الفصل 23 | من 33 فصل

رواية عودة الذئاب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ميفو السلطان

المشاهدات
19
كلمة
3,696
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

كانت شجن جالسة، قلبها يئن وجعًا. لم تعد تحتمل، اشتاقت لمن خلع قلبها. لبست ملابسها ونزلت الشارع. اتجهت إلى أحد المحلات واستأذنت الرجل أن تتكلم في التليفون. مسكت الخط ووقفت جانبًا، وكتبت نمرة براء. أرادت أن تسمع صوته، أرادت أن تتنفس رغم ما تحس به من عار. اتصلت به ومسكت التليفون بكلتا يديها. انفتح الخط وأتاها صوت روى قلبها المدبوح، حتى لو كذبًا. سمعته يرد، كتمت صوتها تسمع صوته، تتخيله معها ودموعها تنهمر.

كان براء يجلس في القصر لتأتيه تلك المكالمة. لم يعلم لماذا شعر بضيق في نفسه، ظل يتساءل من المتصل بلا جدوى. مر عليه أسمر وقال بصوت عالٍ: “براء، عمك مستنيك، عايز يتكلم في تفاصيل الجواز. ماتتأخرش عليه. عايز تستناني؟ ماشي، إني رايح المكتب.” كانت شجن تسمعهم على الناحية الأخرى. قفلت مسرعة وخرجت تعدو من المحل، تشهق. تشهق بعنف، أحست أنها ستموت. صعدت على الفور واندفعت لحجرتها بزعر حقيقي.

“خلاص… خلاص… راح كل… كل… حاجة… راحت… خ… خلاص… خلصت… خلصت.” سقطت أرضًا وتكورت على نفسها، تئن بأنِين صامت موجع القلب. اتصلت مهره بها، وما إن عرفت الأخيرة أنها مهره، حتى انفجرت في البكاء. صرخت مهره، صوتها يحمل خليطًا من القهر والغضب: “إنتِ بتعيّطي على إيه؟! ده زبالة… وراح! كانت شجن تنتحب بحرقة، تتنفس كأن الهواء يخونها، يخنقها. وارتجفت كلماتها المرتبكة: “مهره… من… من فضلك، أنا… أنا بموت… حاسة إن هيجرالي حاجة!

صرخت مهره بقوة، بقلب موجوع لا يحتمل: “ده واحد واطي! البلد مقلوبة عشان هيتجوز بنت عمه… متفقين وبيعدّوا للجواز! “خلاص يا مهره هيتجوز، امال جاي ليه لنديم ليه؟ “انت ليكي عين تسألي عليه؟ هيتجوز بنت جابر، وجابر ماشي يقول براء هيكلف وهيجيب وهيعمل فرح، البلد كلها تحلف بيه. انما انت جاي ياخدك في الدرا. يرمي لأخوكي قرشين. حسبي الله فيهم. جابك منين يا زِفْتَة؟! يا دي المصيبة!

انفجرت شجن في بكاء أكثر، ولم تعد قادرة على النطق. فهدأت مهره، خوفًا على أختها، وانكسر صوتها قليلًا: “طب يا شجن، إحنا خلاص… قربت أخلّص وهاجي. أنا عارفة إنك تعبانة… جايلك يا حبيبتي.” قالت شجن وهي تشهق، تتقطّع أنفاسها بين الكلمات: “ما… ما تسيبنيش يا مهره، أنا حاسة إن قلبي بيتقطّع.” صرخت مهره، فجأة، كأنها طُعنت في روحها: “إنتِ حبّيتيه… يا زِفْتة؟!

انفجرت شجن في بكاء أشد، لتشعر مهره بوجع أختها. وجع كان يسكنها هي أيضًا، لكنها كانت تحاربه في صمت. فهي تُصارع مشاعر عنيفة، تولدت داخلها تجاه الأسمر، مشاعر تخشى الاعتراف بها، فخنقتها داخل صدرها. وهتفت بصوت حنون مشروخ: “شجن… اهدِي، أنا جنبك، ومعاكي يا حبيبتي… وبكره هكون عندك.” “مهره أنا خايفة من نديم… أنا أنا….” تنهدت مهره: “اهدي، أنا جنبك، جايالك يا قلب أختك.”

أغلقت الخط، وجلست بين حطامها، حطام قلبين تُحبهما بصدق، قلب أختها… وقلبها الذي يُداري جرحًا لا يراه أحد. تشعر بنيرانٍ داخلها. وقفت مهزوزة، تتأرجح كما تتأرجح شمعة في مهب الريح. لم تعد قادرة، فمدّت يدها، وكسرت الزجاج بيدها، كأنها تكسر صمتًا طويلًا يسكن صدرها.

كانت تريد أن تتألم، أن تُحدث لنفسها وجعًا حقيقيًا، لعلّه يُبرر ما لا يُبرر، ويمنحها سببًا تصرخ من أجله. وقفت وسندت على الحائط، تخبط رأسها كمن يحاول أن يُفرغ روحه من بركانٍ لا يخمد. نظرت حولها، وخلعت حذاءها، ثم تهالكت كزهرة ذابلة أسلمت أوراقها للريح. أحسّت بدوار، وكأن الأرض تدور بها، والألم يُمزّق أوتار عقلها. شدة الأعصاب تكاد تذبحها من الوريد، وتُفجر شرايينها كأنها خيوط حريرٍ شُدّت حد الانفجار.

لم تكن تظن أن حياتهم ستنقلب إلى تعاسة، بسبب ما دخلوا فيه. “يا ترى، يا مهره، لسه فيه وجع أكتر من كده؟ وضعت يدها على قلبها، كأنها تحاول تهدئة وحشٍ هائج بين ضلوعها، ثم تمتمت: “ما عادش فيه مكان للوجع… ما عادش…” قامت مهتاجة، كما تقوم العاصفة، وظلت تصرخ وتكسر في المكتب: “ليه ليه… ليه يا جدي ليه؟ الفلوس تساوي كل ده؟ عملنا لك إيه؟ ليه يا رب؟ كان ابنه زيهم، اختار اتنين ومات قصادها كام؟ موت عيلة أب وأم وعيال.” تهالكت بقهر:

“عيال… ما كانوش عيال، عمرهم ما كانوا عيال.” كانت تهذي وترتعش: “خلاص… خلاص… كفاية قوي قصتهم. همشي! هنمشي ونختفي وننساهم! ننساهم؟ أيوه، هننسى! هناخد حقنا… وننسى! “أنا ما عدتش عارفة أتنفس، قلبي بينعصر، كأنه بيتعصر بإيد حديد ما بترحمَش… لازم نخلص، لازم نرتاح. ننسي… لازم ننسي…” ظلت تكرر تلك الكلمة لعلها تحس بها، ولكن هيهات.

أغمضت عينيها بقهر، ومرت أمام عينيها ذكرى مبللة بالحلم والمرارة. تذكّرت حين اشترى لها أسمر الفساتين، وأجبرها أن تلبسها كعروسٍ حالمة، ولكنها كانت للعرض، لا للفرح. تذكّرت ذلك اليوم… بجماله الكاذب، ووجعه الساكن في ثناياه.

لم تستطع أن تتنفس، اندفعت إلى الخارج متناسية حذاءها، تفرّ كأنما تهرب من جدران قلبها. وفي ذلك الوقت، كان “أسمر” يخرج من مكتبه، فلمحها بتلك الحالة، تشبه غزالة مذعورة وسط غابة من الذئاب. لكنها اختفت من أمامه كطيفٍ خاطف. نزل مسرعًا ملهوفًا خلفها يبحث عنها.

كانت تعدو باتجاه النيل، واندفعت كالرمح، تعدو دون حذاء، حافية كأنها تُعلن تخلّيها عن كل شيء. خلعت الباروكة، رمتها بعنف، واندفعت تسرع، وشعرها يتساقط على وجهها كشلالات من الذكريات. أما هو، فقد ركب العربة واندفع يبحث عنها، يطارد ظلّها كمن يبحث عن روحه التائهة.

لمحها تعدو. أوقف العربة، وذهب إليها مسرعًا، فوجدها تتهالك على أحد المقاعد، تنهج بشدة، منهكة، جسدها ينهار كأنما فقد كل قواه. اقترب منها بلين، وضع يده على كتفها، وهمس بخوفٍ يكاد يُسمع من رجفة صوته: “مهره… إنتِ كويسة؟ تجمّدت هي، واستدارت كأنها اصطدمت بالماضي، لم تكن تتمنى في ذلك الوقت أن تراه، فهي عارية من قوتها، منهارة كأنها مدينة بعد زلزال أجهز على ما فيها. اقترب منها، ومسكها، فهبت صارخة، كأنها تنزف من روحها:

“ابعد عني بقى! ابعدوا! إنتو إيه؟ عايزين مننا إيه؟ تموتونا؟ ما إحنا ميّتين يا أخي! إحنا متنا… بقينا جثث بتتنفّس! بتخططوا لإيه؟ ابعدوا بقى! ابعدوا!

ودفعته بعنف، واندفعت تعدو، ولكن خطواتها خانتها، فسقطت مغشيًا عليها، كدمية أنهكها من يتلاعب بها. اندفع، وحملها على الفور، قلبه يسبق خطواته، أخذها إلى العربة، وذهب بها إلى إحدى استراحاته، بعيدًا عن أعين العالم. وضعها على الفراش، وجلس يتأملها، يحاول أن يفهم ما بها، لكن الألم لا يُفسَّر. جلس بجوارها. ابتسم بحنان، مد يده وأخرج دبله براقة، ومسك يدها، قبلها، ووضعها بها. أحس برجفة داخله، نشوة امتلاك غير عادية. همس:

“دي بداية بس.” بدأت هي تفيق، فتحت عيونها، وجدته ينظر إليها، فهبت تنظر حولها، وصرخت بكل ما في صدرها من صدمة: “إنت جايبني فين؟! إنت إزاي تجيبني هنا وتنيمني على سريرك؟! تنهد، وردّ بسخرية لاذعة تُخفي ارتباكه: “يعني كنت نايم جنبك؟! ما تهدي، بيكي إيه؟ صرخت: “ما بيش! ما بيش! واندفعت تخرج، ذهب وراءها، يحاول أن يهدأها، لكنّها كانت كريحٍ هائجة لا يُهدئها شيء. كان قد قفل الباب خوفًا عليها. ظلت تصرخ وتكسر: “خرجني من هنا!

مش عايزة أشوف وشك! مش عايزة بقى يا أخي! مش قادرة! هدر بجمود: “مش هتخرجي… حالتك صعبة، اهدي.” اهتاجت وبدأت تكسر ما حوله، صارخة وهو يتأملها بجمود، يتركها تفرغ ما بداخلها. إلى أن توقفت فجأة. رأت أسفل المنضدة ذلك الحذاء، حذاءها، الذي كانت ترتديه مع الفستان. اقتربت منه، نزلت على الأرض تمسكه، وهو ينظر إليها وقلبه يخفق كمن سقط من هاوية. شدت الحذاء بعنف، حذاء السندريلا. ولكنّه حذاء أسود بطعم المرار. مرار المهره. بدأت

تصرخ وتضرب الحذاء بعنف: “ده يُترَمي! ده يُترَمي! سايبه معاك ليه؟! ده مالوش مكان…” بهت من حالتها، اندفع واحتضنها، يحتضن الحطام، يلملم أشلاءه: “اهدي… اهدي…” بدأت تتهاوى بين يديه، أخذها وأجلسها، مرت اللحظات كأنها دهور، وهي منهكة، متعبة، ضائعة. جلست ساهمة، وبدأت دموعها تنهمر، كأنها تطفئ نارًا أشعلها العمر كله. تمتمت بمرارة: “بكره تعرف إن ده مش ليا… بكره تعرف إن مهره… مالهاش ده، مالهاش…” تنهد ومسكها بلين:

“اهدي، والله خلاص. تعالي بس اهدي أكده.”

مسكها وذهب بها للحمام، يرطب وجهها بحنان، يعاملها كأميرة برقة غير معهودة منه. انتهى وأخذها، جلست لفترة تركن على الكنبة، وهو بجوارها لا ينطق، ولكن حضوره طاغٍ عليها، يوجعها. قامت مرة واحدة، فتأرجحت كأنها ورقة تسقط من شجرة يابسة. شدّها، وأخذها بأحضانه، اندفع يحيطها كمن يحاول أن يُلملم انكسارها، فانهارت، وركنت على صدره، ظلت تبكي بصمتٍ موجع. رفعت يدها، تتمنى أن تحاوطه، أن تحتفظ به للحظة. كانت تعلم أن هذا آخر قرب، نهاية لنبضٍ لن يعود، نهاية لحبٍ ولد واندفن في اللحظة ذاتها. نهاية دنيا حلمت أن تعيش فيها.

ركنت على صدر “الأسمر”، الذي بعد أن تختفي، سيتحول إلى نار تحرقهم. ذلك الصدر الذي يضمّها الآن، سيصبح جمرًا تنتظر لسعته. ظلت هكذا لفترة، عقلها يصمت، تودّع دنيا تمنّتها، تودّع صدرًا لن يحتضنها بعد اليوم. ولكن صدرًا سيمتلئ غلاً قادمًا كهشيم نار مستعر. ضغطت برأسها على صدره وغرزت بأظافرها، تقام شهقاتها. فحاوطها بشدة، وكأنّه يحاول أن يحتفظ بها داخله. شعر أن بها شيئًا كبيرًا، جرحًا أعمق من أن يُقال. لم يستطع أن ينطق، فالكلمات تاهت في حضرة ذلك الوجع.

مرّ الوقت، تشدّدت هي، قامت، وقفت تنظر بعيدًا، لا تقوى أن تنظر إليه. قالت بهدوء موجع: “أنا آسفة…” قطب جبينه، تنهدت: “تعبتك… عن إذنك…” اندفع نحوها، لكنها رفعت يدها، تمنعه برجاء مهزوز: “أرجوك، بجد… فعلاً مش قادرة، عايزة أبقى لوحدي.” تنهد بوجع يكسر القلوب: “مهره… إنتِ عمرك ما هتبقي لوحدك، خلاص. انتِ ما تعرفيش حاجة. انتِ اتربطي بيا، عمرك… أي حاجة بينا هتروح.” أحنت رأسها بوجعٍ لا يُحتمل، تمتمت بنبرات تعلن انتهاء قصتها:

“بكره تعرف… وتفهم رغبتي، يا أسمر بيه. بكره هيبقى فيه سور.. جبل.. سد منيع، ساعتها مش هتقول كده.”

واستدارت في سُكات، وخرجت من الباب. شدت الباب برفق، تمنت لو تضع ألف باب بينهم. لعلّها تُخرس قلبها، بين ضلوعها. خرجت “مهره” من الباب، ببطءٍ يكاد يكون وقوفًا. كأنها مكبّلة نفسها بحجارة، وكأن كل خطوة كانت معركة عاتية. معركتها مع نفسها تتنصل من حلمها. صوت الباب خلفها يُغلق، فارتعشت كتفيها دون أن تلتفت. كأنها سمعت صوت قلبها بيتهشم من داخلها. الهواء بارد حولها، أهو إحساسها أم ماذا؟

زحف البرود لداخلها. وجع في نظرتها، وانكسار في هيئتها. همس داخلي أنين حارق بصوت المهره: “أنا خرجت… بس قلبي لسه جوّا، محبوس… أنا مشيت، بس رجليّ بتسحبني للورا، كأن الوجع لسه ماسكني من ضهري… كأني لابسة حزن مش عايز يقلعني.” “مش مسموح أتلفت تاني وأرجع خلاص…” همت أن تسير، أحست بأنين، تراجعت خطوة ولمست الباب بظهرها لآخر مرة. ثم شدت جسدها ورفعت هامتها وأكملت طريقها. طريق الذئاب.

نزلت هائمة، ظلت تسير في الظلمة، لا تعرف أهي ظلمة حياتها أم قلبها. وقفت تحت عمود نور، ضوءه خافت، يشبه روحها. رفعت وشها للسماء، لكن السما كانت كاحلة، كأيامها القادمة. مدّت يدها للفراغ، كأنها بتودّع قصتها. قصة ما جاتش، حد ما حضنهاش، حد ما وقفش في ضهرها وقت ما وقعت. “كل حاجة راحت… روحي بردت، أنا مين؟ ومين لسه فاضل مني؟

نزلت دمعة، سابت أثرها على خدّها، بس هي ما مسحتهاش. خلّتها تنزل برحتها، يمكن الدمع يقول اللي محبوس جوا معرفش يقوله. قعدت على طرف الرصيف، خدت نفسها بصعوبة، ضمّت ركبتيها، وسندت راسها، وعيونها ساهمة بالأرض، كمن تاهت مع نفسها، تهذي: “كان نفسي أعيش… مش أستحمل بس، كان نفسي أتهنّى، مش أعدّ وجعي وبس… أنا ما كنتش عايزة كتير.. كنت عايزة أقل من القليل. بس الظلم بيطلب منّا نضحي بكتير… أوي.”

لفّت نفسها بذراعيها، مش عشان تدفا… لكن عشان تحسّ إن لسه فيه حضن، حتى لو حضنها لنفسها. الصوت يتلاشى على همستها الأخيرة: “أنا مهره… اللي اتكسرت، ومحدش لحّقها… ولا حتى هي لحّقت نفسها.” “أنا الوحيدة طول عمري. أنا… أنا… أنا اللي اندفنت حية بختم النار.” لقطة وحيدة، تحت نور ضعيف، في شارع فاضي، والدنيا ساكنة… إلا قلبي يضج بضجيج عاتي. لقطة تلخص مجلدات، تلخص ظلم مجسد نهش قلوبهم.

كانت تظن أنها بمفردها، ولكن لكل مهره حامي، فارسها الذي يعلم متى يرحل ومتى يكون في الضهر، حتى لو من بعيد. إنه الأسمر يقف في الظل، يراقب من بعيد، وبداخله ألف تساؤل. يديه في جيبه يستشعر بعض الدفء، لكن قلبه ليس بداخله. قلبه عند جميلته التي تجلس وحيدة، شارده في الأرض. اللغز اللي عمره ما فهمه. صفحة فيها ألف كلمة، بس ما فيش كلمة مفهومة. تنفس ببطء… لكنه بداخله… غرق عميق. يريد أن يتعلق بمن ملكت قلبه. ولكن هناك سد منيع حولها لا يفهمه.

وبصوت خافت، متكسر: “هي بتعيط ليه؟ وبتوجع كده من إيه؟ أنا السبب؟ ولا الدنيا هي اللي خدت روحها ودهستها؟ دي مهره… القوية بيها إيه؟ بتبكي… ومش عايزة حد يشوف، بس أنا شايف… وشايف قلبي بيتهز قدام دموعها.” اقترب خطوة… لكنه تراجع. كأن قلبه بيقوله: “روح.. امشي”. بس روحه مش قادرة تسيبها. “هي موجوعة… من جواها زيي، بس الفرق… إن أنا ساكت، وهي بتنزف بصوت مخنوق.” يتنفس بقهر، يشد نفس طويل كأن نفسه الأخير، يغمض عينيه… ويقول همس:

“أنا مش عارف أرجعها لنفسها… يا ترى فيه إيه؟ بس بعد ده كله برضه.. انتِ بتاعتي مهما بنيتي وعليتي.” ****** في قصر أبو الدهب… الجد جالس على الكرسي الكبير، ضهره متقوّس، ووشه باين عليه الوجع. يده تتحرك ببطء على عصاه، كأنه بيحسب بيها ما بداخله من هم. دخل شاب غريب، ما حدش يعرفه، ملامحه هادية لكن عينه فيها غرض. وقف قدام “جابر”، اللي كان واقف ورا الجد، داير ضهره ومتكبر كعادته. قال الشاب بصوت رخيم:

“رسالة وصلت مخصوص، تتسلم لإيد جابر أبو الدهب… بس الجد لازم يسمعها.” الجَد ارتعش، بص له بنظرة فيها خوف، كأنه حاسس الرسالة دي هتفتح باب كان مقفول من سنين. جابر شد الرسالة من يد الشاب، فتحها بإيده بلا مبالاة… لكن الحروف اللي جواها ما كانتش حبر… كانت نار تجمد الأوصال. بدأ يقرأ بصوت مسموع، وبهدوء مرعب: إلى ابن “أبو الدهب” أتيتك من بعيييد.. من حيث لا تتوقع، ومن بين الظلال التي حسبتها صامتة… تصلك كلماتي.

من شخص ظننته مات في حفرته لكنه عاد. من شخص أكله الزمن بأكلك له. جئتك بنصيحة ذئب لعلها تعطيك درسًا كضربة تعيدك للوراء: إذا حفرت حفرة لغيرك، فاحفرها عميقة، مظلمة، بلا مخرج… لأنك إن تركت فيها ثغرة، ولو بحجم زفرة، ونجا منها خصمك… فلن يُسقطك فيها فقط، بل سيهال عليك ترابها ويدفنك فيها حيًا بضحكة المنتصر. اعتقدت أننا نسينا.. غفلنا عن وجهك القبيح. تأتي إلينا بالقبيح تجدنا أقبح. نرد عليك بما لا يحتمله قبحك.

تظن أنك تملك الجمال والهيبة؟ ونحن من نصنع فتنة الجمال في ليل صراع بدأناه. اصبر والصبر حنظل حتى ترى ما تفعله أيدينا بالجمال حين يكون بها سلاح الذئاب. لكن لا عجب… فمن لا يعرف النور، لا يراه حتى لو أحرق عينيه. اعلم أن الطوفان قادم… نحن نورٌ لمن اهتدى، ونارٌ لمن اعتدي. الذئاب لا تنام… بل ترصد. والابتسامات التي تراها حولك… ليست سلامًا، بل أنيابٌ تُخبّأ خلف الشفاه. أتيناك مبتسمين و لففنا حولك حبال الجحيم.

فلا تخدعك الزينة، والأشكال المستعارة ولا تُسكر قلبك الكلمات الناعمة… فالسكين دومًا أنعم ملمسًا قبل أن يغرس في ضحيتها. تعلم الدرس يا ابن أبو الدهب… الثقة لا تُمنح، بل تُنتزع… ولا تُمنح إلا لمن نعرف صمته قبل صوته. أما أنت… فكنتَ عابرًا. وستُعامل كالعابرين. وثقت غصبًا بما هم لا أهل ثقة وستكافأ على ذلك.

انتظر يابن أبو الدهب.. انتظر طوفانًا هادرًا سيقضي على الأخضر واليابس. نعلم أن لا عندك أخضر. ولا تعلم إلا لون واحد.. الأسود الذي يشبه سواد قلبك. أتاك الرد والكف والختم. أتاك من حيث لا تحتسب. انتظر بأعين مفتوحة كذئب مغدور… ولكنه غُدر من ذئب قُد من نار. نار خرجت من بين يدك.

ولا تظن أني أعود لأحاور…. أنا أعود لأُنهي ما بدأتموه بخسة. وأُعيد الميزان بدم ما نُسي. إن كنت تظن أن الذئاب تنسى. فانتظر ستعرف…………. أن الذئب لا يعود إلا لينهش قلب من خان القطيع. هذه رسالة من دخان فقط.. انتظر قريبًا رسالة من نار. نار كهشيم ستثري حولك وتضع ختمها على يدك. سلامٌ عليك… إن كنت تعرف للسلام طعمًا. إمضاء: “ذئب” …………… يُعدّ لك أنيابه. ذئب لم يمت بل تربى في صمت وخذلان….. وعاد………” ليعلمكم الصراخ.”””

سكت جابر لحظة بعد ما انتهى من قراءة الرسالة… صمت قاتل ساد القاعة، حتى من صوت عقرب الساعة. الورقة وقعت من يد جابر، ليست ضعفًا ولكن لسعة، كأنها تحولت لجمر، صعب يمسكه. جابر فجأة شد الورقة، كرمشها بعنف، ورماها في الأرض وصرخ بعلو صوته: “صوت إلهي نصوت عليك يا بعيد.. رسالة عظيمة يا ديمو.. بحبه الواد ده.”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...