على وجهه بإنفعال. شهقت "عايدة" كما شهقت "جميلة" بقوة، بينما لم يتحرك "حازم" ولم يبدي ردة فعل ولو ذرة. كانت ملامحه خالية من التعابير. والده، يحق له بالضرب حتى أنه لم يمنعه ويمسك يديه وهو يضربه. لن يحمي نفسه. ولم يوقفه حتى لا يصبح عاق. بل يفعل ما يريد فعله. يمكنه الدفاع عن والدته وشقيقته ومن منه فقط. أما هو ففكرة مسكه ليد والده كي لا يضربه كانت صعبة عليه. ليست هينة لهذه الدرجة. وقفت "عايدة" سريعا، أمام "سليم" ثم هتفت عالياً، هي الأخرى وكأن صمتها قد فاض هي الأخرى:

"كفاية.. كفاية بقى علينا.. حرام عليك!!"

نظر لها بصمت، في حين وقف "حازم" ينظر له بتعابير وجهه الخالية ثم أردف بنبرة هادئة وبشدة:

"مش همنعك يا حضرة المحامي. إنت مهما كان أبويا وليا حق عليك. بس معلش، معتش تستاهل كلمة أبويا مني غير لما تراجع نفسك وتشوف كده كام مرة ظلمتنا وكام مرة جيت علينا. وأنا مرجعتش في قراري. جميلة هتقابله والموافقة والرفض بإيديها هي مش إحنا. ولو تقيلة عليك، قعدتهم مش هتردد أخدهم عندي!"

"لو أختك طلعت من البيت على بيتك إنت للموضوع ده مش رجعاه تاني وأمك لو طلعت منها وراحتلك معاها هتكون طالق سامعين!"

نظرت له "جميله" بغير تصديق كما نظرت "عايده" بينما نظر له "حازم" ولم ينبس سوى بكلمه واحده حتى أنه علم أنه تهديد:

"اللي تشوفه!"

كلمه قالها ببرود بينما يعلم هو بأنها لم تكن كذلك وإن إستخدم الٱخر عقله فسيتخدم عقله هو الٱخر لطالما كان عملهما المحاماه وقسمه بالطلاق سيصيب أو لا يصيب بنقطة ذهابهما إلي بيته بالتحديد على ذلك الموضوع تركهما "سليم" وهو يتوجه خارج الغرفه بينما ما أن سمع هو صوت إغلاق باب الشقه نظر لهم ببسمه صغيره ثم هتف بنبره هادئه:

"جهزوا نفسكم عشان هكلمه يجي بكره إن شاء الله!"

نظرا له بإستنكار فهتف هو من جديد يوضح:

"مش هجيبوا عندي عشان حلفانه هظبط كده اللي فدماغي وهقولكم كمان شويه المهم متشيلوش هم وأنا معاكم."

وما أن قالها رفع ذراعيه الإثنان حتى وضع على كل واحده منهم ذراع وهو يضمهما إلى صدرة متنفسا بإنهاك شعر بدموع والدته بينما نبست "جميله" بنبره مختنقه:

"أنا بحبك اوي يا حازم بس خايفـه .!!"

ربط على كتفها بإطمئنان ومن ثم هبط بوجهه يقبل قمة رأسها كما فعل مع والداته التي ظهر عليها نفس قول الٱخرى ثم ردد يجيبهما بنبره مطمئنه:

"إطمنوا إن شاء الله كل اللي هيحصل خير وبس!"

جلس على سجادة الصـلاه يؤدى فرضه والذي منتظم هو به منذ فتره حتى أن ما يفعله عكس ذلك كان يجلس من خلفه "حسن" الذي أشعل قداحته أمام وجهه لـسيجارته التي توجد بفمه ثم تحسس وجه بألم وهو يطالع "ٱدم" زفر بملل في حين قام الٱخر بالتسليم ومن ثم وجد "حسن" يتحدث بتهكم له:

"تراويح دي؟"

نهض "ٱدم" ومن ثم إلتفت ينظر له بسخط فقد أوقف الحديث معه منذ أمس لم يجيبه سوى بكلمه واحده يختصر إجابته:

"ملكش دعوه خليك فحالك!"

رفع "حسن" يديه يشير له بغير إهتمام بينما كاد أن يصلي الٱخر مره أخرى وقاطعه صوت دقات الباب العاليه إبتلع "ٱدم" ريقه في حين وقف "حسن" بإندفاع ومن ثم نظر الإثنان لبعضهما حتى تحرك "حسن" ليتجه ناحية الباب بحذر بينما قطع سيره "ٱدم" الذي فاض به الكيل من ناحيته هتف يوقف من حركته قائلا بحزم:

"إستنـى يا غـبـي!"

إحتدت نظرات"حسن" من معاملته بهذه الطريقه منذ أمس تحلى بالصبر ومن ثم أشار له الٱخر بأن يرجع إلى الخلف حيث ركن غير ظاهر ثم توجه هو يقف خلف الباب مرددا بتساؤل لمن بالخارج:

"مين؟"

"هو حد بيعبرك غيري؟!"

ما أن سمع صوته أبعد المقاعد من خلف الباب ثم فتحه بهدوء وهو ينظر له بملامح خاليه من تعابير للترحيب به وقف "شريف" ينظر باستنكار ثم دخل ووقف ينظر على المقاعد التي كانت أمام الباب بينما دخل الٱخر دون نبس أي حديث حتى ظهر "حسن" أمامهما توجـه "ٱدم" يقف على سجادة الصلاه من جديد حتى عقد "شريف" مابين حاجبيه متسائلا لذلك الذي يوجد بوجهه كدمه زرقاء:

"هو في إيـه؟ وإيه اللي فـ وشك ده!"

إبتسم "ٱدم" بتهكم وقبل أن يبدأ بالصلاه هتف بنبره ساخره وهو يشير له على "حسن" الواقف:

"اخليه يحكيلك حصل إيه!"

قالها ومن ثم أخذ السجاده على بـعد قليل منهم بينما جلس "شريف" الذي خرج من منزله قبل أن تستيقظ الأخرى هروبا منها جلس بجانب"حسن" الذي جلس هو. الٱخر ثم أشار له بعينيه بأن يبدأ بالحديث حتى تنفس "حسن" ليخرج أنفاسه وهو يستعد لبدء الحديث ..!!

بعد قليل وقفت السياره على بـعد من المنزل ثم هبط منها "غسان" و"شادي" حيث كانت السياره سيارة "شادي" نزل ثم أغلق الباب وهو ينظر من أمامه ثم إلتفت برأسه ينظر لـ "شادي" الذي وقف بجانبه بترقب رفع "غسان". يديه ليضعها أسفل عين "شادي" وهو يردد بتساؤل:

"من إيـه دي؟ أول مره اشوفها الوقتي!"

وضع محرج الٱن لم يقلل من شأنه حتى يسخر عليه الٱخر عندما يعلمه بأن فتاه من فعلت به كذلك ولم تكن سوى "منه" هرب "شادي" بأنظاره ثم هتف يجيبه بتعلثم حاول أخفائه:

"لا ..ده أنا إتخبطت. في الحيطه .."

أمعن "غسان" النظر بوجهه بقوه ثم حرك عينيه باستنكار وهو يقول:

"حلوه الحيطه اللي ليها ايدين دي!"

ضحك بخفه كي يشتته ثم أشار له على المنزل من أمامه تزامنا. مع قوله:

"طب يلا بينا.."

تحرك "غسان" بهدوء كما كانت الخطوات ثابته من الطرفان إلي أن توجه يقف أمام المنزل بهدوء حتى أن الطابق كان أرضي رفع "شادي" يديه كي يدق الباب فأمسكته يد "غسان" بسرعه وهو يحرك رأسه له ثم ابتسم قائلا له بنفى:

"مش كده ..يتفســخ !!"

قالها بنبره ليست هينه بينما نظر له الأخر بصمت مترقب لما هو ٱت أما الباب فكان ليس حديث قوي بل ظهر عليه بأنه قديم من الخشب وسرعان ما رفع "غسان" قدمه تزامنا. مع رفع ساق"شادي" وهما يرجعان بها إلي الخلف ثم دفعوا هما الباب بهذه الطريقه ثلاث مرات حتى فـسخ الباب وفـتح بقوه دخل "غسان" سريعا ثم ثم دخل "شادي" يغلق الباب من خلفه تحت نظرات الثلاثه الواقفين بصدمه حيث لم يضع "أدم" خلف الباب شئ ليمنع فتحه بعد أن دخل "شريف" قبل قليل نظر "شريف" بترقب بينما وقف "حسن" يرمقه بغضب في حين أن "ٱدم" وقف يطالع الوضع بخوف داخلي نظر له حينما إبتسم "غسان" باتساع وهو ينظر علي سجادة الصلاه التي وجدت بيديه ثم نبس له وهو ينظر له:

"حرمـا يا حبيب قلبي أوعى تكون نسيت تدعي لحسـن!"

إبتلع "ٱدم" ريقه في حين هتف "حسن" بصوت مرتفع مما دل على انفعاله:

"إنتَ مصمم بقا يبقى موتك على إيدي!"

لم يمنع ضحكاته بأن تخرج ليسمعها من يقف أمامه حتى أنه أشار لـ "شادي" بأن يضحك حتى يجعل للوضع أكثر إستفززا انتبه لصوت "ٱدم". الذي قال له بنبره هادئه مشيرا بيديه له:

"إمشي يا غسان وبلاش يحصل مشاكل!"

لم يعير لحديثه إهتمام بل نظر هو باستنكار على "شريف" الذي تنهد يأخذ أنفاسه ثم جلس من أمامهم واضعا ساق فوق الأخرى مرددا:

"أما نشوف هتخلصونا من الفيلم ده إمته؟"

سار "غسان" بخطوات ثابته يقف أمام ذلك المستفز وهو ينظر له متحدثا بنبره ساخره:

"مين الحلو؟"

"شريــف ..

قالها باستفزاز وهو يهز ساقه الموضوعة فوق الأخرى. نظر له "غسان" بثبات حتى نبس بنبرة جامدة من طريقته:

"طب خليك فـ حالك وإركن فـ جنب عشان أشوف شغلي، عال."

فهم "غسان" من طريقته وأفعاله الغير منطقية لما يحدث بأنه ليس بشخص سهل التعامل بل ومن الممكن أن يعوق ما سيفعله. أخرج من علبة سجائره ثم وضعها بفمه مشيرًا له بغير اهتمام تزامناً مع قوله:

"عال!"

صُدم "آدم" من رد فعله، بينما وقف ينظر لـ "حسن" الذي زاد انفعاله وهو يتوجه بخطوات سريعة يقف أمام وجه "غسان" ثم رفع يديه يدفعه مع قوله الصارخ به:

"تعالى مادام انت عاوز كده، وديني ما هتخرج إلا وانت فـ نعشك!"

رجع "غسان" خطوات إلى الخلف، في حين توجه "شادي" يمسك "آدم" بقوة كي لا يتوجه لفصلهما. والآن ازداد انفعال "غسان" حتى أنه توجه يدفعه هو الآخر بيديه التي وضعت على عنقه ثم رجع به إلى الخلف بقوة حتى حاصره على أحد حوائط المنزل وهو يصرخ به بقوة:

"غلطة عمرك انت عملتها لما فكرت ترجع تحاسبنا على حاجة مش من حقك تحاسبنا عليها، لأ ولمّا تجيب السكينة فـ مراتي يا ناقص.."

رفع "حسن" يدفعه بيديه حتى يفلت من أسفل يديه مع قوله الذي حاول أن يخرج صحيحًا وبنفس انفعال الآخر صرخ هو:

"وهفضل وراكم، وديني ما هسيبك ولا هسيب اللي منك، هموتك وأموتها بعدك، بعد ما أحسرها عليك يا ***"

رفع ساقه يضرب "غسان" بقدمه كي يرجع عنه، أما "غسان" فأخرج مطوته من جيبه بسرعة وباندفاع رغم تأوهه من ضربة الآخر، ثم وضعها على وجهه متحدثًا بنبرة مرتفعة إثر انفعاله وتشفيه:

"وحياتها عندي ما أنا خارج إلا ما تقول حقي برقبتي، أنا اللي هموتك يا قذر ومش ساب فيك حتة سليمة!"

قالها بصراخ جعل "شريف" يقف لينظر بعد أن توقع أن الأمر لم يكن بهذه الخطورة. بينما أمسك "شادي" الآخر بحزم كي لا يتحرك رغم صراخ "آدم" بالتوقف عن أذية صديقه. دفعه "غسان" ليقع أرضًا، ثم مد يديه يشق كم قميصه بقوة وباندفاع حتى ظهر كتف "حسن" الذي فهم ما سيفعله به. حاول التملص منه، بينما وجه "غسان" المطواة أمام كتف وذراع الآخر ثم هتف يتوعد بأخذ الحق بنفس الطريقة:

"إفرد دراعك يا ناقص، إفرده بدل ما أدخل أمها فرقبك!"

كاد أن يدفعه "حسن" بينما طعنه "غسان" في كتفه بغل حتى نظر له وهو يصرخ بقوة. تذكر صراخ النساء، بل ابتسم بانتصار عندما وجده يرجع إلى الخلف مع صراخه وهو يمسك كتفه. بينما صرخ "آدم" عالياً ثم دفع "شادي" بقوة والذي تركه يتوجه ناحيته وهو يسمعه يسب "غسان" بقوله وهو يتجه:

"كفاية، سيبـه يا ***"

نهض "غسان" بسرعة ثم دفعه بقوة حتى وقع "آدم" أرضًا، ومن ثم جثى "غسان" فوقه ثم لكمه بشرر من سبه له تزامناً مع خروج نبرته التعنيفية له:

"بتدافع عن ده يا عويل؟ يا واطي، هتسترجـل إمتـه قولـي؟ بتشتمني عشانه يا قذر؟ عشان واحد بيـاع، ولو حصـلك حاجة مش هتلاقيـه جنبك يا غبي!"

قالها بصراخ يعنفه وهو يبرك فوقه، بينما حاول "آدم" دفعه عنه بقوة رغم صحة حديثه إلا أنه أجابه بنفس الصراخ مما جعل "غسان" يتهور:

"انت مـال أمـك يا ***، ملكش دعوه بـيـا، إبعد بعيد عنـي"

تضاعف انفعاله عندما سمعه يسبه ويسب والداته. لم يشعر بنفسه إلا عندما رفع مطوته يوجهها ناحية وجهه كي يشفي غليله، وإذ كان بالمرصاد اثنان. ركض "شادي" إليه كي يمنعه ودخول أحدهما باندفاع المنزل وصوت أنفاسه عالية. وقف "شادي" مرة واحدة ينظر على من يقف بذهول، بينما التفت "غسان" برأسه بغير اهتمام كي يكمل، حتى شعر بساق أحدهما تقف بجانبه ومن ثم يديه تمسك منه المطواة وهو يأخذها منه بقوة ثم هزه بغضب مع قوله:

"إبعد عنه!"

رفع "غسان" أنظاره لينظر له، ثم نظر بتمعن حتى أيقن هو أنه فكر بما بيفكر به. ولم يكن سوى "بدر" الذي ارتدى ملابسه عقب رؤيته لهما يسيران ثم هبط سريعاً بعد أن علم ما يفكر به "غسان" وربطه بـ "حسن" وتوقع والده. انتبه على صوت "بدر" المنفعل بقوله لهما:

"إيه؟ هتموتوا بعض؟ خلاص الدم معتش فارق؟"

صمت ثم نظر إلى "غسان" الذي اعتدل ليقف ببطء حتى أنفاسه التي تخرج منه وتحرك قمة صدره.

"أخويا يا غسان، آدم، كان عملك إيه؟"

عدل "غسان" من ملابسه مع خروج سبه بذيئة موجهة لآدم ولحسن معا، ثم تجاهل حديث "بدر". بينما شعر هو بفتح عين "شادي" على وسعها وهو يشير له وقبل أن يفهم هو شعر بكوب من الزجاج يتوجه في مؤخرة رأسه من "حسن" الذي نهض بخفة يمسكها ومن ثم وقف يدفعها عليه. تأوى "غسان" وهو ينحني ثم وضع يديه سريعاً حتى شعر بابتلالها من الدماء التي خرجت من مؤخرة رأسه مع تشنج ملامحه بألم. التفت رغم ألمه بسرعة ثم رفع قدمه يدفع "حسن" على الأرض بغضب، حتى أنه انتشل الصحن من على الطاولة ومن ثم وجهه على رأسه بقوة حتى تهشم مع صراخ "حسن" تزامناً مع صراخه بغضب فاق الحدود:

"موتك على إيدي يا بن الخروف، وربنا ما هسيبك!"

توجه "بدر" عندما استشعر غضبه الزائد ثم فصله عنه هو و"شادي" وهما يمسكانه بقوة محاولاً التملص من بين يديهم. أما "حسن" فكانت رأسه تدور به وبقوة مع ألم ذراعه الذي نزف بقوة. هتف "بدر" عالياً لشقيقه وهو يمسك "غسان":

"شــوفه، شــوفه انت وصاحبك يدل ما يروح فيها.."

قال حديثه على عجالة ومن ثم خرج من باب المنزل وهو يمسك "غسان" وصديق الثاني يمسكه من الناحية الأخرى لخارج المنزل. أما "شريف" فكان يقف يتابع الوضع فقط. وما أن رأى منظر الدماء من رأس وكتف "حسن" وجد "آدم" يحثه بنبرة متلهفة وهو يضع يديه على جرح الآخر:

"وقف تاكسي بسرعة، بسرعة قبل ما يموت مننا!"

ود لو تركه رغم عدم وجود ذنب له بما فعله والده ولكن نار الانتقام حامية. حادة يود بأن تطول كل من منه. تحرك بخطوات ثابتة حتى أنه لم يبذل جهد لكي يركض. ثم خرج من باب المنزل وهو يتوجه بعد لحظات ناحية الطريق حتى لمح هو سيارتهم الذي توقع بأنها لهما تذهب وتتحرك إلى بعيد!

جلست "نيروز" مع التجمع العائلي حيث كان الجميع بشقة والدتها من "حامد" وزوجته بينما كانت ابنته بالخارج. كان "حازم" يجلس هو الآخر مع "عايدة" و"جميلة" و"سمية" وحتى "وردة" و"يامن" صغيرها وبالأخرى "ياسمين" التي جلست بجانب "نيروز" من الجانب الآخر حيث كان التجمع مبهج وكل منهم يتحدث مع الآخر بحديث مختلف. أما "نيروز" فكانت شاردة من عدم مجيئه إلى الآن. التفت "حامد" وهو يبتسم من الحديث ثم وجه أنظاره إليها حتى وجدها تنظر من أمامها بشرود. رفع يديه يشير أمام وجهها بمرح ثم قال بمشاكسة:

"سرحانة فـ ابني ولا ايه؟ طب وأنا؟ مليش نصيب!"

انتبهت له "نيروز" ثم ضحكت بخفوت وخجل بآن واحد.

إبتسم هو لها بحنو. أما هي فسألته بعفوية شديدة عن ولده:

"هو كده إزاي بجد؟"

"هو مين؟"

قالها بمكر، وهو يضحك. فتنحنت هي بحرج، بعد أن استوعبت قولها. فأجابها "حامد" من بعدها بقوله المفسر:

"مش هعرف أجاوبك، أصل كل واحد بيشوف حبيبه بطريقه مختلفة عن غيره. يمكن اللي أقدر أقولهولك واللي إحنا شايفينه فيه إن غسان طيب وحنين على غيره. مش هقولك إنه مثالي، مفيش حد مثالي. بس أنا عارف إنه قليل الرباية وإني إتلخبطت في تربيتهم وربيت بسام مرتين على إنه غسان. بس عاوزك تعرفي إن عنده طاقة استحمال على اللي بيحبهم كتير أوي ومش بتخرج إلا بعد تحويشة كده. عشان كده لو جه لحظة عمل حاجة اصبري عليه وهو بيراجع نفسه بسرعة وهيرجع تاني. وأوعي تعاندي قصاده عشان هيعلى عليكي ومش هتوصلوا لحل بسرعة. وربنا يصلح حالكم مع بعض ويسعدكم وأعيش وأشوف أحفادي عشان أنا اللي هربيهم لأن أبوهم مش هيربيهم!"

ضحكت على حديثه عالياً، بينما تفهمت هي ما يود قوله لها بأنه لديه من الطباع المنفرة كي تتأقلم وتتفهم هي الوضع. هزت رأسها بنفي، على آخر حديثه ثم قالت بمرح:

"ما كده هيطلعوا زي غسان!"

قالتها بعفوية وتلقائية حتى أنها لا تعي جيداً ما قالته بالتحديد. نظر لها بدهشة ومن ثم حرك رأسه بقلة حيلة منها. ومن تلقائيتها، بينما انتبه الجميع على صوت "حازم" الذي هتف يقول ببهجة:

"إن شاء الله يا جماعة. في عريس هيجي لجميلة بكرة وهقابله هنا فالشقة دي. وعشان كده هحتاج الحاج حامد معايا يقابله وكمان ولاده وبدر وشادي إن شاء الله. وأنا كلمت العريس وهيجي بإذن الله!"

علمت "سمية" من قبل عندما أعلمها الأخر هو ووالدته، بينما كانت تعلم الفتيات بسبب قول "جميلة" لهم منذ قليل. ابتسم "حامد" باتساع، ثم هتف بسعادة:

"طبعاً. هبقى موجود يا حبيبي. وألف مبروك ربنا يقدم لكم اللي فيه الخير.. مبروك يا جميلة."

ابتسمت له بخجل وامتنان، بينما هلل الآخرون بفرح. ومن ثم نهض "حامد" من جانبها تزامناً مع قوله لها عندما تذكر بأن الآن هو موعد الدواء المسكن لألم الجرح:

"قوليلي يا حبيبتي حطيتي شنطة العلاج فين؟"

وقفت بسرعة وهي تقاطعه قائلة له بلباقة:

"لأ خليك يا عمو متنعبش نفسك أنا فاكرة كويس!"

"أقعد إيه ده غسان مأكد عليا بتاع ستين مرة يشيخه. أقعدي ده موصيني!"

قالها بمرح، ثم نظر لها جيداً وهو يستأذن منهم بعد أن سمعوه. وبعد أن سمع هو مكان الدواء، توجه بخطوات هادئة إلى حيث غرفتها. بينما ابتسمت "سمية" بحنو وشكر وهي ترفع أنظارها للأعلى من كون ابنتها دخلت بين عائلة كمثل هذه، بل وزوج مثل غسان التي تغتاظ من طريقته في بعض الأوقات ولكنها أيقنت بأن حبه لابنتها فاق الكثير. وضعت يديها على موضع قلبها بألم، حتى تأخذ أنفاسها بهدوء وهي تنظر إليهم بحب، حتى أن "يامن" توجه لها ليجلس على ساقها ببراءة. ضحكت بخفة وهي تقبله، بينما استشعرت "ورده" تأخير زوجها كغير عادته!! وكأن ما تفكر به قد تحقق عندما سمعت صوت دقات الباب. نهض "حازم" يفتح تزامناً مع أخذ الدواء من يد "حامد" بواسطة "نيروز" التي ابتسمت له بحنو. ففتح الباب وظهر من أمامهم "بدر" وبجانبه "شادي" فقط. ومن ثم دخلا ورحبوا بهم بهدوء. بينما وقف "بدر" حتى نهض "حامد" يقف بجانبه بركن ثم قال دون مقدمات:

"زي ما قولتلي واللي كنت بفكر فيه بالظبط. شيلت حسن من إيده بالعافية. وربنا يستر على حسن وميجرالوش حاجة.. هبقى أكلم آدم. بس عاوزين نقفل على الموضوع ده ومحدش يعرفه وحاول تخلي نيروز تروح لغسان عشان حالته صعبة ومتعصب أوي حتى رفض يجي معانا هنا ممكن يهدى ويروق فوجودها!!"

كان يستمع إلى حديثه بتفهم شديد. لطالما يعلم هو بكيف يفكر ولده بل وسار معه إلى آخر الطريق وجاراه بأمر كذبه. هز له رأسه بتفهم، ثم أومأ له بعينيه بكتمان الأمر حتى سمع هو صوتهم وهم ينادون عليهما. توجه "حامد" يبتسم وكأن شيئاً لم يكن. ثم التفت بوجه لـ "نيروز" التي ظهر بنظراتها التيهة وهي تبحث عنه. من ثم الخيبة عندما وجدت أنه لم يظهر ولم يأتي إلى الآن. غلبت هي التردد حتى التفتت برأسها له تسأله باهتمام:

"متعرفش غسان فين يا عمو؟"

هز لها رأسه ثم نهض يمسك يديها يسحبها خلفه تزامناً مع قوله:

"طيب بجماعة هستأذن أنا وبنتي شوية بس فالشقة عندي وهنرجع تاني. موضوع ميقعدش يعني. كملوا كملوا.."

قالها بمرح، حتى أنهم ضحكوا بخفة ثم هزت لها "سمية" رأسها بالموافقة عندما وجدت "نيروز" تنظر لها بعجز. فتح هو باب الشقة ثم أغلقها من خلفه وهو يخرج مفتاحه من جيب بنطاله الواسع المريح. ثم قال مع فتحه الباب:

"غسان جوه وشادي قالي إنه دخل ومش عاوز يكلم حد مش عارف ليه!"

ترقبت جميع حواسها حتى أن قدمها دخلت من قبله الشقة وهو من خلفها. فأجابته هي بخوف:

"ليه حصل إيه؟"

"مش عارف هتلاقيه فالأوضة.. ممكن تدخليله عادي وأنا موجود هنا!!"

هز رأسها بالإيجاب دون حرج حتى أنها تفكر به وفقط. ابتسم على أثرها وهي تتحرك. ود لو يخرج من الشقة ولكنه بقي بها. حتى أنه توجه بهدوء يدخل غرفته وهو يغلقها خلفه ليجلب هاتفه. وقفت أمام باب الغرفة ثم رفعت يديها السليمة تدق الباب ولكن لا توجد إجابة بل وتسمع حركة بالغرفة. لما لم يجيب؟ مدت يديها تفتح باب الغرفة ثم نظرت قبل أن تدخل حتى أنها دخلت ومن ثم قد انغلق الباب. رفعت رأسها تبحث بعينيها حتى شهقت بخفوت وهي تراه يرتدي تيشيرته الأبيض على جسده العاري من فوق حتى ستره ومن ثم ارتدي السترة القطنية السوداء مع غلقه لسحابها بإهمال وبسرعة. شروده جعله غير منتبهاً للدقات ولا حتى دخولها الغرفة بهدوء. أمسك ملابسه الفوقية الملقاة ثم أمسك طرف الكم الذي كان به دماءه الخافتة. دفعة الكوب لم تفعل له جرح عميق بل أتت بدماء فقط والكوب لم ينكسر عليه بل انكسر ما أن وقع. إلتفت بها حتى يضعها بصندوق الغسيل الذي يوجد بجانب باب غرفته ومن ثم توقف مرة واحدة عندما وجدها تقف. نظر لها باستغراب ثم تساءل بنبرة جادة:

"انتِ هنا من إمتى؟"

تعلثمت نظرات "نيروز" حتى حاولت السير له وهي ترفع رأسها تنظر داخل عينيه ووجهه التي تراه هي ولأول مرة خالي من التعابير معها!! ابتلعت ريقها ثم هتفت تسأله بنبرة هادئة لينة:

"مالك؟"

حرك أنظاره ناحية كتفها الموضوع بحامل ذراعي ثم تمعن النظر به حتى أنه تنفس من فكرة أخذه للحق بنفس الطريقة. نظرت له بتمعن ثم حركت رأسها على ما بيديه حتى لاحظت الدماء على الملابس. شهقت بخوف ثم مدت يديها تتلمس الكم مع قولها اللاهف:

"ده دم!! إنت كويس؟"

رسم على وجهه ابتسامة ثم تخطاها ليضع ملابسه بالصندوق المفتوح تزامناً مع قوله ليطمئنها:

"كويس الحمد لله وانتِ؟"

جانب آخر سيء. عندما يكون بحالة مزاجية سيئة يعامل الجميع وكأنه المذنب ليعامله بذلك البرود. نظرت له باستنكار ثم توجهت تقف خلفه حتى التفت ينظر لها وهو يعقد حاجبيه بل تطالعه هي بشراسة!! عقد حاجبيه بتساؤل مردداً لها:

"إيه؟ بتبصيلي كده ليه؟"

رفعت يديها السليمة ثم ضربته على صدره بها مرددة بحنق جاد:

"انت بتكلمني كده ليه؟"

نظر لها بدهشة من تحولها السريع. استطاعت بلحظة أن تقلب الحال من متعلثمة بالحديث خائفة إلى أخرى مغتاظة شرسة! أمسك يديها سريعاً بحزم، ثم نظر لها بجدية مردداً:

"إنتِ قد الحركة دي؟ لأ وبتعمليها وانتِ فـ بيتنا.. وفـ أوضتي!."

قال آخر حديثه بتسلية، حتى أنها حاولت أن تسحب يديها بخوف. تركها وهو ينظر لها بصمت.

، استطاعت بوجودها وشراستها بأن تخرجه عن مزاجه السئ ولو بقليلٍ جداً ، بل ووجودها وحده يختلف ، حتي أنه لم يجرب ذلك من قبل ، انتبه هو على صوتها مره أخرى عندما هتفت بتساؤل جاد وكأنها لا تسبه :




_" إنتَ بارد ليه ؟"




خرجت ضحكته أخيراً بخفوتٍ، ثم حرك أنظاره وغضبه المكتوم والذي ينسحب منه تدريجيًا ، حرك أنظاره من أعلاها لأسفلها ثم تساءل بنفس طريقتها في السؤال :




_" وانتِ حلوه ليه ؟!"




رفعت شفتيها بإستنكارٍ حتى أنها ظنت انه مقلب وخدعه بها من صنعه، التفت تتحرك كي تفتح الباب. لتخرج ، فمد يديه سريعاً يغلقه ثم وقف أمامها يطالعها بعبثٍ ثم قال :





_" دخول الحمام مش زي خروجه !"




دفعته بيديها بغير إهتمام وهي تتظاهر بالقوه في حين أن طريقته تجعلها تضحك ولكنها تكتم ضحكاتها ، أمسك يديها ثم فتح الباب وهو يخرج منه وهي من خلفه ، بينما وقف هو عندما وجد "والده" يقف وهو يستند بأريحيه ممسكاً بهاتفه الذي جلبه من الغرفه حتى يقف بترقبٍ ، رفع "حامد" أنظاره من على شاشة الهاتف ثم نظر له بصمتٍ ، بينما نظر له "غسان" بتمعن وهو يسأل بإستنكارٍ :




_'' وده اسمه إيه ده كمان ؟"




_" أنا أقف فالحته اللي تعجبني ، بيتي وبفلوسي "




حرك "غسان" رأسه بمللٍ وهو ينظر لها فوجدها تضحك بخفوتٍ، فهم هو ما يجري من خلفه ، من. بداية" بدر" لمجيئها الغرفه له ، إبتسم باستفزازٍ ثم طالع والده بجرأه وهو يسأله :




_" ولما إنتَ ماشي في الرايحه والجايه تقولي مراتك لأ مش مراتك ، جايبهالي لحد عندي ليه ؟! "




_" لا منا واقف ومممشيتش وواخد احتياطاتي ؛ سيب أيدها بقا "




حرك راسه بسخريه ، حتى عاند والده ومن ثم دفعها بهدوءٍ لتفف أمامه حتى سارت تقف ، بينما وقف هو يهز رأسه بطاعه حتى توجه يقبلها من وجنتيها مرتان ومن ثم قمة رأسها ، ثم التفت بوجهه يقول بتبجحٍ :




_" ها وأعمل ايه تاني ؟ "




ضحك "حامد" ثم أشار له بأن يترك يديها مره أخرى ، فـ توجه "غسان". ليرفع ذراعيه ثم أدخلها بين أحضانه أمام والده مردداً مره أخرى من بين خجلها :




_" لسه مصمم علي رايك يا حامد ؟"




خرجت ضحكات والده وهو ينفي بقوه فلم يترك شئ ليفعله ، دفعته "نيروز" بعيداً عنها ثم حدجته بغيظٍ حتى شعرت هي بيد "حامد" تربت على كتفها بهدوء ثم مال يهمس بجانب أذنها:




_" قولنا مجنون ولازم نستحمله !"




ضحكت بخفه حتى أنها شعرت به يتوجه ناحية المطبخ ، ومن ثم توجه "حامد" ليجلس على أحد المقاعد ، فذهبت هي خلف "غسان" حتى وجدته يفعل ليمون بالنعناع بالماء البارت وهو يخرج مكعبات الثلج ، توجهت تقف بجانبه ، ثم وكزته قائله بابتسامه واسعه :




_" إعملي معاك !"




_" لأ .."




نظرت له بضحكٍ ، فابتسم هو لها ثم غمز قائلاً لها بمشاكسه قد عادت له أخيراً :




_" عقبال ما تقفي فـ مطبخ بيتي ، واجي أقولك طابخه إيه يا حبيبتي تقوليلي مكرونه بالبشاميل يا غسان يا حبيب قلبي ونور عيني وكبدي من جوه .."





ضحكت "نيروز " بقوه ثم أشارت له من بين ضحكاتها قائله باشمئزازٍ :




_" ايه المحن ده ؟"




_" معذوره برده ، مشوفتيش إنتِ حامد ودلال لما يلاقو نفسهم فاضيين !"




قالها "غسان" بمرحٍ ، فابتسمت له وهي تستند ثم هتف بنبره هادئه عميقه:




_" بعيداً عن الهزار ، بس هم لُطاف وجمال أوي ، وبحب علاقتهم ببعض وحبهم اللي مبيتكسفوش يبينوه قدام حد ، ولا حتى بيخافوا يتشافوا تافهين عشان كبروا شويه وعندهم ولاد كبار ، كان بابا كده الله يرحمه عشان كده بحبه اوي فيه كتير من بابا .."




إبتسم بهدوءٍ ثم حاول تغيير مجرى الحديث الذي يؤلمها حتي قال بجديه وصدقٍ دون عبثه في أوله ،الذي يكون بحديثه في كل مره مثل هذه :




_" وهو بيحبك أوي ، ودلال بردو بتحبك ، ووسام بتحبك وطريقتها معاكي كأنك أختها مخلياني مبسوط أوي ، عشان متبقاش عمه حربايه لولادي ، وأنا. بحبك أكتر منهم ، كلنا بنحبك وهتحبينا أكتر يا رزه لما تقعدي معانا اكتر ، لأن احنا عيله تتحب كده كده ، حتي بسام لما ياخد على وجودك ويبطل يتحرج منك ويكون هو فاق مش هتبطلي ضحك عليه ، ما تيجي ؟"




ضحكت بخفه علي حديثه ، ثم تساءلت باهتمام من بين ضحكتها الواسعه :




_" اجي فين ؟!"




_" تعيشي معانا ، أو نطلع فوق فـ شقتنا ونتجوز !"




قالها بمرحٍ ونفس الوقت حاول إختبارها كي يري أنها مؤهله لتلك الخطوه أم ماذا ، لم يكن رد فعلها سوى ضحكه واسعه وهي تشاكسه بحديثه :




_" أه ونبقي عال ونجيب عيال مش كده ؟"




قلب هو الثلج مع ابتسامته وهو يهز رأسه تزامناً مع قوله:




_" بالظبط ، بس أنا بتكلم بجد فالموضوع ده عشان لو موافقه فعلاً أبدأ أكد على الناس اللي هيظبطوا الشقه أكتر وأبتدي أظبط الدنيا أنا كمان على ما تاخدي وقتك !"




كان حديثه بإقتراحٍ ، بينما نظرت له "نيروز" بهدوءٍ ثم هتفت تجيبه بنبره صريحه تعترف :




_" أنا متلخبطه ومش عارفه المفروض أعمل ايه ؟ مش عاوزه أخد الخطوه دي وأرجع أندم !"




هل سمع هو الحديث صحيح ؟ أوقف تقليب الملعقه بالكوبين ، ثم التفت بوجهه ينظر لها بجديه بل وتحولت ملامحه لأخرى خاليه وهو يسألها باستنكارٍ :





_" تندمي علي وجودك معايا في بيت واحد ؟ ولا على إختيارك ليا ، مش فاهم أنا ..تندمي علي إيه بالظبط !"




هزت رأسها بالنفي حتى أن حديثها كما تردفه يخرج منه شئ لا تقصده تحديداً ، نظرت له بصدقٍ ثم هتفت تبرر له بهدوءٍ وكأن بحديثها المبرر يهدهده وليس العكس ! :




_" مش ندم على إختيارك ولا ندم على وجودي معاك ، ما أنا موجوده معاك دلوقتي ومش ندمانه ، بس أنا خايفه لمبقاش قد المسئوليه حتى لو حصل وجه أطفال ، خايفه من فكرة إن يحصل حاجه أو يحصلي حاجه ، أو حتى يحصلك انتَ حاجه ولا حسن ولا عمي ولا مراته هيسبونا فحالنا مش هيبقي في إستقرار ولا حياه هاديه وأنا . .."




قذف " غسان" الملعقه على الرخام حتى قُطع حديثها تزامناً مع قوله الحاد الذي خرج صوته لوالده بالصاله :




_" يـــادي عمــــك ومــــراتـــه وعـــيــاله.!! "




تفاجأت من ردة فعله الغير معهوده ، بل وجاء رد فعله هذا من انفعاله اليوم. لم يتبخر بهذه السهوله وبارعه هي في قول حديث يثير غيظه، نظرت له بصمتٍ كما كان حزن عندما سمعته يردف مره ثانيه :




_" مش هنخلص إحنا من عمك ولا مراته ولا من زفت حسن ! ، فـ نستني لما يموتوا ويغوروا فـ داهيه عشان نبدأ حياتنا ونستقر ، موقفه حياتك عليهم ليه ؟ ، هو أنا مش واقف معاكي وجنبك وبيقولوا جوزك يعني ، يبقي هما هيمنعوني عنك ازاي ؟ انتِ لو بتقوليلي أنا مش مؤهله نفسياً ومحتاجة وقت مش هقولك حاجه ، لكن عمــك وخوفك منه ده مش مبــرر !!"




لهجته الحاده التي خرجت لها لأول مره بتعنيفه لها جعلتها تقف صامته بل ودموعها تحبس بعينيها ، بينما وقف "حامد " في الخارج حتى أن حديث ولده قد وصل له ، لم يريد التدخل هو بينهما ، نظرت له "نيروز " وهي تحاول التماسك كي لا تظهر ضعيفه ثم تساءلت بنبره جاده :




_" إنتَ بـتزعقلي كده ليه ؟ كل ده عشان قولت اللي خايفه منه ؟"




حرك رأسه بنفاذ صبر ثم أجابها بنفس الحده :




_" بردو هتقوليلي خوف !!

بزعق لعقلك اللي مش شايف غيرهم في كل حاجة بتعمليها. عاوزه تفرحي حطاهم قدامك، عاوزه تحزني حطاهم برضو قدامك، حتى وانت بتاخدي قرار مصيري بردو حطاهم قدامك. أنا موقفتش ضدك بس فكرة خوفك منهم وأنا خلاص معاكي دي لوحدها مش ظابطة معايا، لأنهم أمر واقع. ولا أروح أموتهملك بقا عشان نبدأ صح ومن جديد؟

صمت "غسان" ينظر لها ثم واصل مجددًا بقوله: حتى دخل "حامد" المطبخ تزامناً مع قوله:

"أنا مبضغطش عليكي بس إنك تأجلي خطوة مهمة عشانهم وعشان وجودهم اللي ملوش حل غير كده فده مش طبيعي. وأنا مش خيال مآتة معاكي عشان أقف أشوفك خايفة منهم وكل مرة تقوليلي خايفة وأسكت. قولتلك هبقى معاكي ومش هسيبك وهقف لهم. ولو مش عايزاني قولي، ولو عايزاني أنا هحاول وهاخدك منهم ومن اللي عاوزين يعملوه فيك. مملتش أقولك يا نيروز متخافيش حتى لحد دلوقتي. والقرار قرارك وإنت حرة فيه عشان أنا بتعب من فكرة إنك معايا ولسه برضو عقلك معاهم وخايفة منهم ومش عارفة تعيشي. لا إنت بتأذي نفسك لوحدك ولا خوفك منهم راضيني. هنفضل لحد إمتى نشيل هم حاجات لسه مجتش؟ ولو حصل إنت اللي هتأذي ساعتها، ولا هم. ولو أذوا غيرك فساعتها أنا هشوف شغلي، بس من غير خوف. خوفك محاوطني وأنا محتاجك معايا حتى من غير جواز، بس محتاجك فرحانة من غير حساب ليهم. عشان لا حد هيتعب زيك ولما هتتعبي محدش هيتعب قدي وأنا الراجل اللي المفروض معاكي وإنت خايفة؟"

هبطت دمعتها وهو يواجهها بالحقيقة، بل وفاض انفعاله اليوم بما يكفي. وقف "حامد" ينظر لهما، بينما أخذ "غسان" كوبه وهو يتحرك من أمامهما، فأوقفته نبرة "نيروز" المختنقة وهي تسأله بخيبة:

"يعني إيه!"

"يعني إنت حرة في القرار اللي تاخديه. عاوزاني من غير خوف، أو مش عاوزاني بخوف عشان أنا معتش قادر وأنا شايفك كل ثانية خايفة ومش عارفة تعيشي حياتك عادي من غير حمل الهم والخوف!"

التفت "غسان" من بعدها يخرج من المطبخ. أما هي فسقطت دموعها، حتى أن رفع "حامد" ذراعيه يربت عليها بحنان. فالحجم الأكبر من مصداقية الحديث كان منه هو، أما الطريقة فكانت جافة عليها لأول مرة. ربت عليها بحنان تزامناً مع قوله:

"إهدي يا بنتي، إهدي. كل حاجة هتتصلح. سيبيه هيهدي مع نفسه وكل حاجة هترجع زي ما كانت."

هزت "نيروز" رأسها بالنفي ثم نبست تنفي قوله:

"لأ، هو قالها وخلاص. يعني يا مخافش يا منبقاش لبعض."

سألته بلوم، فهز رأسه يوضح ما قاله ولده:

"هو ميقصدش كده بالظبط يا نيروز يا بنتي. هو عاوزك تبقي مبسوطة ومش مرهقة نفسك ولا نفسيتك في الخوف وإنك تشيلي هم اللي جاي واللي ممكن ميجيش. بالعكس هو خايف عليكي وبيحبك وعاوزاك فرحانة وتشيليهم وتشيلي شرهم من دماغك. الحياة مش عاوزة كده يا بنتي. لو وقفتي تفكري في كل حاجة ممكن تحصل وهتحصل، مش هنعرف نعيش في راحة بال. بالعكس ده بيقرب الموت وإحنا شايلين الهم. ده حتى مش من ديننا. أحنا بنسلم أمرنا لله وبنقول إن شاء الله خير، مش يارب إيه اللي هيحصل أو أنا مستني اللي هيحصل. وإنت جيتي عنده فنقطة هو نفسه بيحاول يشيلها من عندنا. عاوز اللي بيحبهم في راحة وأحسن حال، مش بايعك بس هو عنده استعداد يعمل أي حاجة عشان اللي بيحبهم يكونوا مبسوطين. ومحاولته معاكي في كل مرة زي ما بيقول بيراضيك ويطمنك. مبيشوفش بعدها نتيجة منك. قربه منك فاكره هو أذى ليكي ومحسسه إنه مببعملش اللي عليه وهو واقف جنبك وعاوزاك متخافيش يا بنتي!"

أنصتت لحديثه بهدوء مع مسحها لدموع عينها، بينما خرجت من بين أحضانه ولم تنبس بأي حديث، بل توجهت لتخرج من باب الشقة وهي تتركه بهدوء كي تذهب وتختلي بجلستها بمفردها. تنفس "حامد" بعمق، ثم سار بخطوات هادئة يفتح غرفته حتى رآه يقف بالشرفة وهو يرفع رأسه إلى السماء مغمض العينين محاولاً أخذ أنفاسه!

"مبسوط كده؟"

أنزل رأسه بهدوء دون أن ينظر لوالده الذي اتجه نحوه، ثم رفع الكوب يضعه على الطاولة الصغيرة الموضوع بجانب من جوانب الشرفة حتى أنه لم يتجرع منه. ثم استند على السور وهو يتنهد تزامناً مع قوله الهادئ لوالده:

"أنا من ساعة ما جيت وأنا مش طايق ولا قادر لأي كلام، ولا حتى دلوقتي. فـ إمشي وسيبني مع نفسي بقا."

قالها بهدوء، صريح. فوقف "حامد" ينظر له بحزم، ثم أشار له بقوله ليعنفه:

"وأنا الوقتي مبتكلمش غير جد. فـ تحترم نفسك وانت بتكلمني. وبعدين مش قادر ليه؟ يكون عشان كنت هتموت واحد في إيدك وتروح فيه فداهية، ولا مش قادر عشان مزاجك اللي متعكر من ساعتها واللي فضل لحد ما جه عليها وكلمها بالطريقة دي وهي غصب عنها!"

طالعه "غسان" بصمت، ثم بخيبة. فلم يشعر والده بما يشعر به. هذا ما يشعر به. تنهد يأخذ أنفاسه بصوت مسموع حتى أنه تحلى بالصمت كي لا يجيب على والده ومن ثم يندم. رفع "حامد" يديه ثم وضعها على وجه "غسان" يديرها له مع قوله الجامد:

"بصــلي هنــا وأنــا بكــلمــك.."

أكمل بقوله الحاد ليفسر له ما لا يراه:

"مينفعش تبقي أم لعيالك لو مكانتش حست بكل ده. خايفة عليك وعلى ولادكم في المستقبل مش بغلطك. يمكن خوفها كتير شوية. بس عمرها ما هترجع خوفها ده ترميه للبحر من يوم وليلة. ذنبها إيه من الطريقة دي ولا حسن مزعلك أوي! والله لو حنية قلبك خلصت علينا ومعتش فايض ليها فـ سيبها أحسن عشان الست مش عاوزة إلا حنية وكلام ناعم يطمن وبس. أقل حاجة بترضيهم!"

قال أخر حديثه بسخرية منه. لم ينبس بأي حرف ليرد على والده بل تحلى بالصمت. وفقط وهو يسمعه. حتى أن تبجحه وانفعاله يمنع نفسه تلقائياً من الظهور لوالده. انقلاب الحال رأساً على عقب غريب ومريب! نظر على أثر والده وهو يدفع باب الغرفة ليخرج، بينما وقف هو يأخذ أنفاسه ببطء والأفكار تتضارب بعقله. حرك أنظاره على دخول "شادي" الغرفة بترقب، وهو يبحث عنه. فملامح وجه "حامد" كافية لشرح الموقف بعد أن رأى تهجم وجه الأخرى وهي تدخل عليهم ومن ثم غرفتها. بينما كان يجلس هو بشقتها. زفر بنفاذ صبر عندما علم هو بأنه سيجبر على القول بما حدث. لم يتركه ذلك الذي وصفه بالنحلة!!

"إتخانقتم صح؟"

لم يعير لحديثه انتباه بل التفت ينظر من الشرفة وفقط. حتى سمع قول "شادي" من جديد يهتف:

"حد يزعل مراته؟ مش دي اللي خليتك تلف حوالين نفسك؟ صحيح والله الحاجة وهي بعيد ليها لهفة كده. بس إنت اللي مش مقدر اللي معاك. بالك إنت.. لو منه معايا... هشوحها في لحظتها من هنا علطول."

قال حديثه بمرح كي يجعله يضحك. وبالفعل ضحك "غسان" بخفة، تزامناً مع قوله:

"محدش بيسلم من النكد. عملت فيك إيه هي كمان!"

"خلينا فيك. بنسلم من النكد والله لو فاهمين الواحدة اللي معانا كويس. بس أنا عارفك لما تاخد جنب بتبقى متقفل كده. قول اللي فيها يمكن أقولك تعمل إيه لو إنت اللي غلطان..."

نظر له "غسان" باستنكار ومن ثم دفعه بيديه عندما هتف من جديد:

"دا لو غلطان. ودي كده كده...أكيد. قولي في إيه؟"

وجد بأنه لا مفر من إلحاحه بجانب أذنه كي يخفف عنه. تنفس بعمق، ثم قرر الحديث بالمختصر كي يريح عقله من حديثه، متفهم هو جيداً بأنه لولا وجوده بجانبه لما كان هذا الوضع. لطالما الاثنان صديقان ورفيقان، كل منهم يفهم الآخر بل ووصل لهما الحال بأن كل منهم يفهم الآخر جيداً أكثر من أنفسهما!!

خرجت من الشقة مع "حازم" حتى تبيت اليوم في شقة "عايدة" حيث غرفة "حازم" وستقضي معهم بعض الوقت قبل الليل. رغم اعتراض والدة الاثنان بأن يذهب الاثنان إلى شقتهما، ولكن مناسبة أمس الصغيرة وخوفهم مما يتوقع حدوثه لأي منهم وهما غير موجودان، توترهم أيضاً. أغلقت "سمية" الباب بعدما خرج الجميع، حتى "وردة" ذهبت إلى غرفتها حيث تغيير ملابس صغيرها ومن ثم ذهب خلفها زوجها. تنفست بعمق، ثم توجهت تدق غرفة "نيروز" التي رأت تعابير وجهها. حاولت اخفاءها هي، حتى أنها ظهرت، ولكن لم تأخذ أي من شقيقتها أو الأخرى انتباه بسبب الأصوات والانشغال بالحديث. دقت الباب مرتين ومن ثم فتحته بهدوء وهي تدخل إلى الداخل. بينما رفعت "نيروز" يديها تمسح دموعها سريعاً. أما الأخرى فعلمت جيداً بأنها بها شئ. حركت المقعد لتجلس عليه أمامها والأخرى تجلس على طرف فراشها.

مدت يديها ترفع وجهها لتنظر لها بهدوء، ثم تساءلت بحنو:

"دموعك نازله ليه يا نيروز؟ بتعيطي ليه؟"

قالت سمية حديثها بعاطفة أمومة. ورغم هروب نيروز منها دائمًا كي لا تبكي، ولكن هذه المرة دخلت بأحضان والدتها بقوة وهي تشهق بخفوت، حتى ضمتها والدتها بقوة وشفقة دون علمها لما حدث. بل سمعتها وهي تهتف من بين دموعها:

"بيعاتبني عشان خايفة من اللي هيحصل وأنا معاه. بيعاتبني عشان خايفة من عمي ومراته وابنه وأنا معاه. أنا تعبت.. ياماما.. نفسي أرتاح بقا."

طريقة حديثها جعلت والدتها تحزن لأجلها، بل والربط بين حديثها وما أتى بعقلها كان سريع. ربتت على ظهرها بحنان، ثم هتفت بنبرة هادئة تهدأ من الوضع رغم حنقها من الذي كان سبب في هبوط دموعها:

"بصي يا حبيبتي، لو إيه اللي حصل وايه معرفتوش، بس الراجل بياخد على خاطره أوي لو حس إن الإنسانة اللي معاه خايفة في وجوده. في بقا حب وخوف عليها أو نظرته لنفسه مش راضي عنها. المهم إن الفكرة دي ذات نفسها بتوتر من ثباته عشان هو بيتوجب عليه يكون السند والضهر اللي الواحدة تكون وراه لما تخاف. فحتى لو قولتيله إنك خايفة وهو خايف عليكي فـ بردو إنتِ بتحسسيه إن معندوش ضهر ولا عارف يحميكي يا نيروز. فهمتيني؟"

رفعت أناملها تمسح دموع ابنتها بهدوء، ثم ابتسمت لها تحثها بقولها لطالما كانت هي الصغيرة المدللة وإلى الآن لا تستطيع رؤيتها بغير ذلك:

"أيوه كده فوقي وخليكي متماسكة. أنا بنتي مترجعش لورا أبداً من شوية كلام. ياما بيحصل، ولو عيشنا نشيل هم مش هتعرف نكمل الباقي من حياتنا."

نفس كلمات حامد إذن! تحتاج بأن تراجع شعورها وقراراتها من جديد. لطالما وضعت هي الخوف في كل شيء تراه. شخصيتها ليست بالضعيفة وخوفها ليس منها ولكن عليها! عليها وعليه هو وعلى مستقبلهم التي توقفه هي بسببهم! نهضت سمية بهدوء، ثم ابتسمت لها بحنو قبل أن تخرج وتتركها كما تعلم هي بأنها تحتاج لبعض الوقت بمفردها. ابتسمت نيروز بأثرها حتى سمعت هي صوت إغلاق الباب. تنفست بعمق، ثم نهضت تقف أمام المرآة وهي تخلع حجاب شعرها عنها. أمسكت المناشف الورقية تمسح وجهها ثم خلعت سترتها الطويلة عنها حتى تجلس بأريحية. بينما وقفت تنظر على شكلها أثر البكاء. أمسكت كحل العيون تضع منه بعينيها كي تخفي آثار البكاء الذي جعل شكلها منهك. ومن ثم أخذت حجاب قصير تضعه على كتفيها فقط وهي تفتح الشرفة كي تسقي الزرع. فتحتها وانحنت تأخذ الدورق كي تسقيه. بينما نظرت هي على الشرفة فوجدتها خالية بل وكوب المشروب الخاص به لم يتجرع منه ولو نقطة واحدة! التفتت وهي تتظاهر بغير الاهتمام ثم سقت الزرع بالترتيب وهي تنحني بهدوء. بينما وقفت مرة ثانية دون أن تنظر حتى تسقي الناحية الأخرى منه. ولحظة! رأت طيفه يقف من جديد وبجانبه صديقه. التفتت بسرعة يبدو أنهما دخلا لجلب شيء ومن ثم عادا. تنحنح شادي بحرج ما أن نظر لها فوجدها بدون حجاب. ومن ثم وكزه حتى تخطاه ليدخل. قلبت عينيها بملل ثم مدت يديها تسقي الزرع. بينما نظر لها غسان ومن ثم رفع أنظاره مردداً لها بنبرة جادة:

"وطالعة بشعرك كده ليه؟ البلد بتاعت أمك وبتاعتك ولا إيه؟"

قالها كي يأتي بالحديث معها وبالأخرى يريد توجيهها لشئ معين. فلم تكن الستار هابطة كي لا يراها أحد. بل وتاهت هي عن الأمر. التفتت برأسها تنظر له بغضب، ثم هتفت بجرأة:

"وإنت مالك!!"

"يمكن عشان جوزك مثلاً؟! يا تخشي جوه يا ترفعي الطرحة دي على راسك!"

قالها غسان بحزم وهو ينظر لها بجدية. بينما احتدت نظرتها من لهجته الآمرة. حتى أجابته بجمود:

"ملكش دعوه بيا ومش داخله فحته. لو وقفتي مدايقاك أوي ممكن تمشي إنتِ من هنا. وأنا القرار فـ إيدي لسه زي ما بتقول فملكش كلمة عليا."

شراستها الذي أخذ على خروجها لم تفاجئه. بل فاجئه آخر حديثها حتى نظر لها باستنكار مردداً بنبرة جادة:

"وحياة أمك! ومين اللي ليه كلمة على التاني إنتِ هتستعبطي؟"

نظر على ملامحها المتهجمة وهو يكمل بتوضيح:

"وبعدين أه القرار قرارك وأنا سايبك براحتك تفكري مش جابرك على حاجة بس ده مينسكيش إنك مراتي يا بنت.. الأكرمي!"

حديثه كان به من التهكم ما يكفي بآخره وحتى أوله. هدأ انفعالها الغير معهود بثباته لفترة طويلة. حتى أنها لم تجيبه على حديثه. حركت عينيها من عليه ثم رفعت يديها تسقي الزرع دون نبس أي حديث. قربه منه كان كافياً لاقترابه أكثر. انتشل الحجاب من على كتفها بهدوء، يضعه على رأسها. تركته يفعل ما يفعله حتى أنها لم ترفع نظراتها لتواجهه. بينما وضع يديه يرفع ذقنها كي تواجه نظراته تزامنًا مع قوله المشاكس:

"بطل واللي يزعلك يتقتل. حقك عليا!"

رفعت يديها تبعد يديه عنها بحزم، خاصة أن طبيعتها ليست من المتهاونة في المسامحة بسرعة قياسية! أجابته بهجوم غير عابئة بندمه على أسلوبه وليست طريقته:

"مش بالسرعة دي. أنا معملتلكش حاجة عشان تزعق فيا كده. أنا كل اللي قولتلهولك إني خايفة. المفروض أروح أقول لمين إني خايفة غيرك؟ حتى لو أنا فكرت بطريقة صعبة شوية بس دا ميدلكش الحق إنك تكلمني بالأسلوب ده. إنتِ مبتحبنيش!"

"أنا محبيتش فـ الدنيا قدك. وكلامي مش أسف عليه عشان أنا مقولتش حاجة غلط. إنتِ محتاجة تراجعي نفسك وتحطي نفسك مكاني فـ مرة وأنا شايفك مش واخده راحتك بسببهم وكل حاجة عندك إستعداد توقفيها لحد ما هما يوقفوا ولا لما حياتهم تقف. لا أنا ولا إنتِ ولا حتى غيرنا عندنا ميعاد محدد لـ ده."

قال حديثه بنبرة جادة مع هدوئه وهو يوضح لها. أما هي فنظرت له بصمت، تعلم أن حديثه وتعنيفه لها خوف عليها فقط وليس لصالحه بشدة. بينما تحاول هي عدم التهاون. ترددت نظراتها حتى تركت ما بيديها وهي تتنهد لتأخذ أنفاسها. ومن ثم انتبهت على صوته وهو يقول بنبرة لينة من جديد يحاول مراضاتها:

"إلبسي ننزل نتمشى وشوفي إيه اللي يرضيكي وأنا اعملهولك!"

"مليش مزاج. شكراً."

أردفتها نيروز بجدية ورسمية كي لا يظهر له بأنها وقعت بشباكه. وهي التي وقعت منذ زمن. هز رأسه بالإيجاب ثم التفت يدخل وهو يغلق الشرفة من خلفه. نظرت بأثره بدهشة حتى أنها كانت تقتنع بأنه سيظل يردف لها بحديث لين ويصر هو على رأيه في أن تهبط معه. أكان ينتظر هزة رأسها بالنفي كي يفعل ذلك؟ شعورها الآن ليس جيد. بل وستبدأ في نهر نفسها لما قالته في النهاية! دخلت إلى الداخل ثم أغلقت الباب وهي تصفعه بهدوء فقط مما دل على غيظها مما فعلته وما فعله أيضاً. توجهت تجلب الدفتر من الدرج ثم جلست مرة أخرى حتى تكتب به بقلة حيلة. بل وتمنع نفسها من البكاء. كلما تحاصر نفسها بمفردها تجد البكاء هو رفيقها. ومن ثم أصبح غسان رفيقها حتى ظهر ليمنع البكاء. وجوده إما يمنعه أو يضعفه وفي الحالتين كانت هي تستعد ومازالت تستعد وبقوة. بل والآن ذهب عقلها بالفعل لفكرة أنها ستوقف حياتها على أمر واقع ليس له وقت للزوال. ومن ثم تأذي نفسها وفقط. هبطت دمعتها عندما أيقنت بحديث الجميع بأن الخوف وبشدة ليس حل. وحتى خوفها لا يأذيها وحدها. حتى هو يتأذى أيضاً..!!

أسنده يجلس على الأريكة بعد أن جاءا من الخارج منذ قليل. عندما ذهبوا إلى المستشفى الحكومية القريبة سريعًا. ووضع شاش ملتف حول رأس حسن حتى أن جرح رأسه من بين خصلاته من الأمام قد خيط. بينما وضع كتفه وذراعه في حامل ذراعي بعد خياطة جرح كتفه الطويل الذي تفنن به الآخر. فرد ظهره بإنهاك وألم ظهر على ملامح وجهه بشدة بل وما أخذه من مخدر لم يشعره بشيء الآن. لذلك وقف آدم يقدم له بيديه الدواء المسكن حتى يجعله يتراخى قليلاً. لطالما صحة حسن في الآونة الأخيرة ليست أفضل شيء. أخذها حسن من بين يديه كما أخذ الزجاجة ثم تساءل بهدوء:

"أومال شريف فين؟"

"وقفلنا التاكسي وإحنا جايين وقالى هيجي بعدين لأن جاله تليفون شغله!!"

هز له حسن رأسه بينما سأله آدم بشفقة يلومه:

"ليـه يا حسن؟ ليه؟ ما كنا بعيد وكل واحد بعيد عن شر التاني. مبسوط باللي حصلك ده!"

نظر له حسن بصمت للحظات.

من إردافه الحديث بلومٍ وعتاب ، هز رأسه له بتعبٍ ثم أشار له بقوله مما دل على إنهاكه :




_" مش قادر يا ٱدم ، سيبني أنام ، بس غطيني!"




قالها بإنهاكٍ ، جعل "ٱدم" ينظر له بقلة حيله ، بينما جذب الغطاء من على المقعد ثم فرده عليه عندما وجده يتسطح على الأريكه بأريحيه ، ثم توجه ليغلق الإضاءه ولم يذهب عقله بالتفكير إلا عن ما يفعله "شريف" ، هروبه في كل شئ قد سبب أو يسبب لـ "حسن" الخطر ، بل وبرودة أعصابه ناحيته وبشده ، وعدم اهتمامه الذي ظهر بقوه ، حتى أنه لم يتحرك إنش واحد للدفاع عنه !!، لطالما "ادم" هو الركن الهادئ وبنفس ذات الوقت عكسه ، مما ظهر مدى جلوسه مع نفسه والتفكير بالأمر من جديد، أما الإثنان ، فأحدهما يريد الإنتقام وبقوه ، وأحدهما لا يمل من نشر شره ، بل ومن الواضح أنه يعشق التحدي وأن القادم ليس مبشراً ..!!




___________________________________________




أغلق "غسان" باب الشقه بهدوءٍ وهو يحمل الكوبين بيديه على صينيه صغيره ،. فقد تركت هي كوبها ، ولم يتركها كذلك ، حثه صديقه وبقوه على فعل ذلك وهو يراجعه ، بينما كان سيأخذ وقته هو ويعود ، أما الخطوه فكانت سريعه بسبب "شادي" ، دق باب شقتها عدة دقات حتى إستغرق لحظات ومن ثم فُتح الباب بواسطة "سميه" التي حدجته باستنكارٍ ، تنحنح يجلي حنجرته ، ومن ثم دخل عندما إبتسمت بتكلفه لكي يدخل ثم أغلقت الباب ، فالتفتت له تطالعه باستغرابٓ حتى قالت قبل أن يتحدث هو :




_" مزعل بنتي ليه يا غسان ؟"




عقد حاجبيه بهدوءٍ ثم نظر له حتى يجيبها :




_"أنا مزعلتش حد ، هي بس محتاجه وقت ، وأنا مش قولتلك مش هاجي عليها ؟."




نظرت له "سُميه" بتمعنٍ ثم حركت رأسها ، بينما هتف هو من جديد يستأذن:




_"ممكن أدخلها الأوضه ولا حرام وكده ؟"




قالها "غسان" بجديه شديده حتى أنها اقتنعت بأن حديثه جاد وليس ساخر من داخله ، هزت رأسها بالايجاب وباستنكارٍ من عدم فهم ما يفعله ذلك الغير مفهوم تصرفاته بل وحديثه بالنسبه لها ..! ، اتجهت ناحية المطبخ بهدوءٍ وهي تنظر على الغرفه بتمعن حتى تفتح له ، بينما وقف يدق باب الغرفه بهدوءٍ حتى أذنت للطارق بالدخول دون أن تعلم هي من الطارق ، فتح الغرفه ثم دخل وهو يلتقت ليغلقها من خلفه ، بينما رفعت أنظارها بهدوءٍ ومن ثم شهقت شهقه خافته وهي تنهض تنظر على قدومه بدهشه ، طالعها بتحدي ، من المفترض بأسفٍ !! ، وقفت ترسم على ملامحها الجديه وهي تقول :





_" إنتَ خدت عليها ورجلك بقت تجيبك لأوضتي كتير !!"




كبت ضحكته ، ثم توجه يسند ما بيديه على الطاوله ، حتى وقف أمام وجهها يطالعها بتسليه ثم أجابها اجابه تحاصرها :




_" على الأقل تعبانه وجايه أشوفك ، مش واحده جايه ودخلت أوضتي من غير ما تخبط ووقفت ورايا بتبص عليا وأنا بغير هدومي !!"




انتظر تعلثم نظراتها في المكان وحتى حديثها ، ولكنها فاجئته عندما أجابته بجمودٍ :




_" والله انتَ اللي أطرش ومبتسمعش ، عشان أنا خبطت عليكّ وإنت ولا هنا ، والحق عليا عشان كنت داخله أشوف مالك !"




لامس أخر حديثها قلبه ، حتى أنه رفع يديه يمررها على خصلات شعرها بحنوٍ وهو يجيبها بنفس حروف أخر كلماتها :




_" لا الحق عليا أنا عشان طريقتي مكنتش ظريفه ، بس أنا عاوزك تبقي كويسه وأشوفك فرحانه من غير ما تشيلي هم ، يمكن صوتي عِلى بس مكنتش بفكر فـ حاجه ألا ليكي وعشانك .."




صمت عندما إستشعر بأنها ستلين ، بينما رفع أنامله يمسح كحل عينيها الخارج عن إطاره ثم هتف بنبره مرحه يتغزل :




_" هو أنا قادر على عيونك من غير كحل عشام تكحليهالي ، المفروض أعمل ايه دلوقتي بقا ..!!"




عقدت حاجبيها مع رجوع ابتسامتها الصغيره وهي تتساءل :




_" تعمل إيه مش فاهمه !"




هز "غسان" رأسه بصبرٍ لها ثم نبس بكمله واحده يجيبها :




_" هفهمك!"




وما أن قالها رفع ذراعيه يضمها إليه بقوه حتى يأخذها بعناقٍ مُريح ، ليريح أعصابه قبل أن يعبر لها عن أسفه ، رفعت ذراعها بتردد ثم غلبته وهي تربت على ظهره من الخلف ، حتى وجدته يهتف وصوته قريب من أذنها عندما وبخها بقوله :




_" كنتي بتقولي بقا إن أنا مالي بيكي ، ومليش كلمه عليكي ، وأطرش مبسمعش وإيه كمان !"




خرجت "نيروز" من أحضانه ثم نظرت له باستنكارٍ من بين ضحكاتها :




_" قلبك اسود أوي يا بن البدري !"




_" مش أسود من قلبك والله يا بنت الأكرمي !"




قالها باستفزازٍ وهو يطالعها بتسليه ، حتي شهقت هي شهقه زائفه ، بينما أشار هو. على رأسه وهو يتذكر بقوله :





_" قلبي إسود لدرجه إني لسه منسيتش جزمتك القتاله اللي صابتني فـ راسي ، لسه فاكر إن أنا غسان المبطوح منك .. بس فـ قلبي "




غمز لها عقب قوله ، فضحكت هي بخفه ، فابتسم "غسان" لها وهو يهز رأسه قائلاً بمرحٍ مع تصفيق يديه الحار :




_" أيوه كده..خلى ريما ترجع لعادتها القديمه !! "




ابتسامه حانيه ظهرت على وجهها له ومن ثم تلاشت تدريجياً عندما وجدت صوت هاتفه يعتلي بجيب بنطاله ، حرك رأسه ثم وضع يديه بجيب بنطاله يأخذ الهاتف حتى نظر إلى شاشته وهو يعقد حاجبيه. من ثم ضغط على زر إختفاء الصوت ، عقدت ما بين حاجبيها بتساؤل وهي تنظر له قائله :




_" مين ؟"




إبتسم لها ابتسامه زائفه ، ومن ثم حاول وضع هاتفه مره أخرى بجيب بنطاله حتى أوقفته هي بحركه يديها وهي تنظر له نظرة ليست هينه ، أيقن هو أن شراستها قد أُخذت منه مع الجرأه بعد أن تيقن بأنه مُحاصر الٱن ، أخذت الهاتف من بين يديه ثم ضغطت علي زر الفتح من الجانب حتى وجدت مكالمه فائته من " مدام إنچي الجامده "، فتحت عينيها على وسعها ثم شهقت بقوه وهي ترفع أنظارها ، فوجدته يقف ينظر لها بثباتٍ ثم حرك كتفيه مردداً بتبرير ٍ يعلن عن برائته :




_" والله مش أنا اللي مسجلها كده !"




نظرت له بغيظٍ ثم رددت بحنقٍ وهي توكزه بالهاتف في كتفه :




_" وهي بترن عليك ليه مادام انتَ مش مسجلها وسايب الناس تسجلك الأرقام ، ومسجل رقمها ليه أصلاً ، ده طبيعي!!"




كان حديثها ساخر لدرجه كبيره ، أخذ "غسان" الهاتف من بين يديها ثم وضعه بجيب بنطاله وهو يجيبها بنبره هادئه ظهرت لها برود :




_" أه طبيعي عشان أول ما جيت الشغل كان في حاجات كتير محتاج يتسأل عنها ، ده غير إن مكنتش عارف اجي وجيت بعد تقديم طلب وهي اللي اختارته ، يعني الأمور دي مش بتمشي بالصحاب عشان شادي صاحب الشغل! ، كانت بتبعتلي ورق وحاجات ولما قدمت على الأجازه مروحتش شادي اللي خدهالي منها فـ بعتت رسايل تشوفني كويس ولا لأ بمنتهي الإحترام وانا اللي مردتش ولما مردتش رنت ، حاجه تاني ؟"




قال "غسان". حديثه بتوضيحٍ بينما طالعته هي بصمتٍ مستنكر ثم هتفت تواجهه :




_" وكل ده مبرر يخلي إسمها مدام إنچي الجامده !"




حرك رأسه وهو يضحك بخفه مع نفاذ صبره ثم أجابها مجدداً يسب صديقه بسره :





_" اديكي قولتي. مدام يعني متجوزه ومش معنى إنها حلوه يعني هبصلها ، وبعدين شادي اللي سماها كده ، أنا كنت مسميها مدام انچي بس!! "




تغتاظ في كل مره من قرب "شادي" منه بل يجعله وقحاً ولا مانع من أن ترى تبجحه حتى في تسجبل الأسماء. .!!، نظرت له بحده ثم التفتت تفتح الدرج وهي تخرج منه دهان مرطب ، عندما كانت تتوجه في الصباح لتجلبه قاطعها هو ، فتحته بيديها ببطئ بسبب حركة ذراعها ثم أشارت له بيديها بأن يرفع رقبته لأعلى ، تفهم ما ستفعله هي حتى رفع رقبته ثم وضعت من الدهان على أناملها تتحسس جرحه البسيط ، انتهت هي ، فمد يديه يمسك الكوب ثم وجهه لها ببسمه صغيره مع قوله الهادئ. "امسكي اشربي!" أمسكت الكوب بهدوء، وتعابيرها خالية، بينما جلست هي بغير اهتمام. حتى وقف يطالعها بحب، ثم جلس على الأريكة من أمامها قائلاً بغمزة عين حتى تلين: "جرا إيه يا واخد قلبي؟ ما تيجي تقعدي جنبي!" ضحكت "نيروز" من عبثه حتى ارتشفَت من الكوب، ثم وضعته بجانبها بهدوء، مع خروج ضحكتها أخيراً. سمعت هي نبرته المقترحة لها مجدداً عندما قال: "لسه مش عايزة ننزل نتمشى وأجبلك حاجة حلوة كده؟" ترددت في الإجابة، خاصة أنها تشعر بسكون جسدي أثر الدواء. خرجت نبرتها تتحدث لتجيبه بابتسامة: "المسكن مهبطني ودماغي مش مظبوطة كده. ينفع تخليها بكرة؟" تحرك يجلس بجانبها بخفة، ثم رفع يديه يربت على ظهرها بحنان، تزامناً مع قوله: "خلاص مش مهم، خليكي مرتاحة!" ابتسمت له "نيروز" بحنو، ثم أشارت له بالاعتدال. حتى مدت يديها تأخذ الهاتف من جيب بنطاله بجرأة، ثم أشارت له بأن يفتحه. ضحك وهو يأخذه منها، ثم وضع إصبعه على مكان البصمة حتى فُتح. وما أن فُتح وجد صورتها العفوية معه في يوم زفاف شقيقتها. طالعتها بفرحة، ثم التفتت تنظر له بتأثر، فوجدته يتحدث بمرح: "وربنا القلب خالي من أي أنثى غيرك!" غمزت له بإعجاب، ثم مدت يديها تغير الاسم إلى اسمه الأول "مدام إنجي". علم بأنها ليست بهذه السهولة أو ما يظهر عليها عكس ذلك. هز رأسه برضا، ثم اعتدل في جلسته عندما وجدها تفتح الكاميرا الأمامية، ثم رفعت يديها موضع التصوير. فوجدته يضع يديه على كتفها وهي تجلس بجانبه، ثم ضمها له كي يأخذ الصورة. بل وعندما فتحت الفيديو تفاجأ هو عندما تحدثت وكأنها تحدث المتابعين المجهولين الذي ليس لهم وجود من الأساس. حتى هتفت بقولها المرح وهي تشير عليه بعينيها: "إزيكم يا جماعة. الباشمهندس غسان البدري يخصني. نقول تاني. غسان البدري يخصني وأي حد هيتشقلب، هيتدحرج ودماغه توزه يروح نواحيه هقطع وشه!! عال؟" وما أن قالتها "نيروز" بضحك، امتزج مع ضحكه الشديد، حتى أنه هز رأسه بالفيديو وهو يقول من بين ضحكاته: "عال يا جماعة!" تركت الفيديو مفتوحاً بعفوية، حتى أنه توجه يقبلها من وجنتيها بمرح، مع حديث عفوي ليس له علاقة ببعضه. بينما فتح الفيديو لدقائق، حتى أنها توجهت بآخره تقبله من خده بحب. فضمها إليه بسعادة بالغة. وانتهى الفيديو بعناقهما وهما جالسين. وما أن انتهت الضحكات أخيراً بعبث مما حدث، هتفت هي من بين ضحكاتها بآخرها: "ابعتيلها الفيديو بقا!" ورغم تفهمها لما حدث، لكنها تمزح. هز رأسه من بين ضحكاتهما، ثم هتف يوضح لها بمرح: "هي فعلاً متقصدش حاجة، ده هي مجتهدة وبتحب شغلها أوي. كبري دماغك منها، وتعالي أقولك أنا نفسي أعمل إيه!" هزت "نيروز" رأسها بتفهم، ومن ثم عقدت حاجبيها بتساؤل. فأمسك هو الهاتف، ثم ضغط على أغنية معينة تشرح حالهما وشخصية كل منهما بشدة. وقبل أن يصدح صوت الأغاني قال لها بوضوح: "هنرقص!" نهضت بحماس، حتى سمعت صوت الأغنية الهادئة يخرج من هاتفه بصوت متوسط، تزامناً مع مسكه ليديها بحنان، ثم رفعت هي الأخرى تضعها على كتفه، ويديه هو الأخرى أسندها على خصرها وهما يهتزان معاً بهدوء، غلفه المرح والحب على الكلمات الآتية: "اتمشى معاها ونتكلم أضحك واحكيلها وتحكيلى لحد الدنيا أما تضلم أسكت فتقول طب غنيلى أغنى فاشوف لمعة عينها فلاقيها تصلى وتدعيلى أتوشوش كده بيني وبينها عن سهر الحب ولياليله أطمن كل اللي شاغلها منا صايع أصلي في حواريه تسرح وتقول عرفاك شاعر تلعب بالكلمة و تفاصيلها تسلك في متاهة يا واد شاطر تحبكها و ترجع تلايمها أنا أصلاً مشكلتي في عينها تاخدني بلاد و توديني وبلادي اللي أنا أصلاً منها بايعاني و بتطلع عيني.." كانت الحركة بخفة وهو يبتسم باتساع، حتى أنه ردد الجزء الذي يشرحها، كما كانت تردد هي الجزء الذي يشرحه. انتهت الكلمات، وما أن انتهت توجهت بنفسها تدخل بين أحضانه وهي ترفع ذراعها السليم تحاوط خصره من أعلى حتى التفت على ظهره بتشبت. ثم تنفست بعمق. شعرت بالأمان يحاوطها، كما شعر هو بالارتياح. أنزل رأسه يهبطها، حتى يهمس بجانب أذنها بقوله الذي اخترق سهام قلبها: "كل جميل هي نيروز، وما جميل رأيته إلا سواها. والله العظيم!" ابتسمت باتساع وهي تخرج من أحضانه، تزامناً مع تنفسها بعمق. ثم وكزته بمرح، قائلة بغمزة عين: "ثبتني يا بن البدري!" ضحك بخفة وهو يتوجه ناحية وجهها ليقبلها من وجنتيها للمرة الذي لا يعرف هو عددها. وقبل أن يتوجه ليفعل ما نواه، وجد سوارها متوجهاً ناحية عنقه وهي تطالعه بتسلية مرددة بمكر: "متاخدش عليها واحترم نفسك بقا!" نظر لها "غسان" بتحدي، ثم رفع يديه يهبط من يديها مع ابتسامته العبثية. ثم غمز لها بقوله: "طب ما إنتِ بوستيني وفـيديو؟ نروح بقا نوريه لحامد ودلال ووسام وأمك وأخواتك والعيلة كلها وننشر البهجة كده.." ضحكت "نيروز" ضحكة عالية وهي تتظاهر بالشر، ثم تركته وهي تتوجه لتلف أمام المرآة، تزامناً مع قولها: "هو أنا مش قولتلك مبتخافيش يابن البدري؟ عادي أنا عملت إيه أخاف منه!" هلل بقوة، ثم صفق وهو يهز رأسه بتشجيع: "عال أوي! أنا عاوزك كده علطول ميهزكيش أي حاجة مادام إنتِ في السليم ومعايا." ابتسمت بهدوء، ثم مدت يديها تجذب هاتفها وهي تشير له، حتى جاء ليقف بجانبها لتأخذ صورة لهما كما أخذت هي بهاتفه. أخذت الصورة وهو يقف من خلفها ويديها على كتفيها بهدوء، حتى أنه كان ينحني لتأتي رأسه في الصورة. أغلقت الهاتف، ومن ثم اعتدل هو وهو يتوجه ليأخذ الكوبين، معتدلاً بوقفته بعد أن أخذ الهاتف يضعه بجيبه، ثم قال بهدوء: "أنا همشي أنا بقا، عاوزة حاجة؟" وقفت أمامه مباشرة، ووجهت عينيها لتواجه عينيه بتمعن، حتى قالت بنبرة صادقة تعكس تحول حالها: "عاوزاك مبسوط، وعايزة أقولك إن في وجودك الراحة عمرها ما بتسيبني!" مال ليقبلها، لطالما هي كانت تقاطعه عن فعلها. ثم استقام يعتدل، مرددًا بإطمئنان: "منه لله قلبي اللي خلاني نحنوح وشمتهم فيا، بس انتِ حبيبتي القديمة والجديدة، واللي لسه مكملة يا نيروز. وراحتك من راحتي، ولو مش مرتاحة مش هبقى مرتاح. سلام يا رزقة!" ضحكت نيروز بخفة وهي تنظر له يفتح باب الغرفة حتى رحل وتركها مفتوحة. لم تمر سوى لحظات حتى ظهرت سمية من على بعد تقف، بينما تنفست بارتياح عندما وجدت ابتسامتها الواسعة وبقوة! *** الفرحة لم تسعه منذ أن حدثه حازم. ووجوده الآن مع والدته المسطحة على الفراش وشقيقته الجالسة بجانبه يفرحه. حتى أنه ضحك بما فيه الكفاية عندما وجد زغروطة خرجت رغم ضعفها من فم والدته رغم تعبها، وملامح وجهه التي ظهرت وبقوة بأن السعادة امتزجت بالتعب حتى غلبته. ابتسمت حنان بتعب، ثم حاولت أن تظهر سعادتها له أكثر رغم تعبها، حتى قالت بوضوح بعد مباركتها: "ربنا يفرحك يا حبيبي. خد فرح معاك بكرة، بس والمرة الجاية أكون بقيت أحسن شوية. وربنا يجعل في وشكم القبول لكل اللي هتشوفوهم." حرك عز رأسه بتفهم، حتى أنه عارضها قليلاً، ولكنه أيقن بأن موعد غد لا يضمن هو إعادته. بل ولم يتوقع قبول حازم ووالده بهذه الطريقة. لا يعلم هو ماذا ينتظره في الغد. تحدثت فرح بسعادة تجيبهم بنبرة مبهجة ظهرت لهما بحديثها: "طبعًا هكون معاه. هو محدش يملى مكانك، بس أنا وعز منتظرينك تبقي في أحسن حال، عشان لو في خطوة كمان غير الخطوبة وهم جاهزين، نفرح بقى ونهيص!" ابتسم باتساع، ثم أخذها تحت ذراعه يحتضنها قائلاً بحديثه الطبيعي الذي لا يمل ولا يكل من قوله: "ربنا يخليكم ليا، وأفضل سندكم طول العمر!" أمسك يد والدته بحنو، وشقيقته أسفل ذراعه وكأنه يمتلك الآن الأرض وما عليها من الرضا. بل ومن المفترض بأن تكون بداية خطبته غدًا. لا مانع من كبت السعادة. الأمل يغمره من جديد ولو ذرة بالشئ، بعدما كان منهكًا يفكر بكيف سيخرج من دوامة الوجع وظهور شقيقه. يفكر بكيف سيقضي بقية يومه في الصباح عندما شعر بضيق الأركان عليه. حتى عمله لم يعطه فرصة لأخذ أنفاسه وقسط من الراحة النفسية قبل الجسدية. يجاهد مع مكافحته. وقل للذي يجاهد من أجل العيش وحمل المسؤولية بأن ما يفعله لا يقدر بثمن، حتى وأن رفع له مثال من الذهب الخالص. هو "عز" ومهما حدث له عزة نفسه لا تقل أبدًا. تيقن هو جيدًا بأن الصبر على ما لا يريده يأتي بآخره ما يريده هو وبقوة. ويا ليت للإنسان كل ما يريده دون تغيير. أما لو تجمعت الأنظار عليه وتمعن كل منهم النظر على ما يفعله وما فعله وما ضحى به من حقوق لديه من أجل والدته وشقيقته، لم يكن القول سوى بأنه "عز الرجال". *** ظهر اليوم التالي، حيث شقة حامد الآن. جلس البعض على المقاعد الملتفة حول بعضها في الصالة، بعدما جاء شادي من الخارج. بينما جلس غسان بجانب والدته، وشادي يجلس بجانب حامد. كان الحديث غير مهم للدرجة شديدة الانتباه، حيث كان شادي يمسك هاتفه ينظر له باهتمام، وهو يكتب على برنامج الواتساب لأحد الأرقام ليجيب على السؤال بـ: "دخلت على اكونت غسان وجبت بيدچ نيروز وقومت جبت أكونت جميلة ودخلت على الأصدقاء عندها لحد ما لقيتك وشوفت الرقم ظاهر عندك على الفيسبوك. ها حنيتي؟" لم يستغرق لحظات، ثم نظر على مضمون الرسالة المرسلة له: "بتتعب نفسك ع الفاضي والله يا شادي بيه. سلام." وما أن قرأ الكلمات وجد صورتها قد اختفت، وحتى إرساله الرسالة لم تصل حتى تستلمها، مما يعني بأنها قامت بحظره. ضرب ساقه بإنهزام في ذلك الأمر، ثم أغلق الهاتف بضجر وهو يضعه بجيبه. ثم حرك عينيه فوجد الجميع ينظر له بتمعن، ما أن فعل حركته المسموعة. حتى وسام التي خرجت تجلس هي الأخرى. تفهم غسان ما حدث وهو يكبت ضحكاته. بينما تساءل حامد وهو ينظر له قائلاً بتساؤل: "فيه إيه ياض!" صمت شادي بخيبة، ثم رفع أنظاره يسألهم بجدية شديدة وكأنه فقد ألاعيبه في إيقاعهم: "لو أنا معجب وواقع ومش عارف أعمل إيه! أعمل إيه؟" قالها بجدية شديدة للغاية، في حين حركت دلال رأسها بقلة حيلة وهي تضحك كما ضحك حامد. بينما رفعت وسام كفها تصفق مع خروج نبرتها وهي تلحن وبنفس الوقت تعطيه الإجابة، مما جعل الأنظار تتوجه ناحيتها ببهجة: "لو قلبك غرقان في غرامها.. ليه تستنى وتقف قدامها؟ قول وعيد وزيد قول عشقان. لو نفسنا دلوقتي فـ حاجة ليه نستنى دي تبقى سذاجة. نفذ حالا فوراً والآن، ما قبل أي حد تاني. ليه نستنى لو لثواني.. وإحنا بإيدينا نعيش بمزاجنا أحلى كتير!" كانت تصفيقها هادئ مع خروج كلماتها بمرح، حتى أن غسان شاركها في التصفيق ونهض شادي يتراقص بمرح. وما أن انتهت، اعتدل هو ثم أشار لها بيديه بالإعجاب تزامناً مع قوله المريح: "كلام ميه ميه. بس أعمل إيه بقى؟" سمع صوت ضحكاتهم، فعاد هو يجلس مرة أخرى ثم تنهد يخرج أنفاسه، بينما حدثه حامد بهدوء يعرض عليه: "مش ناوي بقى تتجوز يا شادي وتعقل وتعمل زي صاحبك اللي وقع ومحدش سمى عليه ده!" ضحك الجميع في حين خرج. صوت "غسان" المتنحنح وهو يجلي حنجرته قائلاً بإعتراض: "طب صاحبه قاعد ساكت ومؤدب أهو متكنشنيش بقا!" "يا حامد غسان ده واقع من عمارة سبعين دور دا أنا قعدت أقوله يروحلها يصالحها إمبارح بدل ما معرفش أنام ويقعد يعيطلي بقا وأنا عندي صداع!" ضحك "حامد" عالياً على حديث "شادي" في حين فهمت "دلال" ما قصده بسبب علمها المختصر من زوجها، أما "وسام" فلم تفهم شيئاً. انتبهوا هم على صوت "شادي" مرة أخرى وهو يهتف بجدية يجيبه: "لا بجد بفكر فعلاً في الموضوع ده." صمت ثم واصل بإندفاع: "ما تيجي معايا نخطب منه!" تبدلت ملامح "دلال" للفرح ثم ردت بغير تصديق: "بجد يا شادي؟ قول إنك بتتكلم جد!" لم يعطيه "غسان" فرصة للرد، بل أجاب هو بنبرة معارضة يتحدث: "جد إيه وبتاع إيه؟ هو شافها وعرفها فين عشان يخطبها؟ هو أي كلام!" صمت "شادي" بينما خرج صوت "حامد" العقلاني يردد لهم وبالأخص للأخير: "لا مش أي كلام، بس بردو مش لازم يشوفها بتاع ستين مرة عشان يعرفها ويخطبها. هو لازم يحبها عشان يروحلها ولا إيه؟ مش كل الجوازات حب، وهو قال إنه معجب بيها يعني لما يخش البيت من بابه أحسن من الهبل التاني ده، ويخطبها بالحلال وبعد كده الوقت هيخلق الحب ده. ده حتى يعقل بقا. وبعدين الحب مش لوحده اللي بيخلي الواحد يروح ياخد خطوة. عشان كده ناس كتير بياخدوا خطوة الجواز من الحب بس وبعد كده بنلاقي صفر تفاهم وتقدير. أهم حاجة التفاهم وكل واحد يقدر ويفهم دماغ التاني. ساعتها الحب الأساسي بيزيد مش بيقل أو بيفضل زي ما هو..!" حديثه كان من تأييد زوجته، بينما هز "شادي" رأسه، فأجاب "غسان" بتبرير كونه يفهم صديقه بقوة: "أنا مبعارضش النقطة دي، أنا عاوز الوقت يبقى من ناحية شادي. مش قصدي إنه يحبها الأول وبعدين ياخد خطوة. هو عرفها إمتى؟ وهيستحملها أساساً ولا لأ؟ وهو مؤهل للجد ده دلوقتي؟ اللي قولته إنه لازم يفكر الأول عشان لما ياخد الخطوة ميفشلش فيها وتأثر عليه بعدين. وبعدين منه مين اللي يخطبها دي هتصبحوا بعلقة وتمسيه بعلقة. دي ضرباه فـ وشه أهو!!" حرك "شادي" نظراته بحرج زائف ثم وضع يديه على وجهه لوضع الخجل، فنظر له الجميع للحظات، ومن ثم تعالت الضحكات بقوة. وما أن انتهت، تحدث "شادي" من بينها قائلاً بتفكير: "إنتوا الاتنين عندكم حق، وكمان غسان عنده حق فالنقطة دي. يمكن لما أبعد وأقعد مع نفسي أفكر كده. ولو لقيت نفسي مشغول بيها أوي والموضوع فارقلي. هرجع وهبقى أقولك نروح نخطبها وأشوف حياتي بجد بدل الوحدة دي. الواحد فعلاً محتاج يدي وقت لنفسه يفكر مش كلام!" "عـال يا شوش!" غمز "غسان" عقب حديثه، ثم بادله الغمزة صديقه تحت ابتسامة الجميع الواسعة، خاصةً بعدما أيده "حامد" في حديثه بعاطفة أبوية شديدة. نهض "شادي" يفتح باب المنزل بعدها سمعوا صوت دقات الباب، حتى أنه أشار لـ "غسان" بأنه سيفتح هو. وما أن فتحه ظهرت هي بابتسامتها الهادئة وفي يديها صحن من الحلويات التي أعدته والدتها وحثتها على القدوم به. أفسح لها "شادي" الطريق ثم أوقفها سريعاً وهو يمد يديه ليأخذ من الطبق تزامناً مع قوله المرح: "لازم أدوق قبل ما صاحبي وعيلته يتسمموا ولا حاجة!" طالعته "نيروز" بدهشة من حديثه الغير عابئ بمدى تبجحه، ومن ثم سمعت هي صوت الضحكات العالية من الداخل. "تعالى يا روز!" قالها "حامد" كما قالتها زوجته وابنته، بينما أفسح لها "غسان" المكان لتجلس بجانبه، حتى وضعت الطبق على الطاولة من أمامهم ومن ثم جلست بجانب "غسان" الذي لم يحرك عينيه من عليها، بل أول سؤال سأله لها وهو يثبت عينيه على ذراعها: "خدتي الدوا؟" هزت رأسها بالإيجاب، في حين أمسك كل منهم الطبق ليتذوق. بينما هتف هو مرة أخرى بغمزة عين: "شفتي بوست الفيسبوك؟" قال حديثه بمراوغة حيث أنه وضع صورة يديه ويديها بارتدائهما خواتم الزواج ثم كتب عليها: "الحمدلله التي تتم بنعمته الصالحات، كتبنا الكتاب". ومن ثم الدعاء وحديث معسول باللباقة كي يشهر أكثر زواجهما. أما هي فابتسمت ما أن رأته حتى أن المنشور كان مبهجاً لحد كبير حيث عدد الفرحة التي توجد به من جميع زملائه وأصدقائه، وحتى صديقاتها وزملائها كانت كثيرة. أومأت له وهي تهز رأسها ثم قالت بتوضيح: "شفتها طبعاً. وحطيت إستوري واتساب لينا وإحنا واقفين فالمرايا." ضحك "غسان" بخفوت، ثم تحدث بثقة وهو يميل برأسه ناحيتها متحدثاً بنبرة هادئة عبثية: "ما أنا خدتها وحطيت قلب على صورتك." نظرت له "نيروز" بغيظ، ثم هتفت بسخرية من كونه يفعل أشياء لا تحبذها الفتيات في موضعها: "قلب!! بتحط قلب عليا!" "بغير عليك، وعشان الصورة كانت بشعرك، وأنا عندي ناس كتير صحابي، أوريهم شعرك وكلك وأبقى بقرون بقا ولا نعمل إيه؟" ظهر لها أمس بأنه حذر في ذلك الموضوع حتى تنبيهه على دخولها من الشرفة بسبب خصلات شعرها التي كانت بدون حجاب. نظرت له بإقتناع، حيث وضعتها هي بسبب عدم وجود غريب لديها على البرنامج!! تحدثت تجيبه بتحدي كي لا تذهب الفرصة وهو غالب: "طب وبالنسبة لمدام إنجي الجامدة اللي الأستاذ شادي مسك تليفونك وسجلها دا غير الرقصات اللي حضرتكم كنتوا قاعدين ومندمجين أوي!!" حرك "غسان" رأسه ضاحكاً. ثم فهم هي ما تعنيه جيداً بالشق الأول من حديثها. تحدث يجيبها بهدوء بعد أن انتهى من ضحكاته: "أولاً محدش بيمسك تليفوني ولما كان معاه كنت أنا فاتحاله يشوف ورق معين فـ راح مغير الاسم. تاني حاجة بقا من أول ما كان ليكي صورة على تليفوني ساعة فرح حازم وياسمين، حطيتها فـ ملف لوحدها وبرقم سري يعني صور إمبارح آتحطت معاهم كمان. أما بقا الرقصات فـ كانت على تليفون شادي. أنا مش مراهق يعني عشان كل ساعة أشوف رقاصة دي كانت مرة وتوبة. دلوقتي عندي اللي ترقصلي إن شاء الله..بس الصبر!" رفعت يديها توكزه بصدره ثم ردت بتعنيف: "عشان لما أقول إنك قليل الأدب وسافل تبقي تعترف على نفسك متقولش أنا!" قلدته بطريقته بٱخر كلمة، بينما تعالت ضحكاته هو ومن ثم إلتفتت برأسها عندما وجدت "حامد" يسألها بإندماج: "حلو الجلاش ده أوي يا روز. إنتِ اللي عملاه؟" كادت أن تجيبه بينما وجدت "شادي" يشير بغير اهتمام ثم تحدث قبله بمزاح: "يا شيخ رايح تقولها إنتِ اللي عملاه! أكيد هتقولك أه أنا وبتاع مدام حماتها قاعدة بقا والشغل ده!!" تكتم غيظها منه لفترة. ابتسمت هي باستفزاز ثم أجابته بشراسة غير معهودة بالنسبة للجالسين: "مش هكذب وحماتي عارفه إن مش أنا اللي عملاه. كفاية تاكل منه انتَ وتقول رأيك. بالهنا والشفا.." شراستها مختفية بإسلوبها اللطيف. بل وأحرجته وهو الذي لا يشعر بالحرج بل متبجح من الدرجة الأولى. ضحك الجميع بقوة أما هو. رسم على ملامح وجهه الرهبة وهو يرفع يديه باستسلام مرددًا وهو يوزع نظراته بينها وبين "غسان": "ده في غساسين كتير والوضع ميطمنش!" ابتسمت "نيروز" باستفزاز. في حين هتف "غسان" بثقة وهو يرفع يديه يضعها على كتفها بتشجيع: "أومال إيه؟ كوبي بيست خلاص؟ التوأم التالت دي؟ فخليك بعيد عشان مش هنعيد!" هز له "شادي" رأسه بالإيجاب. في حين هتفت "وسام" بمرح: "لو قلبك مات متجيش على إتنين غساسين!" "الواحد بقى يخاف على ولاد ابنه في المستقبل؟ ربنا يستر يا رب." ضحكت "دلال" على حديثه في حين ضحك الجميع. فهتفت الأولى تدافع عن ولدها قائلة: "والله ما هتلاقي زي ابنك وحلاوة ابنك. اسكت مفيش زيه ده. قال تخاف قال." نظر لها "حامد" باستنكار. في حين وكز "غسان" "نيروز" ثم غمز يقول بمرح وهو يشير بيديه على والدته: "إلحقي بتعاكسني. نوريها الفيديو ولا إيه؟" ضحكت "نيروز" عالياً. بينما هتفت "وسام" تجيبه بمشاكسة: "ما تعاكس يا غاس. حقها. ما إنت إنتاجها يعم. مش شايف نسخة منها إزاي." حركت "نيروز" أنظارها تدقق النظر على ملامح وجههما. فالتشابه بينها وبين توأميها قريب جداً. ابتسمت بإعجاب ثم هزت رأسها بتأييد لحديث الأخرى. ابتسم الجميع باتساع. ولم تكن سوى لحظات. ونهضت "دلال" بينما جلس "حامد" يستمع لحديث "شادي" الجاد: "أنا إن شاء الله. همشي بكرة بقا عشان أشوف الدنيا اللي اتقلبت ورايا دي. هتوحشوني. بس هرجعلكم تاني قريب إن شاء الله." كان يعلم "غسان" بينما عارضه "حامد" بحديث جاد مُحب بعاطفة أبوية: "ما تخليك يا شادي. هو حد اعترض؟ ربنا اللي يعلم إنت عندي إيه وزيك زي ابن الكلب اللي قاعد ده بالظبط!" كبتت "نيروز" ضحكتها بينما نهض "غسان" بهدوء تزامناً مع رده على والده: "طب وليه الغلط؟ أنا سايبلك المكان أهو وماشي!" ابتسم "حامد" كما ابتسم "شادي". بينما أمسك "غسان" يد "نيروز" ناحية شرفة الصالة. حتى دخلا الاثنان أخيراً. ووقف هو بهدوء. وهي تطالعه بصمت. حرك عينيه ناحية عباءتها السوداء من أعلى لأسفل. بينما رفعت هي وجهه بغيظ. تركزها على وجهها ثم نَبَسَت بثقة: "خليك معايا هنا. قول إنت عاوز تقول إيه!" ابتسم "غسان" بعبث. ثم حرك عينيه باستغراب من كونها تفهمه بعد الآن: "مش عاوز أقول حاجة. عاوزك بس تفكري كويس ومش معنى إن الموضوع اتقفل يبقى كده خلاص. عاوزك تقفي وتواجهي إحساس الخوف والتردد من جواكي. أنا مش عاوز غير كده بس. لأن عمري ما هغصبك على حاجة إنت مش عايزاها. لو نأجل كام سنة كمان معنديش أي مشاكل. المشكلة عندي سبب تأجيلك لو كان خوف منهم ومن اللي جاي. عشان وجودك معايا مش هيغير حاجة غير إني بحاول في كل مرة إنك متخافيش وتبقي في أمان. وأنا معنديش غير حبي ليكي وخوفي عليكي.." رفعت عينيها تقابل عينيه. ثم ثبتت نظراتها بها حتى استشفت مدى صدق كلماته. تنفست بعمق. ثم ابتسمت قائلة بهدوء تجيبه على حديثه: "أنا مقولتش غير إني مش جاهزة للي هيحصل من الخطوة. لكن الخطوة طالما معاك هبقى مبسوطة أوي. بس ميجيش فيها أذى ليك ولحد تاني بسبب علاقتنا دي ده كل اللي خوفت منه.." ابتسم لها باطمئنان. ثم هز رأسه بابتسامة يقول: "يستي ربنا ما يجيب أذى. أنا هكلم أمك في الموضوع ده. ومدام إنتِ جاهزة وأنا جاهز والشقة مفيش فيها إلا حاجات معينة تتعمل هجيبها أنا ناس تظبطها وأجيب اللي عليا ونستقر. طالما معندكيش رهبة من الخطوة دي زي ما قولتيلي وأنا أوعدك مش هاذيك ولا هاجي عليك ولا هتخافي وأنا معاكي. والفترة اللي أمك بتسد فيها فلوس جهاز ياسمين زي الوقتي كده هبدأ أنا أو بدأت كمان أجيب حاجات الشقة. عشان لما نقرر في أي لحظة نكون جاهزين. هكلمها أنا على رواقة ولما أقنعها نبقى نشوف معاد نحدد فيه الفرح هيبقي إمته لأن الشقة مش هتاخد كتير ده بسرعة يعني. اللي هياخد وقت في إنه يحدد ويقرر تاني هو إنتِ.." ابتسمت "نيروز" على حديثه. حتى جاء بعقلها صلاتها أمس من عجزها وقلة حيلتها. استخارة لأخذ الخطوة أم لا من تشتتها. بينما لم تشعر هي سوى بالراحة التي ازدادت على راحتها كونها جواره وجوار قلبه هو. لم يظهر عليه العجالة والتسرع في الأمر. بل ظهر مصداقية حديثه في استعداده للانتظار مادامت لم تؤجل هي بسبب عمها ومن منه! تنفست بعمق. ثم أمسكت كفه هذه المرة وهي تتشبت به كصغيرة بيد والدها تخبره بأن مصيرها بيديه هو عندما قالت بنبرة تخللها الأمان: "وأنا موافقة تكون أيامي معاك. ولو الأيام مفيش فيها غسان. متبقاش أيام بالنسبالي!" نظر لها بسعادة بالغة فاضت من عينيه. بل وتضاعفت فرحتها عندما رأت سعادته هو. سحب كفها ناحيته مما جعلها تدخل ببن أحضانه أثر دفعه لها. بينما ابتسمت هي براحة. ثم خرجت بهدوء وهي تنظر على ابتسامته حتى قال بمرح وهو يخرج هاتفه: "طب نوثق اللحظة بقا ونعمل فيديو زي بتاع إمبارح. خدي.." فتح "غسان" هاتفه ثم وضعه على وضع الكاميرا الأمامية وهو يوجهه لها. فأمسكته من بين ضحكاتها. ثم بدأت بقول كلماتها المرحة وهي تنظر للهاتف. بينما وضع هو يديه على كتفيها وهو يسمعها: "بصوا يا جماعة. لو حد قالكم إيه أحسن حاجة حصلت في الحياة فقولوا إن وجود إنسان فاهمك بكل تفاصيلك دي أحسن حاجة. والمهم إن الباش محاسب غسان البدري عاوز يتجوزني بس أنا بقا...." استرسلت في حديثها حتى كان مرحاً. ولكن حديثها بعفويتها كان حقيقياً نابعاً من ما تشعر به هي. لم يفعل هو سوى أنه يؤيدها في الحديث بهزة رأسه في الفيديو ومن ثم ضحكته التي خرجت بصوت. حتى قبلها من وجنتيها وهي تتحدث. فدفعته هي بعفوية كي تكمل حديثها العفوي من بين ضحكاتها وضحكاته. مراقبة الوضع رغماً عنه كان من "حامد" الواقف من على بعد بعد أن دخل "شادي" الغرفة. ودخلت "وسام" غرفتها. بينما وقف يتابع الوضع منذ أن سمع صوت الضحكات من الطرفان. حتى أنه يكاد يقسم بأنه لم ير على وجهه أي منهما من قبل سعادتهما هذه. بينما جاءت "دلال" تقف عندما وجدته مندمجاً ويظهر على ملامح وجهه الحب. ومن ثم تابعت معه الوضع حتى خرجت منهما الضحكات وبقوة عندما وجدوا ابنهما يقبلها من وجنتيها رغماً عنها وكأنها طفلة لا تريد القبلات. بينما ردت له القبلة هي الأخرى كي يتركها تفعل وتتحدث في الفيديو المبهج وبشدة ولمشهدهم الذي ما أن رآه أحد لم ينبس بشيء سوى أنه لطيف. وياليت هدوء ولطافة الأيام تدوم!! اعتدل في جلسته على المقعد المريح. وهو يطالع الذي يجلس أمامه بهدوء وصمت حدث بعد قوله لعدة نقاط يهاب منها وبشدة. لم يذهب هو لعيادة الطبيب النفسي منذ ماحدث له آخر مرة من وجع. يعلم بأن وجوده ليس إلا لزيادة الوجع عندما يحاصر نفسه بحقائق وأحداث حدثت ويحاول هو التخطي!! خرج هو من عمله منذ وقت حتى أنه ذهب مع الطبيب ومن ثم ذهب الاثنان لعيادة "عاصم". طالعه "عاصم" بهدوء. ثم هز رأسه يحثه على أن يكمل: "كمل. أنا سامعك!" نظر "بسام" له بصمت. ثم حرك رأسه بقلة حيلة. بما سيتحدث بعد أن ظهرت الحقائق منذ مدة بل ولم يتبقى سوى تخطيه الأمر وفقط. ابتسم "عاصم" بهدوء. ثم هتف يردد له بتوضيح. بعدما أخرج ما بداخله منذ قليل: "فكرة إن خلاص عرفت إنها إنسانة كانت على خطأ. لأ وثقتك موجودة لسه في أخوك. وفكرة إنها مشت لما أخوك هددها لتاني مرة كل ده عطاك فرصة تفكر في الأمور من منظور تاني!!" يعني وجعك كان من قلة علمك باللي عملته وكنت تايه ومقهور ومش حابب نفسك من فكرة إنها سابتك من غير ما تعرف إيه السبب. ده غير إن ثقتك في نفسك قلت. دلوقتي بقا بعد ما كل ده بقا واضح، تعبان زي الأول؟ حاسس إنك بتتقدم خطوه عشان تكون أحسن ولا لسه واقف مكانك؟ فهم "بسام" ما يشرحه ويسأله الآخر فتنهد يخرج أنفاسه ثم قال يفسر له: "حسيت إن الحمل خف. اتوجعت وبتوجع لسه. يمكن طريقة غسان مكنتش سهله عليا لما خبى عليا اللي عملته واللي بتعمله. بحاول الوقتي أرجع زي ما كنت عارف إنها هتيجي بس إحساس إني تايه ومش لاقي نفسي القديمه ده ملخبطني. عاوز أخد راحه وفاصل من الضغوط. أو راحه من دماغي اللي لما اقعد مع نفسي بتلومني على اللي عملته وعلى إني عرفت واحده زيها من الأساس!!" "يعني في تطور؟ الأول مكنتش بتبقي عايز ولا حاسس إنك ترجع للأحسن. رغم إن أي حد هيشوف يقول الأول أهون من الوقتي، بعد ما عرفت الحقيقه الموجعه، بس الطريقه مكنتش ماشيه مع شخصيتك من الأول. كل غرض غسان إنه يشيل عنك أي أذى بس معلمش حساب للوقت اللي هيشيله وهيوقف فيه. يمكن شخصياتكم اللي مش شبه بعض بالمره سببت سوء التفاهم لأن كل واحد فيكم بيشوف من وجهة نظر التاني، وكل واحد مفكر وجهة نظر التاني زيه. وأنا شايف إن اللي حصل ده مش مخليك مستعد لأي علاقه تانيه دلوقتي بس رغبتك فإنك تلهي نفسك مبتقفش!" حرك "بسام" نظراته بعدم فهم. فأومأ له "عاصم" بتوضيحه أكثر وهو يقول: "بتلهي نفسك وثقتك مش فمكانها فالناس دلوقتي، ومقصدتش بتلهي نفسك غير بـ "فرح". واللي قولته عنها. يعني إيه عاوز تبقي معاها وبتبقي مرتاح وفنفس الوقت بتهرب؟ يعني عاوز تقرب عشان حاسس إن وجعها باين ليك وإنك لقيت حد موجوع زيك من أمر مجهول وماضي. وفنفس الوقت بتبعد عشان مش واثق أصلا." هرب بأنظاره بمكان آخر عندما وجده يفهمه وبشده. ثم حاول التحدث دون تردد وهو يبرر: "بس أنا مقولتش إن وجود فرح فارق ومش فارق. أنا بتكلم عشان غالبا هي من أحداث يومي ولما بشوفها ساكته وباين عليها اللي برا عكس اللي جوه بتفكرني بنفسي!" تحركت نظرات "عاصم" نحو الآخر ثم هتف يظهر له الحقيقه عمدا كي لا يتركه مع ما يشعر به: "وأنا بردو مقولتش إنها حدث مهم في يومك. اللي إنت فيه وارد جدا يبقي مشاعر. بس ميمنعش إنها شفقه منك عليها. وانت دلوقتي اللي بإيدك تكون جاهز للخطوه دي ولا بتقول إنك حاسس إنك بتبدأ تكون أحسن. ولسه في كام خطوه. لو فعلا بتحس بالراحه فوجودها يبقي مش لازم تكون هي موجوده فأحداث يومك وانت بتحاول تتعافي من حاجه معينه. عشان ممكن وبكل بساطة تميل ليها. ولو ميلت ليها من غير ما تتقدم لقدام هتبقي بتظلمها وبتظلم نفسك. لازم تكون كويس عشان تبدأ صح. وأنا فاهم قبل ما تقولي إني مش حاسس بحاجه أنا بقول وارد تحس. ده غير إن وجودها فوقت زي اللي انت فيه ده مش سهل يتنسى بسرعه. وفرح شخصيه متردده ومتعرفش تاخد حق ولا باطل يعني عقلها وتفكيرها ميروحش أبدا للتفكير فاللي بتعمله واللي بتحاول تعمل وقت بيه عشان تكلمها. قدرتها على المعارضة والموافقة تكاد معدومه ولكن عند حد معين ممكن الحال يتقلب وتنهار زي ما بيحصل معاها. وهي مش شبهك في المعاناه هي عانت أه بس كل واحد بطريقه مختلفه!" هز رأسه بتفهم رغم استنكاره من شرحه الموقف من ناحية المشاعر وهو لا يشعر بمشاعر عده اتجاهها. فهم بأنه معرض للسقوط بحبها. وهل يعلم الغير بأن شخص ما سيقع فالحب بعد فتره؟ هذا ما هو مستنكر. ولكن كلمات الطبيب كان لها مغذى قوي. من أنه رأي به مشاعر طفيفه اتجاهها يل ويبعده لفتره يمكن أن تكون صغيره أو كبيره كي لا يتأذى مره ثانيه مهما كانت الأخرى ليست حد التشابه مع من قبلها! خرج صوت "بسام". وهو يهتف مره أخرى بهدوء: "بس أنا حاسس إني مش عامل اللي عليا مع عيلتي. حتى هما كمان ضميري واجعني من نحيتهم. وفكرة إن غسان ممكن يكون سامحني أو لسه زعلان ومش مبين دي تعباني. عشان أنا ظلمته وهو عمره ما ظلمني. والمره اللي فكرته ظلمني فيها كان حاميني من كتير أوي!" علم "عاصم" بأنه يشعر بالتأنيب ناحية شقيقه. ذنب؟ الشعور بالذنب بعد فعل شئ رغم عنه من الممكن أن يكون سئ ويراود الشخص أينما فكر وأينما علم بأن الطرف الآخر سامحه بالفعل ولكن فكرة رغبته في رؤية الدليل صعبه!! "أنا مقدرش أقولك إن أخوك سامحك أو مسامحش. عشان أنا عرفت منك إنه مهما حصل منك هيفضل يحميك ويخاف عليك. ودي نقطة صعبه في الشخصيه اللي بتعمل كده. لأنها بتبقي فارق أو مش فارق بتعمل اللي المفروض فاكره إنه حق عليها. وممكن جدا ميكونش حق. وبردو النقطه دي مؤذيه للطرف نفسه والطرف التاني. بس الأول عنده حاجتين على حسب اللي قدامه. بيخاف عليه وبيحبه وبيحميه عشان هو عاوز كده. أو نفس الحاجه بس مش عارف يبطل يحميه مع إنه ممكن يكون إتوجع منه. ظهور المشاعر والإحساس ببقي صعب فشخصيه بتخبي اللي بتحس بيه." صمت يأخذ أنفاسه كي يسترسل مجددا مع إنصات الآخر: "وأنا بقول كل ده عشان نفس الشخصيه لو لقت منك رد فعل بعد الوجع اللي عملتوهلها ومش عاجبه هيبقي رد فعلها قاسي. مش بقولك تجنبه ولا ابعد عنه بس الوقت اللي بتشك فيه إن لسه مسامحكش ومنساش اللي عملته فيه رغم وجعك. إبعد عن فعل أي حاجه توجعه للمره التانيه. لأن اللي هيخبي غضبه رغم الحب ورغم عدم قدرته بأنه يوقف حمايته ليك طبيعي يعرف يعمل فوق وجعك وجع أضعاف! لكن انت قولت إن عيلتك متفهمه مش كلها عرفت اللي حصل بس إحتوائهم ليك وخوفهم عليك ميخليش الواحد يأنب ضميره بس هيتوجب عليك إنك تراضيهم وبس وتريح قلبهم بخطوة إنك تبقي أحسن دايما يا بسام!" تفهم الحديث جيدا. حتى أن قدرته الأن على قول شئ أكثر باتت فاشله. كفى اليوم حديث. فقد أخرج الكثير كما تفهم الأكثر. استشعر "عاصم" إكتفائه كما أن الوقت قد انتهي. نهض ببطئ وهو يبتسم. مع اعتدال حركة "بسام". ثم وقف أمامه ووضع يديه على كتفه يحثه بقوه علي عدم الإستسلام وهو يقول: "قبل كده محستش إنك فايق. لكن كلامك الوقتي حسسني إنك شخصيه مختلفه وإن فكرة تحسنك للخطوه اللي قدام جت من وجعك الشديد. على عكس أشخاص بتقفل على نفسها. ٱمل أن انت تفكر كويس فاللي جاي واللي إتقال." "إن شاء الله." قال "بسام" حديثه بابتسامه صغيره. ثم إلتفت بعد وداعه يخرج من الغرفه وهو يمسك بهاتفه كي يري الساعه. لم يتبقى سوى وقت قليل كي يعود لمنزله ويرتدي ملابس أخرى بعد أن حدثه "حازم" بأنه سيقايل معه "عز" لـ خطبة "جميله" كما أن بقية الشباب أيضا سيكونوا هناك بالفعل!! في شقة "عايده" كان "حازم" يجلس بغرفته وبجانبه "ياسمين". تنظر له وهو ينهي المكالمه مع من سيسمي "العريس". انتظرت للحظات. حتى أغلق هو الهاتف. ثم ظهرت ابتسامه واسعه على وجهه وهو يديره لها. فاعتدلت هي في جلستها بينما تابع هو بفرحه ظهرت بنبرته: "أنا حاسس إني مبسوط أوي يا ياسمين. شايفه جميله حاسسها مبسوطه هي كمان!" هزت رأسها بحماس. ثم وضعت يديها تربت على ساقه بحب. مردده بسعاده إمتزجت بالفرح: "أنا مبسوطه عشانكم. وبالنسبه لجميله فـ البت دي شكلها بتحبه يا حازم!" ضحكت عقب حديثها. بينما إعتدل ينظر لها بتمعن وهو يفكر حتى هز رأسه يجيبها بهدوء: "مش عارف يا ياسمين بس أنا حاسه ليها وهو اللي هيعوضها. إنت مشوفتيش لمعة عينيه وهو كان بيفاتحني فالموضوع ولا حتى نبرة صوته إن كان وش لوش أو فالتليفون. لما قالي أنا حاسس بحاجه نحية أختك كنت متدايق من جوايا اوي. هو طبيعي حد يقول كده!" بس لما كمل كلامه عرفت إنه مش حاسس، ده واقع. أنا فرحان بس ميمنعش إني غيران في نفس الوقت عشان دي جميلة الصغيرة. حبيبة قلبي معاكي ومع عايدة، اللي كنت بشتالها على إيدي وأنا قاعد ببص ليها وأقولهم: "هي جميلة أوي". يقولولي: "آه". ميعرفوش إني بقولهم فعلاً، إن هي جميلة وملامحها جميلة وحتى كلها جميلة. ابتسمت له "ياسمين" بحب، ثم قالت تجيبه على حديثه المتأثر: "حقك يا حازومي تغير. أنا نفسي بغير على نيروز من غسان اللي ظهر فجأة وبقى جوزها ده. بس زيك بالظبط، لما بفتكر إنه بيحبها وبيخاف عليها ببقى مبسوطة ومطمئنة. وبعدين هي دي طبيعة الحياة بقى، كل واحد يلاقي عوضه يا عوضي!" ضحك بخفة على آخر حديثها، حتى أنه قبل يديها بحب، ثم تحرك ليعتدل أكثر تزامناً مع كلماته: "طب شوفي يا عوضي هلبس إيه عشان نلحق، على ما اطلع أشوفهم برا كده!" نهضت هي الأخرى وهي تبتسم، ثم وقفت أمامه قائلة بهدوء: "من قبل ما تقول خرجتلك لبس حلو زيك كده. بس استني ألبس حاجة عليا وأطلع معاك نشوفهم." ابتسم لها "حازم" بمرح، ثم أشار لها بوجهه قائلاً بمشاكسة: "الله ده انت بتتكسفي بقى. مفيش حد برا غير أمي وأختي!" قال حديثه وهو ينظر على ملابسها، فكانت ترتدي بنطال قصير مع ملابسها الفوقية التي كانت تكشف عن كتفها وعنقها وذراعيها. أومأت له بخجل، لا تريده بأن يظهر كما هو معتاد، بينما أمسك كفها يسحبها خلفه حتى فتح الغرفة ثم خرج منها وهي بجانبه. نظرت هي عليهما فوجدتهما يجلسان في صالة المنزل على المقعد الكبير وكل منهم تتحدث مع الأخرى. خرج صوت "ياسمين" المشاكس لهما وهي تقول: "محتاجة أعرف بتتوشوشوا في إيه. بتتفقوا على الواد من دلوقتي يا جبابرة!!" ضحك "حازم" وهو يجلس بجانب والدته، بينما جلست "ياسمين" بجانب "جميلة" مع صوت ضحكات "عايدة"، وإجابة "جميلة" وهي تقول بمرح: "والله ما حد جبروت غيرك!" "ما تتكلم يا حازم. شوف يعم عمة عيالك بتقول إيه. شوفي يا حماتي!" حرك "حازم" يديه ليضعها على كتف والدته، ثم هتف بنبرة ضاحكة ليخرج من الأمر هو ووالدته: "والله إحنا ملناش دعوة. اتصرفوا مع بعض. إنتوا قرايب قبل ما تبقوا نسايب وحرابيق. أنا قاعد جنب جدة العيال وشوفوا دنيتكم إنتوا بقى." خرجت ضحكاتهن على حديثه، في حين أيدته "عايدة"، فاقتربت "جميلة" تحتضن "ياسمين" تزامناً مع قولها اللين: "مستحيل يبقي في شغل حرابيق يا جماعة. أنا مبحبش حد قد ياسمين أختي ومرات أخويا كمان وأم حبايب عمتهم إن شاء الله." ابتسم "حازم" بسعادة، بينما هتفت "عايدة" بعاطفة أمومة كونها تعلم "ياسمين" جيداً من صغرها: "ربنا يسعدكم يا حبايبي ويفرح قلبكم. ويرزقك يا حازم بعيل كده بسرعة عشان عاوزة أبقى جدة!" ابتسم لها باتساع، ثم قال بثقة: "ومالو يا عايدة من بكرة يكون عندك حفيد، هو نقدر نرفضلك طلب!" ضحكوا بخفة، في حين رددت "ياسمين" بنبرة هادئة: "إن شاء الله لما ربنا يأذن. وبعدين معرفش مالكم مستعجلين ليه كده. اتقلوا تاخدوا حاجة نضيفة." "هتحملي في طفل من مدينتي يعني. انتِ بتقولي إيه!!" تعالت صوت الضحكات على حديث "جميلة"، بينما نظرت لها الأخرى باستنكار من بين ضحكاتها. ولم تمر سوى لحظات حتى قال "حازم" كي يحثهم على النهوض وبدأ التجهيز: "يلا بقا كل واحد يقوم يلبس. وبالذات انتم عشان حواراتكم كتير!" قالها وهو يشير على زوجته وشقيقته، بينما توجه بوجهه ناحية "عايدة" ثم قال بمشاكسة: "لكن أنا وانتِ يا عايدة ملناش في الحوارات!" ابتسمت هي، في حين نهضت "جميلة" لتتوجه ناحية غرفتها، بينما نهضت "ياسمين" وهي تقول: "طب أنا هلبس عليا حاجة عشان أروح عند ماما ألبس لأن لبسي هناك. هستناكم." أومأ لها الاثنان حتى تحركت من أمامهم ترتدي شيئاً حتى تخرج لشقة والدتها. بينما التفتت "عايدة" تنظر لـ "حازم" وهي تتحدث له بحديث نسائي لاق للوضع: "يعني مفيش حاجة في السكة كده؟" قهقه "حازم" عالياً، ثم حرك رأسه بقلة حيلة وهو يجيبها: "يا عايدة إنتِ محسساني إن أنا متجوز من 30 سنة!" بعد مرور وقت، وقف "عز" أمام المرآة يعدل من مظهره بعدما ارتدى قميصاً من اللون الأبيض وبنطالاً من اللون الأسود والحذاء كان من نفس لون بنطاله. ظهر بمظهر أنيق رغم إرهاقه. بينما وقفت "فرح" من خلفه بعدما عادت معه إلى المنزل لترتدي فستاناً هادئاً من اللون الوردي. رفعت يديها تمسح دموعها بتأثر، ثم مدت كفها تديره إليها بهدوء، ثم قالت بسعادة متأثرة: "انت حلو كده إزاي يا عز. أنا مبسوطة عشانك أوي أوي بجد." رفع "عز" ذراعيه ليحتضنها بتأثر، ثم أجابها بنبرة متأثرة هو الآخر: "وأنا مبسوط يا فرح. بس نفسي أفرح بيكي انتِ كمان بقى ولا إيه رأيك!" ضحكت بخفة حتى أنها علمت بأنه يهرب من كلماته المتأثرة كي لا يتأثر. ابتسمت له ثم هزت رأسها بالنفي وهي تقول: "كفاية أفرح أنا بيك وأشوفك مبسوط دي عندي بالدنيا. ولو عليا فـ لسه بدري يا عز عشان أنا قدامي دراسة وحاجات. آه هعيد السنة دي تاني غصب عني عشان الظروف دي بس بعد كده عاوزة أنجح وأبقى قدام ولما أحس إني مستعدة للخطوة مش هقولك لأ يعم. بس أنا عاوزة أنجح في دراستي واتظبط فيها الأول وبعد كده ربنا يسهل." ابتسم لها "عز" بحنو، ثم قال بتوضيح يفسر لها كما يريد بأن يتركها على راحتها: "مش معترض يا فرح بالعكس أنا معاك في أي حاجة تحتاجيها. بس فنفس الوقت عاوز أطمن عليكي زي ما ماما عاوزة تطمن بردو. طب ما أنا أهو وجميلة زيك بس هي بتختلف من شخص للتاني. عارف إنها حمل ومسئولية بس زي ما هراعي ربنا فيها هختار واحد يراعي ربنا فيكي. أنا رفضت ناس كتير أوي بتجيلي وكل اللي بشوفه كويس بقوله إنك لسه بتدرسي بس مش عاوز أفضل أرفض. عاوزك بردو تشوفي حياتك. بس انتِ تفوقي بس وربنا هيسهل إن شاء الله." ابتسمت على حديثه براحة، ثم وجدته يهز رأسه لها بأمان، فتوجه هو يقبل قمة رأسها بهدوء، حتى أنها ردت له نفس الفعله. وكل ما يجول بخاطرها بأن ترى شقيقها سعيد. حتى أنها قررت منذ اختفاء التهديد لها بأن تتعايش مع الوضع وكأن شئ لم يكن. وفكرة تخليها عن صديقتها باتت صعبة بل ستصبح زوجة أخيها. وعندما تصل لهذه النقطة تنهر نفسها بعدم التفكير ثم تتجاهل الوضع بسبب اختفاء تهديد الآخر وفقط. نظرت على أثره بهدوء عندما أشار لها بأن تأتي لتخرج من الغرفة. سارت خلفه بخطوات هادئة ثم وجدته يفتح باب الشقة ثم التفت ينتظرها كي تخرج. وما أن خرجت أغلق الباب وهو يهبط الدرجات البسيطة وهي خلفه. ثم وضع يديه هو عندما وقف أمام المنزل من الخارج يطمئن على هاتفه والأموال حيث سيمر هو ليجلب بعض الحلويات كنوع من اللباقة. وما أن رفع رأسه ينظر على الطريق، رآه يقف من أمامه تزامناً مع شهقة "فرح" المصدومة. طالعاه ذلك الواقف وهو يستند على سيارته ببرود، بينما لم يستوعب أي منهما من أين علم هو ولما جاء. وبهذا الوقت!! إلى أن استوعب "عز" الأمر هتف بنبرة حادة يسأله: "خير!" لم يكن الواقف بمثل هذا البرود ويطالعه سوى "شريف" الذي جاء وراقب الوضع بعد علمه بسماع زغرودة في غرفة والدته. وتصنت من تصنت حتى علمت إحدى الممرضات بما في الوضع من والدة الآخر. اعتدل "شريف" يستند بأريحيه ثم قال: "حسيت إنك عريس. مش تقول لأخوك بردو؟" صدم "عز" و"فرح" من كونه يعلم. بينما علم "عز" بأن القادم لم يكن خيراً مادام الآخر هنا! "قصرُه جاي ليه؟" قالها "عز" بنفاذ صبر، في حين نظرت "فرح" بترقب لما هو آتٍ، فأجاب "شريف" يعدل قوله: "جاي معاك، وبالمرة نعرف أخويا الصغير هيناسب مين!" تكتفت حركته حتى أنه ليس لديه وقت للعراك. ابتلعت "فرح" ريقها بخوف، بينما وزع "شريف" نظراته بينهما إلى أن هتف من جديد بتهديد خفي: "دا أنا جاي ومأجر عربية وعامل نظام، ولا تحب نبدأ ضرب في بعض وبلاها بقى تروح تقرأ فاتحة ولا تخطب ولا مش عارف هتعمل إيه، أنا جاهز في كل حاجة!" صمتت "فرح" تنظر على ملامح وجه "عز" حتى قال بجمود: "وأنا أضمنك منين تيجي متعملش حاجة، وليه تيجي أصلاً؟ إنت مش بتكرهنا ومبتحبناش!" ورغم كونها حقيقة ولكنه يريد بأن يكسر عينيه بالذهاب معه بالغصب، بينما لم يعلم هو بأي عائلة سيناسب بل والعروس ابنة رجل ظالم لديه معه ماضٍ سئ!! القادم ليس خير إذن! وجد الحيرة في كونه سيرفض كي يدخل بعراك، أت يقبل وينتهي الأمر رغم عدم ثقته به؟ هز "عز" رأسه بخفوت ثم أشار بعينيه لشقيقته كي تركب السيارة، بينما وقفت هي بخوف فتقدم "شريف" ناحيتها ثم أمسك كفها يضغط عليه بقوة عكست قوله الهادئ: "اركب!" تحركت معه على الفور كي تدخل، بينما هتف "عز" بتوعد قبل أن يركب: "وعزة جلالة الله لو حصل حاجة ما هسيبك إلا ما تكون ميت في إيدي!" "عيب يا... أخويا، دا أنا حتى جاي معاك وجايب الجاتوه يعني وفرتلك وقت ومجهود وفلوس!" ركب هو الآخر بعدما ركبت شقيقته، بل وتعمد عدم مراجعة نفسه بأنه اضطر للموافقة. تحركت السيارة على الفور وكل منهم يوجه النظرات للآخر، ما بين خوف وترقب منها، وما بين انتصار وتحدي لفوز تهديده، وما بين نظرة غضب دفين مع انتظار لما هو قادم! *** وقف ينظر على مظهره برواقه وبجانبه من الناحيتين "شادي" وشقيقه "بسام"، حتى أن "غسان" ارتدى كمثل ملابس شقيقه. وضع من عطره بينما انتشل من يديه بسرعة ليأخذه "بسام" وهو يقول: "يلا بسـرعة، بسـرعة" قالها لكي يخفي بأنه جاء من الأساس لوضع العطر من شقيقه. نظر "غسان" له باستنكار ثم انتشل الزجاجة من يديه وهو يدفعه بيديه بعيدًا كي يتطلع على مظهره دون أن يجيبه. كبت "بسام" ضحكته ثم التفت يفتح باب الغرفة ليخرج منه، بينما وقف "شادي" يتحسس خصلات شعره ثم قال بمرح: "هو مفيش أي أنثى في الحوار؟ حد معاه كده ولا كده!" "معرفش!" أردفها "غسان" وهو يضع مشط الرأس مكانه ثم التفت ينظر له باستنكار وهو يتحدث قائلاً: "وارحم نفسك بقى شوية!" "أه ما إنت خلاص لقيتها. اتجوزت، هستنى منك إيه يعني، الله يسهلك يا عم إنت وأبوك!!" قالها بمرح وهو يشير بيديه حتى أنه ذكر والد الآخر بسبب نصائحه له بترك أمور اهتمامه بالفتيات. وقبل أن يرد "غسان" وجد "حامد" يقف على أعتاب باب الغرفة ثم جاءهما نبرته وهو يقول: "ماله أبوه ياض!" ضحك "شادي". ثم تحرك نحوه بمرح وهو يقبل قمة رأسه مع قوله المرح له: "ماله أبوه! أحسن ناس والله، هو أنا قولت حاجة!" ابتسم له "حامد" بحنو، بينما خرج وهو من خلفه حتى تبعهم "غسان" للخارج. نظر على باب الشقة المفتوح والذي خرج منه والده ووالدته للتو مع صديقه. ونظر على غرفة شقيقته فوجدها مغلقة والإضاءة موجودة بالداخل مما يعني بأنها تذاكر دروسها. سار بخطوات ثابتة ثم أغلق إضاءة الصالة. بينما ظهر "بسام" ينتظره حتى خرج وأغلق "غسان" الباب من خلفهما. توجه الاثنان خطوتان إلى باب الشقة التي توجد بجانبهما ثم دخلا بها فوجد الجميع جالس بالصالة. أما هي فكانت تقف ممسكة بهاتفها بجانب الباب وما إن انتبهت لهما توسعت بسمتها. فابتسم "غسان" لها يغمز ثم مال ينحني يتحدث بجانب أذنها بعبث: "مساء البسبوسة? can I have one bosa" ضحكت بخفة ثم دفعته برفق كي يجعل شقيقه يدخل بعد أن رأت ملامح الحرج عليه. ابتسمت له بحب ثم رفعت عينيها وهي تهبطها لتنظر له من أعلى لأسفل حتى ثبتت نظراتها على وجهه وهي تقول: "إيه الأوتفيت الحلو ده!" نظر لها "غسان" بغرور ثم سار وهي بجانبه حتى جلسا على مقعدين بجانب بعضهما تزامناً مع قوله: "أحسن منك يعني؟" نظر هو على ملابسها من أعلى لأسفل، فوجدها ترتدي فستاناً عادياً من اللون الأزرق الفاتح حتى كان ضيقاً من الأعلى ومفروداً من أول منطقة الخصر. ابتسمت بثقة ثم نظرت على نفسها بتمعن عندما هتف هو بهدوء شديد يقول: "إنتِ اللي حلوة فـ محلياه أوي، وإبقي نزلي الطرحة شوية عشان حاسس إنك تخنتي وبقيتي بطل والفستان ضيق من فوق!" شهقت بقوة وهي تنظر على نفسها ثم تلمست بيديها ذراعها وكتفها. ثم هتفت هي تبرر بلهفة: "تخنت إزاي؟ وعرفت إزاي؟ هو إنت شفته قبل كده عليا؟" هز رأسه بالإيجاب وهو يبتسم متذكراً تلك المرة وهي كانت ترتديه. نظر لها بحب ونظرة عين لامعة تقسم لها بأنه لن يفوت أي تفصيلة: "كنتي لابساه أول مرة شوفتك فيها لما جيت هنا. لما جيتي مع مامتك وقدمتي العصير اللي سكره كان كتير. كنتي حاطة إيديكي فيه ولا إيه؟" شاكسها بحديثه، فضحكت هي تجيبه بنفس طريقته: "ذاكرتك قوية يا بن البدري. وبعدين كنت بتبص عليا ليه وأنا جايه عندكم؟ ده احترام يعني؟ لأ ومدقق أوي وعارف إن كنت خاسة ولا تخنت. عارف لو عينك اتحركت على حد كده ولا كده دلوقتي هخلعالك عشان إنت مش سهل بالمرة!" ضحك "غسان" عالياً، ثم حرك رأسه ببراءة مردداً بمرح: "لا ما خلاص بقى. من ساعة ما عيني وقعت عليكي وهي مش عاوزة تبص على حد تاني غيرك. بس نزلي الطرحة وخليكي تخنانة. أنا بحبك كده." ابتسمت بقلة حيلة ثم وجدته ينظر لها بصمت. وقبل أن تفعل ما تفعله، واجهته بسؤالها التي تخافه في المستقبل: "بصراحة غيرتك دي قلقتني إنت.." وقبل أن تكمل حديثها، استشعر هو ما تفكر به، حتى هتف يوضح بابتسامة وحديث عقلاني: "مش متحكم فيكي يا نيروز. إلبسي براحتك اللي يناسبك ويناسب جسمك وكمان يناسب دينك ومن الناحية دي إنت مش مأثرة. أنا معارضتش لبسك، أنا بس بديكي رأي اللي طالع من غيرتي عليكي لحد يشوفك مثلاً بشعرك. عارف إنك مطلعطيش البلكونة بيه قبل كده وأنا موجود. ممكن غصب عنك، بس بقولك عشان تاني مرة تاخدي بالك بس مش أكتر. دا غير إنك تاخدي بالك عشان حرام. والفستان اللي ضيق من عند الكتاف ومن قدام ده، أنا راجل وعارف الرجالة بتفكر وبتشوف وبتبص إزاي. وبعدين دا حلو أوي أوي عليكي فعلاً، بس إنه لفتني عشان ضيق شوية من فوق. مش عاوزة يلفت غيري، حتى لو غصب عنه. كده كده أخزقاله يعني مش حوار. بس أنا مضربتكش وقولتلك قومي غيريه. أنا بقولك براحة عادي وكمان بقولك حل زي الطرحة كده. دا غير إن لبسك كله محترم ومفيهوش حاجة، وأه أنا واخد بالي منه عشان قليل الأدب قبل ما تقولي. بس أنا مبقولكيش لازم تلبسي خمار أو نقاب وبفرض عليكي ده. واحد ومراته يستي وبنبه لحاجة بسيطة بمنتهى الهدوء. وبعدين أعمل إيه؟ راجل مصري شرقي غيور وعادي. كلامي ده يعني بيحصل في كل علاقة. إنت اللي بتخافي أوي وتربطي كل حاجة بخوفك من اللي جاي. لكن أنا مش متعصب ومش بتحكم. أنا غسان وبحبك يا رزقي." ابتسم باطمئنان، بينما تفهمت هي ما قاله ثم هزت رأسها بابتسامة صافية ولمعة عينيها تظهر له فقط. طمأنها حديثه الواقعي، حتى أنه يفهم ما تريد التحدث به قبل أن تخرج الكلمات. نهضت تزامناً مع نهوضه عندما وجد "حازم" يقول: "العريس بيركن العربية وطالع. إفتحوا أوضة الصالون." رجعت "نيروز" تقف بالخلف مع النساء والفتيات، بينما وقف "حامد" والشباب بجانب بعضهم بجانب باب الشقة ينتظران المصعد حتى يفتح ويخرج لهما من به. خرج "عز" من المصعد بجانب شقيقه "شريف" والذي علم أنها عمارة "حسن" ولكن إلى الآن لم يفهم شيئاً. كان "شريف" يحمل الأكياس بيديه حتى دخل بعد "عز" وبجانبه "فرح". رحب به الشباب وهو يرحب بكل واحد منهم، بينما أشار هو للنساء بحرج. حتى وجهه "شادي" ناحية الغرفة الخاصة بالضيوف. بينما أخذ "حازم" ما بيد "شريف" وهو يرحب به. حتى قال "شريف" بنبرة هادئة رغم فهمه الآن ما يدور بل وتوقف عقله عن التفكير. شقيقه سيتزوج من العائلة، بل ولم يفهم هو تحديداً من هي الآن التي يريد الوقوع بها كمثل شقيقتها؟ ووضع بموقف لا يحسد عليه بتاتاً. خرج صوته أخيراً، يخفي ارتباكه ووجعه المخفي: "أخو عز الكبير." "أهلاً وسهلاً." قالها "حامد" وهو يرحب به بعدما رحب به الأول. وما أن مد يديه لـ "غسان" الذي ما أن رآه وقف ينظر بتعجب من رؤيته. بل وبعد علمه الآن بأنه شقيقه، مد يديه يصافحه بفتور ثم قال باستنكار: "إنت..؟" "صغيرة الدنيا أوي يا.. غسان؟" سحب "غسان" يديه من كف الآخر وهو يطالعه بتمعن، بينما سار الآخر مع "حازم" والآخرين. ورغم استغراب "حازم" من وجوده إلا أنه توقع تصالحهم. توجهت "فرح" حيث النساء والفتيات لتقف معهن، بينما دخلت مع الفتيات ناحية غرفة "نيروز" والتي جلست بداخلها "جميلة" بتوتر. أما بالخارج فوقف "غسان" يفكر فالوضع، إلى أن تحركت قدميه نحو الداخل بهدوء، ليجلس معهم. أما غرفة "نيروز" فجلسن جميع الفتيات وحتى النساء بعدما توجهن لهن على الفور. رحبت "فرح" بالجميع بحبور، بينما جلس الجميع. فهتفت "ياسمين" بمرح وهي تراقب الأجواء: "مالكم يا جماعة كده؟ إيه يا جميلة ما تفكي؟ استنوا." قالت آخر حديثها بانتظار، ثم فتحت هاتفها على أغنية حماسية بهدوء، فخرج تصفيق البعض بهدوء وببهجة. فأمسكت "فرح" يد "جميلة" تتراقص معها بهدوء. فهتفت "نيروز" بصوت مرتفع لها كي تسمع: "متتوتريش يا جميلة، أومال لو اتكتب كتابك على طول زيي كنتي هتعملي إيه؟ فكي كده!" ابتسمت "جميلة" حتى أنها توقفت عن الميلان بكتفها ثم توجهت تحتضنها باحتواء. ابتسمن النساء بحب، حتى "عايدة" التي فاض الحب والتأثر من عينيها. لم تمر سوى نصف ساعة فقط من الرقص بين والدة العروس وغيرها وبعد صوتهما معاً بقراءة الفاتحة للرجال فالخارج والنساء فالداخل. بينما وجدوا هم صوت دقات على الباب دون النظر وهو يخفض رأسه كون وجود فتيات. فظهرت له "ياسمين" ثم سمعته يقول: "خلي جميلة تيجي يلا." قالها "حازم" فخرجت "جميلة" بعد أن أشارت لها "ياسمين". وقفت هي تنظر إلى شقيقها بارتباك، بينما ذهبت الأخرى المطبخ. فنظر "حازم" لها باطمئنان وهو يقول: "خليكي عادية يا جميلة، مالك خايفة ليه كده؟ ادخلي واتكلمي معاه وإحنا هنخرج برا فالصالة بعد ما تسلمي عليه وعلى أخوه. مامته مجتش عشان تعبانة شوية. وأنا اتفقت معاه على شوية حاجات بسيطة كده أنا وعم حامد والشباب وبكرة هيجيب الدهب ونمشيها خطوبة كده على ما ربنا يسهل وتكونوا فهمتوا بعض." ابتسمت له وهي تحاول أخذ أنفاسها ثم التفتت هي تنظر على "ياسمين" التي هتفت باسمها ثم قدمت لها صينية العصائر. انتشلتها من بين يديها ثم سارت خلف شقيقها باتجاه الغرفة. دخلت خلفه وهي تراه يقدم وجودها، بينما دخلت هي بخجل. ثم قدمت لكل منهم الكوب، إلى أن وصلت لـ "عز" الذي ظهرت سعادته إلى حد غير معقول. بينما أخذها وهو ينظر بعينيها. فهربت هي بأنظارها ثم قدمت لشقيقه. الذي في صدمته الداخلية إلى الآن، معتقداً بأنه في بيت أكثر رجل يكرهه بل ويناسب ابنته! ويشرب من منزله! كبت غضبه وغيظه ما هي إلا معجزة. تجرع كل منهم للعصير، بينما أشار لها شقيقها بالجلوس بجانب "عز" مع وجود مسافة. تساءل هو عن عدم وجود والدها، بينما تجاهل الآخر وكأنه لم يسمع ذلك. سمعوا هم صوت بالخارج، حيث كان باب الشقة مفتوح. دخل "سليم" رغم حديث "عايدة" بأن لا يدخل، ولكنه دخل بعد أن قال بعلو: "إبعدي!" هذه الكلمة الذي سمعها بالداخل توترت الأجواء بينهما وجلس كل منهم بمكانه كي لا يسوء الوضع. ولكنه ظهر وهو يدخل ثم وزع نظراته عليهم جميعاً، إلى أن وقعت عيناه عليه هو "شريف" ويا لصعوبة هذه اللحظة بالنسبة للاثنين! وقف "شريف" ومن ثم وقف البقية مع ترقب الأنظار بالخارج والداخل! ارتباك، توتر، تشتت هذا ما كان به "سليم" الذي كان يعتقد بأنه سيفعل العكس. لم يعلم هو بأن المناسبة ستقام بالفعل بل وبمنزل سميه. وعندما وجد الحركة والصوت خرج على الفور من شقة زوجته الثانية. لم تتحرك أنظار الجميع إلا عندما هتف "عز" بلباقة: "إزيك حضرتك يا أستاذ سليم؟ كنت لسه بسأل عليك!" ما الحل إذن في هذه المعضلة؟ لم تتحرك أنظاره ناحية "عز" بل ثبتها على ذلك الواقف يطالعه بكره ونظرة عين يحاول بها بأن لا يظهر وجعه. لو يعلم بأنه اختار الذهاب إلى طريق وجع فؤاده لما ذهب في هذا الوقت الذي اعتقد به بأنه منتصر على شقيقه وقد هزمه بكبريائه. موقف ساذج بعد كونه مؤلم وبشدة. حرب النظرات التي لم تكن سوى حرب من طرف واحد وهو "شريف" لم يفهمها أحد. في حين وقف "حازم" بترقب. ومن ثم "جميلة" التي ارتبكت وسار الخوف بجسدها ورجفة يديها بشدة! عادت إليها أنفاسها عندما وجدت والدها قد فكر فالوضع حتى أنه هتف بتوتر برع هو بأخفائه: "أهلاً بيكم، منورين!" خرجت الأنفاس بعد حبسها من الأتي. بينما مد "سليم" يديه بالترتيب وكان أولهم "شريف". انتظر "شريف" بضع لحظات وهو يحرك نظراته بينه وبين كفه. وحتى لا يجعل الوضع محرج توجه "عز" سريعاً يمد يديه هو ليصافحه منعاً للإحراج. حيث اعتقد بأن شقيقه سيقصد فعلها ليضعه في وضع محرج. وقف الشباب يخرج منهم واحد تلو الآخر بهدوء. حيث بقى "حازم" و"عز" و"شريف" و"سليم" و"جميلة". جلس "سليم" في مواجهة "شريف" حينما جلس البقية. بينما تفهم "سليم" ما جرى جيداً حتى أنه هتف بنبرة هادئة بها بعد الاستفزاز: "كده. تتفقوا على جواز بنتي وأنا مش موجود؟ هو أنا مش أبوها برضو؟" كاد أن يتحدث كلاً من "عز" و"حازم". بينما خرج صوت "شريف" أخيراً ليجيبه: "وأدينا اتفقنا ومش محتاجين حاجة غير إننا نسيب العرايس مع بعض شوية." صمت ثم واصل مجدداً ينظر إليهم: "ولا إيه!" لم يعطيهم فرصة بل نهض. وما أن نهض نهض معه "حازم" ومن ثم قام "سليم" هو الآخر. أشار "شريف" لـ "سليم" وهو يبتسم بسمة زائفة مع قوله: "عايزك برا شوية يا سليم.. بيه." ابتلع "سليم" ريقه في حين حاول "عز" تهدئة الوضع حينما قال: "أستاذ سليم محامي يا شريف!" قالها بسبب استماعه للقب الذي هاتفه به الآخر. بينما رسم "شريف" على ملامح وجهه الدهشة وكأنه لأول مرة يعلم! "بجد! يبقى نقوله يا متر.. شكله متر شاطر في شغله ومراعي ربنا.. ولا إيه يا متر!" ضحك "عز" بخفة كما ضحك "حازم" بينما تحرك "شريف". ومن خلفه "سليم". فأشار "حازم" لهم بأنه سيخرج. وبالفعل خرج "حازم" إلى الخارج. حتى وجد النساء في الغرفة و"بدر" يجلس بجانب عمه. وبجانبهم بقية الشباب. بينما سحب "سليم" "شريف" إلى الشرفة. توجه "حازم" ليجلس مع "حامد" ومن تبعه. بينما في الشرفة وقف الاثنان أمام بعضهما. والنظرات المحتده من طرف والأخرى في انتظار الحديث. وما أن وجد حرب نظراته ستستمر هتف ليسأله رغم ارتباكه من رجوع الماضي: "انت عاوز إيه!" أخذ "شريف" أنفاسه ثم ثبت نظراته الكارهة على وجه الآخر وهو يردد: "افتكرتني؟ فاكر الشاب الغلبان اللي بعته وكان لا عارف ياخد حق ولا باطل.. فاكر اللي انت والدنيا جم عليه؟ أنا لو أطول أقتلك هنا هقتلك فمكانك.. بس عايزك تصبر عليا لحد ما تشوف الدنيا اللي جت عليا هتعمل فيك إيه!" كلماته التهديدية تهز من ثباته أمامه. تنهد يخرج أنفاسه ثم نبس بنبرة هادئة مهتزة: "أنا مليش دعوه بحاجة.. ابعد وخد أخوك وامشي أنا مش موافق على الجوازة دي." "حظك إني جيت وأنا مش عارف هو هيناسب بنت مين.. بس لما عرفت خلاص طلعتلي فرصة سهلة من ألماس مش دهب! ولو محتاجني أمشي فـ همشي فعلاً.. بس لوحدي.. وأخويا هيكمل الجوازة.. أهو يسهل عليا كتير يا سليم." نبرته الحادة المتوعدة يجزم بأنها خرجت لتقوم بعكس ما يفعله وجعه من الداخل. انتبه على صوته الساخر مرة أخرى وهو يقول: "انت ميتقالكش سليم.. ولا حتى متر.. عارف انت يتقالك إيه؟" يسأله ولم يعطيه فرصة للرد بل مال يهمس بجانب أذنه بسبه بذيئة. تكاد تخرج انفعاله بعد ارتباكه. تحرك بوجهه سريعاً وهو ينظر له بغضب دفين. فهز "شريف" رأسه بالتأكيد وهو يقول بتأييد: "أيوه مستغرب ليه ده اللي نندهلك بيه... سلام يا ***" فتح "سليم" أعينه على وسعها حتى أنه تحرك رغماً عنه عندما وجده يدفعه كي يخرج من الشرفة. حتى خرج "شريف" بالفعل. ثم وقف الرجال في الصالة. فودعهم هم بالترتيب تزامناً مع قوله الهادئ الذي عكس ثورة ما بداخله: "معلش لازم أمشي عشان ورايا شغل.. وأهو عز موجود وفرح هتبقي ترجع معاه!" ابتسم له "حامد". ومن ثم الشباب. بينما وقف هو يودع بيديه آخر اثنان حيث وقف "غسان" بجانب "بسام". عندما دخل من باب الشقة وجدهما بعيدان عن بعضهما أما الآن فلا يعلم هو أي منهما قد قابله من قبل ووجد به الشراسة التي خالفت توقعاته. نظر له "غسان" بتسلية وانتظار. في حين وقف "بسام" يبتسم بلطف. فمد يديه يقتل تردده ولم يصافح بقوله غير يد "بسام" حتى قال له بنبرة خبيثة: "تاني مرة دي يا غسان.. أول مرة كنت هايل!" عقد "بسام" ما بين حاجبيه بينما لم يفهم حديثه سوى "شادي" و"بدر". ولكن هتف "بسام" سريعاً بابتسامة وهو يوجهه: "شرفتنا.. وعالعموم هو غسان وأنا بسام!" موضع محرج. ولكنه حاول إخفاء الأمر وتعامل معه وكأن شئ لم يحدث بل مد كفه يصافح "غسان" الذي طالعه باستهزاء وغير راحة. صافح الإثنان بعضهما حتى انتهوا ومن ثم نظروا على أثره وهو يخرج من باب الشقة ثم أغلقه خلفه و"حازم" يقف. جلس الجميع مرة أخرى وهذه المرة خرجت النساء من الغرفة. حتى وقفن بالصالة بانتظار. بينما وقفت "فرح" بجانب "ياسمين". ومن ثم توجهت "نيروز" لتجلس بجانب "غسان" وكذلك "ورده" بجانب زوجها. نظر الجميع عليه وهو يخرج من الشرفة وملامح وجهه المتهجمة تظهر. فوقف "سليم" يهتف لولده أمام الجميع وحتى "فرح": "عاندتني وعملت اللي عاوزه؟" لم يقف أي منهم له عالماً من كل منهم بأنه رجل لا يستحق له التقدير فصمت الجميع. ونبس "حازم" يجيبه وهو جالس: "آه.. وربنا يسهل." هز "سليم" رأسه باستهزاء. وقد علم الآن بأنه لم يوجد أحد من أبنائه مازال تحت طوعه هو. سمع هو صوت دقات الباب. فالتفت يفتحه حتى وجد "زينات" التي كانت مستغرقة فالنوم بسبب ألم جسدها ولكنها علمت ما فعله بسبب ما قاله "سليم" لها. دخلت تقف بجانبه وهي تنظر لهم بحدة. بينما طالعها كل من جلس ببرود. فهتف "سليم" بنبرة خائبة يجيبه: "انت مش فاهم أي حاجة!" "مش مهم.. الأهم إن كله هيشوف حياته ودنيته مش هتقف إن شاء الله على بيت المحامي سليم الأكرمي." قال "حازم" حديثه يجده شديدة لم يكن بها سخرية. نبرته صريحة بقوله. هز "سليم" رأسه وهو يحركها عليهم جميعاً. وما أن وجد "غسان" يسند ذراعه على كتف "نيروز" الملتصقة به نظر لهم باستنكار وهو يثبت نظراته عليهم هو الآخر حتى لاحظ الجميع محط أنظاره. لم يتركه "غسان" يتمادى في طرح النظرات بل هتف بتبجح غير عابئ بوجود من منه: "بص على قدك." كبتت "ياسمين" ضحكتها حتى نظرت لها "فرح" بتعجب. تعلم أن والد صديقتها ليس هين. ولكن وضع كَمثل هذا الوضع لا يفترض بأن تكون ضحكات! نظر له "سليم" بغيظ. ثم التفت ليخرج من باب المنزل بينما هتفت "زينات" بكره: "عيلة مشافتش ربايه.. ربنا ياخدكم كلكم." قالتها بحقد. حتى أن الأنظار توجهت لها بذهول من دعوتها فهتفت "ياسمين" نجيبها باستفزاز: "هي فعلاً.. عيلة مشافتش ربايه من زمان حتى إنتِ منها متنسيش ده.. ومش هقولك بقا إحنا طلعنا قليلين التربيه ليه.. أكيد عشان تلاقي حد يرد عليكِ زي الوقتي كده!" أشار لها "غسان" بيديه بالإعجاب حتى أكمل بقية الرد وهو يقول: "وبالنسبة بقا الله ياخدكم كلكم.. فأول حد يستاهل يطير من هنا هو إنتِ.. برا يا أم الناقص من غير مطرود.. إنتِ والمـتر!" سحبها "سليم" قبل أن تكمل ثم خرج وأغلق الباب خلفه. لم تكن سوى ضحكات من الجميع رغم غرابة الموقف على "فرح" وألم "حازم" من الداخل وحتى عدم إعجاب بما حدث من ناحية "حامد" ولكن لا يتطلب الأمر معهم سوى ذلك فقد استخدم معهما كل الطرق اللبقة في البداية ولكن بلا فائدة. نظر "غسان" عليها وهي تجلس بجانبه ساكنه لم تتحدث حتى أنه لم يستطع استشعار خوفها التي تظهره. أشار بيديه أمام وجهها الشارد وهو يقول: "سرحان فيا وفـ غرامك بيا ولا إيـه؟" خرجت "نيروز" من شرودها وهي تبتسم له باتساع. ثم هزت رأسها له بالإيجاب. فتحدث هو وهو يعتدل ثم قال بإقتراح: "طب إيه؟ حاسه نفسك أحسن؟" "الحمد لله كويسه." أمسك "غسان" كفها وهو ينهض تزامناً مع قوله لها: "طب يلا ننزل نتمشى!" نهضت "نيروز" معه دون نقاش. فقد عارضت أمس مرتان. ابتسمت له وهي تهز رأسها ثم مدت يديها تهبط من حجابها على كتفيها دون أن يتحدث هو. فابتسم لها باتساع. ثم التفت يتحدث كي يعلمهم بأنه سيهبط لأسفل قليلاً معها. أما في الداخل فكان الاثنان يطالعا بعضهما بمشاعر مختلطة. حتى أن "عز" المرتبك من نظراتها لا يعلم هو وصف شعوره الآن. ابتسم بهدوء. ثم هتف بما بقلبه وهو يقول: "ارفعي عينك يا جميلة. أنا مبسوط اوي ونفسي تكوني مبسوطه زيي." رفعت "جميله" أنظارها المبتسمة بخجل. تطالعه بهدوء ثم قالت هي الأخرى: "أنا كمان مبسوطه يا عز." توسعت بسمته. حتى أنه أشار لها بحماس. تزامناً مع قوله: "عارف إنك قرأتي الفاتحه جوه مع الستات. وإحنا قرأناها هنا. بس أنا عاوزنا نقرأها تاني مع بعض." نظرت له "جميله" بسعادة ثم رفعت يديها بحماس. لم يظهر له إلا قليل. حينما بدأت بالفعل في قراءة سورة الفاتحه كما فعل هو. وبعدما انتهى الاثنان. تحركت عينيه ناحية عينيها ثم نظر بها بقوه وهو يعترف بنبره صادقه: "أوعدك يا جميلة إني مش هزعلك فـ يوم وهحاول أعمل ده رغم إن الحياه مبتمشيش من غير مشاكل. بس هراعي ربنا فيك. وهعملك كل اللي إنت عايزاه. لحد ما أشوفك أسعد واحده. وهحاول أعمل على ده. وهفضل جنبك لحد ما تخلصي مشوارك وعمري ما هقف فطريقك ولا هشوف نفسي عليكي. أنا لما قولتلك إني حاسس بحاجه من نحيتك مفكرتش أقولها بالصراحه ألا لحد ما أخش البيت من الباب ويكون بينا حاجه رسمي. بس دلوقتي حتى لو مينفعش أوي أقولها بس هقولهالك ومش مستني منك الجواب غير لما تحسي بيها فعلاً." أنصتت "جميله" بتمعن حتى أنها نظرت له بتأثر. فواصل هو يكمل بنبره لينه صادقه وإعترافه لا يفارق عينيها: "أنا بحبـك يا جميلة." إرتجفت يديها بطريقه غير ملحوظه. ثم ابتسمت له بتأثر. وهي تجيب على حديثه الأول: "وأنا أوعدك إني هبقي متفهمه معاك. وربنا يبارك لنا في اللي جاي ويتم علينا بخير. ومش بطلب منك غير إنك تكون فاهمني وهادي معايا. وإنك متبخلش عليا إنك تظهر حنيتك عشان أنا عيشت محرومه منها. وعايزه أقولك عشان أقتل حيرتك إن زي ما أنت شفت بابا مش موافقني علي أي حاجه. فعشان كده لو حصل حاجه منه حاول تقدر وتفكر فيا مش فاللي هيقوله ليك أو اللي بيعمله!" ورغم جرأة ما قالته إلا أنها تريد الصراحه من البدايه. ورغم دهشته إلا أنه أعجب بصراحتها حتى هتف بنبره هادئه مبتسمه: "وأنا جنبك يا جميلة وهسمع كل اللي جوايا. واللي عايزه تقوليه حتى لو هيخرج واحده واحده. أنا صابر ومش همل. وربنا يقدرني وأعوضك عن كل اللي كنتي محتجاه وملقتهوش." إبتسمت له بهدوء. وهي تشعر بالراحه فقط من فكرة علاقتهما. تنهد يخرج أنفاسه وهو ينظر إليها بتمعن بينما يحاول هو جاهداً فتح أي حديث. جلست "عايده" ومجازياً مازلت تضع يديها على قلبها بالخوف. جلس "حازم" يهدهدها بحنو. بينما نهض "حامد" يشير لزوجته بأن يرحل كل منهم إلى شقته. حيث أخذ كل منهم قطعة من الجاتوه تعبيراً عن الفرحه. نهض "بسام" يأخذ "شادي". إلى الخارج والذي أخذ "يامن" معه ليشاكسه. بينما جلس "بدر" بجانب "حازم"، ومن الناحية الأخرى توجد بجانبه "ورده" و"ياسمين" تجلس بجانب "فرح" تتحدث معها. وجلست "سميه" بهدوء. بينما خرجت "دلال" مع زوجها لشقتها كما خرج الاثنان من قبلهما. نهضت "ورده" تدخل للعروسين صينيه من الطعام الحلو كنوع من الذوق العام. بينما أشارت "عايده" لـ "فرح" بابتسامه كي تأتي لتجلس بجانبها بلطف. فتحرك "حازم" يجلس بجانب "ياسمين"، ومن الناحيه الأخرى جلس "بدر" بهدوء يبتسم لـ "سميه" التي ظهر على ملامح وجهها الإنهاك. خرجت الكلمات من إحدى العربات على كورنيش البحر. بينما كان يجلس هو بجانبها على أحدى الإستراحات والتي كانت بالقرب من المبنى، ليست ببعد كبير. رفعت الحلوى إلى فمها بتلذذ ثم نظرت له قائله بإعجاب: " طعمها تحفه أوي يا غسان!" أردفت "نيروز" حديثها بتلقائيه، وهي تطالعه. في حين نظر لها "غسان" ضاحكا من هتفها بإسمه بتلك الطريقه الذي لأول مره يحبذ دلعه بذلك اللقب منذ أن هاتفته به هي. رفع ما بيديه يطعمها حيث كان كل منهم يتذوق ٱخر مختلف. هزت رأسها بإعجاب. ثم لاحظت هي صمته مع بسمته فقط. نظرت له باستغراب ثم قالت: " طالما مش بتنكش ولا قليل الأدب كده يبقي مش مطمنالك!!" كبت "غسان" ضحكته ثم هز رأسه بثقه يجيبها بهدوء ظهرت به نبرته الخبيثه: " والله قلة الأدب حاضره، بس عشان الناس بس، ودا عشانك لكن أنا ميهمنيش الناس، يهمني إنت وبس يا جميل!" هزت رأسها بتأييد عندما وجدت عبثه يعود ثم قالت بمرح: " ايوه كده إنت غسان البدري، كده عال أوي!" لم يستطع منع نفسه من خروج ضحكاته، أسلوبها وطريقتها بالحديث مثله تماما، بل أصبحت النسخه المصغره منه هو شخصيا. لحظات من الصمت وكل منهم ينظر للٱخر وسط إنشغال الأجواء وتذوق ما بيديهما. ولكنها إنتبهت وهي تحرك رأسها بإنتظار مستفهم حينما ناداها هو بقوله: " نيــروز!!" همهمت تجيبه هي براحه وهي تحرك أنظارها على ملامح وجهه المبتسم. بينما إبتسم هو بحنو يسألها بترقب: " كنت عاوز أطمن عليك وعلى موضوع الدكتور النفسي، لسه بتروحيله؟" توقفت عن مضع ما بفمها ثم رفعت أنظارها تطالعه بصمت مع ابتسامتها الهادئه. قد تفهمت ما يود قوله بل وما يشعر به هو تجاهها حتى جهله بذلك الموضوع يشتته بالخوف عليها. إبتلعت ريقها ثم أخرجت أنفاسها تجيبه بهدوء وهي تنظر على وجهه المترقب والمهتم بالإنتظار للإستماع: " معنديش معاد محدد بروح ليـه، يعني مليش جلسات معينه ولما حسيت إني أحسن شويه بطلت اروحله من فتره. بس لما رجعت تاني رجعت لما حسيت إن الدنيا مضيقه عليا ومحدش كان فاهمني ساعتها. مخصصنيش ولا حسسني بإني مريضه نفسيه يمكن كنت الأول بس دلوقتي لأ. من ساعة ما ظهرت فحياتي وأنا مفكرتش أروحله. بس لما بحس إني متلخبطه بروح أخرج كل اللي جوايا. يمكن عشان حسيت إنه المكان اللي حد فاهمني فيه. بس لما لقيتك ولقيت حضنك وكلامك محتاجتش أرجعله تاني عشان تايهه، بالعكس أنا فهمت أنا إيه وفين فـ وجودك!" نظر لها "غسان" بهدوء، حتى أنه تأثر من حديثها وبقوه. رفع كفه يمسك كفها ثم ردد بنبره عميقه خرجت من قلبه النابع بحبها: " وأنا فـ وجودك لقيت غسان تاني حلو كان مستخبي جوايا. وأنا مش بسألك عشان مفكرك تعبانه. بالعكس أنا جنبك وبشجعك لو محتاجه تنتظمي معاه أكتر. وأنا بقولك حتى لو مش عاوزه تفتكري ده بس بقولك إن عمري ما شوفتك مجنونه ولا هشوفك كده أبدا. طب وربنا أنا اللي مجنون بيك!!" إبتسمت باتساع على ٱخر حديثه حتى أنها تشبثت بيديه. بينما إنتبهها هما. للصبي الذي وقف بعلبه كبيره من الخواتم والسوار. إبتسمت هي له بحنو كونه صغير. بينما أشار لها "غسان" بأن تختار. مدت يديها بحماس تبحث عن سوار عليها حروف إسمه. حتى إستغرقت وقت. بينما هتف "غسان" يسألها بإهتمام: " بتدوري علي إيه؟" "إسمك وإسمي!" قالتها وهي منشغله في البحث بينما هتف الصبي يقول بهدوء إمتزج بابتسامته الصغيره: " طب قولو أسمائكم إيـه!" إبتسم "غسان" له ثم قال له بنبره هادئه يمزح معه: " غسان يا صاحبي، يارب تلاقيه" ضحك الصبي من طريقته العفويه. ثم هز رأسه بأسف وهو يقول: " الإسم ده قليل أوي والله مش معايا بس قول إسمها يمكن يكون معايا" هز "غسان" رأسه بخيبه أمل ثم نظر لها قائلا بمرح: " حامد ملقاش ألا إسم أبوه يسميني بيه، مش مسامحهم والله!!" ضحكت هي بخفه ثم نظرت للصبى تزامنا مع قولها: " طب في نيروز!" هز الصبي رأسه ثم مد يديه يلتقت السوار السوداء الذي كان بها حروف إسمها متفرقه عن بعضها باللغه الانجليزيه. أخذتها هي بحماس. ثم رفعت يد "غسان" لتجعله يرتديها. فابتسم هو عليها ثم قال بتشجيع: " طب هختارلك أنا خاتم بقا، مش هسيب إيدك التانيه فاضيه" قالها بمرح ليشاكسها ثم تطلع على معصممه بإعجاب. حتى رفعه أمام فمه يقبله بمشاكسه. وكزته هي بخجل حيث كان يقف الصبي. فابتسم يمد يديه يخرج لها خاتم على شكل فراشة صغيره ثم أمسك يديها يضعه بإصبعها بهدوء وهو يبتسم. إبتسمت له هي باتساع. بينما نظرت على شكله مطولا تزامنا معه وهو يخرج الأموال ليعطيها للصبى حتى رحل من أمامهما. أشياء بسيطه كافيه لتوسع إبتسامتها. بالأساس ليس خاتم من يجعلها سعيده. بل وجوده بجانبها جوارها يجعلها أشد سعاده! أخرج هاتفه كالعاده ثم أشار لها بأن توثق اللحظه. أخذته منه ثم وضعت كفها بكفه ومن ثم تشبكت أصابعهما ببعضهما حتى إلتقطتت الصوره بسعاده. غمز لها بإعجاب. ثم أخرجت هي هاتفها تصور نفسها من الكاميرا الأمامية وهو بجانبها. صور للتذكار. وما أجمل بأن تكون الذكرى هو بالنسبه لها. وهى بالنسبه له هو. الحقيقه موجعه للغايه. فكرة تفاجئه وكبت كل ما يشعر به ما أن رأى رجل ظالم لا يريده بأن يحظى بـحياه عاديه. بل الموت له ولأولاده هو كل ما يريده. هذا الذي عاش المر أضعاف مضعفه لكل من عاش المر فقط. نزلت دموعه وهو يقف أسفل البنايـه بعد أن عاد بالسياره لمكان ما كان يستأجرها. وقبل أن يصعد الطابق على السـلم وقف يهدأ من كل ما يشعر به. كل ذلك الوقت غير كافيا بأن يهدأ. إرتباط شقيقه بمن يريد الإيقاع بها هي الأخرى بعد أن أوقع شقيقتها. بداخله بركان إن خرج سيدمر من أمامه. بل وسيحرقه حيا. مسح بيديه وجهه ما تبقى من دموعه القاسيه. صعد السـلم بهدوء مـميت ود لو يصعد ويكسر هو كل درجه إن كان هذا كفيلا. ليختفي وجعه من الداخل، مد يديه يخرج المفتاح بخواء. حتى أن فكرة تفاجئه بالشيء باتت معدومة بعد الآن. لم ولن يتراجع عن فكرة انتقامه. أغلق الباب من خلفه بقوة خرجت دون وعي منه. ثم نظر على الشقة التي بدت ساكنة وبشدة. توجه ليسير ناحية غرفته، بينما خرجت هي من غرفتها تقف بلهفة. ثم نظرت له قائلة: "إنت جيت يا شريف؟ إتأخرت ليه؟" وجدته يقف ينظر لها بصمت. حتى أنها لم تعطِ له فرصة للرد، بل سألته مرة أخرى باستفسار: "ممكن تقولي بقالي كام يوم مش عارفة أشوفك ليه؟" طرحها للأسئلة خلف بعضها نفذ من صبره عليها الذي يتحمله هو. تعمد تجاهلها وهو يتوجه ليدخل الغرفة، بينما لم تتركه "فريدة" بل دخلت خلفه وهي تهتف مجددًا: "مش بترد عليا ليه؟ ممكن أفهم مالك؟ بقالك كام يوم مش مظبوط وياتيجي بعد ما أنام، يا تمشي قبل ما أصحى من ساعة آخر مرة لما كنت..." بتر هو كلماتها وهو يلتفت ينظر لها بحزم، ثم رد بحِدة شديدة ظهرت في نبرته: "إسكتي!" حركت "فريدة" رأسها باستنكار، ثم وقفت تطالعه باستغراب وهي تهز رأسها بالنفي مما تراه غريبًا به: "مش هسكت يا شريف. إنت بتهرب مني ليه؟ وبتتعمد متقعدش معايا ولما أكلمك بترد على قد الكلمة. أنا مستاهلش منك ده. أنا بعت أهلي عشانك، عشان أقعد معاك وإخترتك إنت. ليه بتعمل كده؟" توجه نحوها يقف أمامها بخطوات ثابتة، ثم حرك رأسه قبل أن يخرج انفعاله بنبرته: "قولتلك إسكــتي!" قالها وعقله مغيب عن ما قالته. كلما ينظر لها يتذكر والدها وما فعله به. خرج صوتها المرتفع وهي تتحرك من أمامه بانفعال: "لا مش هسكت. أنا مش كل شوية هقعد أقولك إني بحبك وإني بعت الدنيا عشانك. شوية بتتهرب مني ومن الكلام معايا. وشوية تيجي تقولي كلام غريب ميتوافقش مع اللي إنت فيه. قولتلك إحكيلي مالك حتى لما قولتلك اتكلم عن عيلتك اتكلمت باختصار واللي المفروض أكون فاهمه وعارفه عنها كل حاجة باعتباري إني المفروض مراتك. هسمعك والله أسمعك عادي بس متسيبنيش حيرانة فيك وفي اللي بيجرالك وأنا واقفة مش عارفة أعمل..." توجه "شريف" بخطوات منفعلة يمسك معصمها بقوة وهو يقطع حديثها قائلاً بصراخه المرتفع: "قولـــتـــلك بــس. إخــــرســي!" نظرت على انفعاله، بل وهو الآن بكامل قواه العقلية ليس كالمرة السابقة. أمسك معصمها بقوة وهو يسحبها خلفه، ثم دفعها على الفراش تجلس من أمامه حتى هتف بنبرة صارخة وكأن فاض به الكيل بعد الآن: "عــــــاوزه تـــعـــرفي إيـــــه عنــــي؟ أبــــويا اللــي بـــاعني ولا أختـــي اللــي إغتصــــبوهــــا!" آن أوان ظهور الحقيقة، حتى تخرج منه بذلك الوجع! نبرته الصارخة تقسم بأن الوجع لم يعرف طريقًا إلا له هو وحده! وقف ينظر لها بشرر، وقد وضع ستارًا على عقله وما يردفه، وحتى أنفاسه التي تعلو وتهبط. رؤيته لوالدها اليوم لن تمر مرورًا طبيعيًا إذن! طالعته بذهول، ثم تحركت أنظارها بألم وتشتت من عدم استيعابها لما قاله. لحظات من الصمت قطعته هي وهي تنظر لعينيه التي بدت لها حادة وبقوة، ثم قالت بتعلثم وهي تمسك معصمها بوجع: "إغـتصبـ ـوها!" هز رأسه يؤكد بهيستيريا، حتى أن قوقعة ألمه قد امتلأت بشدة وقد قرر هو بأن يخرج ما بها وما به هو. صرخ يؤكد لها بقوله الموجع مرة أخرى: "إغتـــصـــبــوها. بـس ليـــه؟ ها؟ قوليـــلـــي إنــت ليــــه!" قالها "شريف" بصراخ وهو يهزها بيديه بقوة، بينما تطالعه هي بدهشة وعدم علم حقي اللي أبوكي ضيعه، ضيعه بنفس باردة لما وكلته يمسك قضية أختي اللي كانت مضمونة قصادهم. أبوكي اللي اشتروه يخفي كل حاجة، أبوكي اللي نيمّني وأنا مش فاهم حاجة. أبوكي اللي زور كذبهم وقذارتهم وخلاه سليم، اللي هما اشتروه عشان يقول ويظهر بأن أختي هي اللي عملت كده بمزاجها. خرجهم من السجن وهما ميستاهلوش غير الموت جواه، خرجهم واتحكم على أختي إنها تدخل السجن بعد ما ظهرت إن هي اللي عملت كده بمزاجها. أقولك أختي شافت إيه جوه بسبب أبوكي؟ أقولك أنا كنت بموت كام مرة في اليوم أنا وأمي! آخر حديثه كانت دموعهم الإثنين تنهمر ولا يعرف لها طريق معين، حتى أن صراخها بالخوف أن يتركها كانت لا تعني له بشيء وهو يكتف قدميها بساقه وزراعيها بيديه. هتف يكمل من بين دموعه مرة أخرى: مش هتعرفي عشان إنت مجربتيش. ليه أبوكي يعمل فينا كده؟ وهو اللي كان مشهور ساعتها والكل بيحلف بيه وبشطارته! أتاري الظاهر غير الباطن، بس كان شاطر أوي لما نيمّني وغفلني ولعبها معاهم صح. ورماها في السجن بتموت هناك بالبطيء، وأنا برا مش عارف أعمل إيه ولا إيه. فكرة أخد الحق راحت وإتبخرت بسببه هو وبسبب اللي عمله. معتش نافع معاها لا محاميين ولا غيره. كل جلسة كان بيخيب أملي عن اللي قبلها واللـي بعدها. كل جلسة أمي كانت تتعب من غير سبب وتعبها ملوش تحديد. رماها جوه في السجن بدم بارد. كل اللي يسوى وميسواش كان بيتكلم عليها. محدش سابها في حالها لا وهي حية ولا هي ميتة! إردفه لحديثه أغلقت عليه الأبواب منذ سنوات يقهره، وهو يفتح أبواب الوجع التي لم ولن تغلق لديه. نظر لها بصمت بارد مميت وهي تحاول التملص من بين يديه، حتى أن ما ترتديه كشف عن جسدها بسبب حركتها. نظر لها بخواء وقد دقت طبول التنفيذ بداخله وقبل أن يفعل ما يود فعله منذ أن وقع بها نبس هو يكمل ما بدأه: عارفة؟ خرجت تاني، قعدت فترة وخرجت. خرجت فاقدة كل حاجة كانت جواها قبل ما تدخل. كل حاجة فيها قتلوها هما وجه أبوكي وكمل عليها. بعد ما شافت عذاب جوه وضرب وإهانة وذل، خرجت. بس شافت برا اللي صعب أي حد يشوفه. نظرات الناس ليها كانت وكأنها ماشية عريانة. بلد وكل اللي فيها قاعد يجيب سيرتها. وأنا مكنتش ملاحق عليها ولا على مرض أمي اللي متوصفش هو إيه غير إن حزنها وقهرها بيرجعها لورا وبس. الناس كانت بتشتمها فالرايحة والجاية بأفظع الشتايم اللي ممكن تتشتم. على قد ما استحملت جوه مع ناس ظالمة وناس مظلومة، بس مستحملتش برا كل الإهانة والذل اللي كان بيوصلها من النظرات بس قبل الكلام. إمساكه لها لم يمنع شروده حينما أكمل بتذكره لما حدث وكأنه يحفظه عن ظهر قلب، بل ولم ينسى، محفور بذاكرته بأداة حادة وبشدة! في يوم جت وخدت حباية غلة موتت نفسها من كلام الناس عليها ومن كل اللي حصل ليها من ساعة ما اتولدت لحد يوم ما انتحرت! كنت أنا ميت من قبلها وأنا مش ملاحق أجيبلها حقها من مين ولا مين. ولما ماتت مت أنا معاها وقلبي مات وكل ذرة طيبة فيا محيتها. الدنيا مسكتش معايا لحد هنا، دا أمي كمان ماتت بعدها لما عرفت إنها انتحرت. قعدت تعبانة وعقلها مش عايز يصدق الحقيقة اللي بتكوي قلوبنا معاها. بس لما استوعبت جالها الجلطة وراحت فيها. دفنت أختي لوحدي، ودفنت أمي لوحدي وبطولي. وكأن الدنيا بتقولي انت مش هتعيش غير غريب ووحيد. تعبت لحد ما خلاص قربت أتجنن. كل اللي حصل حصل بعد ما جدي مات وسابني مسؤول وكل اللي منا سابونا. سافرت بفلوس أبويا اللي إتحرم منها عشان اختار ست شبهه في قلة الأصل. قعدت برا كام سنة بعيد عن القرف اللي شوفته في حياتي. اللي كان بيقف ما بين أرجع ولا مرجعش إني أزور قبرهم عشان في كل لحظة بيوحشوني. عاندت لحد ما جه الوقت إني أنزل. ونزلت وروحت أول حاجة أعملها إني خسرت اللي عملوا كده لأختي وأهاليهم اللي وراهم واللي قدامهم. حرقت ليهم أرضهم، وكل واحد عملت فيه حاجة شكل يعيش ويفتكرني بيها. وبالطريقة اللي متلبسنيش فيها حاجة. لحد ما جيت عند أبوكي. سكنت "فريدة" أسفل يديه تهبط منها دموعها وهي تستمع فقط، والإثنان ينظران إلي بعضهما بوجع. وأما عنه ففاق وجعه وألمه الكثير! لحد أبوكي، اللي وقفت عنده أفكر. لو مكنش باع ضميره وباع نفسه للطرف التاني ودخل أختي السجن، كان كل ده هيحصل! أقتله ويروح فيها من غير ما يحس باللي بحس بيه! قولت لأ. أدوقه من نفس الكاس، واجيب بناته تحت رجلي وأولهم إنت اللي معرفتك بيا كانت أسهل من السهولة عشان إنت رخيصة بنت راجل رخيص. مقابلة والتانية والرابعة لحد ما بقيتي في جيبي. وحتى أخوكي اللي كان مسهل عليا الدنيا أوي خليته ضايع أكتر ما هو وبعدد الحقن ده يروح فيها في أقل من ثانية. وأختك عرفت إن صعب أخش عليها نفس دخلتك بس ضربت بيها عصفورين بحجر. منها أوجع أختي اللي من أبويا ومنها تجيلي لحد عندي براحتها خالص. ومكنتش عارف إن لما أوجع أختي هوجع أخويا اللي راح ناسب أبوكي الـ ***. تأويها من مسكة يديه كان مؤلم، حتى أنه لم يتحرك إنش واحد فقط. محاولتها بالتملص باتت فاشلة لذلك سكنت تدريجياً. ولكنها صرخت بعزم ما لديها عندما هتف هو من جديد بنبرة صريحة وعينيه الحادة التي ظهرت لها وكأنه شيطان بمخالب ومخالبه على معصمها موضوعة وتؤلمها بشدة: استعجلتي باللي هيحصلك. بس آن الأوان يحصل. عشان تحسي إنت وأبوكي باللي أختي وأنا حسينا بيه. ملكيش ذنب. بس ذنبك هيبقي فرقبــته هو لأن هو كان وهيكون الســبب فـ.. ده!! وما أن قالها "شريف" تفهمت هي ما ينوي فعله. بكائها وصراخها العالي قبل أن يهجم عليها بالإعتداء لم يشعره بالذنب ولم يجعله يتراجع عن ما نوي فعله: لأ أنا مليش دعوه.. والله مليـش دعوه. ســيبني. ســـيبني! ترجته، وصراخها يعبر عن ألمها من كل ما حدث. أيقنت أن كل علاقة بدأت بما لا يرضي الله لا ترضي بالنهاية. بكائها بعجز وصراخها وهي تحاول التحرك كان ليس هيناً. حتى أنها أيقنت بأنها وقعت لا محال، وأن لا مفر من ما ينويه هو. لم تمل رغم تيقنها بما سيحدث أو بما يحدث بالفعل. بل صرخت. وصراخها بقوة عبر عن كل ما تشعر به. أما هو فالوحشية والهجوم والشراسة كان لا يرى سواهم في تلك اللحظة. ما بين صراخها وما بين ما يتذكره لشقيقته وما حدث له. لا تعلم هي كم مر من الوقت عليها كي تصبح جالسة بمثل هذا الخواء. وبل وصراخها هدأ إلى أخرى باكية بصمت يهشم القلب إلى أشلاء. ولا يعلم هو كيف ومتي نهض بهذه السرعة. نظرت له بوجع وألم نفسي وجسدي حتى أنها تعي تدريجياً ما حدث. المؤكد بأن شرفها قد هدرت هي به وأضاعته ضياع لا رجوع له! ضحية. عاشت هي ضحية وأكملت حياتها واختياراتها بما قاله لها قلبها وتجاهلت حديث عقلها. لا يستحق أحد بأن يكون بمثل ذلك الموقف مهما فعل!! رفعت الغطاء تستر به نفسها عندما وجدته يقف بعد أن وقف يعتدل. وعى هو الآخر ما فعل. إبتلع ريقه ثم رفع يديه يضرب مؤخرة خشب الفراش مع قوله الصارخ لها: حسيـــتي باللي أختــي حست بيـــه!! عرفتي يعني إيــه معني الوجــع! صمت ينظر على دموعها المنهمرة بإنكسار. يقسم هو بالوجع أضعاف بأن لو كانت شقيقته بمثل موضعها الأن وما يظهر عليها من إنكسار وصل له هو وهو الذي لا يشعر بشيء لها. كل ما كان هو صراخ. صراخه وهو يهشم كل شيء من أمامه ناظراً حوله بضياع. وهو يردد بتساؤل مريب هستيري: لــيــه؟ ليـــه يحــصل كل ده من الأول! صراخه وبكائها هما اللذان وضعا بموضع كهذا ليشرحا الموقف. وقف وصدره يعلو ويهبط بشدة. حتى تحرك يغلق من قميصه الذي فتح بإهمال. ثم اعتدل بوقفته وملابسه الذي انتشل من حبيبها المفتاح ليخرج. توجه ناحية الباب يفتحه ثم خرج منه وهو يتركها بقلب قاسٍ لا يعرف له اللين طريق. وسرعان ما أغلق الباب من الخارج بالمفتاح كما كان يغلقه من الداخل. فـ باتت هي بالداخل سجينة الحزن والإنكسار. مما ظهر بأنها هي الأخرى قد كتب عليها الوجع من الأن ومن قبل ذلك. هي التي لم تجد أحد بجانبها. تألمت بشدة من الداخل والخارج. نفسياً وجسدياً. لا يمكنها اللوم إلا على نفسها ومن بعدها والدها التي صارت هي تمقته وبشدة. نظراتها المحتده من بين بكائها المنكسر لا تستطيع هي وصفها أو صف ما تشعر به. كل ما تشعر به هو الندم والألم. وما أدراك من الإثنان عندما يجتمعان وبقوة وإلحاح. تحاملت على نفسها وهي تزيح الغطاء عنها ثم تحرك بتأوي وهي تهبط من على الفراش بخواء. ثم حاولت الاعتدال والسير ببطء بعدما عدلت ملابسها ثم سارت وهي تحاول أخذ حذرها من تهشم ما كان على الأرض. تحاملت بقوة حتى وصلت لمرحاض الغرفة الصغير تدخله وهي تغلق الباب من خلفها ثم جلست على الأرض خلف الباب وهي تضع يديها على فمها تكتم دموعها وشهقاتها. تقسم هي بأن الوجع أقل ما يمكن قوله في هذه اللحظة. إنتفضت وبقوة عندما سمعت صوت أشخاص قلة ومن ثم سمعت صوت غلق باب الشقة حتى اختفت جميع الأصوات وصوته هو أيضاً. لا تعلم هي بأنهم قد أتوا من صوت الصراخ. وبعدما اعتدل هو يخرج من الشقة يواجههم ويخرج بعيداً عن المنزل والشقة الأن. أما هي فدموعها لا تعرف الصبر. فتحت صنبور المياه تضع منه على وجهها رغم ارتجافة يديها وبقوة! هي التي فعلت خطأ كان بإمكانه بأن يتبخر ولا يصبح خطأ. إصرارها على وضع نفسها بمكانه في الأسفل لم تفشل. ظُلمت وأكثر من ظُلم كان هي! لم ترَ عدلًا من عائلتها، خاصةً والدها ووالدتها. ولم ترَ نفس العدل من الحياة ومن عقلها وقلبها الذي أرجعها هو خطوات كثيرة إلى الخلف. هل ستسأل نفسها كما سأل هو بألم؟ وضعها لم يظهر سوى من المفترض بقولها أن يكون: "لما الحياة وأنا بلا حياة الآن ومن قبل ذلك؟" هذا هو القول الذي يتماشى مع وضعها المشفق الآن. ضحت لأجله، في حين أنه في التخلي لا يفوز أحد عليه. اختاره قلبها المغفل، في حين كان قلبه صلبًا قطع به أي شعور. فعلت الخطأ الصغير في البداية، بينما كان ينتظر هو فعل كل الأخطاء. ولم تكن سوى أخطاء خطرة أتت وستأتي وتأتي بالفعل. يعود السؤال لمن ينظر على حالها وهي تغتسل بضعف وانكسار وكل الإنهاك والألم والضعف بها هي وحدها. يعود السؤال بنبرة مختنقة مما رأته ماضيًا وحاضرًا: "لما الحياة وهي بلا حياة؟"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...