الأجواء هادئة للغاية، يتسلل ضوء القمر من ثغرات النافذة، إضاءة خافتة تأتي من ظُلة المصباح التي على يمينهم وأخرى على يسارهم أعلى الكومود. صوت أنفاسهم يتردد صداها في الأرجاء من فرط السكون المسيطر على الغرفة، تجلس هي مستندة على جدار الفراش وهو مستلقي على طول الفراش مستند برأسه على قدميها يستمتع بتلك القشعريرة المتسببة هي فيها بتخللها لخصلاته بأناملها. قطعت هي ذاك الصمت بنبرتها المبحوحة: -تعالي نلعبوا لعبة.
جاوبها وهو على نفس وضعه: -نلعبوا إيه؟ -الشايب. هتفت بها ورد بحماس طفولي. رفع مصطفى رأسه ورمقها بعدم ترحيب لاقتراحها: -وشغل أحكام ماسخة من ديي معحبهاش شوفي غيرها. أصرت ورد على لعبتها مرددة: -لا هنلعبوها جوم اجيب الكوتشينه بتاعتي. رفع مصطفى حاجبيه متعجباً من ثقة حديثها وقال: -أنتِ عاملة حسابك بجا. اتسعت شفتيها مُشكلة إبتسامة عريضة وهي تومئ برأسها مؤكدة: -إيوة ديي بتاعتي من وأنا عيلة صغيرة.
نهضت من جلستها واقتربت من خزانتها الخاصة وجذبت الكوتشينة وعادت إليه متلهفة للعب معه. لم يعترض مصطفى على الرغم من عدم موافقته لتلك اللعبة فهو لا يحب أحكامها ودوماً ينتهي به المطاف بالمشاجرة مع خصمه، لكنه سيفعلها تلك المرة من أجل ورد. بدأت ورد في بدأ اللعبة مباشرة فهي لا تطيق الإنتظار، واثقة من أنها ستهزمه فهي تحترف لعبها.
بدأوا الجولة الأولى التي انتهت بتحقيق انتصار عظيم في مرمى ورد التي لم تكف عن السخرية لخسارته، ناهيك عن تغنجها بجسدها مبدية مدى سعادتها في رقصتها التي كانت بمثابة الدرع الحامي لها من انفعاله عليها. لم يرفع بصره من عليها بإعجاب شديد لحركاتها العفوية التي تحرك فيه جوارحه. حان دور إخباره بحكمها لطالما يبغض تلك اللحظة من اللعبة، حيث قالت دون تفكير وكأنها حاسمة حكمها من البداية:
-البيت اللي جنبنا فيه شجرة مانجة يا أبوي على جمالها روح جيبلي واحدة وتعالى. لم يعقب على تلك السخافة وأردف بتهكم: -خلصي وجولي حكمك إيه؟ أجابته مستاءة: -ما أني جولت! انتفض مصطفى من مقعده وهدر فيها بانفعال: -نعم؟ مانجا إيه اللي هجيبها، ديي اسمها سرقة! حاولت ورد أن تريه الموضوع من نظرة أخرى بميوعة: -واحدة مش هتفرج ومسمهاش سرقة، أني اشتيهت المانجا وأنت جبتلي منها بس أكده.
حرك مصطفى رأسه مستنكراً ما تقوله وكأن الأمر بتلك السهولة التي تتحدث بها وحاول أن يغير الحكم بقوله: -بكرة أجيب لك جفص مانجا. لا جفص إيه، إني هاخدك تجعدي في الأرض نفسها وتاكلي على كيفك بس إني مهعملش أكده. ألقت ورد بالاوراق التي بيدها أرضاً ثم توجهت نحو الفراش واستلقت عليه وهتفت بجمود في نبرتها: -خلاص انسي الموضوع يلا عشان نناموا.
طالعها مصطفى بضجر بائن فهو لا يحب ذلك الوضع الذي اتخذته كما أنه لن يفعل ما تريده، ستصبح فضيحة بكل المقاييس إن تم الإمساك به من قِبل أهل المنزل. تأفف بضيق وهو واقع في حيرة من أمره، لا يدري ما عليه فعله الآن، ما يجيد إدراكه أنه مزعوج من حزنها التي تسبب به. كانت تنتظر ورد عودته إلى جوارها لكنه لم يفعل.
مر الوقت لكن دون جدوى، صغت إلى صوت إغلاق الباب فرفعت رأسها لتعلم ما الأمر، تفاجئت بخلوا الغرفة إلا منها، نهضت باحثة عن مصطفى من شرفة الغرفة. رأته يتسلل داخل المنزل المجاور لهما بحذر شديد لكي لا يشعر به أحد. غزت الإبتسامة شفتيها بحماس وسعادة ووقفت تتابعه باهتمام وحرصت بألا يصدر منها صوت.
وقف مصطفى على أطرافه بخفة لكي يلتقط فاكهة المانجا بحرص شديد حتى لا يجذب الانتباه عليه، وبمجرد أن التقط إحداهن حتى تفاجأ مصطفى بسقوط أخواتها خلف بعضهم مصدرين ضجة إثر سقوطهم على الأوراق الجافة. -هين هناك. هتف بهم أحد الرجال فخفق قلب مصطفى رعباً لما هو مقبل عليه، لعن نفسه على سماعه لصوت قلبه وإلقائه لنفسه في التهلكة من أجل ذات الأعين الزرقاء.
ركض مصطفى للخارج بسرعة قصوى لم يتحلى بها من قبل متخذاً مقولة الركض نصف الجدعنة في الاعتبار. في ثوانٍ قد عاد إلى السرايا لاعناً غباءه الذي أوقعه به في ذلك المأزق، صعق حين استمع إلى إطلاق النيران على بعد مقربة منه وكأن الصوت يأتي من حديقة منزلهم. لم يتوقف لأكثر وصعد الأدراج بأنفاس لاهثة يكاد يلتقطها، ولج لغرفته ووقف يستنشق الصعداء ما أن أوصد الباب خلفه دون أن يراه أحد أو كذلك ظن.
لم تجرأ ورد على نطق حرف، فهي شاهدت ما حدث من خلفها بأم عينيها ولن تذهب للنار بقدميها. كاد أن يمسكون به لولا لطف الله في استطاعته على الهروب وعودته إلى هنا دون أن يقع مكروهاً من خلف حكمها الغبي. توجه مصطفى نحو الفراش واستلقى عليه بإهمال، طالع السقف لبرهة ثم دس يده في جيبه جلبابه وأخرج المانجا ووضعها جانبه. تعجبت ورد من سكونه المريب، حتماً ذلك هدوء ما يسبق العاصفة، لم تبرح مكانها في انتظار انفجاره بها في أي لحظة.
اعتدل مصطفى في جلسته وطالعها لثوانٍ قبل أن يردف بنبرة هادئة: -تعالي كملي اللعب. لوهلة ظنت ورد أنه يسخر منها، طالعته بطرف عينيها بعدم تصديق. فأعاد مصطفى تكرار حديثه: -مش كنتي رايدة مانجا اهيه، تعالي كملي لعب بجا. حركت ورد ساقيها إلى الأمام إلى أن وصلت إليه ولا تزال أسفل تأثير ذهولها من لامبالاته الغريبة، حتماً لم تكن تلك ردة فعلها لو كانت في مكانه. حاولت تصفية عقلها من تلك الأفكار الغبية ثم عادت لتلعب معه كما أراد.
لاحظت شدة تركيزه تلك المرة ولا يسمح بترك الفرص لها في التغلب عليه مطلقاً، وعلى ما يبدو هذا ما يريده تماماً، انتصار. بعد عدة دقائق مرت عليهم لم يضيع مصطفى أي فرصة تمر من بين يديه حتى فاز عليها في تلك الجولة، بهدوء نهض وتوجه إلى الخزانة والتقط منها شيئاً وعاد إلى ورد التي تطالعه بفضول. جذبها من يدها وأجبرها على الوقوف أمامه ثم حاوط خصرها بإحدى الأقمشة وقام بعقدها جيداً حتى لا تسقط أسفل نظرات ورد المذهولة عليه.
تراجع للخلف بعدما أنهى ما يفعله وأردف بنبرة خالية من أي روح: -ارقصي. چحظت عيني ورد بصدمة لطلبه الجرئ، فغرت فاها واعترضت قائلة: -لا ااا... قاطعها مصطفى بنبرته الصارمة: -اعتراض No، جولت ارقصي! سحب هاتفه الموضوع أعلى الكومود وقام بتشغيل موسيقى خاصة للرقص واعتلى الفراش مستنداً برأسه على جداره واضعاً كلتي ذراعيه خلف رأسه في انتظار تلبيتها لطلبه.
شعرت ورد بالخجل الشديد الذي اجتاحها حينها، كيف لها أن تتمايل أمامه وخاصة أنه ينظر لها بحدتيه، حتماً ستفشل قبل أن تبدأ. إصراره الذي تراه في عينيه كان يجبرها على امتثالها لطلبه، فقد سبق وحكمت عليه حكماً كاد أن يوقع به في مشاكل، والآن حان دورها في تنفيذ الحكم الذي أصدره. أوصدت عينيها هاربة من سودتاه المعلقة عليها لكي تبدأ رقصتها لكنها فوجئت به يقول: -افتحي عيونك.
بالتأكيد يمازحها، طالعته بنظرات مشتعلة ثم هدأت من روعها وبدأت تتمايل بخفة حتى تمكنت من رقصها على إيقاع الموسيقى بإتقان شديد متعمدة عدم النظر إليه حتى لا تتراجع عما تفعله. هدأ تمايلها تدريجياً مع إيقاع الموسيقى حتى انتهت الرقصة. نهض مصطفى وتوجه نحوها بخطى متريثة، بجمود قاسٍ أردف: -بجا أني كنت هتعكش بسببك أنتِ!!
تنشطت ذاكرتها تلقائياً فور قوله لكلماته، لم تستطع تمالك قهقهتها المتواصلة التي لم تتوقف قط وهي تعيد مشهد هرولته لكي لا يُمسك به، وقعت أرضاً من فرط الضحك. فشاركها مصطفى ضحكاتها ولا يزال لا يستوعب عقله أنه فعل ذلك من الأساس. تابعوا لعبتهم بعدما انتهوا من فقرة الضحك، وكان مصطفى أشد انتباهاً عن ذي قبل حتى يغلق أمامها سُبل الفوز ويحكم عليها ما تشتهيه نفسه وهي ما عليها سوى السمع والطاعة. صباحاً،
استيقظت ثريا في ميعادها من كل صباح، هبطت للطابق السفلي لكي تحضر الفطور قبل استيقاظ الآخرين. تفاجئت بجلوس حمدان أسفل النافذة يطالع هاتفه باهتمام بالغ. اقتربت منه وهتفت ساخرة على وضعه: -لو مكنتش خابرة أنك متعرفش تفك الخط كنت جولت قاعد على أبصر إيه ديه اللي اسمه الفيس. رفع حمدان بصره عليها وهو يعيد تكرار كلماتها في عقله، اتسعت مقلتيه بصدمة وانتفض من مقعده مذعوراً. انقض عليها كالفهد الذي استطاع صيد غزالة أرهقته في الركض.
شد خصلاتها بكل ما أوتي من قوة وردد من بين أسنانه المتلاحمة بغضب: -يبجى أنتِ اللي بعتي الصورة رايدة تخوفيني بيها، معلوم انتي اللي خابرة أني مبعرفش أقرأ فجومتي بعتالي الصورة أسهل، بس على مين دا أني حمدان المنشاوي. صرخت ثريا بألم وحدثته بتوسل: -صورة إيه يا راجل أنت، اتجننت في مخك إياك، سبيني يا حمدان أني بتوجع من يدك. وضع حمدان هاتفه المحمول أمام عينيها مردداً بتوعد: -الصورة ديي، صورة السلاح!! هتفت ثريا عالياً
بنبرة تميل إلى الرجاء: -سلاح إيه، مخابرش حاجة عن اللي بتتحدت عنه ديه واصل، سيبني يا حمدان يدك تجيلة جوي. جاب حمدان المكان من حوله وعقله يكاد يجن وهو يحاول الوصول لمن في مصلحته أن يهدده بتلك الطريقة: -هيكون مين يعني، محدش يعرف باللي حصل غيركم إهنه، يبجى مين اللي بيهددني!! لم تتحمل ثريا لأكثر فلقد شعرت لوهلة أن خصلاتها ستقتلع في يديه من شدة قبضته وصرخت مستعينة بولدها: -يا طاهر، غيتني يا ولدي.
دفعها حمدان أرضاً بقوة حين رأى نزول طاهر، وترك لهم المنزل وغادر وعقله ملئ بالافكار السوداوية التي لا تنفع مطلقاً. جلس طاهر القرفصاء أمام والدته وسألها باهتمام: -إيه اللي حصل ياما عمل فيكي إيه؟ أزفرت ثريا بعض الدمعات بألم ثم أجابته بتلعثم من بين بكائها: -مخابرش سلاح إيه اللي بيتحدت عنه، بيجولي انتي اللي بعتي لي السلاح وبتهدديني، مخابرش أيتها حاجة يا ولدي وغلاوتك عندي.
حاول طاهر أن يهدئ من روعها، جذبها برفق إلى صدره وملس على خصلاتها بحنان مردداً: -خابر ياما خابر اهدي أنتِ بس. ظل طاهر جانبها إلى أن نجح في تهدئتها ثم ساعدها على الصعود إلى غرفتها، توجه إلى النافذة التي تتوسط ممر الغرف ووقف أمامها بملامح جامدة وهو يعيد حديث والدته عن ذاك السلاح.
لم يرف له جفن طيلة الليل، كلما حاول النوم تبوء محاولاته بالفشل فأفكاره اللعينة لا تتركه وشأنه، يحاول إيجاد حلول ليفي بوعده بطريقة يرضاها الجميع لكن لا يوجد، فآخر ما يصل إليه يرضيه هو فقط دون غيره. نفخ بصوت مسموع لعله ينجح في إخراج الهموم التي تطبق على صدره مع زفيره ذاك، هبط إلى الطابق الأول وتفاجئ بجلوس والده بمفرده، استغل تلك الفرصة وأسرع في عمل كوب شاي له ليجد ما يبدأ حديثه به.
حمحم بصوته الأجش ليعلن عن وجوده، وضع الشاي أمام والده مردداً بلطف: -اتفضل يا بوي. قطب والده جبينه بغرابة وأبدى استيائه لتحضيره كوب الشاي: -هو في شاي جبل الفطور يا بلاصي المش أنت؟ أخفض رأسه بتهكم لأسلوب والده الفظ معه ولم يعقب. علم والده بأن هناك خطب ما من وراء تحضيره للشاي، تنهد قبل أن يسأله بتريث: -خرج اللي في جوفك يا ضيف وبلاها لف ودوران. رفع ضيف بصره عليه وبنبرة متوسلة هتف:
-اللي هجوله سبج وجولته وأنت رفضت بس الموضوع ديه يهمني يا بوي، أحب على يدك وافج إني اتجوز صفاء، ولدك بحبها يا بوي وعدم موافجتك ديي خنجاني جوي ومعرفش أشوف مصالحي بسببها. أخذ الحاج حنفي شهيقاً عميقاً وأخرجه بتمهل، طالع ضيف لوقت قبل أن يقول بنبرة جامدة: -فرح أختك ينتهي وبعدين نفكروا في الموضوع. انتفض ضيف من جلسته وهو يخشي أن يصدق حدسه وردد متلهفاً لتأكيد والده بما شعر به من خلف كلماته: -أفهم من أكده أنك موافق! أسرع حنفي
بالرد عليه بوجه محتقن: -إني مجولتش موافق أني جولت هفكر. قفز ضيق في الهواء فرحاً، فكلماته كانت بمثابة باب أمل جديد قد فتح له، لابد من الانتظار حتى يحين الوقت ويأخذ الموافقة التامة للأمر. شكره ضيف مراراً ثم انصرف من أمامه بسعادة لا تسعه وعاد إلى غرفته يرسم عدة مشاهد له مع حبيبة دربه في تلك الغرفة التي ستزداد شرفاً بأولى خطوات حبيبته فيها أو ربما عليه شراء منزل جديد يليق بها.
اجتمعوا معاً حول الطاولة الذي يترأسها خليل وإلى جواره زوجته جامدة الملامح وإلى جانبه الآخر ولده مصطفى ووردته كما يلقبها. انتهت هويدا من وضع الفطور ثم انسحبت في هدوء عائدة إلى المطبخ. شرع الجميع في تناول الطعام في أجواء صامتة. تذكر خليل شيئاً ما فحرك رأسه إلى مصطفى ليخبره ما علمه منذ قليل: -سمعت أن كان فيه حرامي ليلة امبارح بيسرق المانجا من أرض عمك عزت.
شرق مصطفى حين صغي لكلمات والده وارتفع سعاله بشدة، كتمت ورد ضحكاتها وحاولت أن تساعده يعود إلى صوابه، ناولته كوب من المياه ارتشفها مصطفى دفعة واحدة حتى شعر بالتحسن القليل. تدخلت ورد بحديثها ساخرة: -الظاهر أن الحرامي كان جعان. انفجرت ضاحكة ما أن أدلت بكلماتها وهي تعيد مشهد هروب مصطفى البارحة، شاركها خليل الضحك بقوة حتى دمعت عينيه وقال من بين ضحكاته:
-ديه اللي جولته يابتي والله، أعرف الحرامية تسرقوا دهبات أو فلوس أو حتى فروج إنما حرامية المانجا ديي موضة جديدة. كان يطالعها مصطفى بنظرات مشتعلة لكنها لم تكترث لنظراته فالحديث في ذلك الموضوع يضيف لها متعة خاصة من المرح. لم تشارك معهم السيدة نادرة في سخافتهم بل اكتفت برمقهم بنظرات احتقارية متهكمة.
خارج السرايا في مكان ما بعيد عن أعين المتطفلين، يجلسون برفقة بعضهم يخبرها بطلب ضيف للزواج من صفاء ورفضه للأمر معللاً أسباب رفضه. -زين ما عِملت، يروح ياخد واحدة من توبة. قالتها صفية مؤيدة رأي عسران الذي أضاف ما يدور في عقله:
-بس الواد كان بيتحدت معايا بعشم كبير كن الموضوع في إِنه يا أم صفاء، تمسكه بيها وهجومه لرفضي وراه حاجة، أي واحد غيره هيترفض هيستحي على حاله ويمشي بس ديه كان مُصر جوي إني أوافق، إني جلبي بيجولي إن فيه حاجة بتحصل إحنا منعرفش عنها حاجة.
عادت صفية بذاكرتها لبعض المرات التي صادفت فيها صفاء برفقة ضيف أمام باب المطبخ الخارجي، أبى عقلها أن يصدق حدسها وأن ما رأته ماهو إلا صدفة باحتة، لكنها لن تترك الأمر يمر دون أن تعلم ما تخشى سماعه. نهضت من مكانها وعادت إلى المطبخ وطالعت صفاء لثوانٍ ثم توجهت إليها والشر يشع من عينيها، جذبتها من ذراعها بعنف ذعرت صفاء إثره وسألتها بتوجس: -وااه مالك ياما هتسحبيني كيف الجاموسة أكده ليه؟
ابتعدت صفية بها متعمدة عدم الظهور أمام أي رجل من الرجال المتناثرين في كل زاوية في ردهة السرايا، أوقفتها أمامها ومن بين أسنانها المتلاحمة تحدثت بإنفعال: -إيه اللي بينك وبين ضيف ولد الحاج حنفي؟ خفق قلب صفاء برعب من خلف سؤال والدتها، ازدردت ريقها بصعوبة بالغة وحاولت أن تظهر طبيعية وكأنها تجهل هويته بقولها: -ضيف مين؟ قابلتها صفية بنظرات مشتعلة فأسرعت صفاء مجيبة إياها بلا مبالاة:
-آه تجصدي صاحب سي مصطفى، وأني مالي بيه عاد إيه اللي هيكون بيني وبينه!! رفعت صفية حاجبيها للأعلى هاتفة بحنق: -لو مفيش بيناتكم حاجة هيتجدم لك ليه عاد؟ تصنعت صفاء الذهول لكي تقنع والدتها بعدم معرفتها له: -وااه هو اتجدم لي! نهرتها صفية معنفة إياها فلم تنطلي عليها تلك الحركات البلهاء: -بت مهيخليش عليا عبطك ديه انطجي وجولي بيناتكم إيه عشان ياجي يتجدم لعمك ولما يترفض ميتجبلش الرفض. وضعت صفاء كلتى يديها في
منتصف خصرها مرددة بتهكم: -وهو أي واحدة يتجدم لها واحد يبجى فيه بيناتهم علاقة سابجة؟! رمقتها صفية لوقت وعقلها يتخبط بين تضاد أفكارها التي لا تعلم أيهم تصدقه، أخفضت رأسها بقلة حيلة وهي تردد: -أومال متجبلش أن عمك يرفضه ليه عاد؟ استغلت صفاء الفرصة وأوضحت لها الحقيقة المزيفة:
-ضيف ابن الحاج حنفي من كبرات البلد أكيد مهيتجبلش أن حد كيف عمي على كد حاله يرفضه، وبعدين ياما خليكي واثقة في بتك اكتر من أكده شوية مش كل ما يحصل حاجة يبجي أني ليا يد فيها أني جبت أخري.
تركتها صفاء وغادرت وقد نجحت في قلب الطاولة لصالحها، حركت صفية رأسها متابعة تحركات ابنتها وحديثها يتردد صداه داخل عقلها، شعرت بالندم حيالها فهي رمتها بالباطل ولم تقدم لها اعتذار بسيط تسامحها من خلفه، عزمت بألا تصغي لشيطان عقلها الذي يتلاعب بها دوماً وأن تثق في ابنتها أكثر من ذلك. مرت الأيام وها هو جاء اليوم المنتظر من نهاية الأسبوع، الخميس، يوم زفاف طاهر ومروة.
انتهى طاهر من ارتدائه للعباءة ذات اللون البني التي تعتلي الجلباب الأبيض حسن المظهر. دق بابه وظهرت من خلفه شقيقته حين سمح لها بالدخول ترتدي فستاناً ذهبياً يظهر انحناءات جسدها من فرط ضيق قماشه عليها، لا تظهر ملامحها الأصلية من خلف مساحيقها التجميلية المبالغ فيها. رسمت ابتسامة عريضة على ثغرها الذي لونته بأحمر الشفاه الفاقع وهللت بسعادة: -اخيراً شوفتك عريس يا أخوي. لفت حول نفسها متسائلة بفضول: -شكلي إيه؟
طالعها طاهر من أسفل لأعلى بتفحص ثم أجابها بعدم إعجاب لمظهرها الذي يشبه الراقصات: -خفي الدهان اللي حطاه ديه ولا الرقاصات في زمانهم. عبست صباح بإمتعاض وهتفت معاتبة: -رقاصة! أني بجيت رقاصة ماشي يا طاهر على العموم أني جاية ابلغك أن صاحبك اللي كان مسافر ديه تحت ورايد يشوفك. عقد طاهر جبينه بعدم تصديق وردد إسمه: -تجصد مين محمود؟
أومأت له بتأكيد فأسرع طاهر في الدلوف للخارج فمحمود صديقه المقرب والوحيد وكان مسافر خارج البلاد منذ عامين لم يحظى برؤياه. لم يصدق طاهر بؤبؤة عينيه التي تراه أمامه بوضوح، خرج من شروده على صوت الآخر وهو يمط ذراعيه في الهواء مرحباً به: -بالباط يا عريس. هرول طاهر إليه محتضناً إياه بشوق مختلط بالافتقاد الشديد إليه. بعد مدة ليست بقصيرة ابتعد عنه طاهر مردداً بعدم تصديق بعد: -ممصدجش عنيا، وصلت ميتي؟ أجابه محمود بحماس:
-لساتني واصل دلوك جيت من المطار عليك طوالي. ربت طاهر على ظهره بحب واضح وقال: -حمدالله على سلامتك يا حبيب أخوك بس مش كنت تعرفني. أخبره محمود بقصة عودته باكراً: -إني كنت ناوي انزلوا السبوع الجاي بس لما جولتلي أن فرحك اخر السبوع ديه حجزت تذكرة بدري شوية عشان أكون معاك في يوم إمهم كيف اليوم ديه. بسعادة بالغة أردف: -زين ما عملت انت أحلي حاجة هتحصل النهاردة. أضاق محمود عينيه عليه بتهكم وأردف:
-ده الحلو كُله هيحصل النهاردة، كفاية أنك عريس ديي لوحدها حاجة تانية يا ابن المحظوظة. التوى ثغر طاهر بسخرية وردد: -حظ جرود بعيد عنك. قطب محمود جبينه بغرابة من أمره وسأله بقلق: -وااه إيه اللهجة اللي بتتحدت بيها ديي أنت مش فرحان أنك هتتجوز ولا إيه. أخرج طاهر تنهيدة مرهقة مليئة بالهموم فازداد الفضول في قلب محمود إثرها وسأله ليعلم ما أمره: -دا انت شكلك إمعبي جواك يا صاحبي تعالى احكيلي.
ابتعدا كليهما عن الجميع وقصي عليه طاهر الأمر كاملاً وأنهي حديثه قائلاً: -بس يا سيدي ديي كل الحكاية، المهم أني رايد خدمة صغيرة محدش هيعملهالي غيرك. بأذن صاغية قال محمود: -اطلب يا غالي عنيا ليكي. أخبره طاهر بما يريد لكي يحضره له عاجلاً بينما لم يرحب محمود بتلك الفكرة وأبدى رفضه للأمر معللاً أسباب رفضه:
-ما بلاها اللي رايده ديه يا طاهر أنت ملكش خبرة في الحاجات ديي وممكن تجلب ضدك، سيبها تمشي وحديها أكده عشان متندمش في الآخر. أصر طاهر على طلبه ولم يكن أمام محمود سوى الرضوخ لطلبه فبالأخير هو صديقه ويفعل أي شيئ يطلبه حتى وإن طلب منه أن يلقي بنفسه بين نيران متقدة سيفعله من أجله. مساءاً في أحد غرف السرايا، تقف ورد تتزين أمام مرآتها بوضع لمسات خفيفة من المساحيق التجميلية التي برزت ملامحها الجذابة.
كان يتابع ما تفعله بفتور غير مرحب بزينتها التي أصرت على وضعها، فهو لا يحب أن يُأسر بها أحداً غيره حتى إن كانت من نفس جنسها. أخرج تنهيدة متهكمة وأردف بتجهم: -شايف ملوش عازة اللي بتعمليه ديه يا ورد مهواش فرحك يعني. أنهت ورد اخر لمساتها ثم استدارت إليه وأجابته بدلع: -فرح واد عمي اللي في مجام أخوي أكيد هتزين في يوم مهم كيف النهاردة وبعدين أنت غيران ولا إيه؟ محدش هيشوفني غير الحريم. أسرع في الرد عليها مصراً على رفضه:
-ولو، إني بخاف عليكي من عيون الخلج كلها ومرايدش حد يشوف الجمال ديه غيري إني. غزت الإبتسامة شفتي ورد بسعادة أسرت قلبها من خلف كلماته. جلست أعلى قدميه وتشبثت في عنقه مردفة برقة مبالغة: -تعرف إني بحبك جوي جوي كد الكون بحاله. أجابها بثقة عمياء: -خابر خابر. انفجرت ورد ضاحكة على ثقة نبرته بميوعة. عاتبها مصطفى لميوعتها التي لا تفشل في تبخر قواه: -لازمتها إيه المواعة ديي دلوك هتخليني مودكيش الفرح. أسرعت ورد بالابتعاد
عنه وبلهجة حاد قوية قالت: -لا جوم اديني بعدت عنك اهاه. نهض مصطفى على مضضٍ، ورافقها إلى الخارج، توقف في منتصف الممر ونادى بنبرة جهورية: -ياما. ظهر طيف السيدة نادرة من خلف باب غرفتها وجائته تمشي بخطى متريثة فسالها باهتمام: -جهزتي نمشوا؟ أماءت له برأسها مردفة ببرود في نبرتها: -إيوة يا ولدي.
هبط ثلاثتهم السلم في خطى متساوية حتى افترقت عنهم نادرة بخطوات أسرع منهم إلى أن وصلت إلى سيارة مصطفى واستلقت على المقعد الأمامي لتكون بجوار والدها مغلقة أي طريق لورد في الجلوس بجانبه. لم يكترث الآخرون لفعلتها فهذا ما كانوا سيفعلونه حتى وإن لم تسبق بتصرفها. فتح مصطفى الباب الخلفي لورد التي استلقت أعلى المقعد سريعاً.
غمز إليها مصطفى كما أرسل لها قبلة في الهواء لَقِفتها هي بحركة من يدها ثم وضعتها على شفتيها كأنها شيئاً ملموساً. أغلق بابها واستدار إلى الجهة الأخرى حتى يركب السيارة. صوت والده دوى في المكان وأجبره على التوقف: -استني يا ولدي خدني وياك العربية اتعطلت وعسران راح يصلحها.
رحب به مصطفى ولم يستطع إخفاء ضحكته التي ظهرت فور خروج والدته من السيارة وتوجهها إلى الخلف بجوار ورد التي رفضت أن تترك لها مجالاً في الجلوس بجانبه، فهي بالأخير جلست على المقعد ذاته ولم تسير خطتها على النهج المرسوم في نواياها. استلقى أمام مقوده ثم دس على المحرك متوجهاً إلى منزل حمدان عم ورد. وصلا بعد دقائق معدودة وصف سيارته بجوار السُرادِق الذي أقيم منه اثنتان، واحدة للرجال والأخرى للنساء.
أوصل مصطفى والدته وورد إلى السُرادِق الخاص بالسيدات ثم عاد لوالده بعدما تأكد من ولوجهم للداخل بأمان. حمحم قبل أن يقول له: -ادخل أنت يا بوي إني نسيت المحمول في العربية هجيبه وأعاود طوالي. أماء له خليل بقبول وسبقه للداخل بينما ابتعد مصطفى عن تلك الضجة الصاخبة وقام بمهاتفة أحد رجاله: -اجهز وجت ما أبص لك تعمل اللي اتفجنا عليه. أجابه من الجانب الآخر: -أمرك يا باشمهندس.
أغلق مصطفى الهاتف ثم سحب نفساً عميق وعاد إلى حيث يجلس الجميع داخل السُرادِق، بحث بسودتاه على ما جاء لأجله، لم يرهق نفسه في البحث كثيراً فلقد وقعت عينيه عليه قبل أن يبدأ في البحث عنه. توجه إليه بقامة وصدر منتصب وقام بمصافحته بود زائف: -مبروك يا أبو العريس. أجابه حمدان ممتناً: -الله يبارك فيك يا ناسيبي، اتفضل اجعد.
أشار إليه حمدان بالجلوس جانبه فجلس مصطفى وحرك رأسه يساراً حتى وقع عينيه على رجاله الذي أشار لهم بحركة من أهدابه على بدأ ما اتفقوا عليه. انتبه المدعوين على طلقات الرصاص التي أحدثت ضجة مفاجأة من أسلحة عديدة مختلفة الأنواع، نهض حمدان قاصداً التوجه إليهم ليعلم هويتهم فأسرع مصطفى بالوقوف أمامه وتوعد له بنبرة صارمة:
-ديه رجالي واخدين أمر مني يجوبوا بسلاحهم، بس بعد عشر دقايق من دلوك لو مجبتش الورج اللي يثبت حق ورد في ورث بوها الفرح ديه هيجلب ميتم. چحظت عيني حمدان بصدمة وردد بعدم استيعاب: -إيه اللي هتجوله ديه يا مصطفى. بجمود وحدة أجابه: -كيف ما سمعت، وعلى فكرة الوجت مش في صالحك يعني يدوب تروح تجيب الورج وتعاود. كز حمدان أسنانه بغضب عارم وهدر به شزراً: -معنديش حجوج لحد روح شوف أنت رايد تعمل إيه واعمله. تقوس ثغر
مصطفى بإبتسامة سمجة وأردف: -أنت اللي جولت أهاه متلومش إلا نفسك. استدار مصطفى أمراً رجاله بتكرار فعلتهم بصورة أكثر رعباً، أدرك حمدان بأن مصطفى لا يمازحه وأنه لا يشبه أخيه في ضعف قوته ولن ينطلي عليه تهديداته كما سبق وهدد هلال. لاحظ حمدان الخوف البادي على تقاسيم المدعوين فوافق على مضضٍ: -خلاص هروح اجيبهم وأعاود خليهم يوقفوا اللي بيعملوه ديه.
أشار مصطفى بحركة من يده توقفوا رجاله إثرها، رمقه حمدان ببغض شديد ثم انصرف من أمامه ليجلب له ما يريد، تبعه أحد رجال مصطفى لكي يغلق أمامه أي مجالاً للهرب. عاد حمدان ومعه جميع الأوراق التي تثبت حق ورد في إرث والدها وناوله له وداخله يستشيط غيظاً فلم يسبق لأحد وأن قام بإبتزازه والأدهى أنه رضخ بكل سهولة.
التقط منه مصطفى الأوراق ثم انسحب برفقة رجاله من المكان في هدوء وكأنهم لم يفعلوا شيئاً، وضع الأوراق في سيارته ثم عاد للحفل مرة أخرى لكن تلك المرة ليقف مع صديقه في انتظار انتهاء حفل الزفاف سريعاً حتى يفاجئ ورد بما أحضره لها. انتبه على صوت ضيف حين أردف: -بس إيه الغاغة اللي عملتها دي أنت فزعت الخلج مش وجبت معاهم. قهقه مصطفى عالياً وأحاط كتف ضيف بذراعه قائلاً: -أنت حبيبي مش أي توجيب يتوجبوا معاك أكده وخلاص.
حرك ضيف رأسه بعدم تصديق وانشغل في أخذ التهنيئات والمباركات من المدعوين. على جانب آخر من الحفل، توجه محمود إلى طاهر بعدما جلب له طلبه وقبل أن يعطيه له حاول منعه للمرة الأخيرة: -بلاها يا طاهر تاخد الممنوعات ديي إني خايف عليك أسمع مني. لم يكترث طاهر لحديثه والتقط منه الحبوب المخدرة وردد بفتور: -مرايدش أحس بأيتها حاجة النهاردة، عايز اغيب عن الدنيا كلها. أزفر الآخر أنفاسه مستاءً من عناده وقال:
-تبجي تاخد نص جرعة منيه سامعني متكترش عن أكده عشان انت لساك اول مرة. أماء له طاهر بقبول وعاد إلى ضيوفه الذين لا يتوقفون عن الحضور. مضى حفل الزفاف بسلام وعاد الجميع إلى دارهم عدا عائلة مروة التي وقفت تودعها أمام المنزل لكن لم يكن من بينهم ضيف فكان يحضر السيارة التي سيعودون بها. اقتربت منه صباح وبقلب جرئ همست له بنبرة خافتة: -عجبالنا. قلب ضيف عينيه بضجر فهو يكره صاحبة ذلك الصوت، استدار إليها وحدثها بنبرة جامدة:
-ياااه دا إني فكرت بجا عندك كرامة بس لساتك عتتمحكي في الرجالة عادتك ولا هتغيريها. تجمدت تعابير صباح وتحولت إلى الغضب وصاحت به منفعلة: -حاسب على حديتك معايا عشان متندمش عليه لما أبجي على اسمك! لم يتمالك ضيف ضحكاته التي لم تتوقف فور خروجها فتابعت هي مضيفة بثقة: -اضحك دلوك لكن إني اللي هضحك في الآخر، سبج ووعدت نفسي إني هجيبك راكع تطلب السماح مني وأهاه خلاص روحك بجت في يدي. ارتخت تقاسيم ضيف بلامبالاة ثم قال بفتور:
-إيه الحديت الكبير ديه كنتي بتتفرجي على فيلم هندي ولا إيه؟ دنت منه صباح وعينيها تطق منهم الشرار وهدرت به حاقدة من بين أسنانها المتلاحمة: -الفيلم الهندي لساته هيبدأ يا ضيف، أختك بجت في يدي ألعب بيها كيف ما إني رايدة، جادرة أكره أخوي فيها بإشارة من يدي كيف ما أجدر أطلع عليها سمعة بطالة البلد كلها تحكي وتتحاكي عن سيرتها!! صعق ضيف من تهديدها الوقح، غرز اظافره في ذراعها وصاح بغضب شديد:
-متجدريش تهوبي منيها يبجي اخر يوم في عمرك يا صباح لو فكرتي بس تمسي أختي أنتِ فاهمة!! تأوت بألم بسبب أظافره التي تشعر بحدتهم في ذراعها، سحبت يدها من بين قبضته بعنف ونظرت في عينيه بتحدٍ: -إني فكرت ونفذت من زمان، إني السبب أن الجوازة دي تتم، أخوي لا بيطيجها ولا رايدها من أساسه إني اللي عملت له البحر طحينة عشان تدخل داري وأعمل فيها ما بدالي، إني مش ساهلة كيف ما أنت مفكر يا ضيف، إني أوديك المالح وارجعك عطشان!
سكون مريب حل لثوانٍ يستوعب فيها ضيف كلماتها اللعينة التي يأباها عقله، كيف خدعته دون أن يشعر؟ انتبه على كلماتها الاخيرة وهي تقول: -إني مهصبرش كتير يكون في علمك، سلام يا... يا ضيف. غادرت من أمامه وتركته بمفرده في حالة لا يرثى لها، قطع حبال شروده مجيء والديه وهم بتوصليهم وبات عقله مشوش تماماً.
صعدا العروسين إلى عُشهما الجديد بمشاعر مضطربة وأخرى خجولة، أوصد طاهر الباب ثم نظر لها وهو لا يعلم ما عليه فعله في تلك الأثناء، سحب نفساً عميقاً وهو يرتب كلماته التي سيقولها: -ادخلي بدلي الفستان في الحمام على يدك اليمين أكيد شوفتيه جبل سابج. أومأت له بطاعة ثم ولجت على استحياء شديد للمرحاض. أسرع طاهر بتناول الحبوب المخدرة لكي يبدأ مفعولها في الحال.
مر ما يقرب الثلاثون دقيقة قد أبدلت فيهم مروة فستانها بثياب خاصة للغاية لتلك الليلة الفريدة من نوعها، ارتدت روبها الستان وعادت إلى الغرفة على استحياء. في تلك الأثناء بدأت الحبوب تهلوس عقل طاهر إلى أن فقد وعيه بالكامل وبات يتخيل أشياء أمامه لا توجد سوى في محيط عقله. التوى ثغره ببسمة عريضة حين اقتربت منه مروة وردد بنبرة متيمة: -أخيراً بجيت لبعض، تعرفي إني كان نفسي في اللحظة دي من ميتي؟
يا أبوي من زمان جوي، حلمت بيكي في ليلي واتمنيتك في نهاري، ممصدجش إن خلاص ربنا رضى عني وكتبك ليا بعد كل الصبر اللي صبرته. جذبها من ذراعها وضمها إلى حضنه بكل ما أوتي من قوة بسعادة الدقيقة الأخيرة التي يحرز بها الأهلي هدفاً بعد تسعة وثمانين دقيقة من إتلاف عقول الجماهير متمتماً بنبرة تائهة: -بحبك جوي جوي يا ورد!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!