لم يعد إلياس يعرف إلى أين يتجه. كان يقود السيارة بلا هدف، هاتفه يرن بلا توقف، لكنه لم يكن يسمع. في عينيه لمعة غريبة، دموعه ممزوجة بغضبه، وعقله يسترجع ذكريات سنين حاول نسيانها، لكنها تظهر أمامه كأنها حدثت بالأمس. في مكان خالٍ، لم يستطع تحديد موقعه، قرر التوقف. هنا، ترك العنان لدموعه لتنهال، وصوته يصرخ بقوة، كأنه ينازع كابوسًا يريد التخلص منه. بعد فترة، هدأ. نظر أمامه بغضب، وبدأ يكلم نفسه كأنه يعاتب شخصًا:
"أنا رجعتلك يا فهمي. أنا رجعتلك بس أقوى. رجعتلك، ياريت تجهز للي هتقابله." سكت قليلاً، ثم ضحك بسخرية: "كنت مفكر إنك هتهرب مني؟ ادي القدر يا سيدي، وفر عليا تدوير. مع إني كنت واثق إني هوصلك بنفسي، بس دلوقتي القدر سهلها عليا، والعد التنازلي هيبدأ من اللحظة دي." سكت وهو يحاول منع دموعه: "أنا قتلتها بسببك. قتلتها عشان العار. بسببك، يبقى زي ما هي اتعاقبت، أنت كمان تتعاقب."
لم يعرف كم من الوقت قضاه في المكان. نظر حوله، كانت شمس الغروب تودع اليوم. أغمض عينيه، يتنسم هواء المغرب، يملأ صدره بالأكسجين، محاولاً استعادة قوته وجبروته.
لكن فجأة، خطرت بباله زينب. وجد نفسه يفكر فيها، وفي اللحظات القليلة التي جمعتهما. أولها، عندما ظهرت فجأة بسيارتها أمامه على الطريق السريع، وفرملت بقوة، مما أدى إلى اصطدام. ثم غضبها وخناقتها معه. ثم عندما كسر لها اللاب توب غصبًا عنه، وضربها. وخوفها منه وهو يحاول الاقتراب منها لتخويفها. واختتمت بحقيقتها
التي رآها في البرواز: هي بنت فهمي وعمته صباح. حقيقة فرحته، لكنها ألجمته عندما عرف أنها ابنته. لم يعد قادرًا على السيطرة على نفسه. شعر أنه لو بقي لحظة أخرى، لكان قتلها هي أيضًا، مثلما قتل فريدة. شعر أنه في لحظة قد يتهور ويضيع حقه بموتها. فكر للحظة: هل يمكن أن تكون تعرفه؟ لكن لو كانت تعرفه، لما تعاملت معه هكذا. لكن فكر: ما الضمان؟ قد تكون تعرفه، لكنها تمثل. فهي بنت فهمي السيوفي. من شاب أبا، فما ظلم!
شعر أن طاقة التفكير تنهكه. فقرر أن يوقف التفكير، ويقرر فقط ما فعله كل هذا من أجلها. "يووه، إيه هيهمه تعرفه ولا متعرفوش. المهم إنه يعالج الموقف اللي حصل بحكمة، لحد ما ياخد اللي هو عاوزه." ضحك بخبث، وعاد إلى سيارته. أمسك هاتفه، ليجد مكالمات فائتة كثيرة من خالد. "إلياس باشا، قلقتني عليك. حضرتك فين؟ "خلصت؟ "أيوه يا باشا، عالجت الوضع، متقلقش. بس لسه محتاجينك في كام حاجة كده." "بعدين. أنا دلوقتي راجع الأوتيل."
"والفيلا يا باشا؟ أنا خلصت كل إجراءاتها وجاهزة لاستقبال حضرتك." "عاوز منك تخلي رجالتك عينيها على المديرة اياها." "مديرة مين؟ "مالك يا خالد، صحصح معايا كده. اللي اسمها زينب فهمي. عاوز رجالتك تفتح عينيها كويس، وتجيبلي كل صغيرة وكبيرة عنها. مش عايز هفوة تعدي منكم، هحاسبك أنت." "أمرك يا باشا، متقلقش، كله هيبقي تمام." "يلا، شوف هتبدأ منين؟ أغلق إلياس، ولف مرة أخرى. حاول تشغيل الـ GPS ليخرج من المكان الذي لا يعرفه.
عاد إلى الأوتيل، لكنه تفاجأ عندما وجدها تنتظره. "بيبي! "إلياس؟ "Surprise! جرت عليه واحتضنته. ضحك واحتضنها: "Miss you baby." "Miss you too." ظلوا يتكلمون، وهو فرح أنها جاءت، لأنه قد يحتاجها ويعتمد عليها. فضلت معه في الجناح، وقررت أن تبات معه.
زينب، بعد أن مشى إلياس، لم تهتم. عادت إلى شغلها، وحاولت العمل على الكمبيوتر على مضض، لأنها ليست متعودة عليه. لكنها حاولت تسيير أمورها، وتابعت مع خالد. لكن كان هناك أشياء ناقصة تحتاج إلى إلياس نفسه. فقرر أن يكمل لاحقًا. وعادت إلى شغلها. آخر النهار، قامت بتعب من على المكتب، ودخلت غيرت، وخرجت لتجد مروة تنتظرها. "إيه اللي أنا سمعته ده؟ "إيه اللي سمعتيه؟ وتابعت وهي تلم حاجتها من على المكتب وتأخذ مفتاح سيارتها:
"يلا بس ننزل ونكمل رغي في العربية." "Ok." مشوا، وذهبت مروة ناحية الأسانسير. لقت زينب تقول لها: "عطلان يا مارو، ولا اتصلح؟ نظرت مروة لها: "هو مش عطلان عشان يتصلح." "أنا الصبح لقيته عطلان." رجعت بصت بتهكم: "قصدك إنه موقوف بقصد؟ يمكن عشان... سكتت وهي تحاول أن تكون هادئة، لأنها تحتاج فقط أن ترتاح، ليس أكثر. تحتاج أن تتجاهل أحداث اليوم لتعدي على خير.
نزلتا الاثنتان. كان موعد انصراف الموظفين. مشيا بصمت ناحية الجراج، وبهدوء ركبت السيارة، وبجوارها مروة. بعد قليل، نظرت إليها مروة باستغراب: "ساكتة ليه؟ أخذت نفسًا وطلعته على مراحل: "هقول إيه؟ "اللي حصل." زينب بتجاهل: "وهو إيه اللي حصل؟ نظرت مروة لها، وعارفة أنها تتجاهل، لكنها تحتاج أن تعرف مالها: "عليا شافتك وإنتي منهارة في الحمام. تفسري دا بإيه؟ نظرت زينب للطريق أمامها: "هو حرام أعيط؟ أخرج الطاقة اللي جوايا؟
"زينب، آنتي عارفة إني مقصدش كدا." زينب بتهكم: "عارفة. أنتي عايزة تعرفي إيه السبب اللي وصلني إني أعمل كدا؟ هزت رأسها بدون أن تنطق. فردت زينب بضيق، وبلمعة في عينها: "لابي اتكسر." نظرت لها للحظة ببلاهة: "اللاب؟ يعني إنهارت عشان اللاب؟ سكتت وما تكلمت. ومروة فجأة افتكرت، ونظرت لها: "آسفة والله يا زينو، بس مجمعتش حقك عليا." لم ترد زينب، وكانت تنظر للطريق أمامها. حطت مروة يديها على كتف زينب باعتذار:
"حقك عليا والله. بس إيه اللي خلاه يقع؟ تنهدت زينب، وأخذت نفسًا طويلًا، ونظرت لها: "آنتي مش هترتاحي إلا ما تعرفي كل حاجة." ضحكت مروة: "مش جديد عليا." ضحكت زينب هي الأخرى، ونظرت لها: "بصي يا ستي، الحكاية... وحكت لها كل شيء، من ساعة ما وقع اللاب، لحد ما سابها إلياس ومشى. "غريب الإنسان ده أوي." زينب أخذت نفس: "ينفع بقي نقفل كلام في اليوم ده، لأحسن اتقفلت منه جامد." حاولت مروة تخرجها من مودها:
"إيه رأيك لو نروح ناكل أكلة معتبرة؟ نظرت لها زينب بطرف عينها. فضحكت مروة: "على حسابي، والمصحف." ضحكت زينب: "آنتي بتحوشي من ورايا؟ حركت مروة رأسها بطريقة كوميدية: "محصلش. دول سمسرة من الحاج، جايباله عدة جديدة، وسمسرت الباقي." ضحكت زينب: "آه منك، نص عمايلك." نظرت لها زينب: "أمك عاملة أكل إيه؟ ولا لا فكرة عندك، بتروحي تاكلي وتمسكي أمي بعدها رغي ومسخرة لحد نص الليل." لوت شفتيها: "شوف مين بيتكلم، زينو! "اممم."
"أنا قررت أفتح مشروع." نظرت لها زينب، ومرة واحدة فتحت في الضحك. وهذا أغاظ مروة جدا: "عاوزة أعرف بتضحكي على إيه؟ زينب بضحك: "على النكتة اللي قولتيها من شوية. مشروع إيه يا قلبي؟ مشروع تعالي نشحت معانا. لما تلاقي تاكلي، ابقي افتحي مشروع." ضربتها مروة في كتفها: "حد قالك إنك رخمة قبل كده؟ "كتشيير." "آنتي فعلا رخمة." وقفت زينب السيارة: "طيب يلا يا قلب الرخمة، وصلنا بيتك أهو. تحبي أجي أوصلك لحد خالتي نعمة؟
واهو بالمرة أقولها على المشروع، يمكن تدخل معانا شركة ما. إحنا هنبقي صاحب مال، مش هنشحت؟ سابتها ونزلت وهي متغاظة منها. شاورت لها بإيديها، وطلعت شقتهم. زينب سكتت قليلاً، تستجمع بعض الشجاعة، تأخذ نفسًا وتطلعه. وبعدين دورت عربيتها. ولسة هتمشي، سمعت صوت صريخ جاي من شقة مروة. اتصنمت مكانها، والدم هرب من عروقها. ولقت شقة مروة اتفتحت مرة واحدة، وبعدين...
خرجت جوليا من الحمام وهي لافة البرنص على جسمها، بتجفف شعرها. لقت إلياس قاعد على الكنبة وشغال على اللاب بتاعه، سرحان جامد لدرجة إنه محسش بيها لما قعدت جنبه: "بيبي! أخيراً فاق إلياس وبصلها: "بيبي." جوليا جاستن، يونانية من أب أمريكي وأم يونانية، عاشت حياتها في اليونان. وهي عارضة أزياء وموديل معروفة. اتعرفت على إلياس في اليونان، ومن لحظتها وهي رفيقته المقربة، وتقريباً عارفة عنه حاجات كتير.
جوليا بتتكلم عربي، بس سوري مكسر، لأنها عاشت فترة في سوريا. "بيبي، ليش قررت فجأة تنزل مصر؟ حياتنا كانت كتير مستقرة، وشغلك كان كتير. شو بتقولوا فل؟ ضحك إلياس: "آنتي عرفتي فل دي منين؟ جوليا ضحكت: "بحاول أتعلم." إلياس بإعجاب: "برافو عليكي. بعشق حبك للتعلم، وطموحك للرقي. أنا هحبك أكتر من كدا إيه؟ "جد؟ إلياس غمز: "تحبي أثبتلك؟ "أكيد." خلعت البرنص. وهو بصلها: "لا كدا، الإثبات عملي أفضل." زينب بصت لمروة بفزع: "فيه إيه؟
مين إللي صرخ؟ مروة بعياط: "معلش يا زينب، عايزين عربيتك. يلا بينا." زينب بصتلها بفزع: "فيه إيه؟ نشفتي دمي." مروة: "أختي يا زينب." زينب بخوف: "نهال مالها؟ مروة: "...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!