لم تهبط هي لأسفل منذ وقتها، بل بقيت هي وعائلتها الصغيرة هم من صعدوا لها. هو فقط من هبط بإعتبار العمل ورؤيته لعائلته والجلوس معهم. والوقت الأكثر والأكبر كان معها هي.
منذ يومين تحاول تنظيف الشقة من الأتربة الكثيرة وغسل الملابس وجمع الأطعمة التي كانت منذ فترة كبيرة، ومن ساعدها في كل هذا كانت والدتها. قاربت على الانتهاء من كل ذلك. اليوم عدا أشياء بسيطة قررت فعلها ثم الهبوط لأول مرة بعد الأحداث الأخيرة. فهو الآن هو الآخر ذهب إلى عمله اليوم لأول مرة بعد جرح رأسه وحادثه، ومن ثم وهو قادم سيذهب ليأخذ "وسام" بعد إنهاء الاختبار.
بينما منذ وقت ليس قليل جداً، كانت هناك أخرى قد أنهت آخر اختبار وانصرف هو من العمل ليأخذها من أمام المعهد الخاص بتعليمها. فمنذ أن فعل ما فعله لم يقترب أي شخص منها بنظرة. وهذا جعل رأسها مرفوعة بشموخ وثقة أعطاها لها "آدم". وبعد هذا الاختبار كان موعد الجلسة، فأخذها معه والآن هو في لحظة الانتظار. لم يجرب هذا لأول مرة. قد اعتاد، ولكن في أذنيه يتردد حديثه مع الطبيب بما يخص حالتها. الجدير بالذكر أنه عامل مهم جداً، وما يسعده
حقاً أنها لم تكن في انتكاسة تهاب منها الرجال وصنفهم وحتى قربهم، بل تهاب الأشكال. تهاب عقلها وهو يراجع المشهد، بينما إن وثقت بأحدهم سيتغير الوضع تماماً. وهذا ما فعلته معه، سمحت له بأن يبادر بالعناق واللمسات السطحية البسيطة الحانية. كما أن كوابيسها أصبحت مرة كل يومين أو مرة كل ثلاثة أيام وهذا يعد عامل جيد جداً. بعد أنها منذ يومان لم يحدث لها هذا وشعر بالطمأنينة. كما شعرت هي بالسعادة من أجل ذلك، ولكنها لم تفتح معه هذا
المحور من الحديث كونها لا تتأكد من نفسها بأنها ستستمر هكذا أن ستعود مجدداً.
"عودة إلى ما بعد نهاية إحدى الجلسات" يسأل ويترقب ويود أن يفهم أشياء كثيرة يهاب منها كما يهاب تهورها وأفعالها المفاجئة. إلى أن توصل لحديث عميق وكثير يحمل بين طياته تفاصيل عجز عن فهم بعضها وفهم البعض الآخر. ومهما عجز، فعجزه عن رغبته في أن يقدم لها أسرع حل ممكن يقسو عليه. ليس بيده شيء سوى المواساة والاحتواء والمساعدة. هل يدرك ما أهمية كل هذا لها؟
"لا، إن شاء الله هتتحسن وهتبقى كويسة. حضرتك فاهم كويس إن اللي حصلها مش سهل. يمكن اللي مخليها متماسكة شوية إنها كانت بشخصية قوية ومش ضعيفة تستسلم بسرعة. ده غير إن عنادها كان له عامل مهم أوي. هي من نفسها أصلاً بتحاول، فلما بنلاقيها تحاول مع نفسها كده، حتى بنعرف إن الحالة هتتحسن وبسرعة كمان، لإن عندها حافز تكون كويسة وليس العكس."
توقف "آدم" قبال الطبيب يستمع إلى بداية حديثه، وعقب ما انتهى شرد وجاب نهاية شروده بسؤاله المهتم والارتباك خلفية لكل هذا لديه: "طب هى الحالات اللي زي دي بتتعالج مدة كبيرة؟ بتفضل كده على طول؟
"الحالات اللي زي دي بيجي فيها الشخص فاقد ثقته بنفسه وفاقد الشغف في إنه يحاول تاني، وبياخد خوفه ويقعد على جنب. فريدة حالة نادرة. خدت خوفها وفي الأول حاولت تشيله بس معرفتش، ففضلت بيه واستمرت تخفيه وتتعامل على إنها مش خايفة، بس هي الحقيقة كانت خايفة. شخصية متحكمة في أعصابها، عدى اللي حصل في الآخر ده من كتر الكتمان اللي إن شاء الله بتكلم معاها فيه وبقولها تعمل إيه عند لحظات معينة. وبخصوص الدوا اللي بتاخده، فده مش مضر
وقريب هيتوقف. ده للاحتياط، متقلقش. وأنا طبعاً فهمت علاقتكم واصلة لحد فين، بس أكيد أنت فاهم الوضع وبأكدلك تاني إنها واثقة ومأمنة ليك، بس سيب الخطوة تيجي هي منها بذات نفسها. هي شبه قادرة ولكن مش قادرة بالكامل، في لسه نوع من أنواع التردد، رغم إن الخوف بيتشال تدريجياً معاك. علشان كده التذبذب ده علاجه إنها تعرف تاخد القرار ده وتحسم الأمر وتطمن خالص. علاجها مش في إنها مش قادرة على القرب، علاجها في إنها خايفة بس بتكتم ده
بطريقة غلط بتأثر عليها وبتخليها تندفع بأشياء وأفعال غير منطقية وصادمة بالنسبة للي حواليها. أنا اتكلمت كتير طبعاً ومتأسف، بس ده حقك تفهم، وإن شاء الله خير وهتبقى كويسة عن قريب. أنا واثق من ده."
أقوال متتالية أردفها الطبيب خلف بعضها كلمة تلو الأخرى، وهو يستمع بإنصات وتفهم. أشياء عديدة يجهل عنها وأخرى يفهمها، ولكن الحديث أشبه بطمئنة عليه وعلى قلبه المسكين الذي يتلهف لكل رد فعل تفعله هي دون إرادة منها. حرك "آدم" رأسه حينها بتذكر، وما أخرجه من شروده: "الآن". هزات متتالية من "فريدة" بكتفيه منها، فنظر سريعاً ووقف بلهفة. ولكنها هي من هتفت أولاً بضجر من عدم انتباهه لها: "إيه؟ سرحان في إيه كل ده؟ بتحب عليا ولا إيه؟
كان الضيق ظاهر على تقاسيمها، فخرجت ضحكته بخفة، ووكز ذراعها بمزاح غامزاً بقوله: "بقى تصدقي فيا كده يا شاطرة؟ "آه عادي، وليه لأ؟ ما أنت قلبك واسع! ابتسمت "فريدة" بسخرية قبال هذا القول الذي خرج منها، ولكنه الجم هذا بخفة منه عندما حول القول لغزل مازحاً بقوله: "قلبي واسع آه، بس على مقاسك أنت يا شاطرة! رمشت بأهدابها بمرح، ووكزت ذراعه بمزاح وهي تعنفه: "عجبتني، ومتقوليش يا شاطرة!
ضحك "آدم" مرة أخرى وسار معها ناحية الخارج بعدما ضحكت على ضحكاته. هبطا معاً، في حين نظر هو لها وسأل سؤاله برفق: "الجلسة كانت كويسة؟ أكدت "فريدة" ذلك برأسها وطالعته تصرح له: "آه، كنت متلخبطة من الامتحان بس دخلت وشيلت من دماغي كل ده وارتحت شوية. أنت استنيت كتير، تعبتك صح؟ أكيد القعدة كانت ملل من الانتظار وتضايقت أنا عارفة! ابتسم هو بلين، وسارا معاً بإندماج، وخرج صوته رداً على سؤالها:
"أنا أحسن وقت بقضيه وأنا معاك، واللي أحسن منه وأنا بستناكي عشان تبقي معايا." هذا القول يحمل معاني كثيرة متأثرة تؤثر بها هي أمام عينيه التي تراقب تعابيرها. أخذت نفساً عميقاً وتأبطت ذراعه بحركة مازحة، فضحك بخفة وشاكسته ملاحظة ثقله كما كانت تشعر بالثقل هي الأخرى من آخر الأحداث، ولكنها بارعة دائماً في الإخفاء: "انجزني يعم، حسسني إني مراتك كده. وبعدين مالك مش في المود ليه؟ "زعلان منك."
لم تتوقع هذا الرد الصريح المفاجئ منه. نظرت بمفاجأة. هل يبتعد عن سرد ما بداخله أم إن ما يردده صحيح؟ "مني أنا؟ توقف عند كورنيش البحر، ووقفت هي بجانبه وهي تراه يؤكد برأسه، فإنتظرت الحديث منه، ولكنه صمت متأملاً ملامحها بشرود. وبدأت هي حينها تردد له بغرابة: "طب احكيلي! "احكيلي انت الأول، مش في المود أنت كمان ليه وبتحاولي تداري؟
كان قوله واضحاً، أراد به استغلال الوضع وإخراج الحديث منها. أخرجت "فريدة" أنفاسها بثقل وشرود، وهو وحده من يجعلها تتحدث بسرعة دون مراوغة في أن ترفض ما بها. ابتلعت ريقها وسألته في شك: "بس أنت استغلالي أوي، مش كده برضه؟ رفع "آدم" كتفيه ببساطة، وصرّح بنفس البساطة أمام عدستيها الداكنة: "علطول بصراحة، بس المرة دي عندي اللي مزعلني بجد مش أي كلام. بس خلينا نوزعها بالعدل ونبتدي بيك الأول!
طالعت كلماته بإقتناع، وأشارت ناحية البحر بمرح، مما يعلن بأنها وافقت طلبه: "بس نرمي اللي مزعلنا هنا ونمشي علطول، موافق؟ رددت هذا لأنها رأت ثقله بالفعل. ضحك "آدم" وهو يحرك رأسه ملتقطاً خبثها وهتف بكشف لها: "موافق يا شاطرة، بس خليكي عارفة إنك واقفة قدام واحد جايبها من تحت أوي! طالعته محاولة كبت ضحكتها بعدما فهمت كشفه لها وسألته ببراءة: "يعني إيه بقا؟
"يعني أنت كمان استغلالية، لما حسيتي إني زعلان منك بجد انتهزتي الفرصة عشان ننهي كل حاجة هنا. بس وماله، أنا موافق، بس بعد ما أقولك تعطيني سبب مقنع يخليكي تعملي اللي عملتيه وأنا هعديها. اتفقنا؟ "مش فاهمة أنا عملت إيه، بس اتفقنا! فأشار بكفه وهو يطالع المياه من أمامه وردد بترحاب يحثها: "زعلانة من إيه يا شاطرة؟
نظرت له "فريدة" بغيظ من اللقب الذي يردده لها دائماً. في حين تبدل كل هذا سريعاً وجلس الاثنان بجوار بعضهما على الكورنيش وانتظرها بفارغ الصبر بعدما انحنى يلتقط حقيبتها التي وقعت ووضعها بجانبهما منتظراً سردها، وأخيراً بدأت هي بهدوء شديد: "بص! عشان أبدأ صح قررت أشيل أي ماضي مأثر فيا بس بالتدريج، هو ده لسه محصلش بالكامل.
بس عند موضوع "حسن"، حاولت أعطيه فرصة مرة واتنين. حتى بعد ما "أسماء" حكتلي، حسيت إني رجعت أقرف منه ومن سيرته زي ما كان. بس رجعت، ولأن العلاج النفسي خلاني أفكر من منظور تاني، فكرت فيه من ناحية تانية. ساعتها خرج تعاطفي معاه اللي كان اختفى. ولحد آخر حاجة حصلت، خوفت فعلاً لـ "غسان" يعمل فيه حاجة. ساعتها كنت زعلانة على حاله وحال ماما اللي مش كويسة أبداً، وهي شايفاه محبوس في الأوضة لحد ما ييجوا ياخدوه المصحة.
عياطها وهي بتقولي إن "حازم" مانعها تدخل، خلاني أعيط وأحس إن فعلاً فيه حد مني بيعاني ومأذي في نفسه زي ما أنا اتأذيت. لمعت عينيها وهي تسرد، وعند قولها الأخير قاومت بقوة على أن لا تسقط دمعتها، محفزة نفسها على القوة وهي تكمل:
"أنا "حسن" أخويا صعبان عليا أوي يا "آدم". أنا عارفة إنه وحش، حتى كان وحش في حقي. بس أنا شايفة الموت مقرب منه أوي. أنت عارف ده لو بالشكل ده، وواحد تاني كنت هتعاطف معاه برضه. حتى "أسماء" مستغربة أوي، هي إزاي قدرت تستنى كل ده؟ وإزاي لسه بشوف في عينيها حب ليه رغم إنه عمره ما نصفها وكل حاجة بتقول ليها إنه مش كويس. هو في حب بيعمل كده؟ في حب بيخلي الواحد قليل ومكسور في نفس الوقت؟
اندمج وأنصت هو باهتمام، ولكنه لم يتوقع ختامها بحديثها الأخير عليه، حينما رددت وعدستيها تعانق عدستيه في ضوء الشمس والنهار والهواء بينهما يشاركهما اللحظة: "أنا خوفت أوي لتكون أنت معايا زي أسماء كده مع حسن. خوفت لتكون حاسس إنك قليل ومكسور بس مضطر تحبني عشان ده غصب عنك! تعلقت عدستيه معها بصمت واهتمام، وتنهد بصوت، وخرجت نبرته المطمئنة لها:
"أنا مش مضطر أحبك غصب عني. أنا حبيتك من قبل ما أعرف أي حاجة تخصك. اللي بيحب بجد مفيش حاجة بتفرق معاه ولا بتأثر عليه قد اللي بيحبها. أنا مقتنع إن الراجل بيحب مرة واحدة بس في حياته، حب واحد صادق. وأنت كنت ومازلت الحب ده. كل حاجة كانت قبلك كانت أي كلام. حتى لما كنت بشوفك وببص ليك بصة الإعجاب، كنت برجع لورا تاني عشان خاطر صحوبيتي أنا وحسن. أنا كان في إيدي أدخل أكلمك، بس اللي بيني وبين حسن مكنش بقلة الأصل دي. برغم إننا عملنا حاجات كتيرة تبين قد إيه إحنا كنا وحشين، بس عند كل واحد والتاني كنا بنقف، وهي دي النقطة التانية اللي عايز أرد عليك فيها!
ابتسمت بتأثر قبال استرساله وهو يكمل:
"لأن أنا كمان خايف على حسن وبفكر ليه وحاسس باللي هو حاسس بيه، بس اللي مصبرني إنه هيدخل على خطوة نضيفة. هيتعب فيها أوي وهيحس إن الموت بيقرب، بس ده مش هيبقى حقيقة عشان ده اللي هيبقى الصح ليه. ساعتها مش هيعرف إن ده الصح لحد ما يفوق. أكتر حاجة تصبرك دلوقتي هي إنه أخيراً هيبقى كويس لأول مرة في حياته، كويس بصحته وجسمه وعقله اللي راح قصاد شوية حاجات الموت في مقارنة معاها، وغالباً هو اللي بيفوز."
طمأنتها كلماته التي كانت بمثابة الدفء في جو قارص في البرودة. تلك هي علاقتهما! ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تحرك رأسها. وقبل أن تسأله، رد بجواب السؤال بالتفسير وكأن الإثنين يقرأان أفكار بعضهما للتو:
"أنا برضه كنت حاسس بتناقض، كنت بموت في اليوم ألف مرة. وأنا هناك قولت إني عمري ما هخرج على رجلي من كتر التعب ده. المصحة دي متعبة، بس على قد ما هي كده، على قد ما بتخرج منها ناس جداد من تاني. ناس داخلين بأمل ميت وبعد كده بتلاقيهم خارجين بأمل اتزرع فيهم من تاني. إحساس إني تعبان وعايز أتعاطى حلو ووحش للمدمن. هو وحش عامة، بس المدمن بيشوفه حاجة تانية. كنت بحس إنه بيخلي دماغي في مكان تاني بعيد عن دوشة العالم والناس والحوارات. وكنت بحس إنه وحش أوي لدرجة إن دموعي كانت بتنزل مني وأنا بتعاطى ساعتها وبفكر المرة التانية هتبقى امتى أو نهاية ده كله إيه.
وكنت بسأل: يا ترى هقدر أخلي كل ده يسيبني وميقربش مني تاني، ولا أنا اللي هسيب كل ده وأروح فيها في مرة من المرات. أنا كنت ميت يا "فريدة" وقمت من الموت تاني، ونفسي حسن يقوم منه هو كمان." سقطت منها دمعة وحيدة على معاناته، فرفع يديه يمسح أثرها بابتسامة نقية بسيطة وتنهد مخرجاً أنفاسه وهو يقول بسخرية محببة: "دموعك خانتك يا شاطرة." "عشانك يا مستفز."
رددتها بتحشرج مع اللقب الأخير الذي كان معهوداً منها في بداية ظهوره معها في محل الورد. ضحك بخفة، ورفع ذراعه على كتفيها ونظرا الإثنين ناحية المياه. لم يتحدث بعدها بل انتظرها تكمل. وعندما شعرت بصمته سألته بتشكك واختناق لا يليق بها: "يعني أرمي كل ده دلوقتي وأسيب كل حاجة على ربنا؟ "مش ده اتفاقك؟ ولا أنت بقى بتخمي؟ ضحكت على حديثه وأغمضت عينيها لثوانٍ، ثم فتحتها تحرك رأسها إيجاباً وهتفت وكأن الأمر جاد:
"رميت كل حاجة. يلا دورك. بعد ما عرفت زعلك على حسن، لسه في زعل تاني مني معرفتوش؟ احكيلي! ابتسم يحرك رأسه بموافقة، وطالع عينيها مردداً دون مقدمات: "سمعتك النهاردة وأنت بتتكلمي مع "حازم" الصبح. قولتيله يجيبلك مرهم وعطيتيه اسمه. إزاي أخوك يجيبلك حاجة وأنت ملزمة مني؟
أنا قولتلك أي حاجة تحتاجيها تقوليلي أو تكتبيلي في ورقة أجيبها وأنا راجع. أنت قللتي مني النهاردة قصادي وقصادك من غير حتى ما تاخدي بالك. هو أنا شلت منك حاجة قبل كده ورفضت أجيبلك اللي محتاجاه؟
ابتلعت ريقها بإهتزاز. فهذا دهان تجميل لإخفاء الأثر الخاص بالجروح، تستخدمه على الدوام لجرح ساقها الذي كان قد فعله "حسن". ولأن له علاقة بالتجميل وإخفاء الأثر، هذا يجعله باهظ الثمن، ولم ترض تكلفته بذلك أمام مصروفات مسئوليته بشقيقته وصغارها والمنزل ومتطلباته! "اعطيني سبب مقنع يخليكي تعملي كده! سألها هكذا يستجوبها أمام صمتها لشعوره. هذا أمامها، فواصل يكمل واضعاً براهين أمامه: "هو أنت بتتكسفي مني؟
مش مستوعبة مثلاً إنك ملزمة مني وإني مسئول عنك وعن اللي محتاجاه؟ متحسسنيش إني مقصر يا فريدة! استوضح بجدية، وحرك رأسه يحمسها على الرد، فابتلعت ريقها تبرر له: "لا والله مش مقصر خالص. أنا مكنتش أعرف إنك هتزعل أوي كده. أنا مش مكسوفة أطلب. أنا بس قدرت الظروف. فـ وأنا بكلمه بيقول إنه هيعدي يجيب علاج لياسمين، فقولتله يجيبلي المرهم ده وهاخده منه النهاردة لما نروح هناك بالمرة." بس دا كل اللي حصل.
لم تتردد أنه باهظ الثمن، فنظر لها بشك وأخرج أنفاسه يستعلم منها: _يعني إيه المرهم ده؟ بتاع إيه يعني؟ حاجة عيب عشان متقوليش؟ ابتسمت أمام سخريته منها، ووكزت ذراعه تجيبه بنبرة ضاحكة بخفة: _لا مش حاجة عيب يا مؤدب.. ده بتاع خدوش كده فهو بيشيل الأثر! رفع حاجبه الأيسر في غرابة، ولم يرض الضغط عليها لذا حرك رأسه بمكان آخر، فراضته هي بلين:
_أنا آسفة، مقصدتش والله أحطك في الموقف ده قدامي وقدام نفسك. بعد كده هقولك حاضر. أنا والله صعب عليا المصاريف الأخيرة بسبب تعب جنة وكشفها وعلاجها، هي عندها السكر من زمان. _آه، واخداه وراثة من عيلة أبوها. مبناخدش منه حاجة عدلة أبدًا! ردد الأخير بسخرية. نظرت في أسف وتنهدت تخرج أنفاسها، وسألته من جديد وكأنها تنتهز فرصة سكونه هكذا دون عناد قبالها، فهذا لا يتكرر دائمًا: _طب أنت زعلان من "فاطمة" ليه؟
أنا سمعتكم الصبح ومرضتش أتدخل بينكم! _عقليها بقى. دي عايزة تنزل تشتغل وتتمرمط في صيدلية وترجع من شفتها نص الليل كمان. علمت أن الكل يشعر بمدى زيادة المصروفات. وعلى الرغم من أن "بدر" يساعد بالكثير، إلا أن شقيقته تشعر بالحرج من كل هذا. تنفست "فريدة" بعمق وحثته بهدوء:
_طب ما تخليها تشتغل يا آدم وتوافق. أنا عارفة إنك متضايق عشان هي حاسة إن مسئوليتهم كتير عليك، بس خليها تخرج وتشوف الدنيا وتتعامل مع الناس. مش يمكن يشوفها واحد ابن حلال وتتجوز ويعوضها عن كل ده! أخرج "آدم" أنفاسه بثقل، ملقيًا الحجر في المياه شارداً مع خروج قوله الهادئ بتوضيح لها:
_معتقدش كل ده يحصل. فاطمة هتخاف تخش في علاقة من تاني. أنا اللي مزعلني إنها لسه صغيرة ومتجوزة صغير ومعاشتش حياتها. من حقها برضه تتبسط بس اتظلمت بدري أوي وأنا مش ضاغط عليها براحتها. وجودها معايا مش مزعلني ولا مسئوليتها هي وعيالها مضيقاني. بالعكس ربنا بيرزقني برزقهم وعشانهم وعشانك فـ فيه بركة. ماليين عليا البيت ومبسوط بوجودهم وبوجودك معاهم. أنا كنت خايف لتتدايقي منهم عشان كده "بدر" هيكلم واحد يجي يعمل فاصل ديكور بينهم وبينا ويبقى المطبخ مشترك، بس أنا قلت له هسألك الأول عشان حقك برضه!
انقلب الحوار بآخره لآخر، فنبست بغير تصديق تاركة بداية حديثه سريعًا: _أنت بتتكلم بجد يا آدم؟ هتدايق منهم؟
ده أنا مبسوطة عشان وسطهم وواخدة راحتي كمان. أنا بحبهم أوي وهما مهما اتدلعوا بس بيخافوا منك في وقت الجد أنت وبدر. ودا مخليهم منضبطين شوية وهم مش جايين عليا ولا على خصوصيتي، ما أنت عارف إن الأوضة كبيرة وبعيد عنهم شوية وكمان بدر لسه مغير أثاث البيت لما أنت خرجت من المصحة على حسب ما بتقول. كفاية تكاليف لحد كده. أنا مش متضايقة والله ومعتش تفتح الموضوع ده بقى عشان مزعلش وأمشي وأتقمص هه!
ضحك من آخر قولها بخفة، وشعر بالسعادة من كلماتها العاقلة والحق التي تركته بحب منها دون مقابل. تنفس بأريحية وسألها وهو ينهض معها ليسيران مجددًا: _هو أنت ممكن تمشي تاني فعلاً؟ هل هذا خوف بعد الاعتياد على وجودها معه؟ ابتلع ريقه، وعلى الرغم من أنه يريد راحتها، ولكنها كانت تفهم كل ذلك ووضحت ردها بصدق امتزج بابتسامة واسعة:
_أنا خدت نصيبي خلاص ووجودي معاك كأنه أحسن فرح في الدنيا. مبقتش عايزة أرجع. بس المرة دي مش عشان الخوف عشان أنا فعلاً بتغير وعايزة حياتي تتغير على حسب التغير اللي حصل برضا مني حتى ولو كان هيحصل بأي شكل من الأشكال غير اللي حصل. بس أنا فعلاً مش حاسة إني قاعدة معاك قعدة مؤقتة يا آدم. أنا قاعدة في مكان فيه راحتي مع أماني اللي هو أنت. مش عايزة حاجة تاني بعد كده وأي كلام بيتقال بخصوص فرح أو غيره منهم فأنا برفض ده بطريقة غير مباشرة عشان حتى ميتصدموش إني مش راجعة بعد ما بقيت معاك.
خفق قلبه في سعادة بالغة. كلماتها جعلته يبتهج بشكل كبير. ورغم بهجته إلا أن رده خرج في لهفة وصدق: _أنا مبسوط عشان لقيتي أخيرًا راحتك فين وقدرتي تحدديها، بس أنا عايز أعملك أحسن فرح في الدنيا. أنت تستاهلي ده، أنت مش قليلة. أنا كنت عامل حسابي قبل ما حاجة تحصل إن فرحي يبقى مع بسام وفرح زي عز وشادي كده. إيه رأيك؟ _لو رفضت هتزعل؟ نظر إلى عدستيها متابعًا بلين دون رفض، فأكملت هي بتفسير:
_يمكن حتى تبريري ميقنعكش، بس أنا مش عايزة أخطط لحاجة قدام. أنا مرتاحة كده ومن غير أسباب هي دي حياتي خلاص معاك. أكيد نفسي أفرح، بس وقتها ممكن ألبس فستان حلو ونشارك فرح وبسام الفرحة معاهم عادي، بس مش هوقف نفسي على حاجات قصاد إني مستنية أعمل فرح زي إني استنى أشهر ده وأعرف الكل وأرتب وأخطط. أنا مش عايزة ده. عايزة أستغل طاقتي ومجهودي في الجلسات عشان أكون أحسن بسرعة وأرتاح بقى. فـ أنا خلاص دي حياتي معاك وأنا راضية بكده أوي ومرتاحة كمان.
ابتسم يراضيها تاركًا كل شيء لوقته، وحرك رأسه موافقًا وأشار ناحية سيارة أجرة لتقف ووقفت بالفعل، والآن قد قررا الذهاب لزيارة "والدتها" وشقيقها. فإنطلقت السيارة ناحية مبنى سكن عائلة الأكرمي والبدري بعد أن هتف بنبرة مشاكسة: _مكان راحتك هو راحتي. واللي أنت عايزه أنا هعمله. بس تعالي نسيب كل حاجة تمشي زي ما هي مكتوبة إنها تحصل. هزت رأسها بهدوء، وأخذت نفسًا عميقًا ولبت قوله حينما قال مشيرًا لها: _اركبي يلا!
وافقته "فريدة" ولم تفتح الحوار ثانية، بل انشغلت في قص ما حثه عليها الطبيب في أن تفعله بحماس كطقوس. كما اعتادت تشاركه ليخرج هو منها الحديث بسلاسة مبادلاً إياها الحماس والشغف كي تستمر هكذا.. كي تذهب إليه هو دائمًا وحده حتى تقابل في كل مرة نفس الشغف والاهتمام ناحيتها دون نقص! ربما هذا ما يجذبها ناحيته أكثر. هو من يبادلها الاهتمام بقوة كأول مرة وصعاب حياته وعقباتها ومسئولياته لا تغنيه عنها ولا تلهيه.
_يا ماما اقعدي بقى. أنا هكمل أنا. أنا كويسة والله ومتعبتش من حاجة متخافيش! هكذا رددت "نيروز" كلماتها لـ "سمية" التي كانت تنظف المطبخ والأطباق وتشارك في الطعام التي بدأ بطهيه "نيروز". فمنذ وقتها وهي من تصعد لتساعدها في ترتيب الشقة وتنظيفها وطهي الطعام برفقتها كي تخفف عنها هذا الحمل! تركتها "والدتها" تردد كما تشاء وعارضت بالنهاية وهي تضع الطبق بموضعه بجوار الأطباق الأخرى في الأعلى:
_خلاص يا "نيروز" بقى الله. متتعببش في قلبي. كتر خيرك على كده أنا هكمل وأنزل عشان "وردة" جاية هي و"بدر" وهسيبك بقى تكملي براحتك الحاجات البسيطة دي. بس انزلي بقى النهاردة مينفعش كده. دا أنت مدخلتيش لحماتك بيت من ساعة ما رجعتي لـ "غسان". هو متكلمش معاكي في الموضوع ده ولا إيه؟ زفرت "نيروز" بصوت مسموع وردت في صراحة ولمحة من الاستسلام للسؤال:
_لأ لإني منزلتش تحت خالص. عمو حامد اللي طلع هو وبسام ووسام وفرح برضه. وأنا فضلت ملبوخة في الشقة ومعرفتش أنزل. وبصراحة أنا اللي قصدتها عشان خايفة متتقبلنيش من تاني! تفاجأت "والدتها" من هذا فإعتدلت تنظر لها بجدية وهتفت بعقل:
_دلال طيبة يا "نيروز" أنتِ اللي مش عارفة تكسبيها. هي زي أي أم هتحبك وتبقى معاكي زي الفل طول ما ابنها عشرة على عشرة ومزاجه كويس غير كده لأ. دي حاجة مزروعة فينا كده. بس سيبهالي إن زعلتك قوليلي وأنا هتصرف. هو أنتِ كنتي عملتي إيه يعني؟؟؟ دفاعها الأخير كان بتلقائية وفطرة وفعلت هي ما قالته بقولها دون أن تنتبه. ضحكت "نيروز" على دفاعها هكذا ثم قالت وهي تنظر بتفحص ناحية الطعام على الموقد: _طول عمرك شرسة يا سمسم..
بس أنا مش عايزة أكسب ولا أخسر، أنا عايزة أرتاح وبس. هي بصتلي كتير بعد الموضوع اللي حكيتلك عنه وحاولت تتأسف بس مخدتش فرصتها. بس أنا بتكلم عني أنا، مش مستعدة أتحرج وأتحط في الموقف ده من تاني. "غسان" بينلي من وسط الكلام إنها مش هتعملها وإن كل حاجة خلاص بقت تمام، بس أنا متعشمش. أنزل وأتلهي! سكنت قبال هذا وهي تبتسم بشرود نحو احتواءه لها ومراضاته عن ما فعلته والدتها.
لاحظت انتهاء "غسالة الملابس" ففتحتها والتقطت ما أمامها، تضع به الملابس كي تتوجه بها ناحية الشرفة. وقبل أن تنحني لتفعل هذا، وجدته يفتح الباب من على بعد، حاملاً متطلبات المنزل بأكياس بين يديه. ابتسمت له من على بعد، مع تحريك "سمية" برأسها تنظر. فوجدته يقترب ملقياً التحية بهدوء، واضعاً الأكياس على الرخام، في حين رحبت به "سمية": "حمد لله على السلامة يا بني!
لم تترك له فرصة للرد، بل اعتدلت تضع حجابها الذي كان على كتفيها ورددت بعجالة، تتركهما معاً: "أنا نازلة يا نيروز، متنسيش اللي قولتهولك." ثم نظرت ناحية "غسان" الواقف وحثته برفق: "ابقى شيل لها السبت يا غسان وإسنده على الترابيزة في البلكونة وهي هتنشر، عشان بس متشيليش حاجة تقيلة وتتعب! هابت أن تحمل شيئاً ثقيلاً. ما أن وجدت منه الموافقة انصرفت على الفور وأغلقت الباب خلفها. فأقترب ينحني ليحمل السلة، فسألته هي ببشاشة:
"وسام عملت إيه في الامتحان؟ هي مطلعتش معاك ليه؟ سارت خلفه ناحية الشرفة إلى أن أسنده لها برفق، ووقف يهندم من ملابسه مردداً بإبتسامة هادئة: "بتقول إنه كويس وحلت. هي دخلت تتغدى وهتغير وتجيلك! تنفست "نيروز" بعمق وعدلت من وضع حجابها في الشرفة، بينما هو وقف ينظر إليها بتمعن. شعر بالراحة كون زار وجهها الحياة من جديد بعدما كان شاحب. التقطت قطعة الملابس الأولى لتقوم بنشرها أمام عينيه، وضحكت بصوت متوسط تسأله بسبب تأمله لها:
"أبيض وأسود ولا ألوان! هل تردد نفس كلماته؟ ضحك بخفة وقوس حاجبيه مردداً بمشاكسة: "الكلام ده يخصني على فكرة! هتف "غسان" بذلك بمزاح، فتعالت ضحكتها ورددت في استنكار: "عادي، أنا آخد منك اللي أنا عايزاه، إحنا تلاتة يا حبيبي وانت واحد بس! منذ وقتها لم يتحدث معها حديث هادئ عميق، بل قرر تناسي كل شيء مقابل الاستقرار من جديد.
ابتسم وعقله لا يغيب عنه الموضوع الذي يخص علاجها. ولكنه قرر الصمت وضحك بخفة، يشير نحو عينيه بمرح، مردداً: "خدوا عيني كمان، بس تبقوا كويسين! ناولها وتلتقط هي منه إلى أن سألته بجدية بإندفاع دون تفكير: "لسه قادر تبقى مبسوط معايا زي الأول يا غسان؟ هذا التخبط الذي بداخلها جعلها تسأله هذا السؤال بقليل من الخوف. التفتت تنظر فوجدته ينظر.
فتنهد هو بصوت مسموع، وأقترب يقف بجانبها أكثر، وقال بعقل وتفهم لتخبطها وهو يعدل حجابها ببطء تزامناً مع كلماته:
"مبسوط معاك هنا زي أول مرة. مفيش حاجة اتغيرت. الفرحة بس هي اللي زادت واحنا الاتنين فرحانين وبنستناهم يجوا وسطنا يفرحوا معانا. أنا مكنتش عايز حاجة من الدنيا غير كده. أنا كنت ميت زي ما كانت الشقة دي ميتة من غيرك وانت مش فيها. أنا كنت بخاف أطلع هنا لوحدي عشان لما مبلاقكيش بتخنق أوي وبتدايق وبقول إيه اللي وصلنا لكده. لحد آخر مرة طلعت وكنت طالع على عيني وراح كل ده لما لقيتك وراح كمان لما رجعتك."
قربها من جديد كان أكثر شيء يفرحه. ابتسمت بتأثر رغم حياءها، فمسح على رأسها بحنو، ودعا في لحظة صدق وجدية: "ربنا يخليكي ليا يا "نيروز" ويديكي القوة عشان تكملي اللي باقي على خير وتقومي بالسلامة انتِ وهما. أنا مبقاش في إيدي حاجة غالية قدكم. انتوا أهم حاجة بالنسبالي! وأضاف أمام عدستيها اللامعة بسعادة من سكون الوضع وزوال الوجع:
"معرفتش طعم الخوف إلا معاكي وزاد إلا لما بقيتي حامل. خلي بالك من نفسك عشاني وعشانك وعشان اللي جايين! ربما ظهر الخوف الآن وبقوة، ففكرة تعبها تلح على عقله، وكل حرف يخرج منه يضع له تحسبات كثيرة بسبب حالتها الغير مستقرة بذلك الانهيار المفاجئ والمنهك له ولها. ابتسمت بإتساع، وردت بحب: "اطمن يا بن البدري، أنا وهما بخير طول ما إحنا معاك!
رد "غسان" بابتسامته الواسعة وهو يعطيها الملابس لتنشرها، فحولت هي الوضع لمرح حينما نظرت له بغيظ وهي تعتدل لتضع الثياب على الحبل، وتزامناً مع ذلك هتفت بحنق: "اسكت أنا مضايقة، موضوع الفرح ده مزعلني أوي! فهم مغزى حديثها، فضحك وهو يستند على السور مردداً بما غفل عن قوله لها بتوضيح: "ما بسام اتصرف! نظرت له متسائلة بعدستيها، فضحك وهو يفسر أكثر: "ما هو راح وقف قدام صفا مرتين، مرة وفرح معاه ومرة لوحده!
اتسعت عينيها لثوانٍ وهي تلتفت، ثم ضحكت بقوة وهي تحرك رأسها بعدم استيعاب مضحك: "ده بجد؟ أكد "غسان" برأسه وهو يعطيها القطعة القماشية، نابساً بنبرة بها أثر الضحك: "ما الجيش قالك اتصرف. بس هي سألته في وسط الزحمة في المرة التانية عنك باعتبار إنها كانت فاكرة أنا بس. هو اتصرف وقالها إن الحمل تاعبك وانت قاعدة بعيد." انتهت من نشر الملابس التي كانت قليلة، وحركت رأسها عند هذا القول ضاحكة، فضحك هو الآخر مستمعاً
لنبرتها الضاحكة وهي تتحدث: "ده إيه الدماغ دي! "أنا كنت بعمل الحاجات اللي زي دي عشان هو كان بيخاف. بس المرة دي الدماغ دماغ "بسام". دي دماغ شيطان دي بس لو اشتغلت من غير ما يقولي لا عيب ولا معرفش إيه. بس كويس إنه عمل كده عشان لو كان قعد يرن لحد الصبح مكنتش هرد! أصبحا معاً في المطبخ تحاول توزيع الطعام كي يتناولا معاً وسط هذه الضحكات من الاثنان. حركت رأسها ناحيته فوجدته يعطيها الأطباق بشرود آخر قطعة، وهى تحثه:
"طب ادخل غير هدومك عشان نتغدى يلا." وافق مبتسماً، وخلال ثوانٍ اختفى من أمامها. فرتبت هي الأطباق بشرود. وتصاعدت في رأسها الأفكار والخوف من جديد. لم تفعل عن ما يصمت فيه من حق أمام "سامر"!! تهاب فعله شيء. وعلى الرغم من أنها لم تهبط لأسفل إلا أنها تهاب مرة أخرى النزول بسبب "حسن" وحالته.
ترصصت الأطباق على الطاولة وبعد قليل خرج "غسان" بملابسه البيتية الرياضية المريحة واقترب منها فابتسمت تطالع ماذا يرتدي. وجلس فجلس بجانبها مشاكسًا إياها بعبث. اشتاقت له منذ الكثير. "بس إيه الحلاوة دي كلها! أول مرة أعرف إن الحمل بيحلي أوي كدة! ضحكت "نيروز" بخفة وناولته الملعقة وهي تردد بسخرية منه: "بتلعب بالكلام لعب كده! "محصلش، انت طالعة حلوة فعلاً!
ابتسمت بحياء. راقه ما أن تابعها بتفحص وهو يردد ذلك بإعجاب. وسرعان ما ابتسمت باتساع وهي تبتلع ما بفمها وردت: "تعرف ماما بتقول اللي بتبقى حلوة في الحمل بتجيب بنت. تفتكر هيبقوا بنتين؟ اتسعت ابتسامته بخفة وتضامن برأسه قائلاً بمرح: "ده ياريت، هو في أحلى من البنات! وأهو نحقق أمنية حامد ودلال عشان كان عايز يجيب بنتين توأم هو كمان! تعالت ضحكتها ونظرت له بشك تجاريه ونبست من جديد:
"انت بتاخدني على قد عقلي كتير. هو ده منظر واحدة حلوة في الحمل؟ إيه؟ مش ملاحظ إني تخنت؟ "ما هي دي الحلاوة كلها! غمز بقوله فضحكت من جديد واستمرت في تناول الطعام معه في حين ابتسم هو براحة وتفاجئ بقولها الهادئ بما أنه دعا سيرة والده في الحديث قبل قليل:
"عارف يا غسان.. أنا كل يوم بحب عمو حامد أكتر من اليوم اللي قبله. مكنتش متخيلة إني هلاقي الحب ده كله فيه حتى ولو وقفت قصادك. بيتعمد يعدل لأنه فعلاً قدر يخليني أشوف إنه شايفني بنته مش عشان مرات ابنه. أنا بابا وحشني أوي يا غسان وكل مرة بيوحشني فيها بشوفه في باباك. أنا بحبه أوي وبخاف عليه كمان وكنت بتضايق لما كان بيزعل عشاني وكان من ضمن خوفي إنه يتضغط يزعل عشاني ويحصل زي ما كان حصل. يارب يفضل معانا طول العمر ويشوف أحفاده ويلعب معاهم ويعلمهم اللي هو اتعلمه وعلمه ليكم. أنا مطمنة عشان هو موجود ومطمنة عشان انت هنا معايا. متسبنيش تاني!
اهتزت ابتسامته ورفع يديه يربت على ذراعها مبتلعًا ما بفمه بتأثر من كلماتها ورد بعد ذلك في نبرة هادئة: "مش هنسيبك أنا وهو. أنا رغم البعد بس كنت مطمن عشان هو هنا معاكي ومعايا. وخصوصاً معاك وواخد باله منك. متخافيش! ابتسمت "نيروز" باطمئنان وعادت تردف من جديد أمام عدستيه:
"بس أنا خايفة لسه. خايفة أوي عشان سكوتك على سامر، وإنك سايبه كده دي حاجة مقلقاني. أرجوك كفاية لحد كده. أنا نفسي نعيش في هدوء. وما صدقت. أنا لسه مفوقتش لحد دلوقتي من صدمة راسك. علشان خاطري اوعى تعمل أي حاجة." هو الآخر ترك الحق الأخير واختارها هي مؤخراً. أخرج أنفاسه أمام ترقبها فابتسم يطمئنها برفق: "هو كفاية عليه صدمته في أخته. مع إن ده مش حقي بس مـ...
قطع هذا صوت جرس الشقة بعلو فنهض سريعاً في اتجاهه يفتحه وما أن فتحه وجد شقيقته ووالدته لأول مرة تصعد منذ أن كان هو هنا معها ابتسم باتساع وشاكسهما بمرح ما أن قال وهو يغلق الباب خلفهما: "يعني داخلين بإيديكم فاضية كده؟ مفيش كيس جوافة يا أم غسان من الفريزر اللي تحت أو أي حاجة وانتِ جاية كده؟ داخلة بنورك وبس ولا إيه؟ ضحكت "وسام" بخفة وتعالى صوت دلال بلهفة: "اللي انت عاوزه أجبهولك يا حبيبي هو أنا هشيل منك حاجة برضك؟
إخص عليك! ثم توجهت ناحية "نيروز", التي خرجت ترحب بهما بعناق للإثنان تزامناً مع قولها التي نهرت به "غسان": "يعني هي ضيفة؟ حضرتك تيجي في الوقت اللي انت عايزه يا طنط ومن غير حاجة سيبك منه هو بيهزر عشان أكيد مطلعتيش هنا من زمان! تأثر من دفاعها على الرغم من أنها لم تنس ما فعلته معها إلا أنها احترمت صعودها وتحدثت بلباقة جعلت "دلال" تأخذ رأسها بين كفيها وقبلت قمتها بأسف وبدون مقدمات أمام نظراتهم وصدمة "نيروز" هتفت هي بأسف:
"أنا عارفة إنك مشغولة في الشقة وعارفة كمان إنهم طلعوا مع عدا أنا. انتِ عارفة مبحبش الإسانسيرات ودوركم في العالي عني. بس أنا طالعة أقولك إني آسفة ومحقوقة ليكي من اللي حصل مني. والله يا بنتي التعبير خاني مع الطريقة. لكن انتِ مكانتك زي ما هي عندي عمرها تتغير أبداً. ده انتِ زي وسام بالظبط والله! شعر "غسان" بالراحة ونظر بعشوائية إلى أن وجد "وسام" تغمز له بسعادة في حين خرج صوت "نيروز" وهي تدخل بين ذراعيها:
"مش عارفة أرد أقولك إيه يا طنط. بس مجية حضرتك على راسي. أنا خلاص مش زعلانة. شكراً إنك جيتي عشاني." عانقتها "دلال" بحب جعل "غسان" يتنهد فوجد نفسه يعانق من "وسام" التي حركته قائلة بمرح: "تعالى في حضني أنا يا غسان." حاوطها بذراعيه وهو يضحك بخفة في حين اقتربت "دلال" من المطبخ وهي تحث "نيروز" بحماس:
"يلا أنا هغسل الحاجات دي وانتِ روحي البسي عبايتك عشان تنزلي تقعدي معانا تحت. دي فرحة كمان بسام هيعدي عليها وهو راجع من الشغل وهتيجي تقعد معانا. يلا قربي عشان ننزل." سعادتها بهذا الحماس جعلتها تدخل بعدما حفزها "غسان" وجعلتها لم ترفض ذهابها ناحية المطبخ في حين اقترب هو يسحب كف والدته برفق يبعدها عن المطبخ وقال موضحاً: "متعمليش حاجة. سيبيهم وأنا لما أطلع هظبطهم مع نيروز."
كان قد سحبها مقرراً عدم إلزامها بفعل شيء فوقفت في الصالة بيأس منه ووجدته يبتسم بخفة من ما فعلته ملتقطاً كفيها يقبلهما بإمتنان موضحاً: "مكنتش عايز أتدخل بينكم عشان محدش يزعل. بس انتِ غالية عندي أوي يا أم غسان. وشكراً عشان رديتيها وجبرتي بخاطرها من تاني." لها يد بما فعلته و"حامد", أيضاً هو من حفزها على فعل ذلك. سعدت من إقباله عليها هكذا بفرحة لأبسط شيء كانت قد فعلته. فأخذته بين ذراعيها تضرب ظهره بمرح قائلة:
"هو أنا يا واد حما ولا ضرة؟ ده أنا أم. أمك وأمها كمان واللي بيني وبين سمية ميخلينيش أعمل حاجة تزعل نيروز عشان هي زي بنتي برضه. ربنا يقومها بالسلامة وتجيب عيال شبهك انت بس! شاكسته في آخر حديثها ونظرت بغرور كونه يشبهها. فضحك عالياً أمام ضحكات "وسام" وهي تردد لها بخبث في محاولة للإيقاع بينها وبينه: "جرا إيه يا ماما. هي نيروز وحشة ولا إيه؟ انتِ تقصدي إيه؟ شهقت "دلال" وضربت صدرها تنهرها بحزم: "يخربيتك بت!
هتقوليني كلام مقولتوش؟ أنا أقصد يعني إنهم يجوا شبه أبوهم هو في أحلى من كده يعني؟ ضحكت "وسام" بقوة فهي تردد الشيء وعكسه. كما ضحك هو محركاً رأسه يراضيها ويجاري قولها مع خروج "نيروز" من الغرفة: "أنا عايزهم فعلاً شبهك يا دلال. انتِ مفيش بعد حلاوتك! يستطع سرقة عقلها بمجرد حديث معسول تعلم بأنه حديث ولكنه يجعلها سعيدة به. وهذا ما يميزه عن غيره. يتلاعب بالحديث خاصة مع صنفهن هن! جاءت "نيروز" على هذا القول وهتفت بمرح هي الأخرى
وهي تسير معهم ناحية الباب: _عمو حامد بيقولي برضه بصي لـ ام غسان كتير عشان عايزيهم شبهها وأنا بسمع كلامه! رددتها بضحك وتأبطت في ذراع "غسان" الذي أغلق الباب خلفه مبتسمًا بأريحية من عودة العلاقات حتى لا تدوم كثيرًا بحزنهم من بعضهم دون تدخل، بينما صاحت "وسام" بضجر: _يعني محدش نصفني حتى ولا قال ان عايزينهم يبقوا شبه عمتهم! هو انتوا خايفين ابقى حرباية ولا إيه؟ نفت "نيروز" ذلك برأسها بخفة وهي تبتسم، فردت "دلال" بضيق منها:
_أيوة احنا قاصدين! لو في منك اتنين تبقى بلوة! فتدخل "غسان" يفصل هذا بقوله المازح: _هم بس يجوا شبهها! احنا نطول! فتراقصت هي بحاجبيها وهي تدخل المصعد وأكملت بمزاح قبال الضحكات خاصة وهي تنظر لوالدتها: _انا حرباية فعلا ليه الشك؟ بس الا مع ولاد حبايب عمري! _يا يا سمين" قولتلك محدش يعبره! سيبوه يصرخ مع نفسه واياكي تفتحي بالمفتاح اللي معاكي وتضعفي قدامهم! أنا سايبه معاكي عشان عارف انك مش هترجعي لورا وتوافقيهم!
أنا في الطريق وقربت خلاص! خدي انتي فريدة بعيد عن صريخه واقعدي في الأوضة مع امي وابعدي "زينات" من عند الباب!!! تلك هي حالته منذ يوم واحد وعى به واحتياجه للجرعة يذهب ويعود وعقله هرب منه! كان هذا حديث "حازم" بحزم لاق به وهو يتحدث مع "ياسمين" في الهاتف حتى أنه من عجالته أغلق الخط ما إن وافقت على الفور! تنهدت بصوت مسموع وهي ترى "زينات" تجلس أمام الغرفة هكذا ببكاء وبين أحضانها "فريدة" التي أتت من الخارج مع "آدم" قبل وقت.
تقابلت أعين "ياسمين" مع "آدم" وأشارت له بخفة بأن يبعد "فريدة" فاقترب بإهتزاز ينحني هاتفا بصوت هادئ: _قومي معايا جوه يا فريدة! قومي وقومي مامتك! هانت والله وكل ده هيروح ويعدي! كيف؟ الأوراق والإجراءات تطلبت وقت واليوم موعد قدوم فريق المصحة! الذي كان يتصرف "حازم" بمصروفاتها الباهظة في الثمن لأنها كانت خاصة تخص فريق ما وليست حكومية مخففة بسبب الإهمال!
لذا أخذ من نصيبه في الإرث النصف ودفع معه النصف كما قرر البدء في أوراق متطلبات الجيش الذي تأخر عنه بطلب الجامعة في الدراسة! نهضت معه "فريدة" التي نزلت دمعتها وأسندت "زينات" التي ابتلعت غصتها بفزع على الرغم من أنها ليست أول مرة تسمع بها صراخه وسبابه وتهشيمه لكل شيء أمامه! مرددًا الآن وبصراخ منهار مهشمًا الكوب الزجاجي: _خـــرجـــوني من هـــنا! افتحـــولي أبوس إيــديكم أنا مش قـــادر والله ما قــادر! افتحــيلي يامه!
افتحــيلي بــقا ابوس رجلك!! في كل مرة يردد بها الحديث سواء كان بسباب أو برجاء بعد الاستسلام تهبط منها الدموع بغزارة! عاندت نفسها ودخلت الغرفة مع "فريدة" و"آدم" في حين كانت تقف "أسماء" بقهر على حاله! تقف بجوار الباب تشهق وهو الآخر من الداخل يشهق ويصل إلى مسامعها شهقاتها في كل مرة! بينما هذه المرة ضاع كبرياؤه وتوسلها ببكاء ظهر في نبرته أمام شفقة من كانت تكرهه بشدة! أمام تعاطف "ياسمين" التي لمعت
عينيها وهي تتمسك بالمفتاح: _افتحيلي الباب يا" أسماء"! خرجيني من هنا! أنا بموت! بموت ومش قادر والله! استند "حسن" بظهره على الباب بإنهيار مختنقًا يحك كل انش به بفقدان وشهقات لم يتوقع أي منهم بأنها ستخرج منه هكذا في يوم من الأيام! بينما هي في الخارج وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها وخرجت نبرتها الباكية تتوسله: _والنبي استحمل يا "حسن"! استحمل!! أسند "حسن" رأسه على الباب مرتجفًا!
بينما هي نزلت دموعها بقهر آخر جعل "ياسمين" تبادر بعناقها فشـهقت بتمزق بين ذراعيها إلى أن دخل "بدر" تاركًا زوجته وصغيره في الشقة الأخرى ودخل معه "غسان" تاركًا "نيروز" مع عائلته! استمع إلى بكائه فصمت محاولًا أخذ أنفاسه ووجد "آدم" يخرج يشاركهم الوقوف منتظرًا قدوم "حازم".. استمر يدفع الباب برأسه وقدميه بإنهيار! وكل منهم يستمع إلى أمنيته في الموت مقابل عدم شعوره بذلك!
قاوم أي مشاعر بغض وهو دائمًا ما يملك من بينهم قلب ضعيف قبال أي أمر يتطلب به ذلك! فاقترب "غسان" بتردد ناحية "أسماء" وحثها قائلاً: _ادخلي اعمليله أي أكل ياكله مع المهدئ! وافقت بلهفة ودخلت سريعا المطبخ في قدوم "حازم" من الخارج مندفعًا ناحية الداخل فالتفتت الرؤوس ناحيته وهو يسند الأكياس على الطاولة ناظرًا نحوهم في تفحص مستمعًا لصوت دفعه للباب بعنفوان صارخًا بعنف هذه المرة: _خرجوني من هنا! خرجوني يا ولاد الـ ـكلب!
والله لاعرفكـم! هموتكم سامعين! هموتكم كلكم لما أخرج! التفت "حازم" إليهم ونظر تجاه "بدر" الذي أخبره بنبرة جادة هادئة: _المفروض ييجوا النهاردة! أنا ظبطت كل حاجة زي ما قولتلك! معلش هانت أنا عارف انها صعبة عليك! ابتلع "حازم" ريقه بوجع وهو يستمع إلى بكائه المنهزم في الداخل! فإلتقط يد "ياسمين" يأخذ منها المفتاح وردد بعدما أومأ له: _أنا هدخل اشوفه وهخرج! خلي حد يعمله أكل على ما أديه العلاج ده! قد كلفها "غسان" بذلك من قبل!
فأومأوا له بموافقة! ولم يتحمل أي من الداخل الجلوس أكثر بل خرجن! فنظر "آدم" ناحية "فريدة" واقترب يقف بجانبها ليطمئنها بعدما يأس من بعدها عن هنا هي ووالدتها ووالدة "حازم".. وضع المفتاح في الباب فترقب "حسن" من الداخل بلهفة! ولكن خاب كل ذلك قبال دخول "حازم" سريعا! ومن ثم أغلق الباب من جديد! نظر بأعين لامعة لحاله بعد أن استند ليقف وهتف بصراخ ممسكًا له من قميصه بعنف: _انت بتعمل فيا كدة ليه ها! بتعمل فيا كدة ليه رد عليا!
حابسني هنا ليه! انت مالك بيا! مالك بحياتي..خرجني من هنا حالا! بدل ما اقتلك..يــــلا!!! ابتلع ريقه بوجع ونفى برأسه مستسلمًا لـمـسـكـتـه بهكذا وقال معارضًا ما يحثه به: _مش هينفع! المرة دي مش هينفع!! صمت "حازم" أمام ذلك بإستسلام لمسكته هذه وسمعه يردد بصراخ آخر مما جعل دمعته تسقط: _أنــا بكرهــك! بكــرهك وعمري في حياتي ما حبيتك ولا هحبــك! سقطت دمعة "حازم" بسكون وكسرة وسأله بوجع يجاري أقواله عل هذا يلهي تهوره:
_ليـه يا حسن! أنا عملتلك ايه وحش في حياتك يخليك تكرهني! سكنت حركته بألم في جميع أنحاء جسده الهش الضعيف وجلس بخواء. على الفراش داعيًا، كل شيء بداخله. حتى أنه هو الآخر سقطت دموعه خلف بعضها وهو يردد باستسلام جعل دموع والدته وشقيقته تسقط في الخارج: "من غير سبب، بكرهك من غير سبب واحد يخليني أكرهك عشانه. أنا كمان معرفش أنا بكرهك ليه بس لقيت نفسي كده قدامك! "بس أنا عمري ما كرهتك!
كل الأقوال تتردد بدموع طالعة "حسن"، بأعين حمراء من الاحتياج وحرك رأسه بوعي لما يستمع له يؤكد: "ما أنا عارف، عارف إن انت أحسن مني، عشان كده هتسيبني أمشي صح؟ سأله بلهفة، فنفى "حازم" برأسه مما جعله يتمسك بكفه باستسلام يترجاه:
"أبوس إيدك تمشيني من هنا، خرجني ورحمة أبوك. أنا عارف إن انت كنت بتحبه، عارف إن هو كمان كان بيحبك أكتر مني، عشان خاطره مشيني. أنا مش هنفع، مش هنفع في أي حاجة. مليش حياة تانية، مش هنفع فيها. أنا كده كده ميت، أبوك كان معاه حق، أنا فاشل مليش لازمة في الحياة دي، مشيني وانت مش هتشوف وشي تاني وعد! هذا التوسل يزيد من حدة الوجع بداخله. أكثر تنهد يتحشرج، وأخرج صوتًا مختنقًا وهو يجيبه بإنهاك:
"حتى ولو انت مش عايز الحياة، بس هي عايزاك. أنا مش آسف يا حسن بس مش هخرجك من هنا! تحولت تعابيره وتمسك بقطعة زجاج هشمها على الأرض واقترب باندفاع هستيري يهدده ولم يدرك أنه يجرح يديه هو بضغطه هذا على النصل الذي بين يديه: "انت هتخرجني وحالًا! عشان هموتك لو محصلش سامعني؟ قوم افتح الباب! هل هذا خوف؟
هاب الكل في الخارج هذا الخطر الظاهر والقادم في نبرته. بينما بقى "حازم" كما هو على حاله ينظر له بصمت. ونزلت دموعه يجاري قوله باستسلام شديد ومن كان يقوى أصبح لا يقوى حتى لإخراج الكلمات بثبات لم يعد معهود بعد:
"مش خايف من الموت، موتني. أنا كمان تعبت من الدنيا دي. احنا الاتنين واحد، بس كل واحد اختار طريق شكل عن التاني. انت هربت من كل حاجة وأنا فضلت استحمل لحد ما خلاص مبقتش قادر. وانت كمان مبقتش قادر من الهروب ومن اللي بتعمله! وكأن الجدية وضعت بنبرته. هل يحثه على قتله؟ سمعه يسترسل مجددًا بجملة أثارت انفعاله وتشنج تقاسيمه الباهتة: "احنا نهايتنا واحدة يا حسن! "لا مش واحدة، مش واحدة متقولش كده في وشي!
فاقترب يمسك رأسه بعنف وهو يردد له ذلك ماسحًا وجهه بعنفوان قاسٍ وهو يكمل ملقيًا القطعة الحادة على الأرض بانفعال:
"احنا مش واحد ولا نهايتنا واحدة ومتقارنش. أنا مش زيك ولا انت زيي. أنا أبويا عمره ما نصفني انت ابوك نصفك وخدك تحت ايده وحبك اكتر مني. انت أمك "عايدة" وأنا امي "زينات". يعني الوقت اللي امك كانت بتقولك فيه معلش استحمل امي كانت بتقولي معلش متخليهوش احسن منك. ومتخليش حد احسن منك. انت اختك حبيتك قربت منك صاحبتك انا اختي كرهتني. انت جنبك ناس بتحبك، ناس مصبرينك على البلا اللي وعينا عليه. انت حياتك أحسن وناجح لكن أنا مليش لازمة مفيش حد بيحبني محدش قابلني. انت بتقارن ايه؟
بتقارن نفسك بمين؟ انت خدت كل حاجة حتى بنت عمك اللي حبيتها حبتك هي كمان ووافقت من غير ما يتكسر قلبك أكتر من ألف مرة بالرفض. خدت بنت عمك لكن أنا لا مخدتهاش ومحبتنيش. انت خدت كل حاجة، كل حاجة خدتها وأنا هنا مخدتش ولا أي حاجة حتى الحب والقبول مخدتوش! يردد باندفاع، وتارة أخرى ببكاء ثم صراخ ثم بكاء ثم انفعال وتعابيره تختلف بلمح البصر من الاحتياج. فاندفع الآخر يحاول أخذه بعناق، قائلًا بضعف يبرر له بتعب: "أنا آسف!
استند "حسن" برأسه مستسلمًا على كتف شقيقه مرددًا بنبرة باكية: "مش مستني أسف من حد، مش مستني حد يعملي مقام ولا اعتبار. المكان ده مش مكاني. مش مكاني ولما كنت برجع كنت ببقى طماع في حضن، طمعان وبتعشم ان حد يحتويني ويفهمني ويقولي حقك عليا من الدنيا كلها. انت خدت مني كتير أوي، خدت مني كل حاجة وأنا بشوفك بتاخد وأنا لأ. انا عايز أموت، عايز أمشي من حياتي دي كلها. مش عايز حاجة من حد. مش عايزكم زي ما انتوا مش عايزيني!
ضمه "حازم" بوجع وهمس باختناق يظهر له احتياجه له بصدق: "بس أنا عايزك، عايز يكون ليا أخ في كتفي بجد مش اسم وخلاص. بس انت عندك حق أنا خدت فعلاً كل حاجة منك ولسه عايز أخويا منك! فتشبثت بيديه المرتجفة التي ترتعش ونسح عليهما بأسف من ما فعلته ما الحياة والعقبات التي جعلته شخصًا كهذا الذي عليه: "حقك عليا أنا، حقك على قلب وعين أخوك. بس عشان خاطري، أعطي نفسك فرصة يا "حسن". اعمـ...
"أنا عايز الموت ياخدني من الموت اللي انا فيه ده. عايز ارتاح واريحكم مني بقى. أنا مش بتاع فرص. أنا معنديش حياة افهم بقى يا أخي!!!
انحنى على الأرض لا حول له ولا قوة. بعدما ردد هذا مقاطعًا حديثه الباكي له ببكاء متبادل من الاثنان، انحنى "حازم" معه رافضًا إخراجه من بين ذراعيه وكأنه يعوضه الآن في هذه اللحظات التي انقطعت. ما أن نهض يفتح الباب لـ "أسماء" التي دخلت وأغلق هو الباب خلفها متعمداً تركها معه في هذه اللحظة علها تبرع في احتوائه. وقف ينتظر في الخارج وأغلق بالمفتاح عليها بعدما انحنى يلتقط الزجاج المتهشم خوفًا من تهوره، كما وقف من أجل نفس السبب.
ربما الانهيار والبكاء به تخدير مؤقت للإحتياج جعله يسكن. بينما هي اقتربت تنحني ووضعت الصينية على الأرضية بجواره. فنظر لها بخواء إلى أن اقتربت في جراءة تمسح وجهه بتعب وتوسلته بوجع: "كفاية اللي بتعمله في نفسك ده علشان خاطري. انت تستاهل تكون أحسن من كدة والله!! ابتلع "حسن" ريقه بسكون وأخفض يديها من على وجهه ناطقًا بفتور وكأنه يعي الآن ما قبل هيسيرية أخرى تأتي وتعود بعدم انتظام واضح: "امشي!
نزلت دمعتها بخواء ولعنت قلبها الذي يقلل منها أمامه بعجز عن المنع وأردفت: "بس انا مش عايزة أمشي. مش عايزة اسيبك يا "حسن"! اعتدل يجلس القرفصاء سانداً رأسه بين كفيه المرتجفين كجسده وهتف بتقطع: "لازم تمشي. انت ملكيش نصيب معايا. أنا مش عايزك جنبي. أنا ميت. هتفضلي مع واحد ميت؟ اعتدلت "أسماء" تجلس بجانبه نفس الجلسة وهتفت بضعف هي الأخرى قبال عدستيه الحمراء التي تنقلب بين حين والآخر بعقله الذي يذهب منه ويعود وكأنه مختل للتو:
"تصدق؟ أنا كمان محدش اختارني ويوم ما اخترت اخترتك انت وأنا عامية. حتى ولو اختيار غلط بس معتش ينفع أمشي. انت مش هتموت يا حسن، مش هتموت عشان أنا قلبي المهزأ ده لسه متعلق بيك وبيحبك ومقلل مني أوي. أنا كمان أهلي مكانوش حلوين في حقي زي ما حصلك. انت عارف لما عرفوا؟
اتخلوا عني وسامر كمان بعتلي رسالة وجعتني أوي بصوته ومروة كمان. اتخلوا عني يا حسن وهيمشوا ومش عايزيني معاهم، اتبروا مني واختاروا شكلهم. هو أنا مستاهلش حد يختارني؟ أنا اخترتك، يمكن الوحيدة اللي اخترتك كانت أنا زي ما بتقول، بس أنا ملقتش حد واحد يختارني زي ما انت لقيت. يا بختك يا حسن! فكان الجفاء واضح رغم وصول الانهيار له والذي وجده بنبرتها. رد بفتور: "مش عايزك تختاريني!
أخفى وجهه بتعب. فاعتدلت، تحركت رأسها بتفهم، تجاريه. وأخذت أنفاسها بهدوء، تمسح على وجهها. فتصاعدت الأفكار في رأسه قبل قليل وتصنع أي شيء بين حالته الذي يرثى لها الآن، بين وعي ولا وعي، وبين عقل ولا عقل. حركت رأسها ما إن وجدته يقترب هامساً، كي لا يسمعه أحدهم: "خرجيني من هنا بأي طريقة وأنا هعملك كل اللي انت عايزاه!
لا يعلم بأنه يوجعها هكذا. دناءته لم تنتهي بعد، حتى وإن كان في أضعف حالاته. بل أكملت معه إلى الآن. حتى بعدما وجد منها الارتباك واختار بحقارته الاقتراب ليضعفها قبال تأثرها. فرفع يديه يزيح حجابها، ممرراً يديه على خصلاتها ببطء، هبوطاً ناحية عنقها. فارتجفت يديها وهي ترفع يديها تبعده عنها. فلم يبتعد، حتى بعدما همس وكأنه يقتنع بأنه يتقن الدور جيداً. فكيف يتقن الدور وهو بهذا الحال؟ ومردداً لها ما سبق قوله من رفض:
"أنا كمان بحبك، بس خرجيني من الشقة دي وتعالي معايا نهرب من هنا ومش هسيبك بعدها! بأي وجه يردد الحديث وقبل قليل كان عكسه؟ هذا الاستسلام الذي كان منها جعله يتطاول أكثر، وكأنه برع في حبك الخدعة. منتهزاً الفرصة حتى لا تضيع. اقترب وأنفاسه الدافئة تلفح عنقها النابض بقوة من الخوف والارتباك. فجحظت عينيها ما إن وعى وانتفضت تنهض سريعاً، تهرول ناحية الباب لتدقه. بادر مسرعاً بمسك كلا كفيها مقترباً بترجٍّ هذه المرة، مردداً بلهفة:
"استني يا أسماء، استني عشان خاطري. اسمعي كلامي لو بتحبيني. حاولي تخرجيني من هنا ابوس ايدك، وأنا هعملك كل حاجة انتي عايزاها والله العظيم، مش هسيبك! هل يقسم ويردد ويوعد مع هذه الحالة؟ يديها ترتجف من جديد وهو ما زال يهمس كي لا يسمعه أحدهم. ينتهز آخر ذرة عقل كادت أن ترحل وتتركه. ابتلعت ريقها ونزلت دموعها وهي ترد له الهمس بهمس آخر مفسرة به له: "أنا عشان بحبك مش هقدر أعمل كده يا حسن!
تغيرت تعابيره وهم بالخارج يترقبون. حرك رأسه بشحوب، وردد بتقطع: "يعني إيه؟ واندفع ناحيتها يتمسك بها، يعنف، صارخاً بها بإنهيار: "هقتلك! والله العظيم لأقتلك لو مخرجتونيش من هنا، سامعة؟ جحظت عينيها بمجرد ما رأته يحاول التهجم عليها بشراسة. فبكت بخوف، إلى أن اندفع حازم بسرعة يفتح الباب مع البقية. فدخل غسان وآدم يفصلونه عنها، فنهضت من على الفراش بفعل إسناد حازم لها بسرعة فائقة، دافعاً إياها ناحية الخارج.
"ابعدوا عني، خرجوني من هنا! أغلق حازم الغرفة بتعب. في حين ارتمت أسماء بين أحضان زينات وفريدة. واقتربت ياسمين، تبادر بأخذه بين ذراعيها كي تعطيه قوة ليتحمل من بين انهكه التي تراه. ابتلع غسان ريقه والتفت بسرعة بوجهه ما إن وجد جميلة تدخل مندفعة ناحية حازم ما إن رأته هكذا بين ذراع زوجته. ودخل عز ببطء بعدها متفهماً الوضع. فوقف بجوار غسان، بعدما رحب به وسأل حينها بصوت منخفض: "مجوش لسه ياخدوه؟
رفض غسان برأسه. وقد سمع حينها صوت فتح باب شقتهم. فاندفع ناحية الخارج كي يمنعها من الدخول. وبالفعل وجدها تخرج بمفردها من الشقة، مما يعني أنها ردت بأنها ستذهب إلى والدتها ولكنها كذبت. وجدته يقف هكذا وانتفضت بفزع ما إن سمعت صوت صراخ حسن بقوة، ودفعه للباب بإنهيار، جعلها ترجع خطوتين إلى الخلف. فتقدم منها سريعاً خوفاً من أن تنهار وتاهت بنظراتها ناحيته. فتقدم غسان يحثها برفق، ممسكاً بكفها:
"ادخلي جوه يا نيروز، بلاش تروحي هناك! ابتلعت ريقها وفسرت له بخوف على رفيقة دربها من الحزن: "بس جميلة قالتلي إنها طالعة على السلم وهتستناني هنا." "بلاش عشان خاطري، تعالي نمشي أنا مش مستعد أتوجه فيكي، واللي بيحصلك غصب عنك! ظهر خوفه وبان في عدستيه وهو يراقبها. فتقدمت تمنع دموعها في أن تهبط وسألته بضياع: "طب.. طب هو ليه بيصرخ؟ ليه بيعيط؟
ابتلع غصة مريرة ضاغطاً على فكه بصبر، حتى صيغة السؤال خرجت منها بتلقائية ورهبة من هول الصوت والصراخ. هل تخاف عليه؟ نفض هذا من عقله لأن لا يليق به التفكير بها هكذا، أو حتى هي لا يليق بها خوفها عليه! أدركت ما فعلته فأمسكت بكفه سريعاً تبرر له من بين هذا الخوف: "غسان أنا مش خايفة، خليني أدخل، أكيد جميلة مش كويسة كده!
وقبل أن يرفض اندفعت تنادي القوة والتحمل ودخلت من الباب سريعاً بركض ناحيتها. إلى أن وجدتها بالفعل تحاول الهروب لتبكي عن بعد. فقابلتها ذراعي نيروز قبل ذراعي عز الذي اندفع وتراجع هو الآخر ما إن رآها هكذا معها! وقفتا الاثنتان بمنتصف الصالة وهتفت جميلة من بين الدموع:
"مكنتش أعرف، مكنتش أعرف إني هخاف عشانه قوي كده يا نيروز. أنا عايزة أدخله، عايزة أحضنه، هو أكيد عايز حضن زي المرة اللي فاتت، عايز حد يضمه وهو كده زي آخر مرة كنت هربته فيها من جوزك. أنا خايفة على أخويا، خايفة على حسن يا نيروز. غصب عني! الآن تتحدث الدماء. نفس الدماء التي تجري في عروقهما. يتحدث اللقب. تتحدث الأسماء التي تحمل نفس اسم الأب! ضمتها نيروز بوجع، جعل فريدة تتقدم منهما ليحتوي الثلاثة بعضهن في منتصف الصالة.
جاء بسام هو الآخر ولم يتعمد تخطي الشقة. خاصة عندما اقترب غسان ليخرج لهما هو وفرح، وطلب من فرح برجاء: "فرح ممكن أطلب منك طلب بسرعة؟ سألها أولاً ووصل إلى مسامع الاثنان الصراخ. ففهم بسام الذي يملك قلباً حمولاً أكثر في هذه الأشياء باعتباره طبيباً. ابتلعت ريقها بتوتر ونظرت ناحية بسام الذي نظر لها هو الآخر، فردت بإهتزاز رغم القبول: "اتفضل!
"عايزك تدخلي تجيبي نيروز من جوه بأي طريقة. أنا خايف يحصل لها انهيار عصبي ومش هتصدقني ولا هتوافق تيجي وتسيب جميلة. قوليلها إن أبويا عايزها وهي هتيجي! هتف ذلك منتظراً الرد بلهفة. فحركت رأسها بموافقة، ثم دفع بسام ذراعها برفق يحفزها على فعلها: "يلا ادخلي يا فرح."
دخلت هي آنذاك. فاستند غسان بالخارج بصمت، مع بسام الذي توقف ينظر بشفقة ناحية شقيقه. علم أن الحمل والثقل كثير، والضغط يظهر في عدستيه. طبيب يعلم جيداً أن الانهيار وحده سهل أن يؤدي إلى الموت فجأة، وهي الأخرى تحمل في رحمها اثنين، والخوف عليها وعلى من بها شيء صعب، ليس هيناً بالنسبة له. "متخافش يا غسان، انت بس اتجدعن زي ما قولتلك وفاتحها هتتقبل، كل حاجة هتمشي والله! أخرج غسان أنفاسه بثقل ينتظر وهتف في جدية رداً على شقيقه:
"مش عارف يا بسام، مش عارف ده هيحصل لحد امتى. أنا خايف أوي، خايف عليها وعلى اللي في بطنها وخايف كمان أفتح الموضوع تتحمق ويحصل اللي بيحصلها ده. أنا مش عارف أعيش حياتي طبيعي معاها. كل حاجة بعملها وبقولها بحط لحالتها دي حساب قدام عيني." وأضاف بتيهة وعقله يراجع حالتها بكل الأوقات في ما قبل الانهيار: "كل حاجة! قصد أشياء كثيرة.
اقترب "بسام" يعانقه بإحتواء، فما يشعره لم يتحمله شخص آخر. يعلم أنه لو وُضع بموضع شقيقه لما تحمل كل ذلك. ربت "غسان" على ظهره مبتسمًا واعتدل سريعا ما إن وجدها تخرج مع "فرح" بأعين لامعة وسألت حينها بإستفسار سريع: "هو عمو حامد عايزني؟ لم يجيبها "غسان" بل ظل يتابعها ورد على سؤالها "بسام" ساحبا باب شقة "عايدة" يغلقه وهو هكذا في الخارج: "آه المفروض بيقولوا يعني."
صمتت تأخذ أنفاسها وهي تحرك رأسها دون رد ولكنه رأى حزنها ففعله ضيق وترجم هكذا كي يخفف من حدة الوضع بمرح يلهيها وقال: "هو انت مش عايزة تروحي للحج ولا ايه؟ بقى ده كلام؟ دا احنا نقوله بقى ونوقع الدنيا في بعضها عشان دي اكتر حاجة مسلية بالنسبة ليا حتى اسألي غسان!! تعمد المرح فضحكت "فرح" بخفة لتخفف عنها ورغم انها تود الجلوس مع "جميلة", ولكنها تعلم ان "عز", بجوارها. ابتسم "غسان" على قول شقيقه فخرج حديث "نيروز"
المبرر بابتسامة صغيرة: "لا مش قصدي كدة، بس مفيش حد بيفرق بين أب وبنته، خليك عارف كده! رفع حاجبيه بدهشة وضحك بخفة يلهيها أكثر وهو يشير ناحية "غسان" غامزا: "تصدق ان شادي عنده حق؟ ده في غساسين كتير فعلا والوضع ميطمنش!
ضحك "غسان" بخفة ورفع ذراعه يحاوط كتفيها يسحبها ناحية الباب خلف شقيقه و"فرح". ففتح "بسام" الباب ليدخل ومن ثم هم. نظرت "نيروز" بإهتمام فتوقفت ودخل "بسام" يخبر والده بالمختصر وانصرفت "فرح" ناحية المطبخ لـ "دلال". في حين مد هو يديه يمسح وجهها برفق مشاكسا اياها بسؤاله: "هو انت عينك بتجيب الدموع دي كلها منين يا نيروز؟ نظرت نحو سؤاله بسكون وهى تراضيه بابتسامة هادئة كملامحها ولكنه واصل يكمل بنبرة عميقة قبال عسليتيها:
"خسارة والله، وألف خسارة لما عيون حلوة زي عينيك دي تبكي! رفعت هى يديها تٌرجع خصلاته إلى الخلف ورددت بقلة حيلة منهكة من الظروف: "مليش حيله ألا هو. شكلي اتعودت على البكا، اتعودت مريحش عيني! ابتسمت وجلست بجواره تحرك كتفيها بجهل فمسح آثار دموعها وهي تبتسم له بحنو وحثها مرددا بجدية هادئة: "طب متعيطيش تاني عشان انا بقيت خِرع وبعيط لما بشوف حد بيعيط قدامي وباخده في حضني علطول نعيط سوا."
التقطت المزاح والعبث في قوله فضحكت بإستسلام له ولأقواله وعنفته بسخرية: "عارفاك حنين، دراعاتك وحضنك يسدوا لأي حد! "لأي حد اسمه "نيروز سالم محمد احمد الأكرمي" بس! طالعته بحب فاض من عينيها فربت على ظهرها برفق علها تهدأ من الداخل وقال عارضا عليها بصوت منخفض: "ايه رآيك نلبس كمان شوية وننزل نخرج بعيد عن كل ده؟ وابقى أنا وانت بس! ورغم التردد ولكنها صمتت إلى ان عاد يفسر لها بهدوء:
"أنا عارف انك مش متعودة على الخروج علطول، بس أنا فعلا مخرجتش معاك خروجة رايقة كده من زمان بعيد عن الدوشة والناس! ابتسمت تراضيه ولانه ردد انه بعد وقت وافقت حتى لا تترك "جميلة", الآن وحركت رأسها بقبول قائلة: "موافقة بس هتوديني فين؟ "اليوم بتاعك من أول الطبخة اللي اختارتيها لحد المكان اللي هنروح فيه سوا، انت عايزة نروح فين؟ سألها محاولا التخفيف عنها فإبتسمت "نيروز" تجيبه بتهكم محبب له:
"عرض ميتفوتش وغريب أوي عشان منك وهتسيبني اختار براحتي، مع انك قولتلي قبل كده انك مبتحبش تمشي ورا حد وانت مش فاهم رايح فين! ضحك "غسان" ضاما رأسها بقوة بين ذراعه بمشاكسة وردد بنبرة ضاحكة: "صح بس انت مش حد يا رزقة! إعتدلت "نيروز" بعدها تنظر ناحيته بمشاعر مختلطة. التقطت ما يفعله من أجلها فعدلت حجابها أكثر واقتربت هى تقبل قمة رأسه هو في مفاجأة منه وأكملت بحديثها الآتي:
"أنا بحبك أوي يا غسان، شكرا.. عشان كل حاجة بتعملها وعملتها عشاني. أنا عارفة انك مضغوط بسببي وعارفة كمان انك قصدت تبعدني عن هناك. أنا آسفة انك مضطر تستحمل كل ده. أنا عمري في حياتي ما هلاقي حد يستحملني قد ما انت استحملتني. بس انا مش عارفة اردلك كل ده ازاي؟ تخبطت في النهاية وصرخت بما في داخل فؤادها وعقلها أمام عينيه التي لا تفارقها. حتى انه تنهد مبتسما وخرج رده عليها بهدوء:
"مفيش حاجة بتحصل معاك وببقى عايز منها مقابل ولا مستني منك ترديها. أنا كل اللي عايزه منك انك تكوني مبسوطة ومرتاحة وكويسة بس انا مش شايفك كويسة حاليا! لمح لها كي يفتح معها ذلك الموضوع. في حين ابتسمت بتلقائية تجيبه برفض: "ازاي ده؟ ده أنا كويسة عشان معاك انت!
استندت حينها على كتفيه وضيعت منه بوادر البدء في محور ما كان يريده. أخرج أنفاسه وخرج "حامد" وخلفه "بسام" الذي حمل بين يديه شئ ما. واقترب يجلس بحماس. في حين اقترب "حامد" يجلس بين "غسان"و"نيروز". حتى ضحكت "نيروز" عاليا مع ضجر "غسان" وهو يتزحزح قليلا مرددا لوالده بضيق: "يعني الدنيا ضاقت في وشك يعني يا حامد؟ "انت مالك يالا انت؟ عايز اقعد جنب بنتي الله، فيها حاجة دي؟ سأله "والده" بمشاكسة فنهض يجيب على مضض: "لأ مفيهاش!
جلس حينها بجوار "بسام" بعدما قام ببعض التفاصيل الخاصة بالفيلم الذين سيشاهدونه. في حين ابتسمت "نيروز" لـ "حامد" عندما اعتدل يربت على ساقها مرددا بتساؤل: "انت كويسة؟ اخدتي علاجك؟ أكدت برأسها ووجدت "فرح" تخرج بأطباق طعام خفيف وضعته على الطاولة أمامهم حتى كادت أن تجلس بجوار "بسام" فأشار لها "حامد": "لأ، تعالي هنا وسيبك منه! نظر "غسان" بضحك ناحية "بسام". الذي تلاشت بسمته وأجبر على الرد ما إن نظر له والده مستفسرًا
بتهديد وتحذير: "ماشي.. اللي تشوفه يا my father يا غالي! "شوف الواد كل ما حد يقوله حاجة اليومين دول يرجع يعوج لسانه. أنا مش قايلالك يا ولا النبي عربي. أوعى تكوني يا فرح لسانك معوج زيه كدة. لاحسن يختي أنا علمي على قدي كدة آه! رددتها "دلال" وهي تضع الأكواب بجوارهم قبال ضحكاتهم جميعًا بصوت عالٍ. وقبل أن يردد "حامد" مشيرًا لها لتجلس بجانبهن هناك، صاح "غسان" باستفزاز قصده: "لا تعالي هنا يا دلال وسطنا، وسط حبايبك!
وافقت بلهفة. عرض مغرٍ إذن ما لم تراه معها. جلست بالمنتصف فسند توأمها كل منهما ذراعه عليها بحب. فمالت تهمس هي جوار أذن "بسام" بفضول: "الأ هي إيه ماي فريزر دي يا ولا؟ همس هو الآخر بجاريها محاولًا كبت ضحكاته: "يعني الفريزر بتاع التلاجة. بصي بقا عشان نتفرج على الفيلم! نظرت نحو شاشة الصالة بتركيز، كما نظروا هم. وقطع تركيزهم في النظر نحو بداية الفيلم صوت "دلال" بتهكم وهي تطالع "حامد":
"يعني شايفاك مرتاح عندك يا حج يعني ولا إيه؟ تعالت الضحكات من جديد، وتشفى الاثنان بوالدهما. في حين نظر لهما "حامد" باستفزاز وعاد يجيبها ببراعة جعلتها تصمت بحرج وخجل لا يليق بسيدة في عمرها: "هتصدقيني لو قولتلك من غيرك مفيش راحة يا أم غسان؟ ضحكت بحرج أمامهم واعتدلت تخبره بنبرة خجولة لم يصدقها البعض: "يوم بقا متكسفنيش قدام العيال يا حامد! بعدين لما نبقى لوحدنا! قهقه عاليًا مع ولديه و"نيروز" و"فرح"
وردد بنبرة بها أثر الضحك: "عندك حق دول لسه صغيرين على الكلام ده!
حركت رأسها توافقه واستندت عليهما من جديد بين ضحكاتهما على والديهما. في حين كانت هناك ضحكات من "نيروز" والأكثر من "فرح" التي شعرت لأول مرة بمعنى الدفء الأسري في الترابط والانتماء. في حين كان قد نظر لها "بسام" متفهمًا ما شعرت به بسعادة منه. والأخرى التي قاربت على فهم أن ما يحدث حدث لأجلها هي. فتلاقت عينيها مع عينيه وهو يتابع شرودها فأشار ناحية الشاشة فضحكت وهي توافق. بينما صاح "حامد" عاليًا لهما:
"بص قدامك ياض انت وهو. ركزوا في الفيلم! الوقت يمر في الشقة الأخرى. بين صراخ في حين وآخر سكون. كان "حازم" مع "ياسمين" في غرفته. وظلت "عايدة" في الصالة تجلس وبجوارها "زينات" و"أسماء". وعلى بعد كانت "فريدة" تجلس مستندة برأسها عليه تأبى الرحيل إلا عندما يرحل شقيقها. كما قررت "جميلة" التي كانت برفقة "عز". وعلى مقربة وقف "بدر" ينهي المكالمة وأرسل حينها رسالة لـ "حازم" يبشره باقتراب موعد قدوم فريق المصحة.
وبجوار هذه الشقة، في الشقة الأخرى شقة "زينات". تم جمع الملابس في الحقائب بواسطة "مروة" و"سامر" الذي وكزها بعنف. كما خرجت نبرته بخشونة كي تسرع وردد: "ما تخلصي يا بت يلا. خلينا نمشي من المخروبة دي! قرر قبل يومان الرحيل تاركًا كل شيء خلفه. قرر الهروب حتى من عقاب "غسان" وخوفًا من صمت "حازم" المريب. وهروبًا من نظرات لا يريدها بسبب ما فعلته شقيقته. صدمة كبرى يعيشها هو وبقية عائلته! "عار" يراه لا يختفي ولا يزول.
وليست كالعادة هناك تبكي في ركن بضعف ما بعد الجبروت الذي تبخر على الفور وهتفت للمرة التي لا تعلم عددها لهما وهي ترى جحودهما في الرحيل بدون شقيقتهما: "أنا قولتهالك وهقولهالك تاني. مش ماشية من غير بنتي يا "سامر". حتى ولو كنت بقولها مش عايزاكي بس أنا مش هقدر أمشي من غيرها. انت سامع؟ مش همشي إلا بـ "أسماء"!! تشنجت تعابيره ووقف أمامها مشيرًا لها بنبرة جامدة مرتفعة: "هو انتي؟ إيه؟ انتي مش واعية ياما؟
مش واعية إن بنتك وقعت راسنا في التراب. ولا فاكرة إن كل حاجة هتستخبى؟ فاكرة إن كل ده هيستخبى ومحدش هيعرف اللي فيها؟ أنا مش محتاج بربع جنيه. في داهية هي واللي غلطت معاه. أنا ماشي وانت وبنتك هتيجي معايا نمشي من هنا كفاية أوي لحد كدة. لو حصل حاجة زيادة سمعتنا هتبقى في الأرض وانت فاهمة كويس السمعة تفرق معانا في إيه. دي رخيصة وفاجرة. عايزاها تعمل إيه؟ تختارك؟ ادي دقني لو اختارتك. دي خلاص عيارها فلت ومبقتش منا!!
وقفت "مروة" تتابع بصمت. في حين تعالى نحيب "زهور" بقهر وهي تصر على قدوم ابنتها معها: "مش همشي من غيرها يا "سامر". دي بنتي. انت اتجننت؟ نظر إلى هذا الإصرار بتأفف. فاندفعت "مروة" تصرخ بها بصوت مرتفع تنبهها: "بنقولك مش هتختارك ياما. مش عايزانا. خلاص راحت علينا. دي اتكتب كتابها. يعني اتجوزته. وريني بقا هتعرفي تاخديها منهم إزاي؟
كان سهل عليهما التخلي. بينما هي كان بها فطرة الطبيعة. كانت بها عاطفة الأمومة التي جعلتها تندفع بحرقة. ووقفت تردد بنبرة معارضة مرة أخرى: "لأ. هتختارني أنا أمها محدش هيخاف عليها ويحبها قدي أنا! هل فاقت بوقت الضياع؟ هل وعيت الآن بعدما تركتها؟ على الرغم من ان ابنتها كانت تريدها. أخرج "سامر" اللفافة من بين شفتيه ببغض وحذرها بشر ظهر في عينيه الحادة:
"لو رجعتلنا هقتلها. هدفنها حية عشان تعرف غلطها. وريني بقا اللي هتعرفي تعمليه!! اندفعت بصدمة وكأنها لا تعي مدى خطر أولادها الذي كان منها هي. أمسكتهما هما الاثنان بهستيرية وبكت بصوت تحركهما بعنف: "دي اختكم. اختكم. فوقوا بقا!!! تركتهما فاستندت سريعًا على عكازها وأشارت لهما وهي تمسح وجهها بعنف:
"أنا هنا اللي أقول إيه يحصل وإيه ميحصلش. بنتي لازم ترجع معانا وهتطلق منه. تبقى اتجوزت في الإجازة واتطلقت ومهاش نصيب مع ابن خالتها وده اللي هيتقال. مفهوم؟ التفتت "زهور" بعد هذا الحزم لتذهب بعدما أخبرتهما بنبرة جادة: "أنا رايحة أجيب بنتي. انتوا خليكم كدة." مش نافعيني بأي حاجة غير الهم وخلاص. _يعني انت مش رايحة للهم برجلك؟ استني يامه واقعدي واستهدي بالله!
نظرت إليه بإشمئزاز وهي تلتفت وقلبت عينيها من عليه ومن ثم التفتت من جديد تخرج من الغرفة حتى فتحت الباب بعنف جعل الإثنان يسيران خلفها في ترقب. وقفت هي أولا تدق الباب بقوة ومن ثم جرس الشقة والذي فتحها لها "بدر" الآن متفاجئا بوجودهم، رجع إلى الخلف ودخلت هي فنهض الجميع حتى "حازم" الذي خرج للتو من الغرفة مع زوجته، ووقفت "أسماء" في خوف خلف "زينات" التي سألت شقيقتها بنبرة جامدة ماسحة وجهها بشموخ تصنعته أمامهم: _خير؟
جاية ليه يا "زهور" انت وولادك؟ جاية تتبلي وتعملي مشكلة في مين المرة دي؟ رفعت "زهور" رأسها تشملهم بثبات وأخرجت أنفاسها تجيبها بهدوء: _انا لا جاية اتبلى ولا جاية اعمل مشاكل، انا جاية عايزة بنتي عشان نمشي من هنا ونرتاح ونريحكم! ابتلعت "أسماء" ريقها بخوف، في حين تقدم "حازم" منهم وراقبت "فريدة" الوضع مع "جميلة" و"عز" و"آدم"، فاقترب "حازم" يفسر لها بنبرة هادئة:
_وايه اللي مخليكي واثقة انك جاية ومتأكدة انها هتوافق تيجي معاك؟ كان هذا السؤال الذي جعل قلبها يخفق بسرعة من كان من المحتمل ان يحدث، تلاقت عيني "سامر" معها وهو يحدجها بشر وتلقى من "فريدة" نظرات حاقدة جعلته يبتسم لها وهي تتمسك بذراع "آدم" هكذا. _بنتك مش هتمشي من هنا يا "زينات"، بنتك هتفضل مع خالتها وجوزها!
كان حديث "زينات" بحزم منها، فإندفعت "مروة" بغيظ تعاند قولها لمجرد الحقد والبغض على الرغم من أنها كانت تردد عكس ذلك قبل قليل بينما الطريقة تزيد من حرقتها فتجعلها تريد المنافسة بالأقوال: _جوزها ايه يا أم جوزها، انتوا مصدقين نفسكم ولا ايه؟ اغتاظت ملامح "فريدة" من طريقتها فصرخت بها رغم امساك "آدم" لها: _اتكلمي مع أمي عدل يا زبالة انت!
نظرت لها "مروة" بحدة، فإبتسم "سامر" وهو يراه يتمسك بها كذلك فصاح في وقاحة قبل ان تأخذ "مروة" فرصتها بالرد على سب الأخرى لها: _اهدي بس يا فوفو ليطق لك عرق ويحصلك حاجة، صحيح كلمة صباحية مباركة هتبقى متأخرة شوية يا عروسة بس انا بفهم في الواجب وبقولهالك أهو انت وعريسك! وقبل ان يندفع نحوه "آدم" زاد في وقاحته ما ان أكمل له بجراءة: _قولي بقا يا آدم، احساسك ايه وهي مش بنت أي...
ففتحت الأعين بصدمة جعلت "آدم" يندفع نحو راكضا جاذبا عصا "زهور" منها ودفعه أرضا باركا فوقه بصراخ عال: _اخرس يا بن الـ** يا قذر، عليا النعمة لاموتك، هموتك واعرفك انا ازاي تقول على مراتي كدة يا بن الكلب..!!! تركوه يلكمه في وجهه ولم يتدخل أحد، مما جعل "زهور" تنحني تدفعه من عليه وصاحت "مروة" في خوف ناحية "فريدة": _مبسوطة؟
ما هو ده اللي بيبسطك أنا عارفة، تخلي الرجالة تموت بعضها عشانك وانت اللي بتروحي تتلزقي فيهم من الأول خلي اللي ما يشتري يتفرج ويعرف قرفك وانت اللي كنت بتروحي لسامر بنفسك الأول يا بت!!
اقترب "حازم" سريعا يمسك ذراعها بقوة وعنف قبل تدخل "ياسمين" في حين حركت "فريدة" رأسها بهلع من ما استمعت له للتو، بل من استمع كان "آدم" الذي تركه بسرعة ونهض من فوقه بصدمة لما رددته الأخرى الذي حاول بها الآندفاع ناحيتها ليضربها في حين تعالى صراخ "فريدة" وهي تخرج بالحقائق التي لم تخرج بوضوح من قبل:
_أنا أنا أنا اللي بتلزق زيك في الرجالة أنا اللي رخيصة ولا انت دا اخوكي هو اللي كان بيحاول يقرب مني في كل مرة كان بيجي فيها هنا، كان بيتحرش بيا زي القذر، كان بينتهز كل ده عشان مكنتش بقدر اتكلم عشان ميتقلبش الموضوع عليا!!! لأول مرة تبرر لها وهي هكذا واقفه بمكانها وهبطت منها الدموع بكسرة قبال صدمة "آدم" مع الجميع وفتح الشقق الأخرى وخروج الكل منها، في حين التقط "آدم" العصاه وضربه بها بقوة من آخر ظهره مرددا بانفعال:
_موتك هيبقى على ايدي، والله ما هيبقى على ايد حد تاني غيري، تعالالي!!!
انحنى يتمسك به من تلابيبه وسحبه خلفه رغم الصراخ. سحبه ناحية الخارج مقررا بفضحه بأي شئ ليترك له علامة سوداء في حياته، لكم وجهه مجددا قبال الصراخ المتألم منه، كرامته ووجعه كرجل منع أي شخص من التدخل في حين اقترب "غسان" وشقيقه ووالده في صدمة من هذا واقترب "بدر" من بين التجمع وبكاء "زهور" وصراخ "مروة" وكبل "بدر" جسد شقيقه مع "عز" في هذه اللحظة عندما شعرا أنه سيسحبه خلقه على السلم أمام جميع السكان بفضح وضرب حتى يلقيه!!!
ما الذي أوصله لهذا العنف؟ تسطح جسد "سامر" على الأرض بضعف وهو يتوجع بصوت وسحب "آدم" ناحية الداخل معهما وأغلقا باب الغرفة خلفه!! مع بكاء "فريدة" وهي تركض ناحية الغرفة تود رؤيته في الحال بكسرة، في حين وقفت "جميلة" بتيهة لحقتها ذراعي "والدتها" و"نيروز" بينما اندفعت "زهور" ببكاء ناحية الداخل تصرخ بهم مجددا: _حسبي الله ونعم الوكيل فيكم كلكم، ربنا ينتقم منكم يا بعده!!
طالعها "حازم" بسخرية وطالع جسد "سامر" التي تسنده "مروة" أمام الجميع وبدأ يفسر لها بوجع: _انا راضي ربنا ينتقم مني ومن أي حد هنا لو كان ظلمكم، بس مش داخلة عقل أي حد، انتوا جيتوا وجبتوا الفقر والهم معاكم، رجعتوا وجع كان اتقفل عليه وعملتوا اللي ميتعملش، قللتوا من اختي ووجعتوها ودمرتوها، أنا مش عارف لسه في ايه تاني يتعمل منكم؟
كان حديثه جامد حاد بينما الكلمات نفسها موجعة مؤلمة وهو من يتحمل الأثر النفسي بالسلب عما يفعلوه في كل مرة به أو بأي من أفراد عائلته! نزلت دموعها هي الأخرى وهي تطالبه: _احنا مش عايزين حاجة، احنا هنمشي، بس عاوزه بنتي معايا! ترقبت الأنظار وفتحت الغرفة ليخرج منها "بدر" و"عز" بمفردهما وبقت معه "فريدة" في الداخل، فتعالى صوت "غسان" يخبرها بثبات مختصرا غاية هذه الوقفة والإجتماع!
حقك بس خيريها الأول قدام الكل وان اختارتك خديها وامشي مع انه مش حقك عشان هي دلوقتي بقت في عصمة واحد ولو مختارتكيش مش هتاخديها وهتمشوا برضه! حاصرها بقوله الذي صدم منه الكل، فترددت عينيها في النظر كما كانت "مروة" التي وقفت خلفها وهي تسند "سامر" الذي نظر ببغض. ابتلعت "زهور" ريقها بخوف ونظرت ناحية "أسماء" ونطقت برهبة من الرفض: _هو انت مش هتيجي يا "أسماء"؟ مش هتختاري أمك؟
طالعت "أسماء" بخوفها "سامر" الذي وجه لها نظرات بمثابة سهام حادة، كما كانت نظرات الإشمئزاز من "مروة" لها. علمت أن نهايتها حتماً ستكون عندهما. نظرت نحو "زينات" بأعين لامعة. فـنظرت لها الأخرى نظرة أمان جعلتها تنطق بما جعل قلب والدتها يهوى أرضاً: _أنا.. أنا هفضل هنا.. مع خالتي و.. حـ.. حسن! اختارت "حسن" مجدداً. بينما قلبها هذه المرة لم يختاره بعدما شعرت بما شعرت به معه في الداخل. لكنها لا تريد أن تلقى بحتفها.
صدمت "زهور" ونزلت دموعها وهي تقترب منها بوجع متلمسة ذراعها: _أنا أمك... أنا اللي أمك مش هم. أنا اللي هخاف عليكي وهحبك! _بس أنا مشوفتش ده. أنا خايفة! ما جعلها تصدم أكثر هو رجوعها خطوتين إلى الخلف. فضمتها "زينات" سريعاً مع خروج نبرة "مروة" بغل: _ما هو ده أخرك تختاري ناس قليلة الأصل زيك. بكرة خالتك دي ترميكي وابنها يطلقك ويقولك أنا مش عايزك أنا عايز "نيروز"!
هابت "نيروز" هذا ونظرت لها بحدة صارخة بها من ذكر اسمها هكذا بحديث لا يصح أمام زوجها وأهله: _إخرسي. متجيبيش سيرتي على لسانك! ضحكت "مروة" بإستفزاز. وسرعان ما أشار لها "غسان" على ذراعها الآخر أمام الجميع وهتف بتساؤل جاد: _شكلك عايزة الشمال زي اليمين ولا انتي ايه رأيك؟ ابتلعت ريقها تتحاشى النظر إليه. ووجدت "أسماء" حينها تدافع عن "نيروز" قائلة:
_مليكيش دعوة بـ "نيروز" يا "مروة" سبيها في حالها. ملهاش ذنب أنا اللي مش عايزة اجي معاكم! _يلا يا قليلة ياللي مش هتعيشي غير قليلة. واحدة اتحاول يتنسى بيها واحدة تانية وبيتخيلها هي. هنستنى منك ايه يختي؟ انتي رخيصة وهتفضلي طول عمرك باصة لنفسك كده زي ما هم بيبصولك كده.. وقبل أن يندفع "غسان" بحرقة لما يقال بحق "نيروز"، التفتت "زهور" تصفعها على وجهها. فصمتت وهي تنظر لها بصدمة كما صدم البعض. وصرخت بها لما رددته
لشقيقتها أمام الغرباء: _اخرسي. اخرسي خالص سامعة؟ برقت عدستيها. فنزلت دموع "أسماء" وهي تشهد والدتها قائلة: _عرفتي ليه مختارتكوش؟ امشوا. امشوا بقا. أنا راضية ابص لنفسي كده ويبصولي كده قصاد اني مبقاش وسطكم من تاني بالمنظر ده. انتوا عايزين تموتوني وبتضحكوا عليا! رفضت "زهور" ذلك بلهفة. فأكد "سامر" بتقطع وهو يتألم ممسكاً جسده ورقبته:
_صح.. برافو عليكي. انتي فعلاً هتيجي تموتي. مبروك عليكي اللي اشتروكي من غير تمن. ومبروك.. علينا عشان بعناكي! اعتصر قلب "زهور" ألماً. فقبل أن يتم طردهم بواسطة "حازم" و"غسان" و"بدر"، أكمل لها بنفس التقطع أمام الدموع مما جعل حديثه مثيراً للانتظار والاستماع بكره له: _مبروك يا بت معاشرتك لناس شبهك. عايزاني أقولك.. والنبي لتيجي معانا؟ لا بصي كده حواليكي انتي في المكان الصح أوي.. ورفع ذراعه السالم من الأذى
والوجع وأشار بنفس التقطع: _مكان فيه واحدة هناك شبهك الفرق انها مش مع اللي غلطت معاه. وواحدة تانية بعدت جوزها عن أبوه لحد ما دخل السجن ومحاولش حتى يخرجه ويترافع عنه.. لحد ما سابه.. ولم يتوقف رغم انفعال البعض. بل حاول من بين وجع جسده وتقطع نبرته وأنفاسه العالية. وأخرج بالقنبلة التي كانت صعبة حادة كشفرة على قلوب الكل وخاصة من كان لا يعلم. خاصة مرة أخرى على قلب كل من "عز وجميلة" ومعهم "فرح":
_لحد ما سابه.. ومات في الآخر. ومش بس كده... دا مات مقتول على ايد أخو برضه واحدة هنا اتجوزت أخو قاتل أبوها. ولا إيه يا "جميلة"؟ هو مش أخو جوزك برضه اسمه "شريف الشرقاوي" على حسب ما سمعت مين اللي اتقتل على ايده المتر الكبير بتاع.. العيلة؟ صدمة بمثابة ماس كهربائي يسري بجسد من كان لا يعلم. نظر "عز" بضياع بعدما اتسعت عينيه فـب صدمة وعدم استيعاب! ضياع لم يكن بعده ضياع. هل كان الأمر غير متوقع؟ ومن شقيقه؟
نزلت دمعة "جميلة" وهي تحرك رأسها بفزع من ما سمعته للتو. كما نظرت "فرح" بصدمة ناحية "بسام" الذي كان يعلم هو الآخر ذلك. فـطالعت "نيروز" وجه "غسان" الذي هرب بعينيه من الكل خاصة هي. ما أن سألت "جميلة" برهبة وهي تتقدم تضع يديها على وجهها بعدك استيعاب: _انت بتقول إيه؟ مـ.. مات مقتول ازاي؟ مقتول!!!! مات مقتول؟ مات مقتول؟ تكرر الكلمات وكأنها لا تصدق. سالت الدموع وكان هذا ما نقص عدم معرفته من العائلة.
الصدمة جعلت السكون والتصلب في الأجساد. فحرك "سامر" رأسه بوجع واندفع يجلس على الأرض من كثرة الوجع الذي لا يتحمله ومن جبروته. أخرج كل هذا وهو هكذا بحالة ليست هينة وكلماته المتقطعة فهمها الكل! مشاهد متتالية أمام عينيه. هل فعل شئ في حياته ليحدث كل ذلك له؟ ود لو تنشق الأرض وتبتلعه. فاق على صراخ "فريدة" التي كانت تستمع من خلف الباب التي فتحته للتو بإندفاع. هل قاتل أباها هو نفسه من اغتصبها؟
_انـــت كـــداب. كـــداب يا "ســــامر". مماتش مقتول. مماتش مقتول. مش" شـــريف" اللي قتله. مش هـــو صح يا "حازم". مش كدة؟ رد عليا بسرعة مش هو. بابا مماتش مقتول.. مماتش مقتول صح؟ مات موتة ربنا زي ما قولتنـا اكيد. رد عليا والنبي يا "حازم"!! حركته بعنف وألم. ألم ينتهي ما فعله "شريف" بها إلى ما فعله معها وفقط؟ هل قتل أباها أيضا بعد كل الحق الذي رده بأبشع الطرق؟
نزلت دموع "حازم" وهو يتحرك بعنف من ذراعي "فريدة" الذي سحبها "آدم" عنوة. فاقتربت "جميلة" تمسك رأسه بلهفة متسائلة بأعين باكية وهي تلثم وجهه: _حازم.. رد يا "حازم". رد علينا عشان خاطري. متوقعش قلوبنا أكتر من كدة. الكلام ده صح؟ رد والنبي عشان خاطري أنا رد. عشان خاطر حياتي رد! مرات عديدة تتكرر. وهذه المرة لم توافقها الحياة أيضاً. ظنت الراحة وأن بحثت فلن تجدها بقاموسها! لأول مرة يعجز "عز" عن التدخل.
في حين خرج رد "حازم" مختصراً ببكاء لم يحاول حتى اخفاءه. فقد استنزف طريق حياته وعقباتها طاقته ومحاولاته حتى على اخفاء ما به. فإلى متى؟ _مكنش عايز ارد عشان حياتك متبوظش يا جميلة! هبطت يديها المرتجفة بصدمة وكأنها أُصيبت بالشلل المتوقف عن الحركة. فسألت بعدها "فرح" بضعف والغير تصديق رفيقهن: _شريف؟ أخويا هو اللي عمل كدة؟ أكد برأسه بمحاصرة. فسقطت القلوب في الهاوية بسكون تحت بسمة "مروة" المتشفية. وبكاء البعض.
لمعت عينيها تنفي هذا بلهفة وهي تنظر نحو سكون "عز" شقيقها بقهر. ورددت وهي تندفع ناحيته: _لأ.. لأ يا "عز" مش اخونا اللي عمل كده مش أخـ.. بتر "عز" قولها ضاغطاً على مرفقها بقوة ومنع هذا بقوله: _متقوليش أخونا. متقوليهاش تاني. أوعي تقوليها!!! تألمت من مسكته بوجع. واحتوت حالته هذه عندما ضمته سريعاً بين ذراعيها وهي تبكي بصوت تخرج منها الشهقات أمام شحوب الوجوه. وقفت "جميلة" تنظر بعجز قبال "حازم" الذي ردد لهم بصوت عالٍ:
_امشوا اطلعوا بره. بره من هنا. من العمارة كلها حالا. لإما هقدم فيكم بلاغ يودي اللي زيكم ورا الشمس. يلا من هـنا!!!! توقفت "زهور" ببكاء وهي تنظر نحو "أسماء" بخذلان. في حين توجع "سامر". وهو يستند على شقيقته فوجد "غسان" يناديه: _يعني انت هتخربها وتمشي من غير ما نودعك يا روح امك؟ دا انت سلمت على دماغي وانا لسه مردتلكش السلام! جحظت عيني "نيروز" وهي تهرول من بين دموعها تسحب ذراعيه بعيدا عنه بترجي:
_عشان خاطري لا ارجع والنبي يا "غسان"، والنبي بلاش أنا خايفة خايفة عليك متقربش ارجوك هم سابوا الحق ربنا هينتقم منهم سيبك منه ومنهم عشان خاطري! حاول "سامر" الخروج بينما عارض "غسان" هذا بتشنج وهو يهتف عاليا ناظرا له:
_بنسكتلك وانت برضه مفيش فايدة في روح امك استفادت ايه كده ها. استفادت ايه لما وجعت بكلامك كل اللي واقفين وجعتهم على واحد مات وشبع موت من غير ما يفكروا هو مات ازاي وجعت واحد ومراته عايزين يعيشوا في هدوء وبالعافية رجعوا من تاني عشان اللي لي بينهم مكنش بيقول انهم هيرجعوا قولي بقا سبب واحد يخليك تعمل كل ده غير انك واحد *** تشنجات تعابيره توحي بحرقته عليهم وكأنه وعى أنه يلومه فردد بتهكم أمامه وأمامهم له:
_أنا بلومك ليه يا و** دا قليل الاصل ممنوع عتابه عشان عويل في حضوره وغيابه وغيابك عن الدنيا كلها هيكون على يد**ي يا *** كانت سبته سبه نابية لاقت على شخص الآخر بقوة. تمسكت به "نيروز" بترجي على الرغم من ان والدتها وشقيقتها يسحبونها من جواره ولكنها رفضت وهي تتمسك بكفه بتوسل حتى بعدما حاول التملص منها وهو يكمل: _دا ينعل أبو حقي اللي سيبتهولك بس حق كسرتهم مش هسيبهالك يا أنا يا انت يا سامر. يا انا يا انــت!
كان هو من بينهم من تدارك العقل والوعي. هل قصد للتو كسرة "حازم وعز وجميلة وفرح وفريدة" هما الاخرتان؟ تمسكت"نيروز" بسترته بترجي أمام سكون الكل وتركه "بدر" من قبل يجيب على الاتصال بعيدا عنهم في الشرفة مجيبا علي الفرقة التي اقتربت بقوة! لاخذ "حسن". استند "حازم" بضعف على الحائط مخفيا وجهه بين كفيه ناظرا نحو الأعلى والأصوات في الخلفية لم تخرجه عن صمته الذي خرج بقوله الباكي بقلة حيلة: _يارب. يارب انا تعبت أوي والله!
والآن ليس لديه شئ ليتماسك قليل الحيلة ليس بيديه أي شئ كما وقف "عز", بمنتصف الصالة عقله من يركض بمكان آخر غير هذا المكان متحاشيا النظر نحوهم وبجانبه"فرح". حاول "غسان", التملص منها ونجح في ذلك عندما سحب ذراع "حازم", بقوة مرددا له بعنف وهو يحركه بعنفوان: _فـــوق يا "حـازم". فـــوق يالا. فـــوق بقولك!
لم يجد منه أي قوة فبحث بعينيه مطالعا ضعف الكل. فمد يديه سريعا يخنق "سامر" بإنفعال جعل "آدم" يركض ليكمل بقية الحق منه. وقع "سامر" أرضا متلقيا ضرباتهم بصراخ. صراخ لم يجعل أي منهم يتدخل بل استمرا هكذا ومن حاول التدخل كان سكان العمارة بفصلهما عنه وهم بالداخل تائهين بالبكاء والاحتواء وصراخ "حسن" من جديد.
صراخ هنا وصراخ هناك وصراخ آخر مكتوم. ولم ينتهي كل ذلك إلا بإدخال "غسان وآدم", الشقة عنوة وآغلاقها عليهم بواسطة "بدر" الذي تدخل مع السكان. _خلاص بقا. اهدوا. وقف "حامد" على بعد بأعصاب متروكة. آخذا ابنته بين ذراعيه ومعه زوجته. جلست الفتيات بصمت. عدا "نيروز" التي اندفعت ناحيته ببكاء متلمسة رأسه فسحبها بأنفاس عالية لتجلس بجوارهم بعدما عارض وخرج من الغرفة لأجلها!
توجهت النظرات نحوه هو نحو "حازم" لا يعلم أيرى بهم لوم ام شفقة ولكنه صمت ولم يجد جواره سوى "ياسمين" التي عانقته تحثه على الصمود وقد هبطت دموعها على حاله هو! من وقفا كانا هما "فريدة وجميلة" التي لم تتوقف عن البكاء. والتي اقتربت من "حازم" مع شقيقتها التي هتفت بتساؤل: _ليه؟ ليه خبيت علينا الوجع ده كله؟ ليه يا حازم؟ توقف قبال هذا السؤال وهما ينتظرانه. فحرك رأسه بوجع. مرددا بإختناق:
_عشان ميحصلش اللي حصل ده. عشانكم. عشانك يا فريدة كنت عارف انك مش هتقدري تستحملي الصدمة. حتى انت يا جميلة خبيت عشانك انت وعز. وعشان حياتكم مع بعض! _واستحملت ده كله لوحدك يبني؟ اتحملت كل ده ياضنايا؟ كل ده مخبيه في قلبك وساكت؟
كان هذا سؤال "عايدة" التي نزلت دمعتها بوجع عليه. فحرك عينيه بعيدا عنهم وظهر الضعف أمام الكل. فعانقته سريعا بعاطفة جعلته ينهار بين ذراعيها التي احتوته كما احتوت شقيقته و"فريدة" التي ارتمت بين ذراعي "ٱدم" الذي ربت علي ظهرها بتعب هاتفا: _خلاص يا "فريدة". متعلميش كدة فيا وفي نفسك ارجوكي!
"عز"..هو وحده من وقف هكذا بأطراف باردة وأخيرا قد لمعت عينيه التي هربت من رؤيتها ما ان خرجت "جميلة" من بين ذراعيهم واقتربت منه هو. كانت تتوقع بأنه سيأخذها في عناق. ولكنه وقف هكذا هاربا من عدستيها أمام الجميع وتحرك ليرحل حاملا كل التعب ولكنها وقفت أمامه فحاصرته وطالبته بالنظر ناحيتها بحكم عدستيها اللامعة الذي نظر هو لهما وهتف بأسف وضعف دون مقدمات وذهبت منه كل التبريرات. بل هو حقا لا يملك تبرير واحد!
_أنا آسف يا "جميلة". آسف من كل حاجة. وعايزك تعرفي ان انت الوحيدة اللي حبيتها وهفضل أحبها مهما حصل. بس المرة دي مش قادر.. مش قادر ولازم امشي يا بنت الناس.. ماذا قصد؟ اتسعت عينيها الباكية و ارتجف جسدها بالكامل وهي تطالعه بغير تصديق ووجع ورددت في تقطع وخوف: _عز!! ..انت بتقول ايه يا عز؟ متمشيش وتسيبني. متعملش كدة عشان خاطري! ماذا التشبت الذي جعل عينيه تلمع بكسرة؟
ابتلع غصة مريرة بحلقه وضاع كل شئ منه. ضاعت هى الأخرى منه ولأول مرة لا يستطع التمسك..تمسكت بذراعيه بتشبت قبال بكاء شقيقته فأهبط يديها مرددا بأسف مجددا: _مش قادر..مش قادر أبص في عين حد. مش قادر ابص في عينك. أنا آسف! تركها بعدها مقتربا من الباب متحكما في دموعه كي لا تهبط قد سقط الجبل هو الآخر. مسح الدمعة قبل ان تسقط ومن كان حمولا ضاعت طاقته في هذه المرة الآن ينتظر فقط لحظة انفراده بذاته ليخرج كل ذلك بأي طريقة!
كــسىرت عينيه بطريقة بشعة! لم يقوى أحد على منعه. ولكنها فقدت القدرة على الركض خلفه فجلست على الأرض ببكاء تناديه من خلفه: _متمشيش يا "عز". متسبنيش. أنا بحبك والله العظيم. بحبك ومش هقدر من غيرك. والله مش فارق معايا. مش فارق معايا يا عز خليك. متكسرنيش بالله عليك. استنى!!
إجتمع الكل حولها خاصة "حازم" و"والدتها" وشقيقتها و"نيروز" التي هرولت لها وهي تترجاه هكذا. لأول مرة يدير ظهره لها ضاغطا على قلبه الذي اعتصر من توسلها. خرج من الشقة وهرولت "فرح" خلفه تختاره ببكاء ولم يتوقف إلا عندما ركض "غسان وبسام" له أولا محاصرينه فتوقف يمسح وجهه قبال سؤال "غسان": _انت رايح فين يا "عز". مينفعش تمشي. هتسيب مراتك؟ هتسيب اختك؟ بــحت نبرته وهو يطالع عيني "فرح" الباكية وقال بإنهاك له:
_همشي. عايز الاقي نفسي. عايز أعرف ليه الدنيا معانداني كدة!! نزلت دمعته وتحشرجت نبرته وقبل أن يختفي مهرولا على السلم تمسكت "فرح" بكفه بتشبت. فدفعها بقوة حتى اصطدمت بصدره. ضمها بقوة وظهرت نبرته المختنقة وهو يهمس لها: _سامحيني يا فرح! لم تفهم مقصده. أخرجها من بين عناقه ونظر ناحية "بسام" وأوصاه بنبرة مهتزة: _امي واختي أمانة عندك يا بسام. خلي بالك منهم!
تملص بيديه منهتا وترك بكاء شقيقته هو الآخر مهرولا. ماسحا وجهه. رحل لمكان لا يعلمه. مكان بجد به نفسه أولاً، كي يعود. ولكن هل سيعود بعد كل هذا؟ شهقت "فرح" بقوة وهي تنادي بعزم قوتها صارخة: _اســـتنى يا عز، استـــناني، متمـشــيش!!! تمسك بها "بسام" وهي تحاول الهرولة خلفه، ولكنه تعمد تركه في هذا الحالة. بينما هي بكت بصوت، وسكنت نبرتها عن الصراخ وهتفت بوجع، وكأنه يستمع إليها:
_والله ما هقول عليه اخونا، بس ارجع، ارجع ومتسيبناش!!!! كسرتها واستستلامها السريع جعل "بسام" يأخذها بين ذراعيه مردداً بقسم: _والله هيرجع، هيرجع يا فرح والله !! طالعها "غسان" بشفقة، جعلته يعتدل محاولاً أخذ أنفاسه وحث شقيقه قائلاً: _يا تاخدها وتمشي وتجيب امها، يا تروح معاهم هناك، أم عز مينفعش تكون لوحدها في البيت!
حرك رأسه موافقاً، فتركه "غسان" ودخل حتى وجد "جميلة" انتقلت على الأريكة جالسة بصمت، ما بعد البكاء تلقت صدمات كثيرة. هي الآن بين ذراعي "حازم" ومن الناحية الأخرى "نيروز" التي تبكي لأجل حالتها هذه وهي تردد بين الحين والآخر بغير تصديق لما يحدث: _أنا مستاهلش كل ده، مستاهلش والله العظيم! _أنا عارف، عارف والله، حقك عليا أنا، عز هيرجع والله العظيم، هيرجعلك. أنا متأكد، مش هيخون وعده ليا مش هيكسرك!
نظرت إلى شقيقها بوجع، واستندت عليه بتعب. هل حقاً رحل وتركها؟ ركضت "وردة" ناحية الشقة الأخرى ما أن استمعت لبكاء صغيرها ورحلت خلفها "سمية" ترى الصغير في حين انسحب "حامد" بابنته لأجل نفسيتها ووقف "بدر" يخبر "حازم": _قوم يا حازم، فوق وفوَّقهم كدة، العربية واقفة تحت وهم طالعين دلوقتي ياخدوا حسن!
وكأنه يخرج من شئ ليدخل في شئ آخر. وافق برأسه وخفق قلب "زينات". فنهضت "جميلة" تقف بخواء بجوار "نيروز" والفتيات واعتدلت "فريدة" تمسح وجهها بالمنشفة الورقية الذي أخرجها لها "آدم" وهو يرسل لها الأمان في ابتسامته هامساً جوار أذنها بعيداً عنهم: _بالله عليكِ ما تعيطي تاني يا شاطرة، كفاية وجع لحد كدة، متفقناش نرجع لورا بالشكل ده، انتِ مستعدة تبقي زي ما كنتي؟
نفت "فريدة" برأسها فشجعها بنظراته لها الآمنة. ووقف "غسان" بجوار "نيروز" حتى فتح "حازم" الباب لـ "حسن" الذي اندفع يقف بقلة توازن وخرج من الغرفة ينظر بأعين زائغة. تقابل مع "زينات" التي هرولت تعانقه بقوة. فلم يبادلها ذلك ملاحظاً بكاءها من على بعد. أول شئ قد انتبه له كانت هي. ولكنها ليست بمفردها كالعادة، بل بجواره هو بجوار "غسان" ومعدتها أيضاً بارزة بحملها منه. هل يوجد أكثر من ذلك؟
لمعت عينيه التي تعلقت بها بضغط من "غسان" التي تمسكت هي بذراعه بتشبت. وقبل ان يسألها عن حالها سمع دقات الباب فلم ينتبه إلا لدموع "جميلة" الذي لم يتناسى عناقها له بآخر مرة ومساعدتها له لي الهروب من "غسان"!
اقترب "حسن" بنفسه يقف أمام "جميلة" فأمسكت "نيروز" سترة "غسان" بخوف من ان يفعل له شئ. ولكنه طمأنها بذراعه الملتف على كتفيها وحينها كان ينظر نحو "جميلة" الذي صدم البعض من ما فعله معها عندما رفع أنامله يمسح وجهها بتعب. ولكنه أيضاً يحتاج عناق واحتواء بهذه اللحظة معتقداً ان ما به سيزول بمجرد ذلك.
ما يعتبر مفاجأه هو انها تفهمت طلبه فرفعت "جميلة" ذراعيها تمسح على وجهه من بين حالتها هذه وضمته بعناق. كما وجدت ما يريده من فقد الاحتواء بين عدستيه الحمراء. دخل "حسن" بقبول بين ذراعيها فربتت هي على ظهره كما ربت على ظهرها أمام جراءة "فريدة" وهي تقترب منهما. رآها تقترب بتردد من خلف ظهر "جميلة" التي همست له قائلة: _متخافش! فنظر لها مطولاً حتى خرج بصمت يطالعها وطلبت "فريدة" منه بتردد: _هو ينفع أنا كمان يا حسن؟
كان هذا طلبها أمام الأعين رغم انها تهاب قربه ولكنه حثها كما حثت نفسها على القوة. أمام فخر "آدم" بهذه القوة حتى من بين هذه الحالة ولكن الآخر هاب طلب ذلك منها فصمت ولم يفتح اي منهم الباب الٱن إلى ان ينتهي هذا المشهد المتأثر بينهما. لم تجد منه قبول بل وجدته يوزع النظرات بينها وبين "آدم" الذي اقترب يحثه على فعلها عل صداقته تشفع له ويجد منه القبول أمام انه يترجى بعينيه على أن لا يرفضها كي لا تنتكس!
مد "حسن" كفه ناحية "فريدة" التي نظرت له بتردد. فوضعت كفها بين راحته ما ان شجعها "آدم". فسحبها "حسن" ناحيته بقوة وضمها ضمة أكثر من الضمة الأولى وكأنه كان ينتظر هذا. لم يتأسف لم يردد شئ ولكنها من ربطت ذراعيها خلف ظهره ووعدته قائلة بآختناق وهي تغمض عينيها أمام عيني "أسماء", اللامعة: _كل ده هينتهي قريب، كل ده هيخلص يا حسن وعد!
فتح "بدر" الباب للفريق فنظر الكل وأشار لهما عليه بعدما تحدث معهم ووقف "حازم". فإلتفت "حسن" ينظر بغير وعي. وتفاجئ بتقدمهم ناحيته في محاولة لسحب ذراعيه بالهدوء ولكنه دفعهم بذراعه بعنف وهو يهتف بتساؤل: _انتوا مين؟ انتوا مين وماسكينِّي كدة ليه؟ ابعدوا عني!!! لم يبتعدوا عنه بل احكموا مسكه فحاول التملص وبرقت عدستيه الحمراء ما ان اخبره "حازم": _دول من المصحة اللي لازم تروحها يا حسن!
نفى هذا برأسه وحمل منهم أمام الأعين اللامعة. وردد وهو يمد يديه يتمسك بكف "فريدة" بتشبت وخوف: _لأ ..لأ مصحة لأ يا "حازم" أبوس ايدك، لا والنبي، شيليهم عني، شيليهم يا "فريدة"..الحقيني يامه، الحقــيــني والنبي!!! منعها "حازم" من الإقتراب أكثر فظل "حسن" متمسكاً بكف "فريدة" التي بكت وهي تأبى تركه. وصرخ مجدداً وهو يعاند السير والتحرك معهم:
_ابعدهم عني يا "آدم"، ابعدهم يا صاحـــبي لو بتحبنــي، مش هقدر ومش عايز اروح، ابــعدوا عنــي! أخفى "آدم" وجهه بضعف. هو الٱخر كان هكذا بنفس المشهد مع شقيقه ومع "غسان" حاول التملص مثله كما تملص الٱن وفشل ما ان تلاقت عينيه الباكية مع "نيروز" وهو يصرخ مجدداً: _اعملوا اي حاجة، شيليهم يا "نيروز"، اختاريني المرة دي عشان خاطري، قوللهم يسيبوني، هم هيسمعوا كلامك، هيسمعوه والله وهيضعفوا قدامك زيي، قوليلهم بس، قوليلهم بسرعة!
أخفت وجهها بمقدمة صدر "غسان" ببكاء والذي احتواها متحملاً نهاية كل هذا. فحمل منهم مجدداً قبال توسله: _لا يا حازم لا، خليهم ييسبوني يا خويا، والنبي تشيلهم عني!!!
بكى كما ظهر بكاء الكل من بين رفعه هكذا بقوة وبالإجبار ترك كف "فريدة", عنوة على الرغم من انها تمسكت به بكل ما تملك من ارادة. تعالى بكاءها وهي ترفض تركه حتى سارت بفعل يديه المتمسكة بها وهو يحمل هكذا. يديهما تتمسك ببعضهما كصغار. كل خوفهم هو الطريق والمارة وهما يسيران بجانب بعضهما. تلاشى هذا التماسك وعندما وجدته يبتعد شئ فشئ رددت ببكاء عال: _هستناك، هستناك والله العظيم يا حسن، معلش، أنا آسفة، آسفة.
خرجوا به من الباب وخرج خلفهم "بدر" يلازمهم للأسفل مع "حازم" بينما ركضت "فريدة" مع "جميلة" ناحية الشرفة ليتابعوه إلى النهاية مع "ياسمين" و"أسماء" و"زينات" و"عايدة". سحب "غسان" كفها معه ناحية الخارج وقرر الصعود والبعد بها عن هذا المكان. في حين خرجن من الشرفة مجدداً، واختارت "جميلة" مصيرها عندما توجهت بنفسها ناحية غرفتها بصمت وسكون وأغلقتها خلفها ترفض قدوم أحد خلفها. فتمسك "آدم" بها حاملاً حقيبتها وهتف يبعدها:
_يلا يا فريدة! تعلقت عينيها معه ونظرت فوجدت الكل هكذا ينسحب انسحاب تام باستسلام. دعا ربه بعدم الرفض منها، واستجاب دعاءه ما إن تمسكت بكفه وحتى والدتها لم تقوى على أن تنهض لتودعها بل نظرت لها من على بعد بسكون جعل "فريدة" تتركه حتى تذهب لاحتضانها بوجع. فتوقف ينتظر ما إن كانت ستعود أم لا، ولكن حثتها "زينات" بضعف: _امشي يا فريدة، أنا هبقى كويسة متخافيش بس امشي! _بس أنـ... بترت "والدتها" هذا الحديث وهي تترجاها قائلة:
_عشان خاطري روحي مع جوزك، هبقى أطمنك، بس متفضليش هنا! وقبل أن ترفض وجدتها تكرر الكلمات مراراً وتكراراً إلى أن وافقت "فريدة" وهي تطالع باب غرفة "جميلة" المغلق. فلملمت المتبقى لها من الثبات واختارته ما إن اقتربت بعدما فهمت أن الكل ذهب إلى نفسه الآن، ونفسها هو "آدم" التي ذهبت له تتمسك بذراعه. فسحبها معه مشيراً لهم بالوداع وأغلق الباب خلفهما بعدما رحل.
يحاول التخفيف عنها بكل ما يملك من إرادة، صعدا معاً، ولكنه وقف أمامها وهي ترتدي رغماً عنها. لم ترض الخروج ولكنه أخرج لها ثياباً وأجبرها بحنو كي لا تستمر بين هذا الضغط. يجب عليها الخروج في الحال قبل مجيء اليوم الثاني. لذا بعد الوقت الذي مر، التفتت تطالعه باستسلام وقالت بصوت هادئ مستسلم: _أنا خلصت، بس مش عارفة ليه مصر نخرج من بين الظروف دي كلها!
وقف "غسان" ينظر ناحيتها بصمت، فأدركت هي على الفور ما فعلته من فتور. فاقتربت تبرر قولها الذي ظهر به الضيق والرفض مع الاستسلام الهادئ: _مش قصدي بس أنا مكنتش حاسة إني عايزة أمشي. أنا عارفة إنك خايف عليا بس أنا مليش مزاج. أنا زعلانة فعلاً على جميلة وحازم فمش حاسة إني هقدر. طالع تبريرها بصمت، فمسح وجهها بكفه برفق واستسلم قبال رغبتها ونبرته وأرى خلفها خبثه في جعلها تقبل على الموافقة:
_أنا عارف إنك زعلانة بس أنا عايز أمشيكي من كل ده عشان متتعبيش، لكن براحتك لو الخروج ضاغطك أوي كدة بلاش منه! هل حقاً استسلم؟ أم أن هذا خبث منه؟ ابتسم نصف ابتسامة ونظر لها فوجدها تتخبط وأمسكت كفه بلهفة تسأله: _انت زعلت؟ _أنا زعلان عشانك انت! ابتسمت "نيروز" بحب على تصريحه ورغم أن الأمر يتطلب احتواءها ولكنها هي من بادرت بأخذه في عناق مريح وهتفت بنبرة أهدأ:
_بس أنا مش عاوزاك تزعل علشاني. أنا لو مش هزعل من حاجة فـ ده عشان انت معايا. انت استحملت كتير معايا أوي، بس تصدق فعلاً إني ندلة؟ خرج "غسان" يستفهم بنظراته بخبث أخفاه، بينما هي نظرت له وعدلت طرف حجابها ووضحت رغم حزنها: _آه، علشان استوعبت إني برفض طلب إنت بتطلبه عشاني أصلاً. تعالى يلا ننزل؟ هل استوعبت للتو؟
هذا الفراق جعلها تعي أن اللحظات لا تعوض، وأن الحزن ليس دائم كما السعادة ليست دائمة ومن الممكن أن تذهب بسرعة فتتمنى عودتها من جديد. اتسعت ابتسامته من سير ما يريده بترتيب، فحرك رأسه يوافقها واحتفظ بالهاتف بجيبه. فخرجت تبحث عن حذائها الذي حمله من خلفها، فالتفتت تبتسم له بحنو وجعلها ترتديه بواسطته وسألها يلهي كل ذلك: _عايزة نروح فين؟ أجابته "نيروز" بسؤال وهي تبتسم بهدوء: _لما بتكون زعلان ومتدايق بتروح فين؟
تفاجئ من هذا السؤال، وضحك بخفة يخبره بصراحة أمام سعادته في محاولاتها لإضاءته، فهو كان لا يرى هذا من قبل منها: _بروح عند "شادي"، ويا إما البحر أروح أصطاد يا إما أشتري لبس جديد! صمتت قليلاً ووجدته يرتدي حذاءه بعد ذلك مردداً بمزاح: _اختاري بقا! _أنا بخاف من البحر بليل! التقط هذا الخبر بإحتواء، فتوقف يدخل خصلاتها التي خرجت رغماً عنها من الجانب وابتسم يخبرها برفق: "خلاص نروح نشتري لبس جديد؟
تعالي نجيب شراب كتير لينا وليهم ونشرب لمون بالنعناع وتشتري كمان اللي انتِ عايزاه! أسعدها قوله ووافقت، فأخذها بين ذراعيه مردداً وهو يحاول محو أي شيء بخوف شديد على حالتها النفسية التي من نتائجها الانهيار المفاجئ: "أنا عايزك متفكريش في أي حاجة، انتِ زعلك بالنسبالي مصيبة، وفرحتك مسئوليتي، سيبيلي المسئولية دي وسيبيلي نفسك خالص وانتِ مطمنة!
أثر بها قوله فربتت على ظهره براحة وتلمست معدتها البارزة بإطمئنان، فهي الآن تعايش معه ما كانت تتمناه وما كانت تعتقد بأنه ذهب منها. طالع معدتها بسعادة وصبر لصغاره، وفي الخلفية كان خوف عليها وعليهم، فهي تعد خطر الآن على نفسها وعلى صغارهما، وهذا ما جعله يعاملها بحذر وحب مضاعف. هي لديه شيء آخر، شيء لم يتوصل له أحدهم ولا يعلم ماذا فعلت هي! "فكرني أفكرك نجيب لـ "وسام" حاجة واحنا راجعين عشان نفسيتها مش متظبطة!
ابتسم من هذا الإهتمام وأغلق الباب وهو يخبرها بصدق: "كنت هعمل كده! تذكرت والديه فسألته بإهتمام آخر وجعلها تنخرط بهذا غير التي كانت هي به من قبل: "طب طنط وعمو؟ "ما احنا هنجيبلهم خلاص مش احنا اتفقنا؟ جاوبها بهذا بثبات ومراوغة وهو يدخل معها المصعد، فسألته بإستفسار وعدم انتباه: "هنجيبلهم ايه؟ "بنتين توأم!
ضحكت "نيروز" بخفة وهي تطالع وجه الثابت بملامحه الهادئة بعينيها، أزالت رمشة كان قد وقعت، فابتسم قبال هذا محاولاً إخراجها من أفكارها وحزنها بأي حديث عبثي، فأقترب هامساً بجدية: "فكريني أجبلك حاجة مهمة انتِ كمان! سألته "نيروز" بعينيها التي رفعتها تواجهه بها قائلة: "ايه؟ غمز لها "غسان" بعبث وأقترب يرد بثبات مع بسمته الواسعة بجراءة: "عباية سمرا! ضحكت هي هذه المرة وتمسكت بكفه حتى خرجت من المصعد وهي تنظر له
وردت على ما يريده قائلة: "وقح ومبتنساش أبداً!! ضحك عالياً وحرك رأسه مؤكداً وفتح السيارة تزامناً مع قوله العميق بعدما التفت ينظر لعدستيها: "مينفعش أنسى حاجة تخصك!
حتى كلماته تجعلها مثل الفراشة في أضعف أوقاتها، إن ضعف إحدى جناحيها يحاول استغلال الآخر ملقياً له الدواء بكلماته وأفعاله حتى تعود لتحلق من جديد دون وجود ما يمنع ذلك أمام عينيه وحرصه. نظرت بشرود ناحية الشرفة الزجاجية الذي أغلق نصفها كي لا تصاب بالتعب، شرودها كثير بأشياء مختلفة ولكنها الآن شعرت بأنه بين يديها ومع قلبها شيء لا مثيل له. هي كانت لا تريد أكثر من ذلك، حركت رأسها ناحيته ورددت بإندفاع دون مقدمات:
"ممكن أعترفلك إعتراف؟ حرك "غسان" رأسه ناحيتها بخفة، غامزاً بقوله المرح: "ايه؟ بتحبيني؟ ظن أنها ستنفى بغرور ولكنها أكدت بحركة رأسها وخرجت نبرتها المتأثرة له:
"أنا بحبك أوي يا "غسان" وبحب محاولاتك وحتى خوفك كمان.. خوفك هو الحاجة الوحيدة اللي دايمة كل حاجة بينا، حتى في وقت بعدنا مقدرتش تمنع ده. أنا آسفة عشان حسستك ان انت اللي بتحب وبتخاف أكتر، بس أنا كمان مببقاش عارفة أعبر ولا أتكلم بس الوقت اللي بعدنا فيه علمني ان كل حاجة بتروح بسرعة وببقى هتمنى ان الوقت يرجع تاني عشان أقول كلمة واحدة بس مكنتش بعرف أقولها أو أبينها الأول. أنا بحمد ربنا عشان انت في حياتي واللي مفيش في حياته غسان خسران وبيخسر كتير أوي!
هو نفسه لا يصدق هذا التطور وهذه الكلمات التي خرجت منها، لأول مرة تعجزه هكذا. انتظرت منه الرد أو تعابير توحي لها بأنها تحدثت وسمعها، ولكنها استنكرت ما إن وجدته يلتفت بوجهه مردداً بحرج لم يظهر من قبل ولكنه كان زائف وقتها مما جعلها تضحك وهي تستمع لكلماته: "مع إنه عيب أوي، بس تصدقي؟ ثبتيني يا بنت الأكرمي! "محدش غيرك شاطر في التثبيت!
رددتها بمشاكسة خفيفة جعلته يضحك ناظراً ناحية الطريق بينما هي طالعته بملامحه لوقت ثم عادت تنظر ناحية المرآة. هنا وبنفس ذات المكان كانت قد اندفعت له من قبل بغيظ ما إن قال لها بأنها ثمينة! كانت تعلم أنه كاذب ولكنه برر أنه أمام عدستيها لا يجيد الكذب أبداً! وكأن الماضي يعود بشكل مختلف ما إن وجدها تنظر لنفسها بالمرآة فعزز الثقة الذي حاول تقليلها بقوله الكاذب بسبب ملابسها الضيقة من قبل وهتف بصدق هذه المرة: "بطل!
توردت وجنتيها بخجل وإلتفتت برأسها تنظر ناحية الشرفة ووضعت يديها تتلمس معدتها بحذر وكأنها تطمئن، وما إن وجدها مندمجة هكذا شرد بأمرها من جديد وهو ينظر ناحية الطريق! _نحيب وبكاء ما إن علمت ما حدث لولدها، محاولات كثيرة كي تطلب رقمه ولكنه مغلق، خارج نطاق الخدمة. ماذا فعل؟ أين رحل؟ أين هو؟ أسئلة كثيرة تسألها والدة "عز" بوجع، وآخر قول قالته أمام نظرات "فرح" و"بسام": "مشي؟ مشي ازاي؟ مشي وهو زعلان مني؟!
نزلت دموعها بقهر وهي تضرب ركبتيها أمام محاولات "بسام" لها كي تهدأ هي وبكاء "فرح" بصمت. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تتحسر بوجع له ما إن علمت ما فعله شقيقه من الأب: "طول عمره حمال أسية، طول عمره شايل في قلبه وساكت. أه يا وجع قلبي يا عز، يا وجع قلبي يا ضنايا. انت فين؟ روحت فين دلوقتي يا حبيب أمك!!!! ووضعت "حنان" يديها على وجهها بقهر وهي تسأل مجدداً: "طب راح فين بس ياربي؟
والله ابني غلبان، غلبان ومش حمل كل ده. هاتولي ضنايا، ازاي تيسبوه يمشي وهو موجوع كده؟ كل ده بسببي بسببي أنا. ربنا يسامحني.." لم يتوقف بكاءها وحاولت "فرح" أن تعانقها وتحتويها، فوقف "بسام"، يفتح زجاجة المياة بعدما أشارت له "فرح" على الدواء الذي فتحه وحثها برفق: "خدي الدوا يا أم عز، خديه. و والله هيرجع أنا متأكد انه هيرجع! واضاف أمام بكاءها وشهقاتها و"فرح" تتمسك بها:
"أنا هحاول أوصله، بس كفاية اللي بتعملوه ده، كل ده مش هيحل والله! استهدوا بالله بس كده! وخلى أملكم في ربنا كبير! التقطت منه الدواء بحسرة، وساعدتها "فرح" على أخذه. ومن ثم ضاع كل شيء. لم ترض حتى التحدث، بل تسطحت على فراشها وهي تتمسك بالهاتف مجددًا. تسيل منها الدموع، رافضة حتى تواجد ابنتها. بل هتفت بنبرة باكية: "اطفي النور وسيبني لوحدي! قومي! هل ستتركها تؤنب ضميرها؟
استسلمت لذلك وهي تغلق الضوء، واضعة يديها على وجهها وهي تخرج خلف "بسام". وما أن أغلقت الباب، حاولت كتم هذا البكاء ولكنها فشلت. ما أن تلمس "بسام" ذراعيها بلهفة، ودفعهها ناحية أحضانه من جديد، ربت على ظهرها بوجع لها: "متعيطيش عشان خاطري يا "فرح"! انت مش عارفة دموعك دي بتعمل فيا ايه! بالله عليكي متعيطيش! وأنا هدور عليه! هيرجع والله. هيروح فين يعني؟ هو بس صعبت عليه نفسه فمشى. بس مسيرة يرجع ملوش غيركم!
شهقت بتمزق بين ذراعيه وقالت بتقطع، تصرح له: "عز أول مرة يسيبنا ويمشي كده! أول مرة في حياته أقوله متمشيش وانا ماسكة فيه وينزل ايدي بالقوة ويلف ضهره ليا! عز اتكسر أوي يا بسام! سحبها ناحية أحد المقاعد فجلست برفقته، حتى دفع رأسها برفق لتستند على كتفه. مرر يديه على ظهرها بإحتواء، وأكملت وهي تتستند عليه بألم، وخرجت نبرتها المنهكة تفسر: "أنا شوفت! شوفت كسرته! دا عمره ما سابنا يوم واحد في حياته! مشى ازاي يا بسام؟ مشى ازاي؟
دا مكنتش بيقدر يعمل كده! اللي حصل حاجة كبيرة أوي عليه وعلى قلبه! قلبه اللي اتهلك وعايش بيه مهلوك وساكت ومببتكلمش! أنا عايزة أخويا يا "بسام"! عايزة اخويا! أجهشت في البكاء بوجع، فربت على ظهرها بلهفة، وحاول التماسك لأجلها وهو يردد بمواساة: "هو سايبك أمانة وعارف انك معايا واننا مس هنسيبك انت ومامتك يا فرح! واعي كفاية ووعية ده يخليني أقولك انه هيرجع!
اللي يخليه يعيش كل ده من غير ما يهرب منه مش هيخليه يعرف يهرب ويمشي المرة دي! استهدي بالله بس وقومي اتوضي وصلي بدل الدموع دي كلها! ادعي وان شاء الله خير وربنا هيتقبل منك! إعتدلت بعدها تمسح وجهها برفق، فنظر ناحية قميصه الذي ابتل من دموعها. فنظر موضع نظرها وشهق بطريقة زائفة يلومها بمرح كي تضحك: "نهارك مش فايت! دا أنا لسه جايبه جديد!!!! راضته بضحكة خفيفة من بين الدموع، فحرك رأسه بدراما متصنعة وقال: "دي عين "غسان" أكيد!
عشان كان عايز ياخده وأنا مرضتش!! ابتسمت "فرح"، فمال يتمسك بكفها ونظر إلى عدستيها بقوة. فمد أنامله يمسح عينيها محاولا التخفيف عنها قائلا: "كدة؟ دا انا كنت هموت على روتين رموشك! الظاهر ان عيني وحشة أوي! كان لازم أقول ماشاءالله عشان انت عينك جبارة أوي!!
ابتسمت ابتسامة باهتة تحولت لضحكة من أسلوبه، وكل كلماته الأولي تخفف عنها وتدعى السكينة لتأت لها. حاول ازاحة حجابها برفق، والتي خلعته ما ان دخلت بإختناق، عدا ما أسفله الذي يخفي خصلاتها السوداء. خلعها عنها بحنو، أمام حرجها ومرر كفه على خصلاتها المرتبة من الأمام وهتف بإعجاب يشاكسها: "دا انت كمان شعرك حلو زي عينيك؟ أكدت فضحك بخفة على غرورها الزائف دائمًا. مسح وجهها بأنامله ونهض معها ناحية المرحاض، فتوقفت تسأله:
"هو..هو انت هتمشي؟ "لأ! هفضل هنا! مكان ما تروح "فرح", رجلي على رجلها! ابتسمت تراضيه وأمسكت كفه تسحبه ناحية غرفة ما قائلة: "طب تعالى نام في أوضة عز! أكيد تعبت والشغل كمان مش راحمك! أنا آسفة على تعبك ده! رفع حاجبيه في دهشة من قولها وتمسك بكفها ووقف رافضا التقدم. فنظرت له بتوتر من صمته إلى أن هتف هو بحزم: "أوضة عز؟ يعني أنا جوزك وهتنيميني في أوضة عز؟ تركت كفه بخوف ونظرت له بريبة من تحوله. فضحك سريعا بخفة وهو يتقدم
ليحتضنها مبررا بسرعة: "والله بهزر! مالك خوفتي ليه كده؟ أنا هخليني هنا على الكنبة متعود على الذل ده متخافيش! غسان معودني! عادت أنفاسها لها من جديد وضحكت فرح" هذه المرة على كلماته المازحة واستدعت المحاولة في الرفض ولكنه قطع هذا وهو يحثها: "يلا خشي اتوضي! واففته. ومدت ذراعها على الرف الزجاجي بجوارها تجلب له المصحف وطلبت منه بهدوء: "ممكن تقرأ منه بصوت عالي عشان أسمعك! أنا لما بسمعه منك وبصوتك الهادي برتاح أوي"
سعد "بسام" سعادة بالغة من هذا الطلب ووافق وهو يأخذه منها وأماء برأسه فابتسمت قبال بسمته وهو يتحرك ليجلس في انتظارها ما ان ذهبت هي إلى المرحاض لتتوضأ. وجد بها ما كان يتمنى بأن يجده. وهى وجدت به ما كانت تتمنى بأن يكون مثل شقيقها الذي رحل. تمنت رجل يشعرها بالأمان والآطمئنان. تمنت من لا تهاب منه وتستطع الجلوس معه بمفردها دون خوف!
تمنت ملتزمًا، خلوقًا، مراعيًا لها. وتمنى هو الآخر من تسحب يديه ناحية الالتزام أكثر كما يفعل معها. فهو وجدها الآن تبحث عن الراحة ووجدتها بكلمات الله!! وهو من سيقرأها عليها!!
وقفت بتعب أمام المرآة بعدما بدلت ملابسها. تركته في الخارج مع شقيقته وأولادها من المؤكد أنه أخبرها بالمختصر بعدما حثها على ان تدخل لتبدل ثيابها. ارتدت قميصا لأسفل ركبتيها كي تستطع وضع الدهان على جرح ساقها الكبير الذي كان قد فعله لها شقيقها ولم تتعمد تفسير ذلك لـ "آدم". في كل مرة تلمع عينيها بالدموع كلما تتذكر أن من أغتصبها هو نفسه قاتل والدها!
أفضل شيء قد حدث أنها تحاول إلهاء نفسها كي لا تنتكس من جديد. تحاول إبعاد كل شيء عن عقلها بعدما أدّت فرضها قبل قليل، داعية ربها بذلك، مقررة الذهاب غدًا والحجز لجلسة إضافية قبل أن يحدث لها شيء. بماذا ستفيد الدموع؟
هكذا سألت، وداخلها لا يقتنع بهذا السؤال. رفعت ثيابها وهي تجلس على الفراش كي تضع دهانها الطبي، بعدما مسحت وجهها بتعب. وسرعان ما انتفضت عندما وجدته يفتح الباب ببطء ودخل مباشرة، ثم أغلقه خلفه. اعتدلت سريعا، محاولة إخفاء هذا الجرح وإخفاء ساقيها، ولكنه كان قد اقترب يجلس بجوارها متسائلاً. ولم يغفل عن حركتها. "أحسن دلوقتي؟
حركت "فريدة" رأسها بنعم تراضيه، بينما هو طالع وجهها بتعاطف. طالعها بالكامل كونها أول مرة تجلس هكذا أمام عينيه. دائماً ما تراعي وجوده وعدم قدرتها على قربه، لذا لم تضغطه بفعل شيء ينساق خلفه رغماً عنه بالفطرة. أهبطت ثيابها أكثر، ولكنه أمسك يديها يأخذ منها الدهان، ملاحظاً الجرح التي أخفته. التقطه "آدم" منها بهدوء، واعتدل يستأذن أولاً. "خليني أدهنلك أنا عشان إيدك بتترعش، ممكن؟
ترددت وهابت لمسه لها وجلوسها هكذا. ليست سريعة الخجل، بل أكثر ما يميزها عنهن هي الجراءة، ولكن ما حدث ضيّع كل هذا. لم ينتظر موافقتها. وجدها فرصة كي ترى به الثقة والأمان أكثر. لذا رفع الثياب من على ساقيها ناظراً ناحية الجرح بحزن، أمام محاولتها لإخفاء الخوف. وانتبهت ما إن سألها بحزن ومزاح بآن واحد، متذكراً قولها له في الصباح: "ده بتاع خدوش كدة، فهو بيشيل الأثر". "بقا كل ده وبتقوليلي خدش يا شاطرة؟
دا طلع اللي عينيهم حلوة بيعرفوا يكذبوا." فخرجت ابتسامتها تجيبه بنبرة مبحوحة ووجه متورد قليلاً. "آه ما أنا كان عندي حق!
كادت أن تتحدث مجدداً، ولكن تلاشى كل هذا وحل محله رجفة يديها وهو يدلك ساقها برفق، شارداً. وخمّن أنه جرح شقيقها الذي فعله لها ما إن اندفعت تردد له ذلك منذ فترة كبيرة عندما سألها لماذا تكره شقيقها. وضعه بحرص حتى انتهى، ووضع ثيابها على ساقيها من جديد. حتى اعتدل يغلق ما بيديه. فاعتدلت هي الأخرى ما أن وجدتـه يلتقط الغطاء وحثها برفق. "ارتاحي ومتفكريش في أي حاجة."
تسطحت بتعب بعدما أخفت ساقيها. فخلع سترته يضعها على المقعد. وعندما اعتدلت انحنى يقبل جبهتها من بين أفكارها وخوفها من كوابيسها. "تصبحي على خير." أغلق الضوء وفتح الآخر وتسطح قبالها على الفراش الأرضي ساحباً غطاءه هو الآخر. وسمعها تتحدث له بإختناق وهي تسأله: "هو "حسن" هيتعب أوي؟ هيحصله حاجة؟ أنا خايفة أوي! تساءلت بأعين لامعة. فنفى هذا وهو يحرك رأسه ورد بإحتواء.
"متخافيش، هيتعب بس لما يخرج، هيخرج بني آدم جديد، نضيف، زي ما كنتي بتتمني تشوفيه." برع في الرد والإجابة، فتنفست بعمق وابتلعت غصتها المريرة المتوقفة بحلقها. وفقدت القدرة على التحدث في شيء من ما حدث اليوم. بل رددت بشيء كان يجب عليها ترديده له كما ترى هي. "شكراً عشان إنت جنبي." "تصدقي بالله، نفسي أكون جنبك فعلاً عشان ضهري اتقطم بس كله يهون عشانك!
سمعت مزاحه بتردد منها. وما هو غير متوقع ما فعلته الآن عندما تزحزحت قليلاً. تقتل الخوف كما قال لها طبيبها بالاقدام على فعل أي شيء دون تفكير من نوع آخر غير الإيجابي لها. وضعت مساحة كبيرة وقالت تناديه. "تعالى." لأول مرة تتسع عدستيه من قول قد قالته هي. ما رأته منه فترة جلوسها معه جعلها تقبل على قتل أي تردد. ولكنها قالت سريعاً قبل أن يرد. "بس أنا واثقة فيك! أخرج "آدم" أنفاسه بهدوء وابتسم موضحاً برفض.
"لا أنا هنا أحسن. عارف إنك واثقة فيا بس خليني مكاني أنا مش متضايق." صمتت قائلة أمام رفضه الذي جعلها تحثه مجدداً. "أنا مش خايفة منك يا آدم، أنا عديت معاك المرحلة دي من فترة. اللي واقف بيني وبينك هو إني مش متأكدة إني قادرة بنسبة مية في المية إني أعيش معاك زي أي واحد وواحدة متجوزين. أنا عارفة إنك فاهمني حتى لو معرفتش أتكلم، بس عايزاك تعرف إن انت الوحيد اللي قدرت أثق فيه وأعطيه الأمان." فأضافت قبل أن تعطيه فرصة للرد.
"أنا واثقة إنك مش هتعمل كدة غير لما تشوفني موافقة ومؤهلة لـ ده! كلماتها هذه عليه جعلته ينظر بتأثر. ولم يرض رفضها. هناك أمل، هناك شيء قادم في الطريق بعد هذه العتمة السوداء. نهض جاذباً غطاءه. فابتسمت تخفي الاهتزاز ولملمت غطاءها حتى وقف يحثها بابتسامة متسائلاً بعينيه. فأكدت برأسها حتى جلس على الفراش ملقياً عليه الغطاء. اعتدلت بحرج من هذا وضحكت ما إن سمعته يخفف عنها بمرحه. "تصدقي الحياة أحسن من هنا؟
واعتدل برأسه ينظر ناحيتها وهو يعتدل وأكمل. "عشان جنبك يعني." يسأل ويجيب على نفسه. فأخرجت أنفاسها ووجدته يمد ذراعه يزيل خصلاتها من على وجهها. فاهتزت حركتها ما إن رد الآن على كلماتها المتأثرة. "متخافيش أنا قد الثقة دي وفاهم كل كلمة قولتيها! شعرت بالسكينة تجتاحها من جديد واعتدلت. فبرقت عدستيها ما إن وجدته يحتضن خصرها ببطء وتلقائية مردداً بنعاس. "أنا آسف، بس لازم أستغل الوضع بأي حاجة كدة يا شاطرة!
ضحكت بخفة. هل توقف عند هذا القول؟ لم تتحرك وتم محو الخوف تدريجياً ما إن وجدته قد ثبت عن هذا وهو مكانه لم يتحرك. فاعتدلت تحث نفسها على أنها قد قدرت على قول وفعل هذا. وما حثها أكثر أن ما تفعله بالتدريج يزيل الخوف كما ردد عليها. وجدته ينظر لها بعدستيه وهتف من جديد يسألها محاولاً محو خوفها منه. "قوليلي حدوته صغيرة عشان أشيل إيدي لو خايفة لسه! هل يساوم؟
ابتسمت ببساطة. فضحك هو بعد مشاكسه وسحب ذراعه من عليها ووضعه خلف رأسه محترماً رغبتها. ولكن هذه المرة لم تشعر بالخوف منه، بل نظرت له تعترف بقولها. "مبقتش أخاف تحضنيني زي الأول، ياريتني كنت روحت اتعالج من زمان، يمكن من قبل ما كل حاجة تحصل، ساعتها مكنش هيحصل حاجة." تذكرت حادثها الأليم، فاحتوى هذا سريعاً بقوله وهو يمد أنامله يزيح خصلاتها السوداء.
"مفيش ياريتني بقا ياشاطرة، كل ده مقدر ومكتوب. احمدي ربنا دلوقتي وبصي حواليكي هتلاقيني هنا جنبك ومش هسيبك وهحضنك كمان طالما مش بتخافي مني! اقترب "آدم" بخفة يسحب رأسها ناحيته محتضناً كتفيها ناحيته. فابتسمت له براحة. وربت هو على كتفيها بحنان مردداً. "إنت أقوى واحدة أنا شوفتها في حياتي يا فريدة وهتبقي كمان أقوى من." كدة أنا متأكد!
اتسعت ابتسامتها وهو الآخر بارع في التشتيت حتى أنه خفف عنها. استندت على كتفه هي بإطمئنان ورددت قصتها القصيرة الذي كان يريدها: "جمع الله فيك الصاحب والحبيب والحياة وكل حاجة حلوة يا آدم! قبل قمة رأسها برفق، وتركها حينها كي لا تهابه. عدل غطاءه كما عدله لها وهي تعتدل لتستلقي على ظهرها كما فعل. هتف بنبرة هادئة: "تصبحي على جنة يا شاطرة!
أغمضت عينيها بعد وقت بإنهاك، ووجوده بجوارها جعلها تذهب في سبات عميق. استطاع اخراج السلبيات من عقلها. فشرد هو لكثير، حتى حرك رأسه بعشوائية فوجدها غفت. لذا عدل خصلاتها بأنامله وأمسك الغطاء يدثرها به أكثر. اعتدل هو الآخر ليذهب في نومه مثلها، غير غافل على أن أيام ضغطها تزداد. الكوابيس لم تأت لها منذ يومين، ولكن اليوم يتأكد أنه سيأتي لزيارتها. ولكنه يضع جميع التحسبات، فقد أصبح بارعاً في احتواء كابوسها حتى يرحل عنها. ألا يعلم أن اليوم بجميع أحداثه يُعد كابوساً من نوع آخر؟
الساعة الثانية صباحاً ونصف، ومازالا معاً في الخارج. ذهبا لأماكن كثيرة وابتاعا الأكثر معاً. أخرجها من حالتها تلك، وبرع في هذا أمام حزنها الذي تبخر معه شئ فشئ. حديث عشوائي هنا وآخر مرح عبثي منه كالعادة، وغيره متأثر منها هي. لم تجرب معه الخروج لأماكن كثيرة هكذا منذ زواجهما. تمسكت بعلبة مشروب الليمون بالنعناع الذي كان به قطع من الثلج، وتركت علبة الطعام على جانب الاستراحة التي جلست عليها بجانبه بإنهاك. حتى تلمست معدتها
بتعب وهي تخبره بقلق: "أنا زودتها في الأكل النهاردة أوي. لازم لما نروح تفكرني أخد العلاج! حرك "غسان" رأسه موافقاً، مغلقاً الهاتف بعدما كان يراسل شقيقه. طالعها بإهتمام عندما رجعت في قرارها وعادت تأكل مجدداً. لاحظ شراهتها في الطعام قبل أيام بسبب حملها. لم تكن هكذا من قبل. كبت ضحكته ملتقطاً لها صورة للذكرى. فطالعته بضجر وبررت سريعاً: "مـ .. هو أنا.. باكل ليا وليهم علفكرة يعني!
خرجت ضحكاته على تخبطها وتبريرها. فحرك رأسه بمعنى لا شئ وقال مرحباً: "وأنا متكلمتش. انت تاكلي اللي انت عايزاه. تحبي تاخدي دراعي؟ لمعت عينيها في تأثر من موعد هرمونات حملها التي تتزايد الآن وتلح عليها بقوة. فسألته بتحشرج: "دراعك؟ انت قصدك ان انا مفجوعة صح؟ طالعها "غسان" بدهشة، واقترب سريعاً يقدم لها العلبة الأخرى مردداً بلهفة: "والله لأ. كلي براحتك. أنا مش شايل منك حاجة!
سحبت "نيروز" نفساً عميقاً، شاعرة بوجود شئ ما بداخله يخفيه عنها. ولكنها لم تتعمد التساؤل. بل مسحت فمها بالمنديل الورقي الأبيض. فأزال هو ما بجانب فمها بابتسامة عريضة مردداً بلطف: "بالهنا والشفا على قلوبكم انتوا التلاتة!
اتسعت ابتسامتها وهي تعتدل، ثم تنهدت بحرارة تنظر نحو السماء بشرود. جعله ينظر هو الآخر من بين هذا الصمت الذي ساد. وسألها حينها ولم يحرك عينيه من على هذه السجادة الزرقاء المحملة بالنجوم الكثيرة. ولكن الأكثر لمعاناً كانت هنا بجواره تطالع معه من يشبهها، فهكذا شبهها هو: "انبسطي النهاردة؟ اندفعت "نيروز" برأسها تستند على كتفيه وهي تطالع ما يطالعه. وردت في صراحة وهي تتمسك بذراعه تحتضنه بدفء:
"أيوة. بس ده عشان معاك. من غيرك كل حاجة مكانش ليها أي طعم. بس كل حاجة النهاردة طعمها اختلف وبقى أحلى عشان انت هنا! "أنا فأي مكان انت فيه. عشانك انت. من غيرك مش هبقى موجود." لأجلها ومن دونها لم اختلط بهم بالأساس! زين وجهه بابتسامة صغيرة ومازال الشرود رفيقه. سمع صوت أنفاسها. وسألته وهي هكذا على موضعها ولم تغيب عن بالها تفاصيل ما حدث: "انت كنت عارف ان عمي مات مقتول على ايد "شريف"؟
لم يتفاجئ من كونها سألته هذا السؤال. كان ينتظر فتح هذا الحديث منها كي يريح عقلها. والآن جمعت هي كل شئ حتى تتحدث. وكان رده بصدق دون مراوغة: "أيوة كنت عارف! كانت تعلم هذا. الوضع ليس سهل كي تسأله بهذا الهدوء أو حتى أن يمر اليوم بأحداثه. ولكنهم هكذا عائلة تستمر رغم الوجع! ابتلعت ريقها في هدوء، وفسر لها قبل أن تطلب:
"بس معرفتش أتكلم ولا قدرت أعرف حد زي ما "حازم" عمل بالظبط. كنت خايف على رد فعلك وكنت عارف اني لو عرفتك هتحفظي السر ومش هتقولي لـ "جميلة" اللي "حازم" خبى كل ده عشانها وعشان علاقتها هي و"عز". بس أنا كنت عارف ان كل ده مش هيفضل مستخبي كتير. كنت عارف ان مسير اليوم ده يجي بأي طريقة. بس اللي معملتش حسابه انه يجي على "عز" كده لدرجة أنه يسيب كل حاجة ويمشي. أنا حتى بحاول أرن عليه بس مفيش رد!
التقطت حزنه على من أصبح صديقاً له. تفهمت الوضع بتعب وتمسكت بكفه وهي تستند عليه كما هي. وسردت بشفقة: "إنسان مين اللي يستحمل كل ده في حياته!!
الظاهر ان كل واحد فينا حياته مكنتش سهلة. من أكبر حد لأصغر حد. بس أنا زعلانة على "جميلة" أوي. "جميلة" روحها في "عز". عز مش بس جوزها. هو كمان حسسها أنه ابوها اللي مشافتش منه حنان ولا حب. أنا يمكن زعلي على أن جميلة تتوجع وعلاقتها بـ جوزها تتدمر أكتر من زعلي لما عرفت أن عمي مات مقتول. أوقات بحس أني وحشة أوي عشان مبعرفش أعدي ولا أنسى بسرعة. بس عمي معمليش حسنة واحدة في حياتي تخليني أتقهر عليه القهرة اللي تبين أنه عم وانه السند وان الدم واحد!
أنا زعلانة آه. بس ميجيش في زعلي على حازم وجميلة وفريدة حاجة. فريدة اللي عانت ولسه بتعاني. عشان بسأل نفسي برضه هو كان ايه ذنبها يحصل فيها كل ده؟ ويوم ما تفوق ترجع تعرف أن اللي اغتصبها هو هو اللي قتل ابوها. مش متخيلة أن كل الحاجات قادرين يستحملوها! حاوط "غسان" كتفيها بموساة من اختناق نبرتها. واهتزت عدستيه وهو يحركهما في اتجاه وجعها وتقاسيمها التي رفعت بها وجهها لتطالع وجهه. حين قال بهدوء:
"كل واحد فينا عنده القدرة أنه يتحمل كل ده. والا مكانش ربنا حطنا وحطهم في كل ده. أنا واثق أن حازم قوي وهيقوى أكتر. وجميلة هيرجع لها عز. أصله برضه معذور. حس أنه قليل وعينه اتكسرت قدام الكل حتى مراته. أنا فاهم اللي اتحط فيه. اللي اتحط قدامه النهاردة قادر يكسر أي راجل حتى ولو كان ايه. أنا مش معترض أنه مشى. عشان حقه. خليه يلاقي نفسه شوية ويبعد عن كل ده. بس اكيد هيرجع عشان أنا مش هسيبه يمشي كده كتير. بس هو كمان قوى وهيقدر
زي ما فريدة هي كمان ربنا عاطيها القوة وكمان آدم جنبها. ربنا حاطط فينا طاقة استحمال بنفكر أنها خلصت بس بتبقي لسه مليانة من كرمه ولطفه بينا. وحاطط كمان جنبنا شخص معين بنجري ليه في وسط كل التعب ده. بنروحله ومبنكونش عايزين حاجة وقتها غير حضنه بس!
حركت رأسها في إطمئنان وسكينة من كلماته التي كانت دافئة على قلبها الضعيف قبال هذه العقبات. رفع رأسه مجدداً ينظر ناحية السماء وصرّح لها متذكراً عندما عاد إلى السكن من جديد ووجدها تقف في الشرفة بين الحين والآخر على مر الأيام ناظرة هكذا إلى السماء: "لسه فاكر أول مرة شوفتك فيها سرحانة وبتبصي للسما. تعرفي أني مش من محبين البص على السما وجو العمق ده." طالعته بهدوء وابتسمت تنفي معرفتها لتصريحه. فأكد ذلك بثبات وقال مصرّحاً
مرة أخرى: "لحد ما شوفتك وأنا بقيت بحب أبصلها كتير. ومبنساش لحظة ما قولتلك قبل كده لما كنتي واقفة في البلكونة أن اللي بيبص للسما كده يا إما بيحب يا إما فقد شخص غالي عليه! وأردف بصدق، وهو يستند برأسه على رأسها محتضناً كفها: "كنتي انتِ فاقدة شخص غالي عليكي.. وأنا كنت بحب.." وفسر والأعين تتلاقى الآن كأول لقاء، كأول إعتراف منه لها هي: ".. بحبك" نظرت له بتأثر وتشبتت بكفه وهي تصارحه هي الأخرى:
"أنا كنت ببص ليها ومعايا السببين ومازلت! اتسعت ابتسامة "نيروز" بحب وهي تنظر ناحية السماء وقبل أن ترد بأنه ثبتها بكلماته عاد يسبق هذا كي يأتي القول منها في محله الصحيح فيما سأل هو بلطف: _بس عارفة الست قالت إيه؟ همهمت وهي هكذا مستندة على كتفه، كتفه الذي يعد الأمان كله وهي بينه لم تشعر بالضياع بعد فترة كبيرة كان به رفيقها، ما إن استمع لتساؤلها وهي تهمهم عاد يجيب بنبرة عميقة رجولية هادئة بجوار أذنيها هامساً:
_الليل وسماه ونجومه وقمره.. وانت وأنا.. يا حبيبي أنا! استطاع أن يختار ما كان لائقاً على محور حديثهما قبل قليل، اتسعت ابتسامتها في سعادة ورفعت عينيها تطالعه بسهام هادئة كانت كالدفء على فؤاده الذي خفق سراً، ما إن رددت بما تردد به كل مرة: _ثبتني يا بن البدري!
وما بعد ذلك اعتدلت ففتح ذراعيه على مصرعيهما لتدخل في عناق عميق مريح وما يسعده هو أنه نجح في اخراجها من أي شيء كانت تكبته حتى لا تنهك وتتعب من جديد، تنفست بأريحية وذكرها بقول كان قد قاله من قبل: _معاً وفي حضن بعض هي الغاية يا بنت الأكرمي! فنبست بتمني وهي تنهض بعدما سحب كفها ناهضاً هو الآخر فوقفت "نيروز" تخبره بأمنيتها:
_بتمنى الأيام الجاية تعدي علينا براحة بال وهدوء لحد ما ولادنا ييجوا وسط حضننا ده، وتبقى الغاية فعلاً، بس غاية أتمنى أنها تكون دايمة بينا بسلام علينا وعليهم! وضعت كفها على معدتها الصغيرة البارزة بقلة، وضحكت بخفة ما إن شعرت بالنبض في جانب معدتها، فأمسكت يديه سريعا لتضعها بلهفة على معدتها وقالت بحماس وأعين لامعة تسأله وكأنه سيشعر للتو بما تشعر هي به بداخلها: _بص.. بص في هنا نبض لسه حالا.. سامع؟ .. حاسس؟ ومن سيشعر سواها؟
ومن سيستمع سوى الأم؟ اندفاعها بمثل ذلك الحماس جعل أعينه تلمع بوميض امتزج به السعادة البالغة ولم يقدر على تأكيد أسألتها ولكنه وضع يديه بحب على معدتها، فوضعت يديها على فمها بسعادة من حدوث ذلك وهي معه! واعترفت له قائلة وهي تعانق عدستيه الداكنتين: _أنا فرحانة أوي! وجدت رده يخرج بتلقائية دون حتى التفكير ما إن قال بصدق قبال عدستيها التي لا تقارقه هو وتقاسيم وجهه المبتسم لها دائماً: _ده اللي أنا عايزه ومش عايز غيره!
تأبطت "نيروز" ذراعه بفرح، واقترب معها "غسان" ناحية السيارة الذي وضع في حقيبتها من الخلف الحقائب والمشتريات، ساعدها في الجلوس في الأمام والتفت يجلس هو الآخر بين هذا الصمت بمرور كل هذا الوقت وهما إلى الآن لا يزالا في الخارج والمارة يقلون شيئاً فشئياً!! انطلقت السيارة وهي تنظر في شاشة هاتفها على الصور العشوائية التي التقطها معه، وضاع عقلها بين تفاصيل وذكريات هذا الوقت معه هو، وهما بمفردهما بعيداً عن مقر الوجع!
فتلمست معدتها بلطف ما إن طالعت الصورة التي التقطها هو لها بمفردها وهي تحكم حجم معدتها بكفيها، وكأنها بفعلتها هذه تتمسك بصغارها بين يديها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!