تحميل رواية «عشق بين هشيم مشتعل» PDF
بقلم اية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ستأتي تلك اللحظة الفارقة يوماً ما، سيثأر القدر ممن قيدوني بأصفادِ القسوةِ ومزقوا روحي بسيوفِ كلماتهم اللاذعة. لن يدوم الحال لهم ولن يدوم عذابي، سيشتد الحبلُ بقوةٍ ثم سينقطع. في إحدى محافظات الصعيد، وتحديداً في قرية من قراها الشامخة، وهنا أعني عادات وتقاليد قاسية وحادة جعلتها شامخةً مثل قلعةٍ مهجورةٍ لا تُسكن ولا تؤمَن من بشر. داخل منزل كبير يشبه القصر في تفاصيله، تحتله حديقة وسورٍ صلب يشبه قلوب ساكنيه. استيقظت وردة صباحاً بنشاطها المعتاد كي تبدأ روتينها اليومي. ترجلت من فراشها وفتحت شرفتها لتسمح...
رواية عشق بين هشيم مشتعل الفصل الأول 1 - بقلم اية العربي
ستأتي تلك اللحظة الفارقة يوماً ما، سيثأر القدر ممن قيدوني بأصفادِ القسوةِ ومزقوا روحي بسيوفِ كلماتهم اللاذعة.
لن يدوم الحال لهم ولن يدوم عذابي، سيشتد الحبلُ بقوةٍ ثم سينقطع.
في إحدى محافظات الصعيد، وتحديداً في قرية من قراها الشامخة، وهنا أعني عادات وتقاليد قاسية وحادة جعلتها شامخةً مثل قلعةٍ مهجورةٍ لا تُسكن ولا تؤمَن من بشر.
داخل منزل كبير يشبه القصر في تفاصيله، تحتله حديقة وسورٍ صلب يشبه قلوب ساكنيه.
استيقظت وردة صباحاً بنشاطها المعتاد كي تبدأ روتينها اليومي.
ترجلت من فراشها وفتحت شرفتها لتسمح لأشعة الشمس بالدخول إلى أثاث غرفتها تطهره ككل يوم لتدب الحياة في أركانه.
فهي لها نصيباً من اسمها حيث تشبه الوردة في رونقها ونشاطها، تشبه عودها الأخضر ذو الشوك لمن امتدت يده قاصداً اقتطافها، تشبه فوَاح عِطرها الأخاذ لمن أُعجب بها، وتشبه نعومة ملمسها لمن أحبها بصدق.
اتجهت بعدها نحو الحمام لتغسل وجهها وتتوضأ وتؤدي ركعتي الضحى.
ربما هذا البيت تتوغل إليه بعض البركة بسببها.
نزلت بعد نصف ساعة للأسفل كي تقوم بتحضير فطور العائلة مع نهال المساعدة.
فبرغم أنها الابنة الوحيدة ل جابر السيوفي إلا أنها ليست مدللة على الإطلاق، بل على العكس، المدللان هنا هما شقيقيها رامي وعادل.
هما المفضلان عند كلٍ من جابر وشريفة زوجته، دوماً هي المُلامة على أي خطأ، دوماً هي المُعاقَبة حتى وإن كان الخطأ لهما.
هي التي يتم توبيخها في جميع الأحوال لأنها وبالنسبة لهما أنثى وهما رجُلان يحق لهما مالا يحق لها.
لقد اعتادت على تلك الطريقة وباتت جزءاً من حياتها.
وبرغم كل الصعاب إلا أنها قويةً مفعمةً بالحياةِ، تعطي لنفسها دوماً الأمل بأن هناك فارساً سينتشلها من هنا يوماً ما وستكون أميرة قلبه وسيعوضها عن كم الظلم والقهر التي تشعر بهما مع كل مرة يعاملوها بها.
بدأت العائلة تستيقظ واحداً تلو الآخر.
كانت قد انتهت وردة من تحضير الفطور ووضعته على المائدة الواسعة في بهو المنزل الكبير وساعدتها في رصّهِ نهال ابنة مدبرة المنزل.
وصلت شريفة أولاً وتحدثت بملامح ناعسة ونبرة باردة:
– لحقتوا عملتوا كل ده؟
تحدثت نهال وهي تنظر نحو وردة بود لتنسب الفضل لأهله:
– وردة هي اللي عملت كل الوكل ده يا ست شريفة، أني بس ساعدتها فيه.
ابتسمت شريفة وتحدثت بنبرة متعجرفة وهي تسحب مقعدها وتجلس عليه:
– هو ده الصُح، علشان لما تروح بيت راجل تشرفنا، ويقوله شريفة عرفت تربي زين.
استمعت لها وردة بصمت بينما صراخ عقلها يرفض هذا الحديث.
هي لم تخلق لتنفيذ أمورٍ يمكن أن ينفذها الجنسين، هي خُلقت بغرضٍ معينٍ مخصصٍ لها كأنثى، خلقها الله لتؤنث وحدة آدم وتجاوره رحلته وتعينه عليها، خلقت لتكون الشعاع الذي يسري في دروب ليلة قارصة البرودة ليوزع الدفء في قلب محب، هكذا تعلمت وهكذا علمت من دينها وقدوتها محمد صلَّ الله عليه وسلم.
شغلت نفسها بوضع الفاكهة الطازجة على المائدة بشكل مرتبٍ وأنيق كشخصيتها لتتجاهل السيء من حديث والدتها الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
خرج جابر من غرفته يتحمحم بعلو وينظف حلقه حتى وصل إليهن قائلاً بنبرة صلدة تشق جدران المكان:
– بت يا رودة، فين فنچان القهوة بتاعي.
تركت ما في يدها وتحركت نحو المطبخ وهي تردف بهدوء في طريقها:
– حاضر يا أبوي حالاً، أني مرضتش أصبه غير لما تاچي علشان ميبرُدش.
زفر جابر ونظر نحو زوجته التي تتثاءب واضعة باطن كفها على فمها ليلتفت بوجههُ بملل وقد مد يده يلتقط قطعة من الزيتون المخلي يلوكها في فمه مردفاً بترقب:
– فين اسم النبي حارسه ابنك رامي، وابنك التاني فين هو ومرته منويش ينزل بقى؟
تحدثت شريفة بنبرة متهكمة:
– رامي دلوك لساته نايم، وعادل عيفطر فوق هو ومرته، لساتهم عرسان عاد.
نظر لها بجمود وتحدث بنبرة غاضبة من استهتارها:
– عرسان إيه وكلام فارغ إيه يا وليّة، ده بقاله أسبوع ساكن أوضته كأنه محروم چواز.
لوت فمها ساخرة وقررت الصمت فهو لن يفهم حديثها وسيوبخها ككل مرة لذا فضلت عدم الدخول في مناقشةٍ خاسرةٍ معه.
التفت هو ينادي بصوتٍ عالٍ قائلاً على تلك التي تلبي دون اعتراض:
– بت يا وردة، بت يا نهال.
أسرعت نهال تركض عائدة نحوه بينما جاءت وردة تخطو بحذر وهي تحمل فنجان قهوته ومن ثم وضعته أمامه بانتباه مردفة بترقب:
– نعم يا أبوي.
نظر لهما ثم تحدث بصرامة ونبرة جليدية:
– اطلعي يا بت يا نهال صحي سيدك رامي، وانتِ يا وردة تطلعي تخبطي على أخوكي عادل وتقوليله كفاية إكدة بدل ما اطلع اطربق الأوضة عليه هو ومرته، هو فاكر إننا معندناش مصالح ولا إيه.
تحدثت شريفة توقفه معترضة بدلال أمومي مفرط تحكم بها:
– سيب رامي يا چابر ده چاي في الدوغاشة، ملحقش ينام زين.
التف برقبته ينظر لها بغضب ثم عاد بنظره نحو نهال وتحدث بصرامة متجاهلاً حديثها:
– اللي قولته يتعمل، يالا عاد.
قالها وهو يشير لهما بكفه فتحركت وردة وتبعتها نهال نحو الأعلى لتناديا على رامي وعادل بقلة حيلة برغم أن وردة تعلم جيداً أنهما لن ينزلا.
وصلت أمام غرفة عادل وطرقت بابها بحرج وانتظرت بينما أكملت نهال سيرها نحو غرفة رامي حيث كانت في ممرٍ آخرٍ وطرقتها أيضاً وانتظرت بحذر أمامها حتى يفتح من في الداخل.
فتح رامي بعد عدة ثواني بملامح مشعثة وجذعه عارِ ويبدو عليه النعاس فخجلت نهال وأدارت وجهها للجهة المعاكسة تردف بحرج:
– يا رامي بيه أبوي چابر بيقولك انزل دلوك.
نظر لها من مقدمة حجابها حتى أخمص قدميها وبرغم نعاسه وخمول جسده بسبب ما تناوله أمس مع أصدقائه إلا أنه كان واعياً بالقدر الذي يجعله على وشك التهامها، فقد كانت ترتدي عباءة ضيقة بعض الشيء أظهرت منحنياتها أمام عينيه التي لن يملؤهما سوى الغبار ولا شيئاً غيره، فشخصيته مستهترة لا يعرف للشرف مذاقاً.
على الجانب المجاور للممر الآخر من الطابق العلوي فتح عادل الباب قليلاً وأطل برأسه على شقيقته البلهاء من وجهة نظره يردف بحدة وفظاظة:
– إيه عايزة إيه يا مزغودة إنتِ؟
نظرت له بغيظ وتحدثت بشموخ ونظرات حانقة من جفاءه:
– وهعوز منك إيه وانت لابد في أوضتك بقالك جمعة؟، لو عليا أني إكدة مرتاحة، بس أبوي رايدك إنت ومرتك تحت.
نظر لها بتجهم وتحدث بنبرة مقتضبة وحنق:
– قوليله إنك لقتيني نايم، يالا عاد من إهنة.
أغلق الباب في وجهها فزفرت بغيظ وتوعد وتحركت قاصدة الأسفل ولكنها تذكرت أمر نهال لتتجه نحو غرفة شقيقها رامي الذي كان يحاول سحب يد نهال كي يدخلها غرفته عنوةً والأخرى تبكي وتمنعه بخوفٍ وتوسل.
لمحتها وردة من بداية الممر فأردفت بحدة:
– بت يا نهال.
انتفضت نهال ونظرت لها بهلع وسحبت كفها بعدما تحررت من قبضة رامي بفعل مجيء شقيقته ووقف ينظر نحوها بضيق وجمود قائلاً بتأفأف:
– إيه الصباح اللي معيفوتش ده، انزلوا تحت انتوا الاتنين مش ناقص قرف ع الصبح.
مدت وردة يدها تتمسك بيد نهال ونظرت لشقيقها نظرة حادة قائلة بنبرة تحذيرية قوية:
– متبقاش تيجي يمة القرف يا نضيف، وروح غطي نفسك وكلم أبوي تحت.
سحبت نهال معها تحت نظراته المتوعدة لها وتحركت عائدة تنزل الدرج وهي توبخها وتشير لها بسبابتها:
– إياكِ مرة تانية تروحي يمة أوضة الواد ده، إنتِ فاهمة يابت؟، ولو أبوي بعتك قوليلي وأني اللي هروح اصحيه ووسعي لبسك شوية عن إكدة يا نهال وابعدي عن سكة رامي أخوي، متخلنيش أقول لخالتي عزيزة عليكِ.
أومأت لها نهال تردف بزعر:
– ياوردة أني لسة بقوله كلم أبوي چابر راح ماسك يدي وكان رايد يدخلني چوة، أني ذنبي إيه دلوك؟
احتقن وجهها غضباً من هذا الأخ الخائب وأفعاله وتركت يدها تطالعها بشفقة وهي تعلم أن نهال ربما تشعر نحوه بشيء ما ولكنه لا يستحق أبداً تلك المشاعر، برغم أنه شقيقها إلا أنها تعلم جيداً مدى عدم إئتمانه على العرض.
زفرت تردف بهمس بعدما وصلت عند والدها:
– طب روحي إنتِ شوفي شغلك دلوك.
أومأت نهال وخطت نحو المطبخ زافرة خوفاً من انكشاف ما حدث بينما وقفت وردة تردف بترقب:
– عادل يا أبوي قالي أقولك أنه نايم ومفتحش مع إنه رد عليا، ورامي قالنا انزلوا بلاش قرف ع الصبح.
نظرت لها شريفة بغضب وتحدثت معنفة:
– وانتِ يا مقصوفة الرقبة چاية توقعي أبوهم فيهم، ما تقولي كيف ما قالوا.
تنفست بعمق ثم سحبت مقعدها وجلست عليه متجاهلة حديث شريفة كأغلب الأحيان بينما تحدث جابر بشرود ونبرة معتادة:
– من غير ما تقول يا شريفة، أولادك التنين أني جبت أخري منيهم، مصالحنا الغرب هما اللي عيرعوها وولادي سايبين السايب في السايب، والمال السايب يعلم السرقة.
نظرت لابنتها بغضب وتوعد ظناّ منها أنها من أوقعت بينهم ثم نظرت نحوه قائلة بتروي تحاول سكب مياه باردة على الدخان قبل أن تندلع ألسنة اللهب:
– متقولش إكدة يا حاچ، عادل ورامي شايفين مصالحهم زين وبكرة تشوف وهما بيكبروا أراضينا ويرفعوا راسنا بين الناس، مرت عادل بكرة أراضيها تبجى تحت يد ابنك، ورامي كمان هنشوفله بت تكون عيلتها كبيرة ونطلبهاله، الواد لما بيتجوز بيعقل يا حج وبكرة تشوف كلامي، عيلتنا هتكبر بيهم، دول سندك في الدنيا والمفروض تكون متباهي بيهم، هو إنت عندك مين ولد؟
زفر وعاد يرتشف قهوته بصمت بعدما حققت شريفة غرضها بينما كانت رودة تأكل بصدرٍ ضيق وتستمع لحديث والدتها وهي تبتسم داخلياً عليه، تبتسم وتتألم في آنٍ واحد.
فهي درست علم نفس وأحياء وتنمية بشرية جيداً وكانت تحب تخصصها، يمكنها أن تعتبر دراستها هي الحسنة الوحيدة في حقها من والدها بعد تصميمه على تعليمها تعليماً جامعياً نظراً لتفوقها الدائم في الدراسة وهذا ليس عدلاً لها وإنما تباهياً وتفاخراً أمام الناس، وبالفعل دلفت كلية التنمية البشرية وتفوقت وتخرجت بتقديرٍ عالٍ ولكن بالطبع لم يسمح لها أحداً بالعمل بشهادتها، بل اكتفى جابر بنجاحها هذا ليكن قد حقق سمعةً بين الناس بتميز أولاده جميعهم عن البقية حتى لو لم تكن المعاملة هكذا ولكنه عاشقاً للمظاهر جداً وما خفي كان أعظم.
***
على الجانب الآخر من البلدة.
يجلس تحت شجرته وفي مزرعته الصغيرة كالمعتاد.
حوله أغنامه يرعاها واللون الأخضر في أرضه يرشده على تلك النغمة التي يعزفها بالناي المعلق بين أصابعه.
عاشقٌ هو حد النخاع، أهلكه الهوى وأحرق فؤاده ولا يعرف سبيلاً يطفئ به ناره.
يعزف لحناً عذباً يجذب السامع إليه كانجذاب النملِ للسكاكر.
يرتدي جلبابه البسيط الذي يغلق بعض أزراره ويترك بعضهم ليظهروا تفاحة آدم الخاصة به، هو الشاب الصالح صالح، شاباً في ريعان شبابه لا تشوبه شائبة، في العقد الثلاثون من عمره، درس في كلية الزراعة وتفوق في دراسته بمجهوده كاملاً ودون طلب العون من أحدٍ غير الله، من هؤلاء الذين كافحوا وما زالوا يكافحون في تلك الحياة.
برغم الفقر الذي أكل والدته المريضة حتى توفت في عمرِ الشباب وتركته يراعي والده الذي كبر حزناً على فراق زوجته ولكنه أثبت مثابرته وكفاحه في الحياة.
كل ما كان يمتلكه والده هو قطعة أرضٍ صغيرة ومنزلٍ بسيطٍ في وسطها تجاور أراضي عائلة السيوفي الشاسعة مساحتها، ليبدأ هو في الدراسة ويتعلم أصول الحرفة جيداً ليبث في أرضه ما تعلمه ويزرعها بجهدٍ ويرويها بحباتِ عرقه الغائرة، كان كالجندي في أرض المعركة يريد أن يثبت كفاءته ويقتنص من العدو المحتل وهو الفقر والضعف.
لذا وخلال سنوات دراسته استطاع توسيع أرضه بأرضٍ تجاورها كانت ملكاً لجارٍ قرر بيعها ومغادرة البلاد بعد موت والداه.
كما اشترى أغناماً وطيوراً وجمّل أرضه بمشتل زهورٍ تنتج العطور الفواحة بعد صناعةٍ متقنة يجيدها بمهارة عن علمٍ درسه جيداً، ليصبح مُصنّعاً لروائح نادرة اختص هو بها دون غيره، روائحاً عُرف بها لدى المقربون ولكن مع ذلك فهو يظل مغموراً لا يعلم كيفية الدعاية والإعلان عما يصنعه جيداً ولولا رعاية والده ووجوب وجوده جانبه لكان بذل مجهوداً أكبر في السفر وبيع منتجاته.
ليرضى بالقليل من المشترين لعطوره المميزة ويدخر باقي عطوره إلى فرصةٍ يؤمن بتحقيقها يوماً ما.
وها هو يجلس ممدداً ساقيه حيث يتقابلان عند قدميه وظهره مثبتاً يستظل بظل الشجرة التي لا تستطيع تبريد نيران عشقه المستحيل.
يحبها وهي من تسكن القلعة الشامخة وهو مزارعاً فقيراً، فكيف لمثلها أن تراه وهي نجمةً في السماءِ وهو يراها بمنظارِ من أرضه، حفظ وادخر كل ما يتعلق بها منذ سنوات دراستها وإلى الآن لم ينسَ نظرة عيناها السوداويتان ولا أهدابها الكثيفة حينما تعرض لها أحدهم عند عودتها من جامعتها وكان يمر من جوارها بعدما ابتاع أدوية والده ليسمعها تعنف هذا المتحرش.
كانت توبخه ولم تحتاج لتدخله ولكنه لم يعتد التوقف والمشاهدة كمن يجلس أمام تلفاز بل دوماً اتخذ مهنة المخرج للأمور لذا أسرع يقبض على طرفي قميص هذا الشاب ويعنفه بحدة وغضب ثم يدفعه ليهرول الشاب بسرعةٍ عالية مهرولاً ونادماً على اللحظة التي تفوه بها مادحاً جمال تلك الوردة.
نظرت له وردة ولم تكن نظرة حينها بل كان سهماً انطلق من قوس عينيها ليستقر في قلبه، عيناها كان لها وقعاً مدمراً زلزل قلبه حتى انقلب رأساً على عقب.
تحدثت بنبرة هادئة مخالفة تماماً لنبرتها المعنفة لذاك المتحرش وقالت بهدوءٍ وامتنان:
– متشكرة قوي يا أخويا، عملت الواچب وزيادة.
حيته بإيماءة بسيطة من رأسها ثم التفتت تغادر وتركته يقف دون حركةٍ واحدةٍ، ومنذ تلك اللحظة وإلى الآن وبعد كل تلك السنوات التي مرت هو يقف في ذلك الطريق دون حراك، قلبه تعلق بها خاصةً وأنه علم هويتها وعلم أنها لم ترتبط إلى تلك اللحظة برغم أن لقاءهما يعد مستحيلاً، سعى لرؤيتها دوماً ولم يحالفه الحظ إلا من لمح طيفها من بعيداً ولكن ذاك الطيف كان كافياً لجعله عاشقاً مخلصاً لحبه المستحيل.
أنزل الناي عن فمه وتنهد تنهيدةً حارةً معذبةً فضفاضة يهون بها عن قلبه ثم تحدث بلوعة لا تظهر سوى له بمفرده قائلاً:
– وجع الهوى غلاب كسّر ضلوع القلب، روحت لطبيبي اشتكي قالي يا ولدي ضلعك صلب، ما لقيتش عنده دوا ولا حتي چابلي سِم، قال لي يا ولدي دواك عند الهوا روح للهوى يمكن عليك يحن، ويحن كيف يا طبيب وهوايا كيف الصخر.
زفر مطولاً ثم نظر لرعيته حيث كانوا يلتفون حوله يأكلون من حشاش الأرض.
تناول عصاه واعتدل يقف ليبدأ في اصطحابهم معه ككل يومٍ في رحلةٍ ينفرد فيها بأفكاره، يعلم أن عشقه ضرباً من ضروب المستحيل ولا أمل فيه ومع ذلك وقع في حبها من مجرد رؤيته لعينيها، وبرغم قوة إيمانه إلا أن هناك دوماً ذنباً في بني البشر وذنبه أن أمله في جمعهما ضئيلاً جداً ربما يحتاج إلى مجهرٍ لرؤيته ومع ذلك فهو يحب ويتلذذ بهذا العذاب الذي يعد رفيقه الوفي.
***
بعد يومين في غرفة عادل السيوفي.
يقف أمام المرآة يهندم جلبابه ويدندن نغمةً لم يفصح لسانه عن هويتها، مد يده يلتقط مشط الرأس وارتفع ليبدأ في ترتيب خصلاته السوداء.
خرجت زوجته دعاء من الحمام الملحق ترتدي مأزرها وتلفه حول جسدها وتنظر نحوه بتوجس.
لقد ظنت أنه غادر بعد غيابها متعمدة في الداخل، فمنذ زواجهما وهو لم يتركها لحظة، لم يترك غرفته حيث رفض والده الذهاب لقضاء شهر عسلٍ لذا قرر الانتقام على طريقته وقضاه هو في غرفته، ولكن من دفع ضريبة انتقامه لم يكن والده بل كانت تلك المسكينة دعاء التي لم تنجُ من طوفان رغبته الجامحة والتي لم تهدأ، حتى أن الطعام كان يصل إليهما عن طريق الخادمة كما أوصتها شريفة.
لذا عندما صعد له والده بنفسه اليوم صباحاً وناداه بحدة وتوبيخ قرر أخيراً وبغيظ أن يترك غرفته ويحرر تلك المسكينة من قيود رغباته الذكورية الزائدة عن حدها.
تحمحمت بخفوت وتحدثت بنبرة واهنة وضعف:
– فكرتك نزلت يا عادل.
التفت ينظر لها بوقاحة ثم خطى نحوها بخطواتٍ متصيدة وهو يقول بتسلية:
– لع يا قلب عادل، مهاينش عليا أنزل وأفارق القمر ده.
شهقت داخلها واتسعت عينيها وهي ترى يده تعبث برباط مأزرها لتوقفه بيدها قائلة بخوف من تكرار غزوه:
– وه؟، عتعمل إيه عاد؟، بزياداك يا ولد السيوفي أبوك تحت عيستناك؟
تنفس بقوة وأبعد يده متذكراً ليقول بضيق ونبرة شاكية يستبيح أفعاله:
– معرفش أبوي عايز مني إيه؟، واشمعنى أني عاد، ما عنديه رامي، بس كله فوج راس عادل حتى وأني عريس معارفش اتهنى بمرتي.
فرغ فاهها ولم تستطع النطق ليزفر بضيق ويتابع متجاهلاً ملامحها:
– مكملتش عشر أيام والبيه التاني مقضيها سرمحة مع عيال *** وعمال يضيع عليهم مالنا بس أبوي معايشوفش غير عادل الكبير، كل حاچة وكل مصيبة يبقى عادل.
قالها بضيق فتنفست تطالعه وقد رأفت على حاله لتمد يدها تملس على صدره في حركةٍ عفويةٍ منها تواسيه قائلة بحنو:
– معلش يا عادل، دي حاچة متزعلكش يا حبيبي بالعكس، المفروض تفرح وتعرف إنه معتمد عليك في كل حاچة.
كانت تتحدث وتبتسم له بملامحها البريئة والبشوشة ويداها تملس على صدره ولكن تلك الحركة الأقل من بسيطة منها كانت كالشعلة التي سقطت على حطب رغبته فأشعلته مجدداً بعدما أنطفئ لينظر لها بعيون يتلاعب بهما المكر قائلاً:
– سيبك من أبوي ومن المحروق رامي دلوك، تعالي لما أقطف تفاحة من شجرتك يا قمر أنت.
ابتعدت تتراجع وهي تهز رأسها معترضة بعيون متسعة فأسرعت يداه تسحبها من طرف مأزرها لترتطم به بقوة وهو يبتسم ويتلاعب بأصابعه برباطه قاصداً فكه وقد التهم شفتيها في قبلةٍ حارة لا تعرف للود سبيلاً وباتت هي في موضع ضعف تحاول إيقافه ولكنها لم تستطيع ولكن جاءها الخلاص على هيئة طرقات مندفعة على باب غرفتهما نبّهت هذا الهمجي وجعلته يبتعد ويعتق شفتيها التي تطالب بالرحمة، زفر بقوة ولعن تحت أنفاسه ثم تحدث بغضب وعلو:
– مين عااااد.
تحدثت الخادمة بتوتر برغم حنقها من هذا الرجل وقوة إصراره المُلحة:
– يا سي عادل الحچ چابر عيقول لو منزلتش دلوك هياچي يطربق الأوضة فوق راسك.
اتسعت عينيه من حديثها ونظر لزوجته التي تحمد ربها سراً ليقول لها بحنق كمظلومٍ أجبر على الانحناء لفرعونٍ قائلاً:
– استغفر الله العظيم، معرفش اتهنى بيكِ يا دودو، معرفش اشبع منيكِ زين.
تحرك مجبراً يتركها ويخطو نحو باب غرفته يفتحه وتقدم خارجه يردف وهو يتطلع على الخادمة بحنق:
– ياكش ترتاحي يا بدرية بعد ما طلعت من أوضتي، ياكش تنحل قضية روسيا وأوكرانيا بعد ما بعدتوني عن مرتي، انجري قدامي قبر يلم العفش.
فلتت منها ضحكة خافتة تكتمها بظهر يدها وهي تخطو خلفه نحو الأسفل بعدما تركا تلك التي باتت تتنفس براحة.
***
أسدل الليل ستائره على القرية وتلألأت النجوم في سمائها، بعض سكانها قد غفوا ليستيقظوا صباحاً يسعون على أرزاقهم.
والبعض منهم مستيقظين في منازلهم، وهناك في هذا المنزل المتطرف نوعاً ما عن القرية يقف هو في غرفته التي خصصها لصنع عطوره ودمجها، يمسك بقارورة بلاستيكية في اليمنى وفي اليسرى يمسك زجاجة عطرٍ رفيعة متناسقة يسكب فيها من محتوي هذه الزجاجة بتأني.
انتهى من وضع المقدار المناسب بها ومد يده يضع الزجاجة ويأخذ غيرها ليكمل دمجه لهاتان الرائحتان اللتان استخلصهما من زهرة الغاردينيا التي ينفرد بزراعتها في تلك المنطقة مضيفاً إليها خلاصة الورد البلدي ليندمجا سوياً في رائحةٍ مميزةٍ جداً.
انتهى من ملئها ووضع الأغراض مكانها بترتيب ثم تحرك يحمل بين يده الزجاجة حتى وصل لغرفته المتواضعة ودلفها ووقف أمام رفٍ يضع عليه أغراضه الشخصية ومعلقاً فوقه مرآة مرتبة.
وضع الزجاجة على سطح الرف ثم تقدم من خزانته وانتقى ملابس نظيفة وخطى بعد ذلك للخارج نحو حمامه.
خرج بعد ربع ساعة بعدما أخذ حماماً دافئاً يزيل به أثر جهد اليوم من زراعة ورعي ومباشرة شئون معيشتهما هو ووالده ثم عاد يخطو نحو غرفته ووقف أمام مرآته يهندم خصلاته السوداء الغزيرة بمشطه فهو من هؤلاء المعتنين بأنفسهم جيداً كما أنه عاشقاً للترتيب والنظافة.
تناول عطراً غير هذه الزجاجة التي وضعها منذ قليل ونثر منه على رقبته وملابسه وهو يتنفس تلك الرائحة بانتعاش.
اتجه بعد ذلك يشرع في فرد سجادته ووقف يؤدي فرضه بخشوع.
انتهى ونهض يقبل يداه ثم تحرك يتناول دفتره وقلمه من أحد الأدراج وتحرك نحو الخارج قاصداً الأعلى حيث سطح المنزل المكون من طابقٍ واحدٍ فقط.
قبل أن يصعد الدرجات الخشبية سمع نداء والده من الداخل وهو يقول بخفوتٍ:
– يا صااالح، صالح.
تحرك على الفور نحو غرفة والده ليشعل إضاءتها ويقول بحنو وقلق:
– نعمين يا حچ محمد؟، محتاچ حاچة يا أبوي.
تحدث الأب بنبرة مرتعشة وضعف كأنه بلغ التسعين وهو لم يتجاوز الخامسة والستين بعد ولكن وحش المرض هاجمه ومزق أوردة صحته ليقول:
– بل ريقي يا ولدي.
كان يتحدث بوهن فاليوم كان موعد جلسة غسيل الكلى الخاص به، لذا تحرك صالح على الفور نحو قنينة المياه المجاورة لوالده يفتح غطائها ثم دس يده أسفل رأس والده يرفعها بحنو ويسقيه بتمهل حتى ارتوى أباه فأراحه مجدداً ونظر له نظرة حانية وودودة قائلاً:
– محتاج أي شيء تاني يا أبوي.
نظر له الأب بعيون وقلبٍ راضيان عليه ليتحدث مردفاً:
– ربنا يسقيك من مية زمزم يا ولدي، ربنا يسقيك من أنهار الجنة.
التمعت عين صالح وابتسم لوالده ثم دنى يقبل رأسه ورفع عليه الغطاء وتحرك يغادر الغرفة بعدما أطفأ إضاءتها ليختلي بنفسه في الأعلى ويبدأ في كتابة أشعاره.
فمن قال أن كتابة الشعر أمراً هيناً؟، هل جربت يوماً أن تزيل الستار عن تلك الكلمات التي تنال أعجابك؟
أبيات الشعر هذه كُتبت بدموع الشعراء وعذابهم، كل تلك الخواطر دونت بعد ألم حاد نتج عن سوطٍ بيد الحياة التي لا ترحم، كل كلمةٍ راقت لسامعها خطت على ورقةٍ امتصت دموع الكاتب قبل أن تمتص الحبر.
***
في أحد الأماكن الليلية التي يقبع بها هؤلاء.
لا أحد يعلم أيطلق عليهم رجالاً أم يبحث عن كلمةٍ أخرى تناسبهم!
يجلسون هنا بحالٍ مخدرٍ وثمالة بلغت عنان السماء والأدخنة تتراقص حولهم ببطء كأنها فتيات ليلٍ تغريهم بتناول المزيد.
هنا يجتمع كل ما يعد شاذاً وسيئاً، هنا روائح السكر والثمالة والمخدرات تفوح في الأجواء، لو أن الطبيعة تتجسد في هيئة إمرأة لاسرعت نحو جراحٍ مختص يستئصل لها هذا المكان الملوث قبل انتشاره.
يجلس هذا الشاب ويجاوره رفقته المقززة يتقامرون على مبلغٍ ربما يقضي حاجة أسرة كاملة لسنوات، ولكنهم باتوا يألفون النعم والصحة كأنهما حقٌ مكتسب لهم.
تحدث أحدهم بانتشاء وخدر جعله يبدو كالمحتضر وهو يقول:
– بقولك إيه يا رامي، شكلك رايد تنصب علينا، بقالك كام مرة عتقول عتعوض خسارتك عتعوض خسارتك وكل ليلة عتخسر ومبنشوفش تعويض، هتدفع اللي عليك ولا تچيب الرهان؟
امتقع وجه رامي ببغض وتحدث بحقد وهو على وشك قتله:
– رهان إيه إياك اللي عايز تاخده يا واكل ناسك؟، دي عربيتي تساوي عمركوا كله.
ثار الجالسون وقد أفاقهم حديثه وأغضبهم لذا تحدث فارس (أحد رفقائه) باندفاع وعيون حمراء وهو ينهض واقفاً بترنح:
– ومكانتش تساوي عمرنا لما راهنت عليها ولا إيه؟، ولا إنت طلعت عيل وكلمتك كلمة مَرَة؟
انتصب رامي واختفت الأدخنة من حوله كأنها ارتعبت من هيأته وهو يتجه نحو هذا الذي تراجع برعبٍ حين رأى الجحيم في عينيه وكاد يتحدث لولا هجوم رامي الحاد عليه وهو يلكمه بقبضة قوية في وجههُ مباشرةً جعلت أنفه ينزف دماً فوقف البقية يمنعوه من إكمال هجومه معنفين له بينما تحدث جمال (رفيق آخر) بحدة:
– خبر إيه عاد، جنيت ولا إيه.
نفض نفسه منهم بغضب وتحدث محذراً يرفع سبابته أمامهم حيث قال بنبرة مراوغة يخفيها بجموده وطغيانه:
– اسمعوا عاد، متفكروش إني هين، لع أني لحمي مر ونابي أزرق ولدغتي سم، ولا ناسيين مين هو رامي السيوفي عاد؟، اللعبة دي من الأول وهي مش على كيفي، عتخبصوا فيها كَتير علشان إكدة مش محسوبة وهنلعب الدور من أول وجديد، والرهان المرة دي على حاجات على قدكوا، يعني بالكتير قوي ساعة من اللي عندي أو حباية من اياهم، غير أكدة يبقى كتير على اشكالكم العِرّة، عتفهموا عاد ولا افهمكم بطريقتي؟
التفت الرقاب حول بعضها يناظرون بأعين بعضهم بضيق وحقد، منهم من يريد التمرد ومنهم من يريد قتله في الحال ومنهم من يريد نزع مفاتيح سيارته ونهبها ولكنهم أضعف من تنفيذ أفكارهم فهم يدركون جيداً عواقب المساس به، لقد انحنوا له لسنوات ورحبوا بفرعونه أن يتملكم ليصبح الأقوى بينهم جسدياً ومادياً وسلطةً وسمعةً أيضاً.
جلسوا بعد ثورتهم يتجرعون كؤوس الحسرة والعجز والتوعد بالثأر فأمره وصل لحنجرتهم وبات يخنقهم لذا فالانتقام في طريقه إلى عقولهم المريضة.
نظر لهم بعجرفة وانتشاء من ارتخائهم المخزي وتحدث معايراً ولسانه يجوب شفتيه قائلاً بتسلية كأنه يراضي أطفالاً صغاراً طائعين:
– وبعدين دلوك نسيتوا رامي السيوفي عيعمل إيه علشانكم؟، داني فلوسي كلها ضايعة عليكم يا واكلين خيري، قصرت مع مين فيكم علشان تهيجوا عليا إكدة؟
تآكلهم الغضب والتصقت بأفواههم ألصقة المهانة والذل ولم يتحدثوا بل فقط نظراتٍ بينهم ليجلس هو بعدها بينهم ويتحدث بتعالي وهو يتطلع لهذا الذي باغته بلكمة حادة:
– هراضيك يا فارس وهعزمك على سهرة حلوة في مكان تاني، وفيها حريم كمان.
قالها غامزاً له ليمسح الآخر أنفه بظهر يده ثم يومئ له بتخابث كأنه ارتضى وداخله نيران تتأجج ولن تهدأ حتى تنتقم وتلتهم شرفه المعدوم.
رواية عشق بين هشيم مشتعل الفصل الثاني 2 - بقلم اية العربي
مفجعةً هي تلك الليلة التي يختفي فيها ضوء القمر ولم تسطع لها الشمس بعد.
شعورٌ مرعبٌ حين تظن أنك لن تنجو من واقعٍ أليمٍ محتوم.
ويبقى للقدر زياراتٌ ومواعيد لا نعلم عنها شيء.
في اليوم التالي
استيقظ صالح مع نداء المؤذن لصلاة الفجر عبر إذاعة القرآن الكريم التي تصدر من المذياع المعلق في غرفته كي يصلي ويشرع في أعماله اليومية.
ترجل من فراشه ناصباً عوده الفارع يستغفر ربه، ثم اتجه خارج الغرفة في طريقه إلى الحمام.
خرج بعد عدة دقائق والمياه تتساقط من مواضع الوضوء في جسده، يحمد ربه ويذكره ويردد التسبيح حتى بات لسانه رطباً.
ناداه والده قائلاً بنبرة ضعيفة مجهدة:
– يا صاااالح.
خطى نحو غرفته وتحدث بحنو ونبرة لينة ودودة كالعادة:
– نعم يا أبوي؟
تحدث محمد بوجه شاحبٍ تظهر منه تجاعيد الألم والحزن على فراق الأحبة قائلاً:
– تعالى خد يدي علشان أقف وناولني مية أتوضا وأصلي.
انحنى صالح نحوه، ثم دثر ذراعه الأيمن أسفل جسده وساعده في النهوض، ويده اليسرى تحاوط خصر والده حتى لا يسقط، وذلك نسبةً لضعف أوتاره وأعصابه بعدما استسلم هو لهما مرحباً.
تحرك معه نحو الخارج حيث الأريكة المسطحة، ثم أجلسه عليها بهدوء واعتدل يردف:
– هروح أجيبلك مايه وأيجي.
تحرك مجدداً نحو الحمام، ثم عاد يحمل إبريقاً به ماء وماجور متوسط الاتساع، ثم وضعه أسفل قدمي والده وبدأ يصب المياه فوقه، يوضأهُ بتأني وصدرٍ رحب دون ملل أو كلل ككل يوم.
هو على يقين أن بره نحو والده ما هو إلا بذور ينثرها في أرضٍ طيبة سوف يجني ثمارها مستقبلاً.
لا أحد يمكنه تزويدك بلحظةٍ واحدةٍ كلحظات عشتها مع والداك، لذا فهو خير مستثمر لتلك اللحظات.
يكفيه فقدان والدته الذي فطر قلبه وجعله متعطشاً لغمرةِ حنانٍ تقدم له.
انتهى من وضوء والده ووقف يؤمه ويصليان بخشوع.
بعد وقتٍ جلس يتناول معه الفطور الذي أعدّه بنفسه، كان فطوراً صحياً يحتوي على خيرات زرعت وحصدت بيده.
توقف يجمع الأغراض واتجه بعد ذلك يبدل ثيابه وخرج من غرفته فوجد والده يجلس يذكر ربه، فاتجه يستريح جواره ويردف بحنو وهو يربت على عضلة ساقه:
– هطلع أجمع البلح يا أبوي وأروح السوق أبيعه، لو احتاجت حاجة أبقى رن عليا، التليفون جارك أهو.
قالها وهو يضع الهاتف بجواره ثم نهض يستعد، بينما تحدث محمد بإجهاد:
– اطلع يا صالح ربنا معاك يا ولدي، خد بالك من حالك، ربنا يكفيك شر ولاد الحرام، بس الأول ساعدني إما أقوم أقعد برا.
ساعد والده بيدٍ وبالأخرى حمل معداته وتحرك به نحو الخارج.
منزلٌ متوسط تحاوطه الطبيعة الرائعة، نوافذه تدل على طيبة أهله حيث الروح والرياح الطيبة.
وهناك أريكةٌ جانبية تجاورها طاولة تحمل على رأسها صينية من الألمنيوم وضع بها اثنتان من الأباريق الفخارية ( القُلة ) الممتلئة بالماء.
تقدم صالح من الأريكة وساعد والده في الجلوس في هذا المكان الإيجابي البعيد عن القيل والقال وأحقاد النفوس.
تحرك مودعاً ليبدأ أعماله حول المنزل وعلى مرمى من عيون والده ولكن المسافة بعيدة نسبياً عنه.
اتجه لحظيرة الأغنام الخاصة به والتي كانت على الطرف الخلفي من أرضه فوجد مساعده قد أتى، ألقى عليه السلام ثم قال بنبرة ودودة محفزة:
– عفارم عليك يا واد يا منعم، جيت بدري النهاردة، صليت الفجر؟
تحدث هذا الشاب البالغ من العمر سبعة عشر عاماً قائلاً بنبرة يشوبها الفخر:
– أيوه يا سي صالح، صليت وجيت علطول، ونظفت للغنم وأكلتهم كمان.
شجعه صالح وتحدث مرشداً:
– أيوه إكدة، عايزك يوم أجازتك تشوف مصلحتك زين وتصحى بدري تصلي فرضك، أوعاك تضيع يوم أجازتك في النوم وتقول براحتي، متفرطش في أي ساعة من عمرك يا منعم، وأهم حاجة هو علامك.
تحفز منعم وابتسم، بينما تابع صالح ممازحاً وهو يتحرك ليرى أغنامه التي تبدو في حالة جيدة:
– عال عال، شكلهم عيحبوك قدي.
تحركت يدي منعم تدلك فراء إحدى الأغنام قائلاً بتباهي:
– يبقى بيفهموا صح يا سي صالح.
ابتسم صالح وتحرك بينهم ثم التفت يعود للخارج قائلاً:
– الله يعينك يا منعم، يخلصوا واكلهم وتاخدهم حوالين الأرض شوية لإن أني ورايا شغل ومشاوير تانية.
تحدث منعم بحماس وهو يعدل من وضعية قبعة رأسه قائلاً:
– عنيا يا سي صالح أني ليا بركة غيرهم.
غادر صالح متجهاً إلى النخيل كي يبدأ بقطف ثمار البلح البوحي الشهي والذي أصبح يشتهر هو بزراعته ومذاقه لدى التجار.
فيبدو أن العبد الصالح الطيب ترث ثماره الطيبة والصلاح منه.
بعد وقتٍ وفي سوق البلدة.
كانت تخطو بين الطرقات بعباءتها السمراء وحجابها الأسمر وخفها الأرضي لتشتري أغراض المنزل.
فأحياناً تقرر الهرب من تسلط والدتها وحقد وقسوة أشقائها وجمود والدها بهذه النزهة من وجهة نظره.
فهي تعشق انتقاء الطعام بيدها، هذا يشعرها بأنها ذات مسئولية وأهمية في هذه الحياة القاسية، كما أنها تسترق ساقيها وتذهب لأحدى محلات الملابس وأدوات التجميل كي تبتاع ما يلزمها وتخفيه للوقت المناسب.
وبرغم لباسها المحتشم إلا أنها محط أنظار معظم من هنا، يعرفونها ويعرفون هويتها جيداً، باتوا لا يتعجبون من تسوقها بنفسها، فهي ابنة جابر السيوفي الذي يسهل عليه إرسال رجاله للتسوق بدلاً عنها.
ولكن المقربون من تلك العائلة يعلمون جيداً أن المدلل هنا هما شقيقيها وليست هي، وبرغم ذلك فهم يرونها نجمةٌ صعبة المنال وذلك نسبةً لتكبر والدها وشقيقيها وقسوتهم في التعامل مع عامة الناس.
جمالها ينبعث من روحها وهالة الطاقة الإيجابية التي تحيط بها تجعلها مرغوبة كقطعة حلوى نادرة وثمينة لم يتذوقها الناظر ولكنه على يقين بجودة تذوقها لذا فالوصول إليها مكلفاً جداً.
وقفت عند بائع المخبوزات تضع ما يناسبها في الكيس الورقي متجاهلة أمر تلك النظرات الخبيثة التي تتفحصها.
هذا المدعو فارس الذي مر من هنا أثناء طريقه ليصدف برؤيتها وتبدأ عيناه تتعاون مع عقله الخبيث لتنسخ خيوط الانتقام والشر والمتعة كما نوى.
توقف خلفها بينما هي منشغلة مع البائع ثم تحدث فجأة بنبرة يشوبها المكر:
– كيفك يا وردة.
انتفضت من أثر صوته البغيض والتفت له تناظره بضيق ثم تحدثت بامتعاض وملامح غاضبة عندما عرفته:
– أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، خير يا فارس واقف ورايا كده ليه، وبتناديني باسمي ليه يا رفيق أخويا.
قالتها ضاغطة على أحرفها ربما خجل من طريقته ولكنها ظنت به خيراً وهو السوء بذاته، لذا حاول الاقتراب منها قائلاً بجرأة ونظرةً تلاعبية ماكرة:
– فيه إيه يا وردة الليالي، أني قولت أسأل لتكوني محتاجة خدمة ولا حاجة، زي ما قلتي أني رفيق أخوكي وهو غالي على قلبي وانتِ كمان غالية.
اتخذت خطوة للوراء وتجهمت ملامحها وهي تقول بنبرة حادة تغلفها الجدية وعينيها تطلق شرارتٍ محذرة:
– يبقى تلتزم مكانك وملكش صالح بيا، ولو شوفتني في أي مكان متتكلمش معايا ولا تنطق اسمي واصل.
التفتت للبائع تناوله النقود ثم نزعت مشترياتها وغادرت تخطو بثقة وشموخ ووقف هو يتابعها ويغزل أفكاراً تجعل من عقله منزلاً للشيطان فهو بالأساس يضعها في عقله منذ زمن وزاد انتقامه على شهوته ليكونا معاً رغبةً ملحةً في تنفيذ خطته.
وصلت إلى بائع الخضروات والفاكهة التي تفضله وتحدثت بوجهٍ بشوش منافي لملامحها قبل قليل قائلة:
– كيفك يا عم حميد، أخبارك إيه يا راجل يا طيب.
ظهر حميد من خلف أقفاص بضاعته يبتسم لها قائلاً بسعادة:
– كيفك إنتِ يا بتي، مشوفتكيش من زمان.
تحدثت وعينيها تدور حول بضاعته الطازجة قائلة:
– مخرجتش من آخر مرة كنت عندك يا راجل يا طيب، المهم أخبار البضاعة إيه، وفين البلح البرحي بتاعي؟
مد يده ينزع عدة أكياس ويناولها إياهم حيث وضعت أغراضها جانبها والتقطت منه الأكياس لتبدأ في انتقاء ما تريده منه، بينما هو تحدث بترقب:
– على وصول يا ست البنات، النهاردة اتأخر شوية بس زمانه جاي.
أومأت وانشغلت في فحص الخضروات لتنتبه له دون أن تلتفت وهو يقول بترحاب مبهج:
– أهو وصل أهو، اتأخرت ليه يا صالح يا ولدي.
كانت تواليه ظهرها بينما هو ترجل من دراجته البخارية والتفت يجلب أسبات البلح ويناولها للعم حميد ويبرر قائلاً دون النظر لمن تقف:
– حقك عليا يا عم حميد، الحمد لله قدر ولطف بس كنت هخبط في عربية رامي السيوفي وأني جاي ع الطريق، الجدع طاير كأنه مهواش ماشي على الأرض ومش مراعي إن فيه ناس ماشية.
غمزهُ حميد بطرف عينه كي يتوقف عن الحديث وهو يشير برأسه تجاه وردة التي التفتت تنظر له بسودويتاها بعدما انتبهت لاسم شقيقها ليتجمد مكانه وتلجم الصدمة لسانه، لا يصدق أنها هنا وأمامه وتنظر له بعينيها التي كانت دوماً بطلة أحلامه وصحوته.
لم يسعفه جسده ولا لسانه ولا حتى عقله عن أي حركة أو كلمة.
أما هي فتعجبت من تحديقه بها وتوترت نظرتها وأفاقت على حمحمة العم حميد وهو يردف مدافعاً:
– معلش يا وردة يا بتي، صالح ميعرفش إنك واقفة.
انتبهت على حالها وتحدثت وهي تنظر له قائلة:
– هو مغلطش يا عم حميد، واضح إن الغلط على أخوي.
نظرت نحوه مجدداً وتجاهلت موقف شقيقها لعلمها أن ليس بيدها حيلةً، ثم نظرت لأسبات البلح البوحي الأصفر الشهي الذي تعشقه ومدت يدها تنزع ثمرةً من عودها ثم رفعتها أمامه تلوحها وتحدثت بترقب:
– ينفع أدوقها؟
كانت سجيته الصمت والتأمل ليعنفه لسان حاله ويجبره على التحدث أخيراً قائلاً بسعادة جعلته يردف دون وعي من مجرد حديثها معه:
– البلح كله ملك يدك يا ست الصبايا.
توردت وجنتيها خجلاً وتحدثت بهدوء:
– تسلم.
التفتت تنظر نحو الخضروات ورفعت يدها نحو فمها تقضم البلحة وتتلذذ بتذوقها ووقف هو يستعيد ما حدث للتو بذهولٍ وفرحةٍ خففت من على عاتقه عبء اليوم وشقائه.
رؤيتها الآن كانت بمثابة نسمة طيبة رطبة في يومٍ حار مجهد التفت حول جسده فأنعشته كلياً وجعلت قلبه محلقاً في سماء عشقها.
وقف العم حميد يتحدث معه عن سعر البلح وجودته وانتقت هي ما تريده ثم التفتت تناوله الأكياس قائلة:
– احجز لي بقى سبت من ده يا عم حميد وهبعتلك سعد ياخد منك الحاجة.
تحدث الرجل بترقب:
– على راسي يا ست البنات بس متعوقيش عليا علشان نص ساعة وهقفل المحل علشان مسافر القاهرة كمان شوية.
كان يتابعها وهي تتحدث ويتوغل حبها لأعماقه أكثر حتى تحدث برتابة:
– مالوش لزوم تبعتي حد يا ست الصبايا أني هوصلهملك على البيت الكبير، اتفضلي إنتِ اسبقيني وسيبي كل حاجة هجبهالك.
كان يتحدث ولا ينظر نحوها بعدما وعى على حاله، يخشى عليها من عينيه ونظرته، يعلم أنها جوهرةٌ ثمينةٌ النظر لها سيأثره خلف قضبان الحرمان واللوعة في بعدها.
أعجبت بشخصيته التي تحيطه وتحدثت معترضة بهدوء:
– لا متتعبش حالك، أني هروح وأشيعه علطول.
تحدث بنبرة صارمة لا تقبل نقاش:
– اتفضلي إنتِ بس يا ست الصبايا وملكيش صالح عاد.
تنفست بعمق ثم أومأت وخطت تغادر بعدما ودعت العم حميد وانتظرها حتى غادرت وبدأ يُحَمّل أغراضها ويضعهم في حامل موتوره ثم استلم حساب البلح من التاجر وصعد موتوره ينطلق بعدها إلى وجهته براحة أذابت تعبه.
في غرفة عادل الذي كالعادة يستيقظ متأخراً.
كانت عيناه مغلقة وملامحه ناعسة حيث بدأ يتململ ويتقلب في الفراش باحثاً بيده عن زوجته دعاء.
انتفض من نومه حينما لم يجدها جواره واتسعت عينه ينادي بحدة وصراخ:
– دعاااااء، إنتِ يابت! مش قولتلك ميت مرة متقوميش من جاري طول ماني نايم؟
لم يأتيه صوتها فاحتقنت ملامحه وانفلتت منه سبابٍ وهو يترجل متمتماً بحنق:
– يخربيت أبوكِ أنتِ كمان الواحد معرفشي يرتاح ولا ينام زين في البيت ده، باينه حد باصص لك في أم الجوازة دي يا عادل.
تحرك نحو الحمام وفتحه ليتفاجأ بخلوه فتأكد من شكوكه لذا تملكه الغضب حتى بات كطفلٍ شرسٍ تعلم انتزاع حقوقه بالقوة ودون حكمة.
فتح باب غرفته وتحرك للخارج ثم نزل الدرج ينادي بصوتٍ حاد قائلاً:
– دعاااااء، إنت يابت.
هرولت تلك الجميلة من المطبخ تنظر له بضيق مردفة بتوتر:
– نعم يا عادل فيه إيه عاد عتصرخ ليه إكدة.
وصل إليها ونظر في يدها فوجدها تعد الفطور وتتمسك بسكين التقطيع فرفع عينيه إلي عينيها يردف باستنكار:
– إيه اللي في يدك ده؟
تحدثت موضحة وهي تلوي فمها بضيق من تملكه وسطوته عليها التي باتت تخنقها:
– عتكون إيه يعني، دي سكينة.
ضحك بخبث واقترب منها يردف بجرأة وتقمع:
– لا يا شيخة، فكرتها قصافة، مش المفروض إن يدك دي تكون ملفوفة على رقبتي طول ماني نايم؟ إيه اللي خلاكي تقومي من سريري وتنزلي كده من غير ما أعرف، وتدخلي المطبخ ليه عاد إنتِ مالك ومال الطبخ والحديث الماسخ ده، إنت هنا شغلك كله ليا أنا وبس، لما ابقى أمشي من البيت اعملي اللي إنتِ عايزاه.
تحدثت بضيق وملامح حزينة من حديثه الذي يحطم كبريائها:
– بس أني زهقت يا عادل، وانت يا إما نايم يا إما….
زاد غضبه من نطقها لهذا الحديث بتلك الطريقة وتحدث يردد جملتها بفحيح وعيون متفحصة لملامحها وتفاصيلها:
– زهقتي؟ زهقتي من إيه؟ بعمل حاجة عيب ولا حرام؟ اظبطي كلامك زين بدل ما أظبطلك نفوخك ده.
قالها وهو يشير بسبابته على عقلها فترنحت قليلاً، بينما جاءت من خلفه شريفة دون سابق إنذار وتحدثت بنبرة مملة ظهرت معالمها وهي تقول:
– بطلوا حديث ماسخ مالوش عازة، الخدم عيسمعوكوا.
لم تتغير ملامحه بل زفر بلا مبالاه، بينما هي التفت تنظر نحو دعاء وأردفت بجمود:
– روحي يا دعاء كملي تجهيز الفطار عقبال ما وردة تيجي.
تحدث معترضاً بنوعٍ من الأنانية:
– وهي بنتك راحت فين يا أما، أني عايز مرتي دلوك.
نظرت لإبنها بغيظ وتحدثت معنفة:
– هناكلها ولا إيه يا ولد بطني؟ مرتك هي اللي نزلت تساعد لحد ما أختك ترجع من السوق.
تحدث وهو يتجه عائداً لغرفته ويسحب زوجته معه قائلاً بامتغاض وتجهم:
– عندك البت تساعدك لحد ما تاجي بنتك، مرتي أني عايزها في كلمة.
صعد وتركها تلوك فمها عليه، ولكن هي اعتادت على تلبية رغبات ولديها حتى في الخطأ، دوماً دونت موافقتها على ظلمهما وقسوتهما، ولما لا وهي المرضعة الأساسية لتلك القسوة.
في الخارج وصلت وردة ووقفت أمام باب المنزل الخارجي تنتظر هذا الصالح الذي أتى وتوقف أمامها وتحدث باحترام دون رفع عينيه عليها قائلاً:
– ادخلي إنتِ يا ست البنات وشيعي حد من الحرس ياخد الطلبات مني.
أومأت له وتحدثت ممتنة:
– ماشي يااااا؟
رفع نظره فجأة وكأن عيناه خانته وأرادت رؤيتها قبل أن يغادر ليحتفظ بهيأتها ويردف لسانه بنبرة يغلفها الحنين ظهرت حينما قال:
– صالح، اسمي صالح يا ست الصبايا.
ابتسمت له وتابعت:
– شكراً يا صالح، تعبتك معايا النهاردة.
مسح حبات العرق التي تكونت على جبهته بظهر يده فيبدو أن جسده ينصهر وتحدث بود برغم توتره:
– تعبك راحتي يا ست الصبايا.
تعجبت من طريقته برغم أنه يغلب عليه الشهامة والمروءة والاحترام، تعجبت من نظرته لها وحديثه الحنون معها ولقبه لها ب ست الصبايا.
قررت الدخول وترك الأفكار جانباً وأنزل هو الأغراض وناولها للمدعو سعد وغادر بعدها يفكر في هذا اليوم الذي سيدونه في دفتر يومياته على أنه أسعد أيام حياته.
في اليوم التالي
عاد عادل من عمله مساءاً يخطو داخل القصر.
يتمتم بخفوت وحنق كلمات غير مفهومة وذلك نسبةً لوجود جابر الذي يطالعه بغضب متسائلاً:
– راجع بدري ليه يا عادل؟ مش معادك الساعة عشرة تسلم أخوك ورديتك وتعاود؟
زفر واستغفر ثم أردف بقمع:
– أخوي مين يابا، هو ابنك ده نافع في حاجة واصل، ده عيل خايب والغريب أحرص منه على أملاكنا، وبعدين أني لساتني عريس جديد ومينفعش أرجع متأخر وأهمل مرتي كل ده لحالها، كلمة إنت وقوله يروح الأرض يشوف مصلحته لإن أني لو كلمته همسك فيه، الغفير قاعد هناك بس بردك ابنك لازم يروح لاحسن الحرامية كتروا أوي النواحي دي وكلهم اصحابه.
تحرك يصعد غرفته وهو ينادي بصوتٍ حاد ويردف بنبرة آمرة:
– بت يا نهال، جهزي صينية الوكل وطلعيها بسرعة.
لم يتفوه جابر ببنت شفة، كان هذا منذ زمن حيث كانت كلمته تجلجل المكان ولكن الآن لم تعد كلمته مطاعة سوى على ابنته والخدم، فهذان المدللان تملكهما الجمود والقسوة وانتزع منهما احترام الوالدين ويعود الفضل في ذلك له ولزوجته ولحب البنين والتفرقة في المعاملة.
دس يده يخرج هاتفه من جيبه ليهاتف ذاك الـ الذي، أجاب بعد ثواني قائلاً بضجر:
– خير يابا.
تحدث جابر باقتضاب وغضب:
– فوق وكلمني زين يا خايب الرجا، من إهنة ورايح لو حالك متظبطش معايا أني هيبقالي تصرف تاني واصل، هنچيب الغريب يحرس مالنا إياك؟
نفث دخان سجائره ونفخ معه متأففاً يردف بانزعاج وملامح مقتضبة يغطيها الملل قائلاً:
– عايز إيه إنت دلوك؟ متصل تعكنن عليا ليه؟ ما عندك ولدك الكبير هو مافيش غير الزفت رامي.
تحدث جابر بصوتٍ حاد غاضب جاءت على إثره زوجته ليحاول استعادة رباطة جأشه وسلطته قائلاً بجمود وقسوة افتقدها معهما منذ زمن:
– أيوه مافيش غير الزفت، ودلوك تقوم من الخرابة اللي إنت قاعد فيها وتسيبك من الشوية المقاطيع اللي معاك وتروح تشوف مصالحنا وتبيت هناك ومشوفش خلقتك النهاردة هنا، وهكلم الغفير وأعرف منه إنت هناك ولا لا، ويويلك لو قال مجاش، وقتها هتعرف صح مين هو جابر السيوفي، هوريك قسوتي بصحيح يا ولد جابر وانسى إنك تاخد مني مليم بعد كده، ومافيش طفح هيجيلك كيف كل مرة علشان بعد كده تعرف تكلم أبوك زين.
أغلق الهاتف بعدها وجلس يتنفس بقوة وصدره يعلو ويهبط لتأتي من خلفه تلك التي استمعت لحديثه وتجلس مجاوره له ثم تحدثت بتقمع وعتاب:
– عتكلم ابني إكدة ليه يا جابر، هو كان غلط في إيه يعني؟ الواد لساته شاب ومن حقه يعمل اللي هو عايزه، وبعدين مهو بيروح شغله برغم إنه ابن جابر السيوفي يعني المفروض يكون سلطان زمانه.
نظر لها بحنق وتحدث بعدما نفذ صبره وقوة تحمله قائلاً:
– مهو ده اللي حصل ياختي، ولادك الاتنين بقوا خايبين مافيش منهم منفعة لإنهم ولاد جابر السيوفي، طلعوا سلاطين زمانهم صح يا شريفة يا بنت مرعي القللي افرحي بيهم قوي.
قلبت عينيها بضيق، بينما هو نهض وتحرك يغادر فلم يعد يطيق الجلوس جوارها.
تحرك نحو البوابة ثم فتحها ينادي بصوتٍ عالٍ على الغفر فجاؤوا مهرولين يقفون أمامه وينتظرون أوامره، فقال بجمود وهو يستند بكفيه على عصاه:
– محدش منكم يطلع من القصر واصل، ولا حد منكم يروح يوصل حاجة لرامي في الأرض، مفهوووم ولا أقول تاني.
أومأوا جميعهم يرددون بطاعة:
– مفهوم يا حچ جابر.
دلف رافعاً رأسه عالياً بعدما قرر معاقبة ابنه، خطى متوجهاً إلى غرفته بعدما رمقها بنظرة حانقة، بينما هي تعجبت من حالة الغضب التي أصابته والتي لم تراها منذ زمنٍ لذا قررت تهدأة الأوضاع قليلاً.
تناولت هاتفها وطلبت رقم رامي لتتحدث معه وتطمئن عليه، لطالما كان هو مدللها مهما بلغت أفعاله.
لم يجبها فحاولت مجدداً فقام بإغلاق هاتفه لذا بات عقلها يصور عدة سيناريوهات بشعةٍ لتتآكل قلقاً وهي تحاول الوصول له أو لأحدٍ من رفاقه ولكن لا جواب يأتيها يهديء لهفتها.
كانت وردة تجلس تتصفح هاتفها وتتحدث مع صديقتها عليا التي تواصل معها منذ الجامعة.
تدون لها الكلمات ببعض الود بعدما انتهت من أعمالها المنزلية حينما دلفت عليها شريفة تردف دون مقدمات بنبرة متعجرفة:
– بت يا وردة، قومي ألبسي عبايتك دلوك، أبوكي زعل أخوكي وزعله وتليفونه اتقفل، أني قلقانة عليه قوي.
اتسعت عينيها وهي تعتدل في جلستها وتحدثت باستنكار:
– أقوم ألبس كيف وأدور على مين، عيل صغير هو إياك؟ إنتِ عارفة الساعة كام دلوك يا أما؟
زفرت بضيق وتحدثت بحدة معنفة:
– لساتها تسعة يا مقصوفة الرقبة والناس كلها رايحة وجاية، ووطي حسك لأبوكِ يسمعك، قومي عاد انهضي غيري هدومك وجهزي حالك، هو دلوك راح ع الأرض روحي اديله الوكل وخليه يفتح تليفونه ويحدثني وتعالي، يالا عاد.
تشبثت برأيها وقالت بجدية وهدوء:
– لو عايزة تطمني عليه شيعي وراه سعد أو روحي إنتِ.
نظرت لها بغضب وغيظ وتحدثت وهي تلكزها في كتفها بقوة:
– سعد مين دي اللي أشيعه؟ أبوكي نبه عليهم ممنوع حد منهم يطلع، وبعدين أروح أني كيف هيعرف إني طلعت وهو دلوك شايط وأني معايزاش أزودها، إنما إنتِ محدش عياخد باله إنك خرجتي، الوقت بدري لسة روحي وتعالي بسرعة قبل ما نتأخر.
لم تتزحزح وردة ولا تتقبل فكرة خروجها كي تبحث عن هذا الرامي لتبدأ والدتها في استعمال طريقة فعالة وتبدأ بالعزف على أوتار عاطفتها قائلة وهي تجلس جوارها وتدعي قلة الحيلة والحزن قائلة:
– طول عمره مدوخني إكدة، بس هعمل إيه يعني يا ناس، قلبي معايطوعنيش أقسي عليه، وأني خبراه زين لما حد بيزعله وبيهينه، وبعدين ده يا حبة عيني مداقش لقمة من إمبارح الصبح وعمال يشرب في دخان وزفت من غير وكل، أني خبراه زين معايكلش غير من يدي، علشان خاطري يا وردة قومي شوفيه وأديله الوكل الهي يطمن قلبك يا بتي.
اتقنت دور المسكنة ونجحت في تغيير قرار ابنتها التي تنهدت وأغلقت عينيها لثوانٍ ثم أومأت لها بصمت وبرغم صعوبة تقبلها للأمر إلا أنها قالت:
– خلاص يا أما قومي جهزي الوكل وأني هلبس وهحصلك.
ربتت على ساقيها ونهضت تسرع نحو الخارج بعدما وافقت ابنتها واتجهت صوب المطبخ لتحضر الطعام.
بعد وقتٍ كانت تخطو خارج حدود القصر وتحمل في يدها أكياس الطعام.
بدأت تسير في البلدة واطمأنت قليلاً حينما وجدت بعض المارة من النساء تجولن.
ابتعدت عن الطرق العامة حتى وصلت لحلقة الأراضي الزراعية الخاصة بعائلتها والتي لم تكن بعيدة عن أرض محمد والد صالح ومنزله.
بدأ الخوف ينهشها حيث يعم الظلام في المكان إلا من بعض الأنوار الآتية من البلدة.
كان في هذا الوقت قد وصل رامي إلى المخيم المنصوب في الأرض ومعه فارس وجمال بعدما قضوا نصف سهرةً قطعها اتصال والده.
كان قادراً على رفض طلبه ولكنه خشى حقاً تنفيذ تهديده خاصةً وأن تلك الطريقة كان يستعملها معه منذ وقتٍ طويل وها هو يعود إليها.
تحدث فارس بملامح تخفي حقداً ووعيداً قائماً:
– هنروح إحنا بقى يا رامي، يالا يا جمال.
تحدث رامي بحنق وهو ينظر حوله حيث لا يوجد هنا سوى الغفير وقال بنبرة بغيضة:
– عتروحوا ليه؟ ما تطبقوا معايا هنا، هنكمل سهرتنا هنا.
تحدث فارس معترضاً يردف وهو يشير نحو معدته:
– لاه، أني جعان وهروح أكل لقمة، وبعدين أبوك مبيطقنيش ولو عرف إني جيت هنا هيعملي مشاكل، هتاجي معايا يا جمال ولا قاعد معاه؟
سأل موجهاً حديثه لجمال الذي تحدث معترضاً يردف بضيق:
– لاه جاي معاك طبعاً، وهو يعني عمك جابر كان بيطيقني؟ ده يشوف العمى ولا يشوفنا، يالا بينا.
ودعا رامي وغادرا عائدان إلى بيتيهما يسيران وسط الأراضي الزراعية ويغتابانه بحقد وتوعد كالعادة وخاصةً المدعو فارس الذي ينتظر اللحظة المناسبة لتنفيذ مخططه.
أما رامي فقد دلف عمله إلى المخيم الذي ينصب فقط في أوقات جني المحاصيل بعدما ناوله الغفير سلاحه واتجه للجهة الأخرى من المكان.
كانت قد اقتربت من موقع شقيقها التي تعلمه مسبقاً، الخوف يتملكها ولكنها تطمئن نفسها أن الأمر سيتم وستعود على الفور.
ولكن فجأةً رآها فارس الذي تجمد مكانه ولم يصدق ما تراه عينيه هنا، برغم الظلام الذي يحيط المكان إلا أنه علم هويتها جيداً حيث لكز جمال في ذراعه وتحدث مشيراً بوجهه صوبها:
– واد يا جمال، إنت شايف اللي أني شايفه صح؟
دقق جمال نظره صوب ما يشير وتحدث بذهول:
– وه وه، مين دي اللي جاية هنا دلوك؟
تحدث فارس بخبث والفكرة أصبحت تتقافز مهللة داخل عقله الفارغ وقال بنبرة تشوبها الدناءة:
– دي وردة أخت رامي، جايه لقضاها برجليها.
قطب جمال جبينه وتساءل مستفسراً:
– وردة؟ وإيه اللي جابها هنا دلوك؟ وإنت ناوي على إيه يا فارس؟ اوعى تكون لساتك عتفكر في اللي قولته قبل كده؟
لكزه يردف وهو يخطو نحوها بخبث وحذر:
– هتعرف بس تعالى معايا ونفذ اللي هقولك عليه كله.
قاربت على الوصول وهي تذكر ربها ولكنها استمعت لصوت أحدهم يتبعها، ارتعبت من أن تلتفت حولها لذا زادت من سرعة خطواتها وتعالت وتيرة أنفاسها وهي تسرع والصوت يقترب من خلفها فلم تجد مفر إلا الالتفات والمواجهة ورؤية هذا المتتبع.
جحظت عينيها من رؤيتهما وقبل أن تصرخ كان فارس ينقض عليها ويكمم فمها ويقيد حركتها قائلاً بفحيح مرعب وملامح شيطانية بغيضة:
– صوتك لو طلع هيكون آخر يوم في عمرك.
لم تستمع لتهديده بل حاولت بكامل قواها دفعه وهي تتلوى بين يديه وتصرخ بصوتٍ مكتوم بفعل يده التي كممت فمها ولكنه قد تملك منه شيطانه وتضاعفت قوته وأحكم عليها قائلاً بنبرة آمرة حادة لهذا الواقف متجمداً من فعلته:
– اتحرك يا جمال هتفضحنا بنت ال*** دي.
أسرع الأخر يقيدها معه وهو يردف بخوف تجلى على ملامحه:
– عتعمل إيه يا فارس هتودينا في داهية الله يخربيتك.
تحدث والشر يتطاير من ملامحه قائلاً بحدة:
– هما اللي هيروحوا في داهية ومعيعرفوش يرفعوا راسهم تاني، خصوصي رامي الكلب ده.
بات يجرها معه ويسحبها بين الأراضي وساعده في ذلك جمال الذي يتبع أوامره وهي تصرخ وتحاول مستنجدة ولكن لا مفر الآن فحتى صوتها يحكمه جيداً هذا الوحش بيده.
لتشعر أنها على وشك الموت بحق، تحاول الفكاكمن قبضة هذا البغيض وتتخيل أسوأ الأمور دون جدوى.
ظل يسحبها بقوة وعقله المريض ينسج أفكاراً شهوانية لذا انحنى يهمس لها وهو يقيدها:
– كل ما هتقاومي هتجننيني أكتر، أني النهاردة يا قاتل يا مقتول وهاخد اللي في بالي من زمان قوي.
ظلا يسحباها وهي تبكي وقاربت قواها على التخلي عنها بينما عقلها يناجي ربه بالخلاص حتى لو كان الموت، باتت تتمناه الآن لا تصدق انقلاب الأمور من السيء إلى الكارثي في لمح البصر، دوماً آمنت بالمعجزات وانتظرت العوض من ربها ولكن حالتها الآن وأفكارها مغطاه بسماء اليأس التي تمطر عليها قهراً وضعفاً ورعباً حاد.
لمح تلك الحظيرة التي تبتعد نسبياً عن منزلٍ صغير فابتسم بانتصار وهو يشير نحوها قائلاً لشريكه:
– هناخدها هناك.
أومأ له وظل يجرها وبالفعل وصل إليها ليجد بابها سهل الفتح فلم يفكر كثيراً حيث أدخلها بها يلقيها أرضاً بقوة ويتبعه جمال الذي يقف يطالعها بجمود استحوذ عليه بعد أن تحكم به شيطانه المماثل.
شرع فارس في إخراج نصلاً حاداً من خصره وهو يفتحه أمام عينيها الجاحظة وجسدها المنتفض بعنف ليردف بوعيد وغل:
– صوتك لو طلع رقبتك هتطير، ولو نطقتي حرف بعد كده هنقتلك بردك، دا أني بستنى اللحظة دي من زمن، أخوكي لينا عنده حساب تقيل أوي ولازم ناخده.
نظرت لهما بحسرة وهي تهز رأسها بينما انعقد لسانها وانسحب قلبها فلم تعد تشعر به يضخ الدماء بل جفت دماؤها وهي تراهما يقتربان منها.
صرخت وردة صرخة أتت من أعماقها مستنجدة ليسرع إليها يكمم فمها وأسرع الآخر يقيد حركة جسدها وهي تتلوى بعنف وتصرخ في كفه دون جدوى.
كانا قريبان جداً منها أحدهما فوق رأسها يقيد ذراعيها للأعلى والآخر مرتكزاً جانبها وقريباً جداً من وجهها حيث نظر لها نظرة أرعبتها وتحدث بفحيح مرعب وهو يلصق وجهه منها:
– محدش هيلحقك مني، الليلة أني هاخد اللي نفسي فيه من سنين.
اعتلاها لتصرخ ولكنه كان كوحشٍ مفترسٍ جائعٍ اصطاد غزالةٍ شاردةٍ لا حول لها ولا قوة خاصة والأخر يساعده في تقييدها.
كانت تصرخ بين قبضته وتحاول بكل أعضائها منعه من مساسها لا تتخيل أن هذا الحقير سيتعدى عليها وسيستحل أعز ما تملكه، الموت أهون، تقطيعها إرباً أهون.
أما هما فكانت كل محاولاتهما في تقييد حركتها.
يحاول هو تقبيلها بجنون وشهوةً تتحكم به فتقوي رغبته وتزيد قوته في خضوعها وامتلاكها وعندما قارب على التحكم بها حيث مزق ثوبها الخارجي وكاد يحصل على مبتغاه لم يجد نفسه إلا وهو يرتفع فجأة في الهواء ثم يقذف بعيداً عنها ليرتطم بالجدار الخشبي متألماً كأنه سقط من السماء.
رواية عشق بين هشيم مشتعل الفصل الثالث 3 - بقلم اية العربي
رواية عشق بين هشيم مشتعل الفصل الثالث 3 - بقلم اية العربي
الخذلان ؟
لا يا رفيق دربي هذه الكلمة لا تساوي ولا تعبر ولا تكفي ولا تغني .
ما يعتلي صدري لا يمكن وصفه بالكلمات ، ششش فقط استمع لهذا القلب وهو يتقلب بين الجمرات.
كان عقله غائباً عن أي ذرة ضمير ولكنه استرد القليل من وعيه عندما وجد نفسه يرفع بفعل قبضةٍ قويةٍ في الهواء ثم يلقى بقوة أرضاً حيث اصطدم جسده بجدار الحظيرة مما سبب له ألماً وذهولاً وقبل أن يستوعب هو أو جمال الذي يقيد تلك البائسة التي كانت على وشك الإغماء ، كان صالح يشهر سلاحه في وجههما ، ذاك السلاح الذي يستخدمه ليحمي أرضه وأغنامه من اللصوص وعديمي الشرف مثلهما .
لم يكن يتخيل أن يرى ذلك المشهد أمام عينه ، فقد كان يجلس فوق سطح بيته كعادته حتى لمح ما جعل الدماء تتجمد في عروقه لذا أسرع ينزل من موقعه ويحضر بندقيته ويركض متجهاً إليهما لينقض عليهما في اللحظة المناسبة .
كان يطالعها بعيونٍ نارية ، ود لو يقذفهما بجمراتٍ من عيونه تصيب كل عضوٍ بهما فتفتكه ولكنه تحدث بنبرة جحيمية تضخ غضباً حاداً :
– بعد عنيها يا كلب منك ليييه .
قالها وعينه تجول بين جمال الذي يتكئ عند رأسها وفارس الملقى بعيداً عنها نسبياً ، لم يرَها بعد ، لا يعلم هويتها بعد ، ظنها أي فتاة يتخيلها عقله وليت بعض الظنون تُصيب .
أما هي فكانت تجهش في نحيبٍ حاد ويداها تعمل على ضم ثوبها الخارجي الذي تمزق وجسدها بكل خلاياه يرتعش وينتفض ، لف نظره نحوها فجأة بسبب شهقاتها العالية وليته لم يفعل .
تجمد جسده بالكامل وانسحبت الدماء من أطرافه مروراً بعروقه ، تعود للخلفِ كأنه مشهداً سنيمائياً حتى وصلت لقلبه وكادت توقفه ، نصب نظره عليها ولم يتزحزح وصدمته كانت كجبلٍ من الجليد انهار فوقه فجأة .
ليستغل فارس حالته تلك ويبدأ في الزحف شيئاً فشيئاً حتى وصل عند الباب ونهض ينطلق هارباً بعد أن دفع الباب الذي نبه صالح ليلتفت مستعيداً وعيه المدمي ألماً وعقله المهزوم فكراً وروحه النازفة قهراً ، كاد يلحقه ولكنه تذكر هذا الأخر الذي يقابله فلف له وتحدث مشيراً بسلاحه ولكن تحولت نبرته من قوية إلى منكسرة ومنهزمة ظهرت حينما قال :
– قداااامي يا *** ، قداااامي .
تحرك الثاني يبتلع لعابه بخوف ويردف ليبرئ ذاته مما وقع فيه :
– أني ماليش صالح واصل ، هو فارس اللي هددني ، هو اللي كان رايد ينتقم من أخوها ويوسخ شرفه .
تفاقم غضبه وأومأ بوعيد ثم دس يده يخرج هاتفه من جيب قميصه وطلب رقماً ما ، أردف وعينه وسلاحه منكبان على جمال الذي يطالعه بهلع :
– هات التوكتوك وتعالى عند الزريبة دلوك .
أغلق وتحدث بتجهم وغضب وألم يعصر قلبه يجاهد ليتغلب عليه قائلاً :
– دلوك هتاجي معايا على القسم وهناك تقول الكلام اللي قلته ده ، فاااااااهم ولا أطير نفوخك ؟
أومأ عدة مرات يردد بحسرة وندم لسماعه كلام فارس :
– فاااهم فاهم .
نظر لتلك التي تحاول الاستناد لتقف والدموع قد أغرقت وجهها وقد بدأت تسترد أنفاسها ووعيها وعلمت هوية منقذها ولكن لا تزال روحها معلقة ومشدودة كحبلٍ رفيع أوشكت تروس القهر على قطعه .
تحدث يبعد عينيه عنها بنبرة تحمل حباً معذباً أبكم قائلاً :
– متخافيش ، هيتحاسبوا على اللي كانوا رايدين يعملوه ، حقك هيرچع .
كان صادقاً برغم عصارة قلبه ، سيسترد حقها ولكنها لا تمتلك أملاً ولا حقاً في هذه الحياة ، لذا فقد هزت رأسها وتحركت بخطواتٍ مترنحةٍ ورأسها متدلي قاصدة الخارج وهي تقول بنبرة متقطعة على حافة الموت :
– معايزاش حق ، عايزة أروح ، عايزة أموووت .
قالت الأخيرة بانهيار ولم تعد تحملها قدماها فانهارت أرضاً تبكي مجدداً بحسرة قبضت على قلبه فالتفت ينظر نحو هذا المرتعب نظرة كرصاصٍ سام وليتها كذلك لكان شُفيَ غليله مما حدث .
وصل سائق التوكتوك في الخارج ونبهه فأشار صالح له بالتحرك فوقف يتحرك معه والآخر يهدده بسلاحه وقبل أن يغادر تحدث بنبرة لينة آمرة :
– قومي معايا ، واصلبي طولك إكدة محدش يقدر يكسرك ، احمدي ربنا إنه قدر ولطف وستر .
حاولت الإستناد مجدداً بصمت وتحركت معه للخارج بترنح وهي تؤيد حديثه داخلها ، ممتنة له ومدينة له بروحها فقد أتى في أكثر اللحظات تناسباً .
وصلت حيث يقف صالح أمام التوكتوك ويقبض بيده على هذا الجمال وتحدث موجهاً حديثه إلى منعم :
– روح إنت يا منعم وأني هبقى أجبلك المكنة .
أطاعه وغادر برغم تساؤلاته بينما تابع صالح بغضب:
– اركب إهنة وسوق كيف ما هقولك وإلا ورحمة أمي هفرغ اللي في البندقية دي في نفوخك .
أومأ جمال واستقل مكان السائق بينما استقل صالح المقعد الخلفي له مباشرةً وتحدث إلى وردة التي تقف لا حول لها ولا قوة :
– اركبي يالا يا ست البنات ، متخافيش قولتلك .
كانت مشتتة بعدما بدأت تسترد أفكارها ، كيف ستذهب معه وتشتكي على محاولة التعدي عليها وتعرض عائلتها للقيل والقال والإهانة وإن لم تفعل كيف ستصمت عن حقها وما حدث لها وتتركهما هكذا دون أي عقاب ، ماذا إن كررا فعلتهما معها أو مع غيرها ، تلك ليست شخصيتها ولكن كيف تحلها ؟ .
اتجهت تستقل جوار صالح دون الالتصاق به بعدما حافظ على ترك مسافةٍ بينهما وسلاحه مصوباً على ظهر جمال الذي انطلق يقود مثلما أمره صالح .
كانت مستندة برأسها على أطراف التوكتوك المعدنية تفكر ومجهدة وتائهة وضائعة ولكنها تحدثت بوهن :
– بلاش نروح القسم ، هتفضح وأهلي عيتفضحوا ، روحني بالله عليك .
لاااا ، لا يتقبل نبرة اليأس هذه ، لن يسمح بمرور ما حدث هكذا دون عقاب ، يفكر ويفكر والآخر يقود بخوف حتى أنارت في رأسه فكرةً ما فتحدث بحدة وأمر :
– لف وروح على بيت السيوفي يا **** ، هنوصل ستك ونطلع على القسم ، اللي حصل ده مهواش هيعدي إكدة واصل .
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂꧂
قبل قليل
في المخيم الذي يجلس فيه رامي يدخن بملل ويفكر قبل أن يقتحم فارس خلوته ويردف بلهاث من أثر تخبطه :
– الحق يا رامي ، الحق أختك وردة وجمال .
انتصب رامي واقفاً عندما سمع حديثه والقى سيجارته أرضاً ثم قبض على تلابيبه وهو يردف بغضب :
– انطق حصل إيه ، مالها اختي .
التقط أنفاسه بصعوبة وتحدث بخبث برغم حالته :
– بعد ما مشينا من إهنة واحنا في الطريق سمعنا صريخ واحدة ، طلعنا نجري على زريبة قريبة من أرضكم اللي ع الطرف لقينا أختك وردة وواحد كان بيحاول يتعدى عليها ، وحاولنا ننقذها بس طلع معاه سلاح ، أني عرفت أخلع منه بس جمال معرفش وأختك لسة معاه .
اكفهرت ملامحه وبات الغضب يتجسد أمامه ويحثه على النيل ممن فعل ذلك حتى أن قبضته كادت تخنق فارس الذي يحاول الفكاك منه وهو يقول بلهاث :
– الحق أختك وجمال يا رامي .
نزع يده واتجه يأخذ سلاحه وتحرك مع فارس للخارج نحو ذلك المكان لينتقم .
بعد وقتٍ وصل للمكان المقصود واقتحم الحظيرة بسلاحه وخلفه فارس يبحثان عن هذا الصالح فلم يجدا أحد
اكفهر وجهه والتفت ينظر نحو فارس وتحدث بقسوة وغضب قائلاً :
– هو فيييين ، هما فييييين ؟
تحدث فارس بملامح مذعورة وخوف :
– معرفش ، معرفش راحوا فين .
لف جسده يجول المكان فلم يجد أحداً لذا التفت يغادر المكان ويتبعه فارس .
خرجا يبحثان عنه في الجوار فلمح فارس منزله فأشار قائلاً :
– يظهر ده بيته أهو يا رامي ، تعالى لما نروح نشوفه هناك .
تحركا سوياً نحو المنزل بخطوات هجومية متوعدة ، وصل رامي واقتحم المنزل يدفع بابه ويركله بقدمه بعنف فانفتح الباب على مصرعيه محدثاً صوتاً حاداً انتفض على أثره العم محمد والد صالح لينادي بصوت مترقب قلق :
– صالح ؟ ، إنت كنت برا ولا إيه ؟
اقتحم رامي غرفته بعدما استدل عليها من صوته وشهر سلاحه في وجهه يردف بغل وغضب أعمى :
– ابنك الكلب فيييين ، انطق .
خدش الخوف قلب محمد وحاول يستند ولكن رامي أسرع إليه يقبض على ملابسه ثم قام بدفعه أرضاً حتى سقط محمد متألماً عند قدمه ومع ذلك لم يرأف لحالته بل تابع بقسوة وهو يلكمه بساقه بقوة في أحشاؤه أدت إلى صراخ محمد متألماً وفارس يقف يتابع بتشفي ومكر وهو يقول :
– انطق هو فيييين ، النهاردة آخر يوم في عمره ، هو فيييين ؟
لم يجبه محمد بل كان يحاول القيام والرعب بات يتآكله على إبنه .
لم يجد رامي عنده جواب لذا اندفع خارجاً يبحث عنه في باقي المنزل فلم يجده .
عاد إلى محمد الذي يجاهد ليقف واستطاع الاستناد ووقف منحنياً يتمسك بالفراش ووهو يسعل والآخر ينظر له نظرة سوداوية تحمل من الشر ما يكفي لإبادة جدوده قائلاً بوعيد :
– هچيبه ، هچيبه حتى لو رجع بطن أمه تاني وهقتله قدامك وقدام البلد كلاتها .
التفت يغادر من حيث أتى ووقف محمد قلبه ينتفض رعباً على وحيده لذا ارتد يجلس على طرف الفراش وتمسك بهاتفه يحاول الاتصال عليه وهو يقاوم ألم جذعه الذي تضاعف بسبب ركل رامي له .
كان قد وصل صالح أمام البيت الكبير الخاص بعائلة السيوفي وترجل وأمامه جمال يقبض عليه ويهدده بسلاحه حتى لا يفر هارباً كما فعل الآخر الذي لن يتركه أبداً .
ترجلت وردة من التوكتوك بخطواتٍ مبعثرة وهي تقبض على ملابسها والتفتت تقف مجاورةً لصالح الذي نظر لها نظرة حزينة فاقدة لكل ذرات الشغف قائلاً بنبرة يتجلى منها الحزن :
– ادخلي يا ست هانم نادي على چابر بيه ، ومتخافيش .
قالها ليطمئنها ، هو على يقين أن القادم معها ليس هيناً ولكنها لم تكن المخطئة هنا ، لذا فالعقاب لابد أن يكون من نصيب هذان الوغدان ليكونا عبرة لغيرهما ولكل من سولت له نفسه استحلال شرف الأخريات .
رفعت نظرها تطالعه بخوف مرتسماً في عينيها ، نعم هي مرتعبة من مواجهة أهلها بم حدث ، ومجبرة على الفصح عنه حتى ينال هذان الوغدان عقاباً يشفي غليلها ، ولكن حقاً هي مرتعبة ، تعلمهما جيداً وتتوقع تغرضها للعنف والقسوة ومع ذلك ستحرص على معاقبة هذان .
بادلها نظرةً حنونةً برغم حزنه الظاهر ، عيناه تبعثان الطمأنينة بقلبها لذا تحركت تخطو لداخل المنزل أمام الحرس الذي هرول إليها متسائلين عمّا أصابها وعن هيأتها ولكنها خطت من بينهم بصمتٍ حتى وصلت للباب الداخلي .
طرقته ففتح لها جابر السيوفي بعد دقيقتين ، تصنم مكانه بعدما تفاجأ بها تقف أمامه مطأطأة الرأس قابضةً على مقدمة عباءتها التي تمزقت واتسخت وتشبح سوادها بالأتربة والروث .
تشنجت جميع عضلاته ونطق لسانه بعدما خرج من صدمته متسائلاً :
– إيه اللي حُصل ، وإيه اللي طلعك برا دلوك .
تقف متخشبة لم تجبه فأسرعت شريفة تأتي من خلفه لتقف تتطلع على ابنتها بذهول وحسرة .
عندما طال صمتها وجدت يده طريقها على وجنتها حيث لطمها لطمةً أسقطتها أرضاً عند قدمه في الحال لذا أسرع صالح الذي رأى ما حدث واقتحم المكان وهو يقبض على جمال إلى أن وقف أمام جابر وطالعه بغضب جاهد ليخفيه وهو يقول بنبرة يشوبها اللوم :
– بنتك معملتش حاچة يا جابر بيه ، ملهاش ذنب باللي حُصل ، كله من الكلب ده هو واللي كان معاه ، كانوا رايدين يتعدوا عليها وربك ستر ، بس كيف يا جابر بيه حضرتك نايم في بيتك وبتك هي اللي طالعة توصل الوكل لأخوها ؟
لقد أخبرته وردة بذلك أثناء قدومهم إلى هنا عندما سألها عن سبب خروجها في هذا الوقت وأخبرته بالحقيقة لذا تفاقم غضبه من هذان الوالدان .
تجهمت ملامح جابر والتفت يطالع زوجته فنكست رأسها أرضاً ولم تتفوه لذا عاد ينظر نحو صالح وقال بنبرة متوعدة قاسية :
– إنت مين ؟ وإيه اللي حُصل .
دفع صالح جمال فسقط أرضاً أمامهم جميعاً وتحدث بنبرة مهيبة وجرأة عاشق مجروح وهو يقول :
– اللي حصل إن الكلب ده وواحد تاني كان معاه اسمه فارس عيقول إنهم أصحاب ابنك رامي كانوا رايدين ينتقموا منه علشان إكدة لما شافوا الهانم بنتك قرروا يخطفوها وينتقموا بطريقتهم الو*** كيفهم ، بس ستر ربنا إنهم جم لحد داري وأرضي وإني كنت واعلهم وربنا چعلني سبب إني أخلصها من يدهم ، ودلوك يا جابر بيه الكلب ده والتاني لازم يتعاقبوا عقاب قاسي علشان يبقوا عبرة لغيرهم ، والهانم بنت حضرتك صاغ سليم ومحتاجة اللي يردلها حقها ، خد بالك منيها .
نظر جابر نحو تلك المتكورة أرضاً ناكسة رأسها تبكي ثم رفع رأسه ينظر نحو صالح بعيون مشتعلة غاضبة بعدما فهم نبرة اللوم من هذا الشاب الفقير والذي لم ولن يتقبلها وتعد إهانةً في قانونه لذا تحدث بصرامة قاسية :
– انت اسمك إيه ؟
نصب عوده ومنكبيه ووقف بشموخ يردف بثبات وهو يتطلع على عينيه مباشرةً :
– اسمي صالح ، صالح محمد رشيد .
أومأ جابر ونظر نحو جمال الذي ينتفض منتظراً مصيره وعندما رأى الجحيم في عين جابر حاول الوقوف قائلاً بتلعثم :
– أني ماليش ذنب يا جابر بيه ، أني معملتش حاچة .
أسرع إليه صالح يلكمه في وجهه بغضب تملكه وهو يراه ينكر ما رآهُ لذا صرخ جابر بقسوة :
– وقف يا صالح .
توقف مكانه يطالعه بترقب فتابع جابر بنفس بنبرته :
– روّح إنت دلوك ، عملت اللي عليك وزيادة ، والباقي عليا أني .
تنفس بعمق وأومأ ثم نظر نظرةً أخيرةً نحو وردة المنكمشة والمكسورة وآلمه قلبه بشدة ، ود لو أخذها معه ، يشعر أنها تستنجده بقلبها ، يشعر بحاجتها إليه ولكنه مجبراً على الرحيل .
لذا أبعد نظره عنها وأومأ وهو يطالع جابر والتفت يغادر بصمتٍ تام تاركاً خلفه جراحاً دواءها يحتاج إلى معجزةٍ إلهيةٍ .
وقف جابر بعدها كوقوف جبلٍ في باطنه بركان يكاد يفجره ، الأمر أشبه باحتمالية جنونه ، ابنته وسمعته وابنه وزوجته ، كيف كانت المياة تمر من تحت قدميه دون أن يشعر .
كيف خدعوه وجعلوه أضحوكةً والآن صار وسط حراسه لا يساوي جناح بعوضة بعدما حدثه هذا الفقير بتلك النبرة وألقى
عليه اتهام جهله بما يدور حوله .
عينه منكبة على جمال ورأسه يكاد ينفجر من كثرة وزحام الأمور التي أتت فجأةً مهرولةً دفعةً واحدةً .
الآن عليه معاقبة هذان ولكن بأي ذنبٍ سيخبر أهل بلدته ؟
وماذا عن الهارب وأين هو الآن ؟ ، وعن ابنته وما حدث معها وعن زوجته التي تضاعفت أخطاؤها لدرجة بات يكرهها ويكره عشرتها .
انحنى قليلاً يقبض على ذراع ابنته ثم أوقفها يردف بجمود وهو يدفعها داخل البيت :
– ادخلي جوة .
التقطتها شريفة التي كانت تطالعها بحسرة وغضبٍ في آن واحد كأنها المذنبة بينما هو نظر نحو جمال وتحدث موجهاً حديثه لأحدٍ من غفره :
– هات سلاحك يا مرعي .
أسرع مرعي يناوله سلاحه فاتسعت عين جمال وهو يهز رأسه بصمتٍ بعدما عقد الرعب لسانه ويحاول تحريك جسده بينما جابر صوب ناحيته ليعاقبه على ما فعله وبدلاً عن قتله وإصابه قلبه تحرك جمال مسرعاً لتصيب الطلقة كتفه فيصرخ متألماً في نفس توقيت دلوف رامي وفارس خلفه .
ارتعب فارس وجحظت عيناه وكاد يركض ولكنه جاهد ليثبت صحة خديعته بينما أسرع رامي نحو والده يمنعه من إطلاق المزيد نحو رفيقه قائلاً بحدة :
– عتعمل إيه يابا ، جمال معملش حاچة واصل .
وقف جابر يطالعه بغضب ثم دفعه بعيداً وعاود رفع السلاح ولكن عاد رامي يمنعه قائلاً بصلابة وخشونة :
– عقولك جمال معملش حاچة واصل ، هي فين قليلة الرباية اللي كدبت عليك .
كاد يتحرك نحو الداخل فمنعه جابر لعلمه ما يمكن أن يحدث ووقف حائراً لا يعلم ماذا حدث ومن الصادق .
في تلك الأثناء تجمع أمام منزله بعض الجيران نسبةً لإطلاق الرصاصة التي أصدرت صوتاً حاداً كما أسرع إليهم شيخ البلدة الذي يقطن جوار جابر متسائلاً بتلهف :
– خبر إيه يا جابر ، عتضرب بالنار ليه دلوك ؟
جالت أنظار جابر بين الحضور ولم يتفوه ببنت شفة بينما استغل فارس تجمع الحضور وتحدث بصوتٍ حاد يلقي اتهامه بجرأة اكتسبها من تصديق رامي له قائلاً :
– أني هقولك يا شيخ عبدالله ، أني وجمال كنا ماشيين من عند الجرف وسمعنا صوت واحدة عتصرخ وتقول الحقوني ولما روحنا نشوف إيه اللي حُصل لقينا الست رودة ومعاها واحد إكدة استغفر الله العظيم كان عيحاول يتعدى عليها ، بس إحنا حاولنا نساعدها أتاريه كان معاه سلاح وكان هيموتنا بس أني هربت منيه وقولت ألحق رامي وأبلغه باللي حصل ويشوف هو يتصرف كيف .
جحظت العيون وتفوهت الألسن بكلماتٍ خبيثة بينما أردف شيخ البلدة وهو ينظر نحو جابر :
– لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ، إيه الحديت ده يا چابر ؟ ، وبتك كانت طالعة من الدار كيف في الوقت ده ؟
احتقن وجه جابر أمام الجميع ولم يعد يعلم أيهما يصدق وبات في موقف تمنيه للموت ينتشله من هذا العار الذي هبط عليه فجأةً دون سابق إنذار .
تحدث رامي بجسدٍ مشتعلٍ يريد الفتك بشقيقته وهذا الشاب قائلاً :
– هقتله وهقتلها ، الليلة هينام في الترب الو*** الواطي ده ، بس أعرف مكانه .
كان جمال يئن ألماً بعدما أصابت الرصاصة كتفه ولكن ذلك لم يمنعه من النظر نحو فارس الذي غمز له بأن يؤكد حديثه لذا نظر نحو رامي وتحدث والألم يفتك به وذراعه ينزف :
– صُح يا رامي ، حديت فارس صُح ، والچدع ده كذب على عمي جابر وقال إحنا اللي كنا عنتهجم عليها .
اكفهر وجه رامي ونادا بجمود على مرعي يردف :
– خد جمال دلوك على المستشفى وقولهم ده من طرف الحاچ جابر وممنوع حد يبلغ .
أسرع مرعي ضخم البنية إلى جمال يسنده وتحرك به نحو الخارج لينفذ ما قاله رامي بينما تابع رامي بغضب :
– كل واحد على داره ياااالاااا ، محدش يقف إهنة .
توزع الجميع عائدين إلى ديارهم وظل فقط شيخ البلدة الذي تحرك نحو جابر يردف بلوم :
– جرالك إيه يا جابر ، العيار هيفلت من تحت يدك دايماً ليه ؟ ، بتك كيف تخرج من الدار في وقت زي ده وانت فيها ؟
رفع نظره نحو الشيخ وقد برزت عروقه كاملة وقال بغضب :
– لو اللي اتقال ده صُح هقتلها وهقتله يا شيخ عبدالله .
تحدث الشيخ بتروي وحكمة بلغت سنين عمره قائلاً :
– تقتلها وتقلته وسيرتك تبقى على كل لسان في البلد ؟ ، مش كفاية كنت هتموت واحد دلوك يا عالم ليه ذنب ولا مالوش ؟ ، إهدى إكدة وفكر زين واعرف الحقيقة إيه ووقف لابنك رامي لإن مهواش هيچيبها البر واصل .
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
بعد وقتٍ وصل صالح إلى بيته ، حاله عند العودة لا يشبه حاله عند الخروج أبداً ، كل أحلامه باتت هباءاً منثوراً ، كل لحظات عشقه سحقت تحت أقدام القدر .
خطى ليتفاجأ بوالده يجلس خارج المنزل ويطالعه بحزن ويبدو وجههُ شاحباً والألم يلتمع في عينيه فأسرع اليه يسأله بلهفة قائلاً :
– مالك يابوي ؟ ، حُصل حاچة ؟
نظر محمد لملامحه بعمق ، لن يخبره بمَ حدث وبمَ فعله به ابن السيوفي لذا تحدث بثقة ووهن يغلفهما القلق :
– عايزين يوقعوك في تهمة نچسة يا ولدي ، عايزين ينصبولك فخ واعر .
قطب جبينه مستفهماً ليتابع محمد بيقين :
– مايقدر على القدر غير ربنا ، فوضت أمرنا لله فيهم ، ربنا ينجيك من شرهم يا ولدي .
تحدث صالح باستفهام وقد بدأ ينسج خيوط الأمور متسائلاً :
– إيه اللي حُصل يا حچ محمد ، ومين چه هنا ؟
تحدث محمد بحزن وقلق وألم برغم ثقته في ابنه :
– رامي السيوفي ابن جابر كان چاي يقتلك ومعاه واحد تاني ، فهمني إنت بقى إيه أصل الحكاية .
فهم صالح على الفور ماذا يحيكون من خلفه لذا تنفس بعمق وانتابه القلق قليلاً ولكن بالطبع دليل براءته موجود لذا نظر لوالده وقال بهدوء ليبث داخله الطمأنينة :
– متخافش يا حچ محمد ، ربنا هيجعل كيدهم في نحورهم ، أني عملت عمل خير وواجب عليا ومش هيضيع ، بس يارب ما يضيعوا حق المسكينة اللي كانوا رايدين يدبـ.حوها .
قالها وهو يشعر بثقل في صدره حتى أنه بات يسحب أنفاسه بصعوبة ، انتهت سحابة آماله ولم ينتهي عشقه لها .
توقف بعدها يسند والده ويدخله للداخل ليريحه غير واعٍ لِم حدث معه .
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
في بيت جابر
وفي مندرة الضيوف
يجلس كلاً من جابر والشيخ عبدالله ورامي وعادل وفارس يتحدثون .
الغضب يسود الملامح والتوعد قائم حتى أن رامي كاد يتحرك لينفذ تهديده ولكن ما منعه هو تهديد جابر الصريح بالتبرأ من كل من يعصي أوامره .
طلب الشيخ عبدالله التحدث إلى وردة التي كانت في حالة يثرى لها ولكن أجبرها جابر على مقابلته فجاءت تستند على والدتها التي يتملكها الخوف أيضاً من بطش جابر بعدما انكشفت الحقيقة .
دلفت وسط الموجودين فنظر لها رامي نظرة كارهة لو تجسدت لكانت كسكين حاد قطّع جسدها إرباً ولكنه جلس ينصهر بعدما نُزعت منهم أسلحتهم بأمرٍ من الشيخ وجابر .
اتجهت تخطو ناكسة رأسها لا حول لها ولا قوة فرأف الشيخ بحالها ولكن لم يعد يحتمل هذا القاسي حيث انتفض يتجه نحوها وانهال عليا بضرباتٍ مبرحةٍ في سائر أنحاء جسدها يتحدث بقسوة تنهش روحها :
– هقتلك يا فاچرة ، هقتلك ولا إنك تچيبلنا العاااار .
نهض الشيخ وجابر يحاولان منعه بينما جلس عادل يتابع بغضب وتشفي .
نجحا في تقييده وتحدث جابر معنفاً وهو يدفعه ليرتد على مقعده :
– اقعد بقى ، اقعد وانكتم مسمعش صوتك واصل .
جلس يتأجج غضباً بينما نظر نحوها الشيخ بعدما ساعدتها شريفة في الجلوس بعد أن نالت نصيبها من الضربات أيضاً وتساءل بترقب قائلاً :
– قوللنا يا وردة يابتي إيه اللي حُصل علشان نحل المصيبة دي من غير دم .
فقط ترتعش ولم تتفوه بحرف ، تخلت عنها شجاعتها وفصاحتها كأنها جانية وهي المجني عليها دائماً ، تعلم جيداً أن أهلها قادرون على إخفاء شمس الحقيقة وتحويلها إلى كذبٍ مظلمٍ كالليلِ الكحيل ، تعلم شقيقها جيداً .
ليعاود الشيخ سؤاله بشكلٍ آخر قائلاً :
– طيب كيف طلعتي في الوقت ده ؟ ، وكيف كان الچدع ده هيتهجم عليكِ ؟
تستمع له وتدرك أنه يقصد صالح منقذها ، فقط استمعت إلي حديثهم وتزوير الحقيقة لصالحهم ومنذ ذلك الوقت وهي أشبه بمن يحتضر طالباً الموت ولم يحن قدومه بعد
ليتنهد الشيخ بينما صرخ رامي في وجهها بغل :
– انطقي يا بت بدل ما أقوم أقطع خبرك ، انطقي .
تحدثت بتلعثم وجسدٍ منتفض لم يعد يعلم للراحة سبيل قائلة بنبرة بائسة فاقدة لأمل استرداد العدالة :
– أن . أني ، كن . كنت راحة أودي الوكل لأخوي كيف ما أمي قالت ، وبعد . وبعدين لقيت . لقيييت حد بيجري ورايا وبيكتم نفسي ، ولم لما لفيت لقيته صاحبه فارس ومعاه واحد تاني .
انتفض فارس يصرخ في وجهها وتحدث مستنكراً الحقيقة بالكذب قائلاً بنبرة اتقنت دور المظلوم المصدوم :
– إيه الحديت ده يا وردة ، هي دي جزاتنا إننا لحقناكِ من يد الو** ده ؟
وضعت كفيها على أذنيها لا تطيق سماع صوته البغيض وعادت تنتفض فنظر جابر نحو فارس نظرة أرعبته كأنه صدق حديثها بينما انتفض رامي مجدداً يردف بنبرة متجبرة سقطت على سمعها فأحرقت فؤادها وقوتها قائلاً :
– البت دي عتكذب يا بوي ، عتألف حكاية زور علشان تطلع من البلوة اللي عملتها .
رفعت نظرها تنظر له بخيبة أمل وحسرة ، دوماً لم تتوقع منه أن ينصفها ولكن ما لم تتوقعه أن يسب شرفها لينجو بصديقه ، لم تتوقع أن يسلب حقها ويبرأها لذا فقد انعقد لسانها وباتت لا تعلم بأي حديث تجيب ، فقدت الأمل في استرداد حقها بل وبات عليها دفع ثمن العار الذي لم تفعله .
تحدث جابر ينادي بحدة بعدما تشتت عقله بين الصادق والكاذب :
– غريب ، إنت يااااا زفت يا غريب .
أسرع المدعو غريب يلبي طلبه قائلاً :
– اؤمرني يا سي جابر .
تحدث بصرامة ونبرة لا تقبل التفاوض :
– تاخد معاك غفرين وتروح تجيب لي الجدع اللي اسمه صالح محمد رشيد إهنة في أقل من ربع ساعة ، إنت ساااامع .
أومأ غريب وتحدث مستعداً للانطلاق :
– أمرك يا سي جابر .
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
بعد وقتٍ ليس بالقليل
دلف الغفير يتقدم صالح الذي وجده عند منزله ، لم يقاوم في المجيء معه برغم إدراكه لمَ هو متهماً به ليقينه في الله ثم ثقته في من أنقذها .
تقدم ووقف أمامهم جميعاً يطالعهم بنظراتِ صاحب حق لا تقهر .
كاد رامي أن ينهض لينقض عليه ولكن منعه صوت جابر الجهوري حينما قال :
– اقعد مكااااانك .
جلس مرغماً يزفر بغلٍ ويطالعه بغضب فتقدم صالح يقف ثابتاً وينظر لهم بضيق قائلاً وهو يشبك كفيه أمام معدته :
– خير يا چابر بيه ؟
تحدث جابر وهو ينظر نحو فارس الذي توتر جسده خوفاً من تصديق حديثه وتنبه حين قال :
– دلوك واحد فيكم يحكي الحقيقة صُح وإلا محدش هيطلع من إهنة سليم ، فارس عيقول إنك اللي اتعديت عليها .
نظر صالح نحو فارس بعيونٍ ثاقبةٍ حادة كادت تتجسد وحشاً وتفتك به ، ود لو يبرحه ضرباً ولكنه يقف متمالكاً لنفسه حتى يسترد حقه وحق تلك المسكينة المنكمشة والمنكسرة أمام أعين الجميع الذين يرتصون مترقبين على مخادعهم .
تحدث صالح بثباتٍ وثقة برغم الضيق الذي يعتليه من وضعه في هذا الأمر :
– الحقيقة كلها عند الست هانم بنتك يا حچ جابر ، هي هتحكيها .
لف نظره نحوها واسترسل بنبرة تحمل في طياتها حناناً وطمأنينة أراد بثهما داخلها بعدما لاحظ الخوف المتجسد في رعشتها وتكورها على نفسها :
– احكي يا بنت الأكابر متخافيش من حاچة واصل ، قولي كل اللي حُصل زين .
تحفز الجميع والتفتت أعينهم صوْب وردة التي بدأت ترفع رأسها شيئاً فشيئاً ثم سلطت أنظارها عليه تنظر له بأسف نهش فؤاده وأحرق جسده الذي تجمد خاصة عندما تحدثت بثقل :
– حديت فارس صُح .
اتسعت عينيه وهو يطالعها بخيبة وذهول ، للحظة شعر أنه وقع في فخِ حيةٍ ماكرةٍ تلاعبت به وبمشاعره وبشهامته ليخرج من صدمته وتصلبه ويردف بصدرٍ ضيقٍ منقبض :
– عتقولي إيه بس ، قصدك حديت صالح ؟ ، ركزي بس في الأسماء الله يسترك .
هزت رأسها وانسابت دموعها على وجنتيها وهي تطالعه بعيونٍ تغمرها الدموع حتى باتت رؤيتها مشوشة ولكنها تسلطها عليه كأنها تعتذر منه قائلة بنبرة ألم تقطع روحها إرباً :
– لاه ، مبقاش ينفع نكدب أكتر من إكدة يا صالح ، الحقيقة لازم تنعرف قدامهم كلهم ، أني وصالح بنحب بعض من زمان قوي وحديت فارس هو اللي صح .
رواية عشق بين هشيم مشتعل الفصل الرابع 4 - بقلم اية العربي
عجيبٌ أمر تلك الأقدار، وكأنها تسخر منّا. تحمل بين طياتها أحلامنا وآمالنا، وعلى حين سهوةٍ تلقي بهما فجأة في وجهنا كالصفعة القاسية. فنبقى محاصرين بين أمرين أفضلهما مر؛ أنفرح لتحقيق الحلمِ أم نتألم من أثر الصفعات.
نزعت فتيل قنبلتها وألقتها عليه، فوقف يطالعها بذهول. للحظة واحدة ترجم عقله حديثها على أنها صادقة وأنه هو الكاذب هنا.
عندما نضع أحدهم في مكانةٍ عالية، ونصنع له عرشاً من أجنحة الملائكة، ونراه دائماً بعينٍ منقاةٍ من الشوائب والأخطاء، ونصدق كل ما يتفوه به دون جدال، ستكون الصدمة على قلوبنا قاسية، لن نحتملها.
أثقلت الصدمة لسانه فلم ينطق، فقط يطالعها منتظراً أن تصحح جملتها وتخبرهم بحقيقة الأمور. ولكنها وقّعت على إثبات حقارته وقذارته، وسحقت شهامته وسمعته الطيبة بين الناس.
استمع فارس إلى اعترافها الذي يؤكد حديثه وتعجب منه، ولكنه لم يفكر كثيراً، بل انتفض يردف بتشفي وثقة أمام الحضور:
– أهو يا جابر بيه كيف ما قولنا، دلوك لينا عندك حق جمال، طلعت بتك هي اللي راحت له بكيفها.
نهض رامي يتجه نحوها، فاحتمت في جسد والدتها، ولكنه نزعها يلقيها أرضاً بقسوة بلغت الحناجر، وانهال عليها بالضرب المبرح في جسدها الذي انكمش وعاد لوضع الجنين. ودت حقاً لو لم تخلق أبداً.
كان يقف يطالع ما يحدث بصمت، مقيداً ببقايا صدمته في اتهامها الباطل.
وقف جابر واتجه له، فظن الشيخ وصالح أنه سيمنعه عنها، ولكنه خالف ظنهما حين بدأ يدفعها بساقه هو الآخر في ساقيها وجذعها حتى أوشكت أنفاسها على الانقطاع. فلم يعد يحتمل صالح ما يراه، حيث ألغى عقله وتحدث قلبه منتفضاً:
– كفاية، أني طالب يدها على سنة الله ورسوله.
تلك الكلمة لم توقفهما، حيث صمت آذانهما، لذا أسرع الشيخ عبدالله يقف حائلاً بينهما يحاول سحبها من ضرباتهما. ونجح بصعوبة، وساعدته شريفة في ذلك بعد أن تحرك قلبها وهي ترى ابنتها على وشك الموت.
تحدث الشيخ بنبرة قوية يبثها في رأسيهما المتصلبتان:
– هتقتلوها يا ظلمة، خافوا ربنا فيها يا معدومين الضمير.
وقف جابر يطالعه بغضب وأنفاسه مهدرة، وكذلك رامي الذي تتصارع أنفاسه بعنفٍ وحقدٍ واضح. فعاد الشيخ يتابع بصرامة:
– هتقتل بتك يا جابر وتشيل ذنبها طول عمرك وسيرتك تبقى على كل لسان في البلد! هي دي حكمتك؟
التفت يطالع رامي وتحدث معنفاً:
– وانت هتفضل لاغي عقلك إكدة كتير؟ معتفكرش مرة واحدة صُح كيف الخلق؟
التقط أنفاسه ونظر نحو صالح الذي يقف في موضع لا يحسد عليه، فقال له:
– سمعهم طلبك مرة تانية.
سحب شهيقاً قوياً يقوي به حاله ويدعم به جرأته. كان يتمنى طلب يدها، كان هذا أعلى مراتب أمنياته وسقف أحلامه، ولكن ليس بتلك الطريقة، ليس بتلك الخيبة، ليس هكذا أبداً.
رفع رأسه عالياً بينهم، فهو على يقين ببراءته، وتحدث ثابتاً أمامهم:
– أني طالب يد بنتكم على سنة الله ورسوله.
نظر له جابر بغضب وازدراء، ثم نظر نحو الشيخ الذي يوميء له داعماً طلب صالح. الأمر استغرق معه عدة ثوانٍ ليجلس بعدها على مقعده ويتنفس بعمق، ثم أردف بجمود وقسوة:
– من دلوك ماليش بنات، مخلفتش بنات واصل، ولادي هما عادل ورامي بس وأملاكي كلها هتتقسم عليهم بس، وهي تغور تتجوزه ولا تنقبر معاه، ملناش صالح بيها واتحرم عليها البيت ده رجليها تخطيه.
عن أي آلام تتحدثون، أي آلام توازي آلام روحها وقلبها وفؤادها الآن؟ أولم يشعروا ولو بذرّةِ شفقةٍ على حالها؟ لمَ أنجبوها إذاً، لم قررا تربيتها إن كانا سيتبرءان منها هكذا؟ ألهم البنين وللقهرِ البنات؟
عاد يتابع بجمود وهو ينظر نحو عادل الذي يجلس متحفزاً، وبرغم شدة غضبه إلا أن ما فعلاه رامي ووالده جعلاه يهدأ قليلاً. تحدث جابر بنبرة قاسية مهينة:
– قوم هات مأذون دلوك يكتب كتاب الجوز دول على بعض، خليهم يغوروا من إهنة.
وقف عادل يوميء وتحرك نحو الخارج، وفي طريقه تعمد أن يدفع صالح دفعةً قويةً، فاختل توازنه وكاد يسقط، ولكنه أسرع ينهض مجدداً ويرمقه بنظرة باتت لا تخشى شيئاً، حتى أبعد عادل نظره عنه وغادر مندفعاً نحو الخارج.
بعد وقتٍ، انتهى المأذون من كتب الكتاب بعد أن حضر عمدة البلدة وإثنان آخران من شيوخها ليكونا بمثابة إشهار لهذا الزواج بناءً على رغبة الشيخ عبدالله.
زواجٌ عاجلٌ وحزين شهد عليه شيوخ البلدة ليكن رسمياً وقانونياً، وبرغم هذا فهو لن يكون حقيقياً يوماً ما.
من الآن وصاعداً أصبح بينه وبينها جداراً صلباً شيدته هي باتهامها له بعد أن حطمت سمعته وكرامته أمام الجميع.
تنكمش في جسد والدتها خارج المجلس تبكي على ما حدث في ليلة لم يسطع ضحاها بعد. آلامها لا توصف، وبرغم كل ما حدث إلا أنها أكثر الموجودين فرحاً.
لقد نجت، حتى لو على حساب سمعتها وسمعة هذا الصالح، ولكنها نجت. حتى لو لم يعد في جسدها مكاناً سليماً، ولكنها نجت. نجت من تلك العائلة الظالم أفرادها. ستبتعد، مهما كانت الصعاب التي ستواجهها مع هذا الصالح، فمؤكد لا تعادل ما رأته هنا.
تحدث عمدة البلدة بترقب والعديد من علامات الإستفهام والشكوك تدور في رأسه:
– طيب يا جابر بيه، ليه الجواز الصامت ده؟ كنا حضرنا حفل كَبير يليق بعيلة السيوفي!
تحدث بجمود وملامح وجه مكفهرة:
– ولا حفل ولا زفت يا حاج عرفة، المهم دلوك من بكرة الصبح البلد كلها تعرف إن التنين دول اتچوزوا بليل، كيف وليه بقى محدش ليه صالح واصل.
أومأ العمدة دون نقاش وتحدث وهو يستعد للنهوض هو ومن أتوا قائلاً:
– اللي تشوفه يا چابر بيه، عن اذنكوا هنمشي إحنا بقى الوقت اتأخر، تصبحوا على خير.
غادروا ولم يتبقى سوا الشيخ عبدالله وصالح وفارس مع عائلة جابر. تحدث الشيخ عبدالله بنبرة لينة هادئة متسائلاً:
– عايز تقول حاچة يا صالح يا ولدي؟
نظر له صالح بصمت، نظرة تخفي الكثير، ولكن اللسان معقودٌ والعقل مشتتاً والقلب مدمياً. بينما غضب جابر ورد بلذاعة وحدة:
– يقول إيه يا شيخ؟ يالا خليهم يغوروا من إهنة هو وال*** اللي راحتله بكيفها، وزي ما قولت من شوية، ينسوا الدار إهنة وينسوا عيلة السيوفي واصل.
لم يعد يحتمل المزيد من كلمات الإهانة، فهو طيلة حياته لم يمس أحدهم كرامته، وإن فعل فلن يكون رحيماً. ولكن الآن ليس من الحكمة الاشتباك مع هؤلاء أبداً، ليبتعد من هنا وليكن لمقامٍ مقال.
تحرك على الفور يغادر المجلس تحت أنظارهم الحاقدة والمتوعدة من رامي وعادل. بينما دلف جابر إلى داخل فيلته حيث تجلس زوجته وابنته.
نظرت له شريفة بتوتر وكادت تتحدث لولا يده التي ارتفعت لتحذرها، ثم أردف بجمود كأن قلبه نحت من صخرٍ قائلاً:
– قومي غوري من إهنة، عشيقك واقف برا مستنيكي يا ***، يالااا غـــــــــوري.
ابتعدت عن والدتها التي وقفت تطالعها بشيءٍ من الحنو. لا تعلم لمَ نطقت ابنتها بهذا الكلام وهل حقاً بينها وبين هذا الفقير علاقة؟ نظرت لزوجها وتحدث:
– اصبر يا جابر، على الأقل لما اطلع اچيبلها هدومها وحاجتها تاخدها معاها.
رفع إصبعه محذراً يردف:
– ولا قشاية حتى، ولا أي حاچة هتاخدها من البيت ده، ولولا العيبة كنت قلعتها اللي لبساه ده، خليها تروح للي اختارته ووسخت سمعة العيلة معاه يچيبلها اللي هي عايزاه.
وقفت وردة وبدأت ترفع رأسها، ثم نظرت لوالدها بعيني لامعتان تحملان ذنباً سيصاحبه دائماً، تخبره بسوداوياتها أنه ظلمها وستسترد منه حقها سواءً كان بيدها أو بدوارة الأيام. ولكنه كان مغيباً لا يريد ولا يرى سوى ما سمعه سابقاً، لذا تحرك يقبض على ذراعها ويجرها بعنف نحو الخارج قائلاً أثناء جره لها:
– كمان ليكِ عين تحطيها في عيني يا بجحة، يالا من إهنة.
خرج ودفعها من أعلى درجات السلم نحو صالح الذي يقف خارجاً، فاصطدمت به وكادت تسقط لولا يده التي ثبتتها بجواره. رفع نظره يطالع جابر وهو يطالعهما، ثم تحدث بمغزى قبل أن يغادرا:
– هنغور من إهنة يا جابر بيه متقلقش، ومهنخطيش الدار دي واصل، بس افتكر كويس طلعتنا من إهنة كيف كانت.
استشاط غضباً ونزع السلاح الذي كان معلقاً على كتف الغفير الذي يجاورها وصوّبه نحوه يردف بجمود:
– مبقاش غير الرعاه يهددوني في قلب بيتي، يمين عظيم إن ما أخدتها ومشيت دلوك لاكون مفرغ البندقية دي في نفوخكوا إنتوا الجوز.
ارتعبت وردة من تنفيذ تهديده، ونظرت نحو صالح تتوسله للمرة الأولى قائلة بوهن وهي تحاول دفعه للخارج:
– أبوس يدك يالا نمشي.
بالفعل تحرك معها، لم يكن ليبقي هنا بعد ما عاشه خلال هذه الساعات القليلة، غادرا وتركا تلك العائلة ولن يعودا لها أبداً.
في منزل محمد رشيد، ما زال يسعل إلى الآن ويتألم من جذعه. لم يرد إخبار صالح لأنه يعلم العواقب جيداً، ولكنه لم يعد يحتمل.
كان قد وصل صالح ووردة إلى أرضه بعد طريق قضاه صامتاً كأنه يمشي بمفرده. عقله لم يتوقف لثانيةٍ عن التفكير في ما حدث وفي تلك الليلة التي طالت كأن الشمس لن تشرق بعدها.
حالها ليس أفضل من حاله، هي الأخرى تسير بقدميها تتبعه وعقلها متزاحماً بالأفكارِ وعلامات التعجب. ولكن شيئاً عميقاً عندها يشعر بالراحة، تخطو نحو هذا المكان الذي أرادت الانتماء إليه.
وصل خارج منزله ولكنه أسرع للداخل حينما سمع أنين وسعال والده.
دلف عنده فوجده ينحنى ويسعل بشدة ويبصق الدماء من فمه في قطعة قماش بيضاء، فانتفض صالح وجحظت عيناه وهو يسنده متسائلاً بفزع:
– مالك يابوي؟ إيه اللي حُصل؟
لحقته وردة للداخل ووقفت تطالع هذا العجوز المتألم بعجز ورأفة وهي ترى الدماء تنزف من فمه. لم يكن منها سوى أن تقول بعجلة:
– خلينا ناخده ع المستشفى يا صالح، شكله تعبان قوي.
لم ينظر نحوها ولكنها محقة، وبالفعل اصطحبه للخارج وتحركت معهما، ولكنه أوقفها بحديثه قائلاً بنبرة حزينة ومشتتة دون النظر نحوها:
– خليكي إهنة، اقفلي على نفسم كويس لحد ما نرجع.
تنفست ولم تعترض بل أومأت وعادت تخطو للخلف وتطالعهما إلى أن غادرا، ثم أغلقت الباب ودلفت تنظر حولها بتعجب وحسرة. عقلها لا يستوعب بعد كل تلك الأحداث، فمنذ عدة ساعاتٍ فقط كانت تتمدد في غرفتها وتتحدثت مع رفيقتها، أين هي الآن وأين الماضي القريب؟
بعد وقتٍ في المشفى، تمدد محمد على فراش الفحص ويقف فوق رأسه الطبيب الممارس يسأل صالح عن حالته.
طوال الطريق وهو يحاول معرفة ما حدث مع والده وكيف تدهورت صحته هكذا فجأة، ولكن محمد التزم الصمت خوفاً عليه، حتى أنه غير دفة الحديث بعد أن سأل عن تلك الفتاة وأخبره صالح بمَ حدث كاملاً بأسلوبٍ عاجلٍ اثناء مجيئهما.
تحدث الطبيب الممارس بترقب:
– الحاج محمد لازم يعمل إشاعة على الكلى ونعرف إيه اللي حصل معاه.
أومأ صالح فتابع الطبيب:
– هيكون تحت ملاحظتنا هنا يعني مش هيروح النهاردة.
– أهم حاچة عندي يرتاح من الوچع ده، طمنا يا دكتور الله يطمنك. ولو محتاچ يروح مستشفى المحافظة أوديه.
تحدث الطبيب بتروي كي يهدأ من ذعر صالح وتشتته:
– مالوش لزوم خالص، احنا هنا هنعمل اللازم.
تنفس صالح بقوة، ثم نظر بحزن لوالده الممدد، ليعود للطبيب متسائلاً:
– طيب مافيش أي حاچة تسكن وچعه ده وميكونش ليها تأثير على حالته؟
أومأ الطبيب وتحدث وهو يخطو تجاه خزانة الدواء قائلاً وهو يحضر المسكن:
– متقلقش هيبقى كويس.
وقف صالح يتطلع لوالده الذي يحاول التحدث بكلمات متناثرة بسبب السعال، ولكن انحنى صالح بالقرب من فمه ليسمعه فوجده يقول:
– روّح إنت يا ابني علشان بت الناس اللي في الدار، مينفعش تنام لواحدها أول مرة إكدة.
اعتدل صالح يتنفس بقوة ويربت على يد والده ولم يجيب على حديثه. كان قد انشغل عقله لثوانٍ عن تلك الوردة التي مازال لا يستوعب كيف أصبحت زوجته قبل شروق شمس اليوم الذي كان يظن فيه أن لقاؤهما مستحيلاً.
أعطى الطبيب الإبرة المسكنة لمحمد وتحرك ليرى حالة مجاورة، ووقف صالح يتابع والده بعيونٍ يملؤها الحنين.
بعد وقتٍ قليل بدأ محمد يستكين قليلاً وخف سعاله ونظر لابنه متسائلاً بقلق وبنبرة واهنة:
– مقولتليش يا ولدي، الناس دي عملولك حاجة؟ وكيف يعملوا في بتهم إكدة؟
تحدث صالح وهو يتذكر طريقتهم المهينة له ولابنتهم قائلاً:
– الظاهر إكدة يا حاج محمد الموضوع كيف ما كانت الناس بتقول إن جابر السيوفي بيفضل الولاد عن البنات، وده اللي حُصل قدامي، في ثانية اتبرى من بته بعد ما قالت اللي قالته ده؟
تساءل محمد بالسؤال الذي ودّ صالح لو يعلم اجابته حقاً قائلاً:
– وهي ليه قالت إكدة يا ولدي؟ ليه إنت تنجدها منيهم وهي تتهمك اتهام باطل زي دي وتسوء سمعتك بين الخلق.
أغمض عينيه وتنفس بضيق. لم يحن وقت الأسئلة بعد، ولكن من المؤكد سيعلم، هذا ما لم يفهمه. هل خافت من عقابهم لها فاحتمت به؟ ولكن كيف تحتمي به وترميه باتهامٍ باطلٍ ومؤذي كهذا في نفس الوقت؟ عقله لا يستوعب.
تحدث يوميء مؤكداً:
– هعرف يابوي، لازماً اعرف السبب في اللي قالته ده.
تنهد محمد وبدأ يتثاوب لذا قال:
– طيب يالا ارجع ع الدار إنت، وتعالى لما النهار يطلع، مينفعش تسيبها لواحدها في الدار يا ولدي، يالا عاد.
التفت صالح فوجد الطبيب والممرضات بالقرب منه يبدو أنهم يمرون في الليل بين الحالات. قلبه لا يود ترك والده هنا دونه، ولكن شهامته لا تقبل ترك تلك الوردة بمفردها في منزله.
زفر صالح ونظر لوالده نظرة متفحصة فأومأ له محمد وبدأ يغفو، فاضطر صالح للانسحاب بعدما أوصى الممرضة عليه ورحل عائداً إلى منزله.
لم ولن تغفو، حتى أنها تجلس كما تركاها منكمشة على نفسها.
خائفة ضائعة حزينة مشتتة تشوبها الصدمة. اختارت أكثر الأمور غرابة لتنجو من قسوة وجبروت وتسلط عائلتها. برغم أنها لا تعلم عن هذا الصالح شيئاً ولا تعلم كيف وثقت به، ولكن كان هو حبل النجاة الوحيد حينها.
لو تم اكتشاف اعتداء هذان عليها ربما كانت الآن بين الأموات أو زوجة لأحدهما، وكلاهما موت. لذا فهي نجت بحياتها بتلك الحيلة التي تعلم جيداً أنها متدنية، ولكن لم يكن هناك بديلاً.
من المؤكد سيعود ويسأل لمَ اتهمته وهو منقذها. حينها ماذا ستجيبه! هل تخبره بأنها أرادت أن تنجو بحياتها على حسابه؟
رأسها يكاد ينفجر من شدة الأفكار المتلاحقة وجسدها يئن ويشتكي من الضربات المبرحة التي تلقتها. تريد النوم ولكنها خائفة وقلبها يرتجف ويتألم.
سمعت صوتاً في الخارج يقترب فانتفضت مذعورة وبدأت تبحث عن شيئٍ حولها تحتمي به فلم تجد سوى سلاح جز الأرض يرتكز معلقاً خلف الباب، فأسرعت تلتقطه ووقفت تتمسك به بيدٍ مرتعشة وتترقب دخول من بالخارج.
دلف صالح منزله ذو الإضاءة الخافتة، فأسرعت تخطو باتجاهه وفي يدها السلاح حتى وصلت إليه وكادت أن تهجم عليه لولا يده التي أوقفتها، فتجمدا مكانهما ونظر كل منهما للأخر بصدمة.
كانا قريبان جداً من بعضهما، كانا شبه متعانقان، ينظران لعينيهما بعمق، بصمت، بتساؤلات عدة.
تحمحمت وابتعدت تخفض رأسها ويدها وتلقي بالسلاح بعيداً مردفة بنبرة ضائعة:
– أني فكرت حد غريب.
تنفس صالح ودلف يغلق الباب ثم تحدث بنبرة جعلتها جادة قوية:
– يبقى تتأكدي الأول بدل ما تقتلي صاحب الدار ويبقى ذنبه في رقبتك مرتين.
ها هو يبدأ القذف بالكلمات التي سيكون وقعها عليها مؤلماً ومؤنباً.
تحركت نحو الأريكة وعاودت الجلوس عليها بصمت، فاتجه يخلع حذاؤه وتحرك يجلس مجاوراً لها ويتنفس بعمق ليبدأ استجوابها. طوال طريقه يجهز حاله لهذا الحديث، ولكن اصطدامها به وعيونها بعثرتا كل ما نواه، لذا فهو يعاود ترتيب الكلمات داخله.
كانت تعلم وأرادت الهروب من أسئلته حتى لو مؤقتاً، لذا أسرعت تسأله:
– والدك بخير؟
نظر لها متعجباً، تتعامل وكأن الأمور بينهما جيدة، وبرغم ذلك أومأ ثم دون مقدمات وما زالت عيناه معلقة عليها تساءل بثبات:
– عملتي ليه إكدة؟ قولتي ليه كلام تاني غير الحقيقة؟
توترت نظراتها لذا أبعدتها. لا مفر من الهروب ولا مفر من المراوغة، لذا بدأت تفرك يدها وتجيب بسؤالٍ آخر قائلة بتوتر:
– كلام إيه؟
لم تزد الأمر إلا سوءاً حيث شعر بالضيق وظهر ذلك في نبرته التي أصبحت أكثر قوةً وهو يردف محذراً:
– اسمعي يا بت الناس، مراوغة مش عايز، دلوك هتقولي ليه قولتي بين الخلق إنك جيتي إهنة بكيفك ومقولتيش اللي أصحاب أخوكي عملوه.
يجردها من كل محاولاتها في الهروب، بماذا ستجيبه، يضغط عليها بأسئلته وينتظر إجابتها، طال صمتها وزاد غضبه لذا قال بنفاذ صبر وغضب:
– انطقي عاد؟
انتفضت من نبرته العالية لذا ارتدت قناع القوة لا تعلم كيف وكشرت عن أنيابها قائلة باندفاع:
– قلت اللي قلته وخلاص، حاسبني بقى واعمل اللي إنت عاوزه، كنت عايزهم يموتوني يعني؟
مثلما توقع تماماً، أنقذت نفسها باتهامه، لثوانٍ كاد أن يلتمس لها العذر ولكنه تذكر سمعته وكرامته، لذا عاد لجموده، أومأ عدة مرات وتحدث بجمود وثقة لم تصل للغرورِ وهو يقف:
– حظك إنك وقعتي في راجل يمكن أول مرة هتقابليه، بس خديها مني كلمة وكلمتي وعد، حقي هاخده منك ومن عيلتك كلها، والعقد اللي بيني وبينك ده مالوش أي معنى عندي، إنت إهنه ضيفة لحد ما ربنا يحلها من عنده.
تركها وتحرك لغرفته، نار قلبه مشتعلة. هل هذه هي التي أحبها بل عشقها؟ هل هي حقاً؟ لا مستحيل تلك لا تشبه هذه أبداً، هو أحب وردة ذات القلب الطيب والعيون السوداء التي كلما تعمق فيهما رآى بياض قلبها، أما هذه فلم يرى في عينيها شيئاً ولا يريد أن يرى.
تمدد على فراشه ليحاول النوم قليلاً قبل أن يذهب لوالده، يجاهد ليغفو ويريح عقله ولكن هيهات.
أما هي فانكمشت على حالها واستكانت قليلاً. لم يعد الخوف من ضمن مشاعرها بعدما أتى، ولكن مؤكد الحزن والألم أصبحا رفيقيها الدائمين.
جاهدت لتغلق عينيها وتنام بعد تلك الليلة الموعودة وبالفعل غفت بعد دقائق نسبةً لوهن جسدها.
صباحًا.
استيقظت على صوته وهو يتحدث عبر الهاتف قائلاً:
– معلش يا محمود، تعالى بس خد بالك من الأرض والغنم لحد ما اطمن على أبويا.
– ………
– يعني قدامك كتير؟
– ……..
– خلاص يا محمود أول ما تخلص تعالى على الأرض، المحصول المفروض كان يتجمع النهاردة بس لازماً أروح لأبويا، شوف هتخلص إمتى وتعالى.
أغلق الهاتف وتحرك من غرفته للخارج، ألقى نظرة عليها، تستند على الأريكة وتحتمي بالغطاء الذي دثرها به بعد أن غفت فجراً حينما نهض ليصلي ورأف لحالها سراً.
تحدث وهو ينظر نحو الباب الذي ينوي الخروج منه قائلاً بنبرة جادة تخفي حنينه ببراعة:
– كل حاچة هتحتاجيها هتلاقيها عندك، وأظن مافيش داعي أقولك كيف تحمي حالك بعد ما هچمتي عليا بالجزارة امبارح.
نطق الأخيرة ساخراً ليغادر بعدها على الفور وتتبعت هي أثره بتنهيدة قوية.
رفعت الغطاء الذي لاحظته وتعجبت من وجوده، ولكن نفضت رأسها ثم نهضت واتجهت تبحث عن الحمام لتغتسل وتبدأ يومها الأول في هذا المنزل.
وصل صالح المشفى ودلف على الفور نحو الغرفة التي يحتجز بها والده.
وجده كما تركه فألقى عليه السلام ثم تحدث وهو يقف عند رأسه متسائلاً:
– عامل إيه دلوك يا حچ؟ حاسس بوچع تاني؟
تحدث محمد الذي استيقظ منذ قليل بنبرة هادئة بعدما سكنت حالته:
– أني بخير يا صالح، چاي بدري إكدة ليه؟ كنت خلصت اللي وراك وچيت.
تنهد وجلس على مقدمة الفراش ثم تحدث بجدية:
– متقلقش ع الأرض، أني كلمت محمود، هيخلص اللي وراه ويروح، خلينا دلوك نطمن عليك.
تنهد محمد وأومأ ثم تساءل بترقب:
– ومرتك كيف دلوك؟
نظر لوالده بتعجب، تلك الكلمة جديدة كلياً على مسامعه، زوجته؟ هل يسخر منه والده، تلك الوردة التي تمنى رعايتها واحتضانها باتت قريبة جداً منه وبرغم ذلك بينهما برزخاً صلباً يصعب فكاكه، عن أي زوجة يتحدث؟
زفر صالح وتحدث وهو يلف وجه يبدو أنه يخشى أن يقرأ والده ما تخبأه عيناه لذا قال:
– الأمور بخير يا حچ محمد، أني هروح أشوف الدكاترة چُم ولا لسة.
نهض وتحرك للخارج ليرى أو ليهرب لا أحد يعلم.
اغتسلت وردة بالمياه الدافئة التي أراحت جسدها المكدوم والذي تشبح باللونين الأزرق والأحمر معاً.
لم تجد ما ترتديه سوى جلباب صالح بعد بحثٍ ليس بالقليل، جلباب بدى كبيراً وطويلاً عليها ولكن ليس باليد حيلة.
نظرت للجزار وتنهدت، تفكر هل يمكنها جمع المحصول الذي سمعته يتحدث عنه؟ ربما لو وجدت آلة كهربائية كان الأمر سهلاً، ولكن لتجرب حظها.
التقطته من مكانه وتحركت للخارج بترقب وتوتر تنظر حولها، ولحسن الحظ لا يوجد أحدٌ هنا، الأرض الخضراء والمحصول الذهبي والسماء فقط.
مكان جميل وهادئ يبعث داخلها الراحة التي لم تجدها في قصر السيوفي.
تنفست بقوة وخطت نحو الأرض لتبدأ جمع محصول القمح الذهبي الرائع فهى على علمٍ مسبق بالطريقة الصحيحة لجمعه.
رواية عشق بين هشيم مشتعل الفصل الخامس 5 - بقلم اية العربي
لم ينم منذ ليلة أمس، يتحدث مع دعاء عمّا حدث بأسلوبٍ غاضبٍ ومتعصبٍ وتحاول هي امتصاص غضبه ولكنها لا تستطيع مهما حاولت. الشيء الوحيد الذي يمكنه تهدأة غضبه فيه هو التقارب الجسدي بينهما وهذا ما فعله طوال الليل.
تحدث بنبرة باردة غير مبالية بحالتها:
– بت يا دعاء، قومي طلعيلي غيار علشان أستحمى وأنزل.
كانت تحاول النوم بعد إرهاق بات مصاحباً لها وكلما غفت نادى عليها لأسبابٍ واهية.
استغفرت ونهضت فطالعها بعيون غاضبة قائلاً بقمع:
– اضبطي حالك يا بت أحسنلك، عتتنمردي ولا إيه؟
تنفست وتحركت تحضر ثيابه ثم وضعتهم على طرف الفراش قائلة بتأفأف وضيق من أفعاله:
– الغيار أهو، قوم استحمى علشان تنزل تشوف أبوك.
طالعها بغيظ ثم تحرك من فراشه نحو الحمام ووقفت تتبع أثره بحنق من طريقته الفظة والغليظة معها.
في الغرفة المجاورة اتجهت نهال لتوقظ رامي بعد أمرٍ من جابر لها. تحركت بخطى متوترة وطرقت باب غرفته فلم يجِب. حاولت مرة أخرى ففتح الباب يطالعها بضيق ثم تحدث بجمود وملامح لا يبدو عليها أثر النوم:
– لو يدك اتحطت تاني ع الباب ده النهاردة هتندمي، حظك إني مش فايقلك دلوك وإلا كان زمانك تحت ضرسي، غورى من إهنة.
أومأت وفرت هاربة تحمد ربها أنها نجت منه بينما هو دلف ورطم الباب بقوة. بحث عن هاتفه حتى وجده ملقى على الفراش بإهمال.
تناوله يهاتف صديقه فارس الذي أجاب بنعاس بعدما تبخر خوفه:
– خير يا رامي عاوز إيه؟
تحدث بغل تفاقم طوال الساعات الماضية وتجلى في صوته حين قال:
– عايز الكلب ده يتحرق قلبه، نار جوايا من اللي حُصل، بقى عيل مالوش لازمة زي ده يعلم علينا كلنا وفي الآخر ميتعاقبش! لازمن يدفع تمن اللي عمله.
تنبه فارس واعتدل يمسح على وجهه ثم تحدث بترقب وتوتر من احتمالية انكشاف ما حدث مجدداً:
– ناوي على إيه يا رامي؟ سيبك من الموضوع ده اتقفل خلاص.
عنفه رامي قائلاً بغلظة وتوعد:
– لاااا، وشرفي لحرق قلبه علشان يعرف كيف يتجرأ ويلعب مع أسياده، جهز حالك الليلة بليل، هنروح نعلمه درس عمره.
في الأسفل يجلس جابر على المخدع يفكر، لم ينم وعقله يعمل بصخب. مؤكد أن الخبر بدأ ينتشر في البلدة وسيبدأ الغمز واللمز بسبب ابنته التي تبرأ منها. لو عاد الأمر له لقتلها في الحال بعد أن سحقت شرفهم بفعلتها ولكن حينها ستصبح سيرتهم على ألسن الجميع.
جاءت شريفة من خلفه تنادي بتوتر:
– مالك يا جابر؟
صوتها آخر صوت يود سماعه، هي السبب الرئيسي في ما آلت إليه الأمور. لذا نهض ينقض عليها ويلقيها مكانه ويقبض بأصبعيه حول عنقها قائلاً بغضب وجمود تجمعا في قبضته:
– مالي؟ رايدة تعرفي مالي؟ إنتِ وبتك حطيتوا راسي في الوحل. هو سؤال واحد بس وتجاوبي عليه وإلا ورحمة أبوي هخلص عليكِ دلوك.
أومأت له بعيون جاحظة عدة مرات لا تصدق أنه يقبض على عنقها فتابع بعيون حادة مخيفة:
– بتك كيف خرجت برا البيت في الوقت ده، وليه؟ وانتِ كنتِ فين؟ اللي هي قالته صُح؟
زاغت أنظارها وباتت أنفاسها مجهدة وهي تحاول التحدث فسمح لها بالكلام ولم يحل وثاقه لذا قالت بمراوغة لتنجو بنفسها خوفاً من بطشه الذي عاد بقوة:
– وأني إش عرفني يا جابر مانا كنت نايمة جارك وقتها، تلاقيها قالت إكدة من خوفها.
نفض يده من حولها وطالعها بنظرة غاضبة يردف محذراً:
– فكري بس تشوفيها أو حتى تكلميها، تبقي جنيتي على حالك، من إهنة ورايح ملناش بت اسمها وردة، تنسي إنك خلفتي بنت من أساسه.
أومأت له باستمرار فاندفع للخارج وتركها تتنفس بقوة وتخفي بين نظاراتها الجاحظة حقيقة الأمور.
بعد وقتٍ تم عمل التحاليل اللازمة ل محمد رشيد الذي اتضح أنه يعاني من مشاكل في الكبد بالإضافة إلى الفشل الكلوي الذي يعاني منه مسبقاً وقد كشفته ركلة رامي له.
يقف يستمع إلى الطبيب بحزنٍ شديد، والده لن يحتمل كل تلك الآلام، لذا نظر للطبيب وتساءل بترجي:
– بس أكيد فيه حل يا دكتور؟
تنفس الطبيب وتحدث باستفاضة وجدية:
– الحل الدائم مكلف جداً يا صالح، وغير كدة صعب، يعني والدك محتاج متبرع يقدر يتبرعله بجزء من الكبد، والعملية مش هتتعمل هنا. في الوقت الحالي الوضع مستقر وهنحاول نحجمه بالأدوية، بس لو حصل معاه نزيف تاني هنحتاج تدخل جراحي فوراً، متنساش المشاكل اللي بيعاني منها قبل كدة.
كان هذا هو الحل الذي يفكر فيه (التبرع) لذا أسرع يقول دون أي تردد:
– طيب أنا ممكن أتبرعله، أعملوا التحاليل ولو التناسب بينا تمام يبقى خدوا مني كل اللي هو محتاچه.
سخر الطبيب من حديثه وقال معنفاً:
– ناخد منك كل اللي هو محتاجه إيه يا صالح هو مخزن، أنا فاهم إنك زعلان على والدك بس الأمور مش بتتحل كدة، إهدى وزي ما قلتلك، في الوقت الحالي الوضع مستقر ومافيش داعي تقلق.
التفت ينظر لوالده الذي يتمدد على الفراش داخل الغرفة بينما هو والطبيب يقفان خارجاً. ابتسم لوالده فبادله وأومأ له يطمأنه بنظراته لذا عاد ينظر نحو الطبيب قائلاً بهدوء:
– طيب يا دكتور دلوك إيه المطلوب؟ ويقدر يروح إمتى، والتعامل مع حالته يبقى إزاي علشان يبقى مرتاح؟
تحدث الطبيب بتروي:
– هنمشي زي ما كنا بنتعامل عادي خالص مع شوية حرص والتزام بمواعيد الأدوية، بس دلوقتي هناخده على جلسة الغسيل وبعدها يروح، أهم حاجة الغذا السليم ومواعيد الأدوية.
أومأ للطبيب ووقف يتنفس بقوة ويفكر في كل تلك الأوضاع التي تراكمت فوق رأسه وأهمهم صحة والده.
بعد عدة ساعات.
اعتدلت تلتقط أنفاسها بقوة بعد الجهد الذي بذلته في جمع القليل من محصول القمح، كانت تظن الأمر لن يستغرق كل هذا الوقت، ولكن على ما يبدو أن طاقتها محدودة جداً بالنسبة لجمع المحصول كاملاً بالإضافة إلى آلام جسدها التي ما زالت قائمة منذ أمس بعد الضربات التي تلقتها.
نظرت حولها وصدرها يعلو ويهبط، ترتدي جلبابه وتحجب خصلاتها بعمامته، من يراها من بعيد يظنها رجلاً.
انتفضت فجأة على الصوت الصادر من خلفها لأحدهم يتساءل بتعجب:
– إنت مين؟
التفتت تطالع هذا الغريب بنظرات متوترة ثم تنفست وتحدثت بشموخٍ وقوة دعائية:
– إنت اللي مين وبتعمل إيه إهنة؟
تعجب الرجل من هيأتها، لقد ظنها رجلاً ولكنها أنثى في ثياب رجل، تحدث بدهشة مرتسمة على ملامحه:
– وه؟ إنت مين وبتعملي إيه في أرض صالح؟
زفرت بقوة وتحدثت بثبات برغم توترها الذي تحاول إخفاؤه:
– دي أرض چوزي، أني مرات صالح، هتقول إنت مين بقى ولا أكلمه أخليه ييجيلك؟
ما زالت الدهشة تعتلي ملامح محمود قريب صالح بل أنه شك في أمرها لذا تحرك قليلاً يبتعد عن تلك التي ظنها مجنونة والتقط هاتفه يهاتف صالح الذي يقف مجاوراً لوالده.
أجابه صالح متسائلاً:
– أيوة يا محمود، عملت إيه يا أخوي؟
تحدث بتعجب وهو يطالعها وهي تقف تناظره بتوتر بعدما علمت أنه يهاتفه:
– أيوة يا صالح، دلوك أنا جيت ع الأرض بس لقيت حاچة غريبة.
ضيق صالح عينيه وتساءل وهو يبتعد قليلاً عن والده:
– حاچة إيه يا محمود؟ خير؟
تحدث محمود يشرح له ما رآه قائلاً:
– فيه واحدة لابسة جلابيتك وعمتك وواقفة تجمع المحصول ولما سألتها هي مين وبتعمل إيه في أرضك قالت إن دي أرض چوزها.
صدمة باعدت بينه وبين الأحرف لثوانٍ، هل خرجت تجمع محصول أرضه؟ هل سمعته صباحاً؟ ما شأنها هي بذلك؟ هل قال أنها أرتدت جلبابه؟ ماذا تريد تلك الوردة من حياته وأي لعنة ألقت بها على قلبه وعقله الذي كلما تجنبها أتت إليه عنوةً.
أفاق على نداء محمود المتكرر له فتحمحم يقول بهدوء وتقطع من أثر صدمته:
– أحم، كلامها صُح يا محمود، بس معلش خليني أكلمها إكدة.
تعجب محمود وتساءل بدهشة:
– وه؟ يعني إيه صُح، إنت اتچوزت إمتى يا واكل ناسك؟
تأفأف صالح وقال بعچالة:
– هفهمك يا محمود لما أشوفك بس دلوك إديلها التليفون خلينا اتكلم وياها.
زفر محمود واعتلت الدهشة ملامحه ثم عاد يتقدم منها وهى تطالعه بحذر فمد لها يده بالهاتف قائلاً بنبرة ساخرة:
– خدي اتحدتي ويا چوزك.
توترت أنظارها ومدت يدها تتناول الهاتف ثم ابتعدت قليلاً ووضعته على أذنها وتنفست بقوة قبل أن تجيب بتوجس قائلة:
– نعم؟
تنهد كأنه ارتوى من صوتها ولكنه عنف مشاعره التي تأتي في أوقاتٍ خاطئة ثم ادعى الجمود وتحدث بجدية وصرامة:
– دلوك تاخدي حالك وترچعي ع الدار ولما أرچع هيبقى لينا حديت تاني، حالاً يا وردة.
اغتاظت من نبرته وأوامره ولكنها تساءلت بترقب:
– والدك عامل إيه دلوك، وضعه بخير؟
تعجب من اهتمامها بصحة والده، تعجب من شخصيتها التي ظن أنه بدأ يفهمها ولكنه كان مخطئاً، تجاهل سؤالها وعاد يردف محذراً:
– مبحبش أعيد كلامي يا بت الناس، قولتلك دلوك ترجعي ع الدار وادي التليفون لصاحبه، يالا عاد.
زفرت بحنق ثم تقدمت وناولت الهاتف إلى محمود ثم عادت أدراجها نحو المنزل وتركت هذا الواقف ينظر نحوها بتعجب ثم وضع الهاتف على أذنه فتابع صالح:
– قولي يا محمود، هي جمعت محصول أد إيه من الأرض؟ وجمعته كيف؟
التفت محمود يتفحص الأرض بأنظاره وأكوام المحصول المحصود ثم اعتدل يجيب بتقارب:
– حصداه زين يا صالح بس بالجزارة مش بالآلة، علشان إكدة مش كتير يعني بس مش قليل بردو، يعني حوالي قيراطين إكدة.
تعجب من فعلتها، استخدمت تلك السكين التي هجمت عليه بها أمس! مؤكد لا تعلم مكان الآلات فهو يخزنها في غرفة مغلقة ولكن من الواضح أنها أُجهدت كثيراً خاصةً وأنها مجهدة بالفعل بعد ليلة أمس.
تنفس يردف بضيق:
– خلاص يا محمود شوف شغلك دلوك وأني ساعة ولا اتنين وراچع.
أغلق معه بعدما أوصاه والتفت يعود لوالده الذي يستند على مقعد ينتظر انتهاء جلسته.
تساءل صالح بعد قليل بترقب:
– بقولك يا أبوي، هنزل أچيب حاچة من تحت وأرچعلك؟ ماشي؟
أومأ محمد وتحدث بجهد:
– إنزل يا ولدي متقلقش، لسة بدري لحد ما الچلسة دي تخلص.
أومأ له وتحرك بعدما أوصى الممرضة عليه، نزل للأسفل ومنه نحو السوق التجاري ليبتاع بعض الأغراض.
كان المكان قريباً من المشفي حيث وصل سريعاً إلى محل ملابس ودلف، وعلى غير عادة قابله صاحب المحل والذي لم يكن سوى شاب في نفس عمره وبينهما معرفةً مسبقة ولكنه الآن ينظر اليه نظرة جديدة تعجب لها صالح.
ألقى السلام وقال:
– معلش يا قاسم كنت محتاج شوية حاجات إكدة وفلوسهم هتوصلك بكرة الصبح أول ما أبيع المحصول.
طالعه قاسم بتعجب وحك الجهة الخلفية من رقبته يجيب بمكر:
– ومالو يا صالح، المحل تحت أمرك، بس حاچات زي إيه؟
أحس صالح بالمكر في حديثه وبدأ يستشف حقيقة الأمور، على ما يبدو أن خبر زواجه من وردة ابنة جابر السيوفي بدأ ينتشر. تنفس بقوة وقرر تجاهل الأمر ولف عينيه يبحث بين أغراض المحل قائلاً بجدية:
– هدوم حريمي، عبايتين وكام قميص بيت إكدة.
نبرته وطريقته في نطق جملته جعلت قاسم يتجاهل فضوله ويومئ قائلاً:
– تمام يا صالح، تعرف المقاس ولا نختار حاچات وسط؟
دقق النظر في عينيه وتحدث بنظرة ثابتة وبنبرة جادة:
– لارچ يا قاسم، لسة عنديك أسألة ولا خلاص إكدة؟
تحمحم قاسم وأومأ وتحرك يحضر ما يريده صالح. المعروف عن صالح بين شباب البلدة يجعلهم مرحبين بالتعامل معه، سمعته الحسنة وشموخه ومواقفه الرجولية مع الناس تميزه بينهم، ومؤكد أن قاسم برغم ما سمعه صباحاً إلا أنه يكن لصالح الود والإحترام ويشك في حقيقة تلك الأخبار الواردة، فهو يعلمه جيداً ويصعب تصديق ما سمعه، ولكن هل يا ترى الجميع مثله أم هذا تفكير الأقلية فقط!!
خرج صالح يحمل الأكياس في يده ويتجه نحو محل بيع الهواتف، لا يعلم لمَ يفعل ما يفعله ولكن في يقينه أن تلك الأغراض أقل حقوقها منذ أن بات أمرها واقعاً على عاتقه، يعلم أنها لا تمتلك حتى الملابس، وبالنسبة للهاتف فوجوده معها أمراً ضرورياً ليستطيع الوصول لها حيثما يريد.
دلف يلقي السلام ويتوقع نفس النظرات بل وتعمد تجاهلها.
تحدث مباشرةً إلى الشاب الذي يستند على الدولاب الزجاجي ويتلاعب بإحدى الهواتف قائلاً:
– بقولك يا فتحي، كنت رايد موبايل عادي وفلوسه هتوصلك بكرة الصبح.
طالعه فتحي بتعجب فقد سمع للتو أنه تزوج ليلة أمس من وردة السيوفي، وكالعادة نظرة صالح ثابتة تتفوة بمَ لا تستطيع الألسن نطقه، يخبره بنظرته أن يتجاهل تماماً ما سمعه.
وهذا ما حدث حيث اعتدل فتحي وتحمحم يتساءل:
– ومالو يا صالح المحل تحت أمرك، بس قولي عايزه كيف، قدامك أهي البترينة اختار اللي يعچبك منيها.
نظر صالح نحو الهواتف المعروضة وقبل أن يقرر اختيار أحدهم سأله فتحي بفضول تغلب على جدية صالح:
– هو إنت صُح اتجوزت يا صالح؟
تحدث دون أن يلتفت له ليقطع هذا الحديث قائلاً بنبرة باردة:
– اللي سمعته صُح يا فتحي، والچهاز ده كويس.
قالها وهو يشير على أحد الأجهزة ليقطع باقي حديثه فتحرك فتحي يحضره بصمت ووقف صالح يتنفس ويجاهد ليهدأ، على ما يبدو أن المعاناة بدأت للتو.
انتهى صالح من شراء ما يريده وأثناء عودته سمع الأفواه تهمس وتشير عليه فتابع خطواته بضيق إلى أن أوقفه أحدهم يقول ساخراً:
– صباحية مباركة يا عريس.
توقف صالح مكانه لثوانٍ ثم التفت يطالع هذا البغيض والذي لم يكن سوى تاجر ألبان كان بينه وبين صالح خلافٍ سابق.
طالعه صالح بنظراتٍ مبهمة ثم التفت ليغادر ولكنه عاود حديثه قائلاً بنبرة استفزازية يتعمد وضعه في موقف حرجاً بين الناس:
– حقك يا عم، ما أنت بقيت نسيب عيلة السيوفي، بس مش كنت تعزم حبايبك بردو يا واكل ناسك، ولا هو الموضوع جه إكدة فجأة؟
كان هناك بعض المارة والتجار يقفون ينظرون نحو صالح الذي بات كأنه لا يسمع صوت هذا السئيل بل أكمل سيره بثبات إلى أن غاب عن أنظارهم مما أدى إلى اشتعال غضب هذا البائع وأردف بجرأة مخادعة بعد أن تأكد من رحيله:
– شوفته يا عالم، أهو اللي كان بيقول إنه شريف وشهم، وياعالم الموضوع ده حصل إزاي وعمل إيه علشان يبقى نسيب عيلة السيوفي بحالها، الدنيا مبقاش فيها أمان يا عالم.
لم يجبه أحد برغم التشتت الذي أحدثه هذا الخبر منذ الصباح، فالبعض وثق في صالح والبعض تشوشت ثقته واهتزت بهذا الشاب والقلة فقط هم من يصطادون في المياة العكرة.
وصل إلى المشفى وحالته لا تسر عدو، نيرانه تغلي ولولا حكمته التي ما زالت بحوزته لذهب ولكم هذا المستفز ولكنه استعمل كل درجات ثباته حتى لا يعيره اهتمام، سمعته أصبحت علكة في أفواه الحاقدين وهذا من كان يتجنبه طيلة حياته.
كل هذا حدث بسبب شهامته وتدخله لإنقاذ تلك الوردة قبل حتى أن يعلم هويتها، ليته لم يرها ولم يقع في حبها يوماً، لكان الأمر هيناً قليلاً، ولكنه يعاني من الغضب والعجز والخذلان معاً.
صعد ليجد أن جلسة والده قد انتهت وبعد المعاينة وتوصية الطبيب ووصف الدواء المناسب رحل هو ووالده عائدان إلى منزلهما عند غروب الشمس.
يقف رامي مع فارس في أرض عائلته المجاورة لأرض صالح.
تحدث فارس بقلق بعدما فهم مخطط رامي وما يريده:
– بس الموضوع ده يقلق يا رامي، ممكن يتعرف إن إحنا اللي عملنا إكدة ووقتها فيها حبس.
تحدث رامي بخبث يحفزه قائلاً:
– يا عم متخافش مافيش حاچة هتتعرف، هي سيجارة وقعت ع المحصول والنار مسكت في الهشيم ولا من شاف ولا من درى، ها قولت إيه عاد؟ فكر في ال money.
يعلم جيداً نقطة ضعف فارس لذا قال جملته ساخراً فتحمحم الآخر وتحدث وهو يحك رأسه مفكراً:
– إنت قولت كام بالضبط؟
ضحك رامي وبنبرة ماكرة أجابه:
– عشرين ألف جندي، عمرك شوفت سيجارة تمنها إكدة؟ علشان بس تعرف إنك غالي عندي.
زفر فارس وقال محذراً:
– ماشي يا رامي، موافق، بس تخليك إهنة لحد ما أخلص وأرجعلك.
أومأ رامي يردف بتأكيد:
– مش ماشي، إحنا قاعدين إهنة لحد ما الفلاحين كلهم يروحوا وميبقاش فيه غيرنا، وبعدين لازمن نتأكد إنه اتخمد علشان تنفذ وانت مطمن.
بدأ قلق فارس يتلاشى وهو يفكر أن خطة رامي متقنة وأن تنفيذها أمراً هيناً، فقط لفافة تبغ مشتعلة وقعت دون قصد فأشعلت الهشيم.
وصل صالح إلى منزله، تلك المرة طرق الباب وهو يسند والده ففتحت له وردة تطالعهما بترقب ثم ابتعدت عن الباب لتسمح لهما بالدخول وقالت وهي تنظر نحو محمد:
– حمدالله ع السلامة يا عمي، الدكتور قالك إيه؟
تحدث محمد بوهن وهو يخطو ليجلس على الأريكة بمساعدة صالح:
– الحمد لله يا بتي، لسة في العمر بقية.
تنهدت بارتياح بعد حديث محمد لها، لقد ظنت أنه سيكون جافاً معها ولكنه خالف ظنها بنبرته الحانية، لذا أسرعت تردف بحماس:
– أني سلقتلك فرختين بلدي، أكيد راجع جعان، هروح اچبلك تاكل علطول.
تحركت نحو المطبخ تحت أنظار صالح المندهشة منذ دلوفه خاصة بعدما رآها ترتدي جلبابه، غابت عن أنظارهما فنظر لوالده قائلاً بنبرة لينة معاتبة:
– إيه يا حچ محمد! فكرتها مرت ولدك بحق ولا إيه! مانا حكيلك كل حاچة عاد.
تحدث محمد بتروي وهو يتنهد بعمق:
– غلبانة يا ولدي، مبقاش ليها غيرنا، وياعالم قالت إكدة ليه، يمكن كنت إنت طوق النجاة الوحيد ليها، مهواش سهل على بت السيوفي تقول إكدة وتاچي تعيش عيشتنا، أكيد فيه سبب، ربنا هينصرك ويردلك حقك بإذن الله.
زفر صالح بقوة، حديث والده يبعث الطمأنينة ولكن الأمور تخطت حدودها بعد انتشار الخبر، وعلى ما يبدو أن الصعاب ستواجهه، لقد رأى الجحيم في عين عائلتها ويوقن أنهم لن يهدأوا بعد اعترافها الظالم هذا.
تحدث ليغير مجري الحديث:
– قوم يا حچ محمد علشان تغسل وتدخل ترتاح على سريرك.
بعد وقتٍ وبعد أن أسدل الليل ستائره على البلدة.
يتمدد محمد على فراشه ويطعمه صالح من الحساء الذي أتت به وردة بعد رغبتها في إطعامه وتقديم بعض المساعدة ولكنه رفض رفضاً قاطعاً وصمم على عدم تدخلها في شؤون والده.
انتهى ونهض وترك والده ينام بعد جهدٍ وتعب، وجدها تجلس على أحد المقاعد في المطبخ فوضع صينية الطعام وتحدث دون النظر إليها:
– فيه برا حاچات ليكِ، علشان مرة تانية متلبسيش هدوم غيرك، واللي عملتيه في الأرض النهاردة معيزهوش يتكرر واصل، شغل الأرض ملكيش صالح فيه، فهمتي؟
ضجرت من عجرفته معها، أولم يتعلم قول شكراً لها بعدما جمعت محصول أرضه؟
التفت ليغادر فأردفت باستفزاز:
– خيراً تعمل شرا تلقى.
التفت يطالعها بعيونه، عيون نطقت مؤكدة على حديثها قبل أن يؤكدها لسانه بنبرة معنية:
– صُح، خيراً تعمل شراً تلقى.
غادر وتركها تندم على ماقالته، ربما ودت لو تبادلا الحديث ولكنها غفلت عمّا فعلته به، هل ظنت اتهامها له هيناً وما فعلته سيمر مرور الكرام؟ إذاً هي حقاً لا تعرفه بعد.
خرج ليرى أرضه وليحفظ حصاده في المخزن حتى لا يتم سرقته برغم انتباهه.
نظر للأرض التي على ما يبدو جُمع نصفها وتبقى نصفها فقط، لذا تنهد وعزم أمره على حفظ ما جمع في الغرفة المخصصة لتخزين المحصول وترك جمع البقية للصباح.
أما في الداخل فخرجت تنظر للأغراض التي قال عنها، بحثت فيها فوجدتها ملابس مختلفة وحذاء وهاتف.
تنهدت بحزن، تذكرت أمرها مسبقاً، دوماً هي من ابتاعت لنفسها تلك الأغراض، لم يأتِ أحدهم بشيء لها من قبل، هذه هي المرة الأولى التي يبتاع لها شخصاً ما أغراضاً خاصة، لذا فهي حزينة على ما فعلته، نادمة، منذ اللحظة الأولى التي نطقت بها هذا الاتهام وهي نادمة ويتآكلها الندم ولكن لم يكن حينها هناك مخرجاً آخراً مما وقع عليها سوى ذاك الأمر، هي تؤمن بالقضاء والقدر، وبمَ أنه أوحي إليها قول هذا آنذاك فمن المؤكد هناك حكمة تنتظرهما.
تنفست بقوة ورفعت بكفها مقدمة الجلباب تستنشقه بتفنن وتغمض عينيها، ابتسمت ثم تحدثت وهي تنهض للحمام:
– ريحتك حلوة قوي.
بالطبع رائحته طيبة، أنتِ لا تعلمين عن زوجكِ الكثير بعد أيتها الوردة، فهو صانع الروائح الطبية وصاحب النفس الأطيب.
في الثالثة صباحاً.
وبعد يومٍ شاق قضاه صالح، يتمدد على الأريكة الخارجية في سبات عميق بعدما أصر على النوم هنا واستبدال فراشه مع وردة.
وعلى عكسه تماماً يحوم الأرق حولها فلا تستطيع النوم في سريره بالرغم من رتابته ونظافته إلا أنها مستيقظة تفكر في أمره وشخصيته وحياته وحياتها معه.
أصبح زوجها في ساعات بل دقائق معدودة، لا تعلم من أين أتتها تلك الثقة به لتلقي بنفسها في براثنه دون معرفته جيداً.
ولكن مهما كانت خصاله وطباعه لن يكون أسوء من أفراد عائلتها وما عاشته معهم، مؤكد شخصاً مثله أنجاها من مصير محتوم يمتلك شخصية كريمة وهذا ما بدأ يتضح لها.
تعمقت بأفكارها في الأيام القادمة وكيف ستقضيها هنا وكيف ستتعامل معه، ربما اطمئنت من جهة محمد الحنون ولكن ماذا عنه وعن جفائه معها؟
تسللت إلى الغرفة وإلى أنفها رائحة دخان وصوت النيران وهي تأكل الهشيم.
توقفت عن التفكير ونهضت على الفور تفتح النافذة لترى ما جعلها تجحظ بصدمة، الأرض على مرمى بصرها تحترق وألسنة اللهب تلتهم القمح الذهبي كما لو كأنها تضور جوعاً.
انفكت عقدة لسانها وبدأت تصرخ مستنجدة:
– الحقوووونا، الأرض بتولــــــــــع.
ركضت للخارج حيث يتمدد صالح وهزته بقوة مردفة بصراخ:
– الأرض بتولع يا صالح فوووووق.
انتفض صالح في أقل من لحظات يركض نحو الخارج بتشتت وضياع كأنه في كابوساً مزعج ليرى أمامه المحصول يتآكل.
أسرع نحو حوض سقي الأرض وبدأ بملئ الدلو ثم دفقه على النيران وقد عقد لسانه حتى أنه لم يطلب النجدة من أحد بل تتوهج النيران في عينيه.
من تصرخ هي وردة وتساعده في ملئ المياة وتستنجد بالبشر الذين تبخروا، فهنا لا يقطن أحداً سواهم.
كان محمد قد استيقظ أيضاً واستند حتى وصل للخارج ووقف عند محيط منزله يتطلع على أرضه وابنه وحالتهما بحسرةٍ ويردف مستسلماً بوهن وحزنٍ شديد:
– عليك العوض ومنك العوض ياااارب.
رواية عشق بين هشيم مشتعل الفصل السادس 6 - بقلم اية العربي
لطالما آمن بالقدر خيره وشره، يوقن أن تدبير الأمور يتم بشكلٍ يفوق استيعاب البشر، يثير تساؤلاتهم.
ولكن كيف له أن يستوعب أن ما حدث أمام عينيه لأرضه وزرعه وحياته وجهده كله خير؟
يحتاج لطاقةٍ قصوى كي يتغلب على محنته وهو في نهاية المطاف بشرياً يمكن للشيطانِ أن يتلاعب بعقله.
يحتاج لرباطٍ قويٍ يعينه على تحمل ما حدث، دوماً ابتعد عن المشاكل برمتها وشيد سمعةً طيبةً كانت هي رأس ثروته.
انهارت السمعة وانهار معها كل شيء، ربما لم يكن عبداً جيداً بما يكفي ليعاقبه الله هكذا؟
ربما لأنه عشق ونظر وتمنى ما لم تملك يداه؟
لهذا حصل عليها مقابل كل ما كان يملكه؟
تساؤلات تكاد تفتك برأسه الموضوعة بين يديه وهو يجلس القرفصاء في منتصف أرضه المحروقة.
تحول المكان من لونه الذهبي الرائع إلى الأسود المتفحم بعدما تناولت النيران وجبتها.
لا يبكي ولا يشكو ولا يتفوه بحرفٍ واحد، تقف تطالعه من بعيد عاجزة عن تقديم الدعم مجاوراً لـ محمد الذي يردد بإيمان وحزن:
– لله الأمر من قبل ومن بعد.
– لله الأمر من قبل ومن بعد.
ودت لو تقترب منه، ودت لو تربت على كتفه وتسانده في مصيبته ولكنها تخشى ردة فعله.
نظر محمد نحو ابنه بحزن، يعلم حالته الآن ويعلم كم يحب أرضه وكم تعب فيها، لذا أشار نحو وردة فانخفضت بترقب لتسمعه فقال بنبرة معنية حزينة:
– روحي يا بتي شوفيه، قوليله يقوم ويعوض علينا ربنا.
اعتدلت وتنفست بعمق ثم أومأت وتحركت نحوه بخطواتٍ متمهلة حتى وصلت إليه مما زاد توترها ولكنها عزمت أمرها لذا مدت يدها تضعها على كتفه فانتبه لها ولكنه لم يحرك ساكناً.
ربتت على كتفه وتحدثت بنبرة حزينة لينة:
– قوم يا صالح، قوم ادخل چوه، قعادك هنا لا هيودي ولا هيجيب.
ظل ثابتاً كما هو مما جعلها تأخذ خطوةً أشد جرأة وتحاول إيقافه حيث باتت تسحبه من ذراعه ولكنه نفضها ونهض يردف وهو يطالعها بعيون قاسيةٍ حزينة:
– بعدي يدك عني.
نظرت له بهدوء وتقبلت غضبه في تلك اللحظة مما جعلها توميء بتريث قائلة:
– تمام، هبعد يدي بس علشان خاطر ابوك المريض ده، ربنا هيعوض عليك والدنيا مش هتقف إهنه، هتعاود تحرثها وتزرعها تاني يا صالح.
ابتسم ساخراً بألم ثم نظر لها بتعجب، يحق لها أن تستهين بكل شيء، فهي لم تعاني قسوة الحياة مثله، خلقت وفي فمها ملعقة من ذهب فكيف لها أن تشعر بمَ يعتليه.
تحدث ويده متدليةً جواره بنبرة غاضبة يشوبها القهر والضيق:
– عتعرفي منين التعب والذل والشقى يا بنت الأكابر، كل حاچة عنديكِ سهلة، كل حاچة عنديكوا ملهاش قيمة.
ابتلعت حديثه بغصة مريرة، يظنها لم تعاني قط، معذورٌ في ظنه فهو لا يعلم عن حياتها القاسية شيء.
تحرك يعود لمنزله واتبعته بحزن، مر على والده وطالعه بعمق، لا يملك ما يهون به عليه لذا تحرك نحو الداخل وتركه لها ربما استطاعت إزالة حزنه، كان هاتفه في الداخل يرن باستمرار ولم ينتبه له أحد.
تقدم يلتقطه من فوق الأريكة وأجاب بترقب وحزن قائلاً:
– أيوة مين؟
ضحك رامي ضحكةً متشفيةً وتحدث بحقد واستخفاف:
– كيفك بعد ما أرضك ولعت يا أبو نسب، دي قرصة ودن صغيرة من سيدك رامي علشان تعرف زين كيف تلعب مع عيلة السيوفي.
أغلق رامي بعدها وتركه في صدمته وحسرته، طوال جلسته في الأرض وهو يفكر كيف حدث ذلك ومن أين جاء مصدر الحريق، لقد شك في الأمر ولكنه عنف نفسه بأن هذا لا يمكن حدوثه، إلا أن حدسه كان صائباً، هم من أحرقوها، هم من فعلوها ليعاقبوه، يريدونها مشتعلةً إذا!، حسناً فليكن هذا.
تحرك بعنف كالإعصار نحو غرفته يفتح خزانة دولابه الموصودة ويلتقط منه بندقيته التي يحتاجها إذا ما ظهر سارقاً لأرضه.
فتح خزنتها ليجدها ممتلئة بالأعيرة النارية لذا تنفس بقوة وتحرك بها للخارج تحت أنظار وردة ومحمد، كان حينها في أقوى حالات غضبه وحزنه، يتجسد أمامه الآن كل ما حدث ويجبره على الثأر.
انتفض محمد بحسرة متسائلاً وهو يقف:
– واخد السلاح ورايح على فين يا صالح؟
لم يجبه بل اندفع كطلقةٍ خرجت من فوهتها ليتسعين محمد الذي بدأ يسعل بوردة قائلاً وهو يلكزها مترجياً بخوف ينهش قلبه:
– الحقيه يا بتي، اوعي تخليه يروح.
أجلسته مجدداُ ثم ركضت تلحق به وتناديه حتى وصلت إليه ومدت يدها لتوقفه ولكنه التفت يطالعها بنظراتٍ جحيمية وهو يردف بغضب وقد تحول لشخصٍ آخرٍ تماماً:
– بعدي عني، هيدفع تمن اللي عمله ده حتى لو فيها موته، إنتِ سامعة!
تنبهت حواسها لجملته وقد انتابها الذعر لتعاود اللحاق به بعدما تحرك وتسأله بتوجس وهي تجاري خطواته:
– قصدك مين يا صالح؟ مين اللي عمل إكدة؟
التفت يتحدث من بين أسنانه بنفس نظرته وقد تحول اللون الأبيض في عينيه إلى كئوس دمٍ حمراء:
– أخوكي، عينتقم مني علشان أني طلعت بحبك واستغليتك كيف ما قولتي.
اتسعت عيناها وفرغ فاهها وهي تهز رأسها بتيه بينما تحرك هو يشق طريقه بخطواتٍ عنيفة، انتبهت على نفسها وعلمت أنه إن ذهب سيكون إما قاتلاً لشقيقها أو مقتولاً لذا أسرعت تركض مجدداً حتى وصلت إليه ووقفت أمامه تمنعه من إكمال طريقه قائلة بترجي وهي تستعمل كامل قوتها:
– متروحش يا صالح، أبوس يدك متروحش.
لم يكن وقتها صالح العاشق لها بل كان صاحب الحق المهدور والمحروق لذا أبعدها وعاود يكمل طريقه فطالعته بحسرة وعقلها يفكر كيف توقفه لذا أسرعت مجدداً لترتمي فجأة عند قدميه وتعانق كلتاهما بيدها لتعيق حركته مردفة بنبرة مترجية باكية ورأسها متدلي ومستند عليهما:
– أبوس رچلك متروحش، مش هتاخد منيهم لا حق ولا باطل، تعالى نروح نبلغ وأني هشهد معاك بس متروحش ليهم، هيقتلوك يا صالح.
انخفض بنظره إليها يحدقها بتعجب وهو يحاول الفكاك وتحرير ساقيه من قبضتها إلا أنها كانت قابضة عليهما بقوة.
بدأ يعود لرشده تدريجياً ولم يرغب في استعمال قوته عليها حتى لا تتأذى لذا تحدث بجدية محذراً:
– بعدي عني قلتلك، ملكيش صالح إنتِ.
هزت رأسها التي وضعتها على ساقيه تترجاه مردفة ببكاء:
– له مش هبعد، أحب على رچلك متروحش، وحياة عم محمد عنديك ما تروح، تعالى نبلغ والحكومة تشوف شغلها.
مسح على وجهه بكفه بعنف، بدأ يستغفر ربه ووقف عدة ثواني يفكر، ثم انخفض يوقفها فوقفت تطالعه، كانت عيناها ملتمعة دافئة أعادته لأيام عشقه وتغزله.
تنهد بعمقٍ شديد وجاهد ليردف بجدية ويحافظ على غضبه قائلاً:
– هتعملي إكدة علشان خاطر أخوكي؟ خايفة على حياته؟
تحدثت بعيون صادقة ونبرة متحشرجة:
– وعليك، خلي القانون هو اللي يچبلك حقك.
زفر مطولاً ينظر حوله ثم استقر بعينه عندها وتحدث بجمود:
– ارچعي ع الدار.
هزت رأسها برفضٍ قائلة وهي تبتلع لعابها:
– لا مش راچعة، هاچي معاك وهشهد معاك وهقول إني سمعته وهو بيكلمك.
لا يعلم لمَ يمكنها أن تفعل ذلك وتلك النقطة ستخدمه كثيراً ولكنه لن يقبل بذلك، ليعود لأصله وشخصيته مجدداً لذا تحدث برفض:
– ملكيش صالح إنتِ بالموال ده، ارجعي ع الدار وخدي بالك من أبوي.
تنفست بعمق ولكنها أشارت بيدها كأنها تشير لطفلٍ مردفة:
– لو عايزني أرجع هات السلاح.
صمت يطالعها فتحدثت مؤكدة بنبرة قوية:
– ياتچيب السلاح يا هاچي معاك يا صالح.
هل يثق بها، هل يناولها سلاحه وهل ما قالته الآن نابعاً من قلبها؟
هناك بعض الشك يراوده في أمرها لذا تحدث وهو يلتفت عائداً:
– امشي معايا.
زفرت براحة وتحركا سوياً عائدان إلى المنزل حتى رآهما محمد لذا التقطت أنفاسه المهدرة وأردف معاتباً حينما أصبح صالح أمامه:
– إكدة يا صالح؟ من ميتى يا ولدي وإنت بتتصرف إكدة، عايز تضيع نفسك وأموت بحسرتي.
تنهد بضيق يقبض على صدره وتحدث بنبرة مختنقة:
– تعبي وشقايا يا حچ محمد النار كلتها وابن السيوفي هو السبب، متصل يشمت فيا، بتعاقب على ذنب معملتوش، الموضوع ده مش هيتحل غير بالقوة يا حچ.
تعلم أنه محق، وتقف أمامهما الآن والخجل يجردها من قوتها فهي المتسببة في كل هذا ولكن أتى حديث محمد ليناً مربتاً على قلبها وهو يقول:
– هما عارفين زين إنك قوي، واللي كلمك ده رايد يستفزك علشان يجر رچليك ويوقعك، اللي حُصل حُصل ودلوك مهما حاولوا إنت قدام الناس چوز بتهم، فكر صُح يا ولدي ومتوقعش نفسك ليهم مرة تانية، المحصول اتحرق خلاص والعوض على الله.
تطلع على والده يفكر في حديثه ويجاهد ليتقبله ولكن يرى أن في هذا نوعاً من الخنوع.
تحرك للداخل نحو خزانته ووضع بها سلاحه وأغلقها ودس المفتاح في جيبه ثم عاد إلى الخارج يردف بنبرة جادة أقل حدة:
– خدي أبوي وادخلوا چوه، هروح ابلغ وراجع، ولو حُصل أي حاچة كلميني.
غادر وتركهما متجهاً إلى مركز الشرطة التابع للبلدة ليتبع الأصول إذاً عله يجد من يرد له حقه من عائلة السيوفي.
دلف صالح المركز وسأل عن كيفية تقديم بلاغ ضد أحدهم.
دله رجلٌ وبالفعل وصل إلى مكتب يجلس عليه شرطي، ألقى السلام وتحدث بترقب:
– كنت رايد أقدم بلاغ لو سمحت.
رفع نظره إليه يطالعه ثم تساءل بترقب:
– إسمك إيه، وعايز تبلغ في مين؟
تحمحم صالح وتحدث بثبات:
– اسمي صالح محمد رشيد، عايز أقدم بلاغ في رامي السيوفي لإنه حرق أرضي.
ضيق الشرطي عيناه واعتدل في جلسته بعدما سمع إسم عائلة السيوفي ثم تحدث بترقب:
– رامي السيوفي؟ حرق أرضك إنت؟ عندك دليل ع الكلام ده؟
تنفس صالح وقال بنبرة ثابتة يمتلكها صاحب الحق:
– دليلي هي أرضي المحروقة تقدروا تحققوا يا باشا وهتعرفوا، ده غير مكالمته ليا بعد اللي حصل طوالي وقالي إنها قرصة ودن يعني مقصودة والرقم موجود أهو.
قالها وهو يشهر هاتفه بين يديه فنظر له الشرطي قليلاً ثم نهض يردف بجمود وهو يشير بيده:
– هات بطاقتك.
دس صالح يده في جيب بنطاله الخلفي ثم أخرج محفظته وفتحها ينتشل منها هويته الشخصية ثم ناولها للشرطي الذي أخذها وتحدث وهو يتحرك خارج مكتبه:
– اقعد استناني هنا.
تحرك نحو غرفةٍ ما للفحص عن تلك الهوية وصاحبها هل له سجلات أو قضايا لديهم أم لا ومن ثم يأتي البلاغ عن رامي السيوفي.
جلس صالح على مقعد خشبي يفكر، هل سيأخذ حقه هنا أم أن لعائلة السيوفي رأيٌ آخر كما حدث في عدة قضايا مسبقة؟
ما زال حزنه قائماً على أرضه ولكنه يفكر فيها، يتذكر هيأتها ونظرتها وهي تمنعه من حماقته التي كان ينوي فعلها، هي من أرشدته نحو اللجوء للقانون، وهذا إن دل فهو يدل على أمورٍ خفية لا يعلم عنها شيئًا، ولكن لينهي هذا الأمر ثم يبدأ بوضع النقاط على الأحرف معها.
بعد وقتٍ استيقظ جميع من في قصر السيوفي بينما يدخل رامي من باب القصر عائداً بعد أن قضى ليلته يحتفل بإنجازه العظيم مع صديقه في إحدى الملاهي الليلية.
يترنح يميناً ويساراً فرآه جابر الذي صرخ في وجهه بعنف قائلاً:
– وقف عندك.
زفر بقوة وتأفأف ثم وقف ولم يكمل طريقه للأعلى حيث كان ينوى الذهاب لغرفته للنوم، باتت حياته تشبه الخفافيش، ينام نهاراً ويستيقظ ليلاً ليشاغب ويفسد الأمور برمتها.
نظر نحو جابر الذي تقدم منه متسائلاً يحدقه بنظراتٍ تحذيرية:
– إنت شارب إيه؟
تعمق في عينيه ثم ابتسم يردف ساخراً بعقل نصف واعٍ:
– شارب عصير قصب.
اشتم جابر رائحة المشروب فرفع يده عالياً ثم هوى بصفعةٍ قويةٍ على وجهه لأول مرة جعلت رقبة الآخر تلتف لأقصى اليمين وعيناه تجحظان بينما أسرعت شريفة التي كانت تقف بعيداً تتابع بصمت ووصلت إلى زوجها تردف بصدمة غير معتادة على رؤية هذا المشهد:
– عتعمل إيه بس يا چابر! ميصحش إكدة إبنك راچل مهواش عيل صغير علشان تضربه.
تحركت نحو رامي تحاول استكشاف صدغه ولكنه أزاحها بعنف ونظر نحو والده نظرات نارية حاقدة يردف بفحيح متوعد:
– ارتحت إكدة؟ ضربتني وارتحت؟ إكدة بقى أنا همشي تحت طوعك واسمعك كلامك صُح؟
طالعه جابر بغضب فتحرك يتابع بصوتٍ حاد ونبرة تجلت فيها القسوة:
– ده عمره ما هيحصل يا چابر يا سيوفي، معيحصلش غير اللي أني عايزه ومهعملش غير اللي على كيفي، ولو رايد تعاقبني عاقبني، اعمل معايا كيف ما عملت مع بتك الفاجـ*رة واحرمني من الميراث واتبرى مني.
تحرك بعدما أنهى حديثه الذي جعل جابر مقيداً وعاجزاً عن الرد بينما نزل عادل لتوه يطالع ما يحدث بملل، وشريفة تقف ضعيفة كورقةٍ في مهب ريحهم بعدما انقلعت شجرتها التي كانت تعلق أوراق قوتها عليها.
بدأ رامي يصعد الدرج تزامنا مع رنين باب القصر لتتجه نهال تفتحه فظهر شرطي يردف بترقب وهو يرى چابر أمامه:
– سلام عليكم يا حچ جابر.
أومأ له چابر وتحدث بترقب بعدما انتبه له الجميع حتى رامي الذي التفت يطالعه بترقب وتوتر:
– وعليكم السلام، خير؟
تحمحم الشرطي وتقدم قليلاً ثم قال:
– فيه بلاغ متقدم ضد رامي باشا، من واحد اسمه صالح محمد رشيد، بيتهمه إنه حرق أرضه.
اعتلت الصدمة وجوه الجميع والتفت جابر ينظر نحو إبنه الذي يقف في منتصف الدرج يطالع الشرطي بملامح أكدت لجابر أنه الفاعل فتضاعف غضبه ولكنه التفت ينظر للشرطي بجمود وتحدث بغضب:
– كلام إيه اللي عتقوله ده؟ ابني أني عيحرق أرض الناس ليه؟
هز الشرطي منكبيه قائلاً:
– هو ده اللي قاله يا چابر بيه، وقال إن رامي بيه كلمه وقاله إنها قرصة ودن، وبعد اذنك لازم ابنك ياچي معايا على القسم.
غضب جابر والتفت ينظر مجدداً نحو ابنه الذي زاغت أنظاره وارتسم التوتر على ملامحه وبرغم ذلك تحرك عائداً للأسفل يقول بتعالي ويجاهد ليعود لكامل وعيه:
– أچي معاك فين؟ إنت اتجننت ولا إيه؟
اغتاظ الشرطي فأسرع جابر بطريقته الإعتيادية يتقدم من الشرطي ويخرج من جيبه بعض العملات الورقية ثم دسها في جيب الشرطي يردف بخبث مرتسماً في عينيه:
– مينفعش تاخد ولد السيوفي معاك، ده عيب في حقنا، إنت هتقول إنك ملقتهوش، وأني هچيبه وأجي، بس لازمن الموضوع ده يتحل والجدع ده يتنازل عن البلاغ!
يعلم الشرطي جيداً ما بحوزة عائلة السيوفي، تلك ليست المرة الأولى التي تتحول البلاغات لصالحهم، وبرغم عدم رغبته في تنفيذ ما يريد إلا أن ما حدث مع من قبله كان له عبرة ليقبل لذا تحدث بضيق:
– طيب يا چابر بيه بس لازمن ياجي ع المركز ويدلي بأقواله، وحاولوا تحلوها ودي أحسن، يعني هو زي ما عرفنا إنه اتچوز بتك وأكيد النسب عصب، ولا إيه؟
برزت عروق جابر واحتقنت ملامحه بغضب، لقد تبرأ منها وأراد قطع تلك الصلة ولكنها تعود وتلاحقه مهما حاول، تحدث بجمود وتجهم:
– ولا نسب ولا عصب ولا زفت، مادام بلغ عن ابني واتهمه باطل يبقى عدوي، اتكل إنت واعمل اللي قولنا عليه.
زفر الشرطي وأومأ والتفت يغادر وتركهم فالتفت جابر ينظر إلى ابنه مردفاً بصرامة:
– عملت إكدة ليه؟
توتر وتحدث بصراخ ليشوش على فعلته:
– عملت إيه؟ انت هتصدق الكلب ده.
– رااااااامي.
قالها جابر بصراخ لينتفض الجميع على صوته ثم تابع:
– عملت إكدة ليه؟
بات أمره ظاهراً لذا تحدث بنبرة دفاعية:
– يوووووه، أيوة عملت ولسة هعمل اكتر من إكدة، واحد دخل بينا وضحك على بتك الخاينة وكل ده علشان طمعان في اللي عندينا وفي الآخر نچوزهاله ونطردهم وبس إكدة؟، أني لو بيدي كنت قتلته، كان لازمن أحرق قلبه على أرضه بعد اللي عمله معانا.
طالعه جابر لثوانٍ ثم نظر نحو عادل الذي يبتسم بخبث وتحدث بتجبر وجمود وتفاخر:
– قوله يا عادل، قوله وعلمه الانتقام بيبقى كيف؟
ضيق رامي عينيه باستفهام فتحدث عادل ببرود:
– أني وأبوك ضيقناها عليه من كل ناحية، مبقالوش عيش إهنة، ولا هيقدر يبيع ولا يشتري من تجار البلد واللي هيتعامل معاه هيكون حسابه علينا، أبوك عيخطط يخليه يغور من البلد هو وابوه ومرته، عملتك دي هتچيب نتيچة عكسية.
شرد قليلاً يفكر في خطتهما التي تعد أشد شراً من خطته وللحظات أعجب بها ولكنه انتبه لمَ فعلاه بدونه لذا تحدث معنفاً بغضب:
– واني هعرف منيييييين، مخبيين عني ليه حاﺟة زي دي؟، هتعملوا إكدة ليييييه؟، هو أني مش ولد السيوفي بردك؟
تقدم منه جابر ووقف أمامه يردف بعيون منتصرة:
– لإنك مش تحت طوعي، ولا بتسمع كلمتي، لإنك معتعملش غير اللي على كيفك، مش ده حديتك يا ولد چابر؟
صمت رامي يطالع والده بعجز فتابع جابر وهو يلتف حوله بانتصار وتعالي:
– لو عايز تملك البلد دي كيف ما أني عملت وتبقى إنت وأخوك ملوك من بعدي يبقى لازمن نكون إحنا التلاتة يد واحدة، طول ما إحنا يد واحدة محدش هيقدر يغلبنا، وحتة العيل ده هنفعصه برجلينا علشان يعرف كيف يلعب علينا، بس بذكاء، فهمت؟
قالها وهو يلكزه بإصبعه على جانب رأسه فطالعه رامي بعمق، يبدو أن رأس والده تحتوي على خبث مركز بعدما ظنه أنه كبر وبدأ يتهاون ويتنازل عن حقوقهم.
ابتسم چابر بفخر بعدما رأى نظرات ابنه نحوه وتحدث بنبرة ساخرة وهو يبتعد:
– اطلع غير هدومك وانزل علشان نروح نقول أقوالنا في ما هو منسوب إلينا.
زفر ووقف لثوانٍ يفكر ثم أومأ بقبول ورضوخ لرغبته بعد نظرات جابر التي تؤكد انتصارهم وتحرك يعاود الصعود بينما عاد جابر لقسوته مردفاً بعلو:
– بت يا نهاااااال.
ركضت نهال من المطبخ إليه فوجدت الجحيم في عينيه وهو يقول بفحيح:
– لو كلمة واحدة من اللي قلناها إهنة طلعت برا القصر ده هفصل راسك عن چسمك وارميها للكلاب، فاهمة؟
تجمدت أطرافها وانتابها الرعب فأومأت مرات عدة بذعر ودون نطق أحرف فاسترسل بصراخ:
– غوري اعملي فنجان قهوة لسيدك رامي.
بصعوبة حركت ساقيها بعدما تجمدتا وركضت عائدة لمطبخها لتعانقها والدتها بخوف وهي تعلم جيداً ماضي تلك العائلة وقسوتها.
بعد يومين اتجه صالح إلى مركز الشرطة ليرى مستجدات بلاغه بعدما هاتفه الشرطي.
كان يتأمل خبراً يثلج صدره المكلوم منذ يومين كانا الأصعب في حياته، ولكن انهارت آماله بعدما أخبره الشرطي أن رامي السيوفي أثبت بالدلائل والشهود أنه لم يكن في ذلك الوقت حول الأرض وأن رقم الهاتف ليس تابعاً له وتم رفع البلاغ.
خرج من مركز الشرطة مقهوراً حزيناً ضائعاً، خاصة بعدما تأخر مشتري المحصول على غير عادة ولم يجب على اتصالاته.
لا يعلم أين يذهب وهل يعود لمنزله خالي الوفاض؟، في طريقه وأثناء مروره رأى رامي ويجاوره فارس يسيران نحو أراضي عائلة السيوفي.
اشتعلت النيران داخل صدره وتهيأ له الانتقام في ابهى صورته فتحرك بخطواتٍ اندفاعية نحوهما حتى وصل ثم مد يده يلف رامي بعنف ليواجهه وقبل أن يستوعب الآخر لكمه صالح بقبضة فولاذية في وجهه ثم أسرع يقبض على تلابيبه مردفاً بقهر:
– بقى أنت يا خسيس مكنتش موجود عند الأرض وقتها! ماعَرفش تبقى راجل أد عملتك السودة وتعترف؟ بس حقي هاخده منك مهما حُصل.
كان فارس يتابع ما يحدث بتوتر بعدما اتخذ خطوةً للخلف، حتى أنه لم يهاجم صالح دفاعاً عن صديقه خوفاً من بطشه، هو على علم ويقين بالغضب الذي يكنه صالح له لذا اتخذ موقف المتفرج بينما حاول رامي مجابهته ودفعه ولكن القوة والغضب كانا من نصيب صالح.
صرخ رامي في وجههِ قائلاً وهو ينتفض بعنف:
– بعد يدك عني يا ابن ال **، وشرفي لقتلك.
حديثه زاد صالح غضباً مما جعله يعاود لكمه عند أنفه فنزفت الدماء منها وهذا جعل فارس يضطر للتدخل والفكاك بينهما فكان له نصيباً من لكمات صالح أدت إلى دفعه بعيداً فانحنى يتمسك بوجهه ويصرخ متألماً ولم يبالي صالح به بل بدأ يتعارك هو ورامي حتى تجمع القليل من الفلاحين الموجودين في الجوار واستطاعوا فك اشتباكهما بأقل الخسائر.
تحدث صالح وهو يهتز ويحاول الفكاك من بين يدي الرجلان اللذان يمسكان به قائلاً بوعيد:
– أني هعرفك قيمتك يا خسيس يا ندل.
كان الآخر يجفف أنفه بكفه ثم نفض جسده من بين قبضة الرجل الذي يمسكه ونظر نحو صالح نظرة حقد وكره وغضب وتوعد.
غادر الجميع وكذلك صالح، ما فعله ربما خفف قليلاً من ثقل صدره ولكن عليه إيجاد حلاً بديلاً لمَ يواجهه ولأزمته المادية.
أما رامي وفارس فتحركا في طريقهما والأول يردف بوعيد وما زال يجفف أنفه المدمي:
– هقتله، وشرفي هقتله.
تحدث فارس وهو يتألم من جرحه:
– الجدع ده مهواش سهل زي ما كنا عنفكر، ده نابه حامي ولازمن ناخد بالنا منه.
التفت رامي ينظر نحو فارس وتوقف عن سيره قائلاً بنبرة حاقدة:
– مهياخدش في يدنا غلوة، هنقتله، لازمن يموت، قولت إيه؟
توغل الخوف قلبه، هذه ليست هينة كحرق الأرض، لذا وضع يده حول عنقه يدلكه كأنه تذكر حبل المشنقة وتحدث برفض وذعر:
– أعقل بس يا رامي، قتل إيه إكدة هنروح ورا الشمس.
اغتاظ رامي من جبن فارس فهو دوماً ينتقم من خصومه عن طريق أصدقائه وبطرق غير مباشرة.
تحدث من بين أسنانه بغضب:
– أعقل إيه وزفت إيه، قصدك يفلت إكدة من غير حساب بعد ما علم علينا؟
شرد فارس قليلاً يفكر ثم تحدث بخبث متذكراً وهو يصدر صوتاً رناناً بإصبعيه:
– لقيتها، هنبلغ فيه ونقول إن عنده بندقية مش مرخصة.
هدأ غضب رامي قليلاً وضيق عينيه يتساءل باستفهام:
– وهو عنده صحيح ولا في الفاضي؟
تحمحم فارس وأردف مؤكداً:
– عنده طبعاً، يوم ما شوفنا أختك معاه هددنا بيها أني وجمال، ماني قلتلك.
نظر رامي أمامه وأومأ يفكر في الأمر، يعد حلاً مناسباً ومنه انتقاماً سيشفي غليله ولكن أولاً يجب أن يخبر والده بعدما قرروا أن يتشاركوا سوياً في كل الأمور.
وبالفعل لف يغير مساره حيث قرر العودة إلى القصر وإخبار والده وشقيقه بالأمر.
رواية عشق بين هشيم مشتعل الفصل السابع 7 - بقلم اية العربي
استيقظ صالح منتفضاً على طرقات عنيفة على باب منزله، أسرع نحو الباب يفتحه ليتفاجأ بثلاثةِ رجال من الشرطة يقتحمون المنزل وأحدهم ينظر حوله متفحصاً المكان.
تحدث صالح بصدمة وأثر نعاس متسائلاً:
– خير يا باشا.
استيقظ محمد على صوتهم، بينما تحدث شخصٌ ذو ملامح قاسية قائلاً:
– معانا إذن بتفتيش دارك.
تعجب صالح وتساءل:
– إذن ليه يا باشا خير؟ وعتفتشوا على إيه عندي؟
تعمق الضابط في وجهه ثم قال باستفزاز:
– هتعرف يا روح أمك.
تفاقم غضب صالح، فجُل ما يبغضه هو أن أحدهم يسبه بأمه الغالية المتوفاة. جاهد نفسه وغضبه ليتحلى بأقوى درجات الثبات النفسي والبدني، بينما أشار الضابط لرجاله قائلاً:
– فتشوا الدار.
أسرعوا هنا وهناك، ودخل أحدهم غرفة محمد الذي نهض وخرج يقف جوار صالح. تحدث موجهاً حديثه إلى الضابط:
– مين اللي قالكم يا باشا إن عندينا حاچة مخالفة؟
هنا توتر صالح وتذكر أمر بندقية والده، لذا لف نظره تلقائياً نحو غرفة وردة المغلقة والتي تنام هي بها.
نظر الضابط نحو محمد ولم يرد عليه، بل نادى على أحدهم يقول:
– فتش الأوضة دي.
قالها يشير على غرفة صالح، فأسرع صالح يقف عند بابها ويردف بثبات وقوة:
– استنى يا باشا مرتي چوة.
توقف الشرطي بجزءٍ من المرعاه بعدما كان يود أزاحته، بينما التفت صالح يطرق الباب ويقرب وجهه منه وقد تيقن أن ما يبحثون عنه سيجدونه، لذا قال بنبرة هادئة حزينة:
– وردة، ألبسي حاچة واخرچي برا دلوك.
عدة ثوانٍ وفتح الباب وخرجت وردة ترتدي ملابس فضفاضة، فاقتحم الشرطي الغرفة وبدأ يفتش عن ما تم إبلاغهم به. بعثر المكان والأغراض وألقى بكل ما تطاله يده أرضاً، حتى توقف أمام تلك الخزانة الموصدة ولم يستطع فتحها. فتحرك نحو قائده يتحدث:
– مافيش حاچة ياباشا بس فيه ضلفة مقفولة چوة.
تحرك الضابط للداخل بتأهب وصالح يتبعه بصدرٍ ضيق، ثم طالعه يردف بخبث كأنه وجد مقصده قائلاً:
– افتح الضلفة دي.
تنفس صالح بقوة ودعا ربه سراً، ولكن ليس بيده حيلة. يدرك جيداً ما سيحدث ويعلم من المتسبب، ولكن لا سبيل أمامه الآن. وليحدث ما يحدث، لذا دس يده في جيبه ليخرج المفتاح فلم يجده.
ضيق عيناه متعجباً وهو يتذكر، فلحقته وردة تردف بهدوء:
– المفتاح في البنطلون اللي إنت غيرته إمبارح يا صالح.
أومأ لها لقد نسي أمره، ثم تحرك نحو وعاء الملابس في الداخل ينتشل من بينهم بنطاله ويبحث في جيبه عن المفتاح الذي وجده وتعجب من ذلك، فهو لا ينساه. ولكن ليس الآن وقت التعجب، لذا عاد إلى غرفته بقلبٍ متألم ومد يده يفتح الخزنة أمام أعينهم.
نظر الضابط لداخلها، لم يكن بها سوى عدة أوراق ملكية خاصة بالأرض والحظيرة وبعض الأوراق القانونية الأخرى.
تعجب الضابط والتفت يطالع صالح الذي يقف متعجباً أيضاً وقال:
– هو ده اللي في الخزنة؟
تحمحم صالح وتغلب على صدمته، لذا تحدث بثبات بعد أن اطمئن قلبه قليلاً قائلاً:
– دي أوراق الأرض يا باشا وشوية أوراق تانية بحتاچها في المصالح الحكومية.
نظر الضابط بغيظ لرجليه وتحدث:
– دوروا كويس قوي، ودوروا في الزريبة.
بدأوا يبحثون في الأماكن المتبقية وصالح يتبعهم من مكانٍ لمكان. وعندما انتهوا من المنزل تحركوا للخارج نحو الحظيرة يبحثون فيها فلم يجدوا شيئاً، لذا غادروا خالين الوفاض.
عاد صالح إلى منزله ودلف يغلق الباب وعيناه منكبة على تلك التي تجلس بجوار والده على الأريكة بعدما لملمت بعض الأغراض. هي الأخرى تطالعه بصمت، نظرتها تعبر عن الكثير.
تقدم منها وتساءل بترقب:
– البندقية فين يا وردة؟
نظرت إلى محمد الذي ابتسم لها بود وهو على يقين أنها الفاعلة، ثم عادت تنظر له وقد أرادت استفزازه، لذا اخفضت نظرها وهزت منكبيها تردف بخبث:
– وأني إش عرفني، مش إنت حاططها چوة وقافل عليها؟
ابتسم محمد بهدوء، فنظر له صالح بشك لذا تحدث بنفاذ صبر:
– قالتلك إيه يابا؟ وعرفت كيف إن دول چايين؟
تحدث محمد بهدوء وهو يهز منكبيه:
– معرفش يا ولدي، قوليله يا بتي عرفتي كيف!
تحمحمت ونهشها التوتر قليلاً، لذا قالت بعيون زائغة:
– مش مهم عرفت كيف يا صالح، بس المهم دلوك إن البندقية دي مبقاش ينفع تبقى في دولابك، لازمن تتحط في مكان تاني.
استغفر ربه ومسح على وجهه وعاد يسأل من بين أسنانه بنفاذ صبر:
– متاخدنيش في دوكة يا بت الناس وقولي عرفتي منين إنهم جايين يدوروا على السلاح، وخبيتيها فين؟
صمتت مقيدة لوعدها إلى نهال التي بدأت تهاتفها بعد ذاك البلاغ الذي قدمه صالح لعلمها أن عائلتها لن تصمت عن ذلك.
قبل عدة ساعات.
قد أخبرتها نهال عبر الهاتف أنهم اتفقوا على تقديم بلاغ يفيد بأن صالح بحوزته سلاح لينتقموا منه بعد أن أقنعهم رامي بذلك، خاصةً ووجهه أصبح ممتلئاً بالكدماتِ بفعل لكمات صالح له.
لذا فهي عملت على إخفاء تلك البندقية ودون ملاحظة صالح. فأسرعت إلى الخارج واستغلت الوقت الذي يستحم فيه، وتسحبت إلى ملابسه المعلقة تنتشل من جيب بنطاله مفتاح تلك الخزنة. تحركت عائدة واتجهت تفتحها دون ملاحظة محمد الذي كان يصلي في غرفته.
أخرجت البندقية سريعاً وعادت تغلق الخزنة، ثم التقطت إحدى الأقمشة ولفتها بها، ثم أخفتها أسفل الفراش واعتدلت تتنفس بعمق وراحة. نظرت مجدداً نحو دولاب الملابس الخاص بصالح. تحركت نحوه وفتحت، والتقطت منه قميصاً لونه أزرق، ثم قربته من أنفها تستنشقه بقوة. ملابسه وأغراضه جميعها عطرة ومميزة، رائحته كلما تحرك توغل إلى أنفها حتى أنها باتت تعشقها. لقد تعرفت أمس على مملكة عطره ورأت مصنع عطوره الصغير وهي تنظف البيت، مما زاد وتضخم إعجابها به وبشخصيته.
سحبت ملابس نظيفة له، ثم تحركت عائدة إلى الخارج ومنه إلى الردهة الفاصلة بين الحمام والمطبخ لتضع المفتاح مكانه وتعلق الملابس النظيفة بالقرب من متناول يده. تنفست بقوة، ثم طرقت باب الحمام قائلة بهدوء يتوغلها:
– صالح! چبتلك غيار چديد وفوطة نظيفة.
كان في الداخل متعجباً، برغم نبضاته التي تعنفه وتذكره بعشقه لها، إلا أنه أجاب مختصراً:
– تمام.
اغتاظت من جفائه وتحركت نحو المطبخ لتجهز وجبة العشاء. أما هو فكان يسيطر على تفكيره شقيقها وما فعله به اليوم، ولكن الآن وبعد ندائها تبدلت خيوط عقله لتنسج هيأتها وعيونها وحركاتها أمامه. يعشقها ولم يعشق سواها، ومع كل حرفٍ تنطقه يود لو كانا في عالمٍ آخرٍ خالٍ من الهموم. لكان مع كل حرفٍ نطقته قبلها ومع كل حركةٍ لها ضمها بقوة، كانا سيعيشان أجمل أيامهما، ولكن هل حقاً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؟
لقد تمنى لو أنها فقط تنظر له، تنطق اسمه. والآن هي ملكه وحلاله ولا يستطيع لمسها ولا التنعم معها ولا حتى وضع رأسه عند قدميها؟
تنهيدةً حارة معذبة خرجت من فمه أسفل المياة المنسكبة عليه، ثم أغلق الصنبور وتحرك يفتح الباب قليلاً، ثم مد يده يلتقط المنشفة التي أحضرتها ليجفف جسده. ثم ارتدى ملابسه وخرج يجفف خصلاته وينظر نحو المطبخ حيث كانت تقف تعد الطعام وتواليه ظهرها. تعلم أنه خلفها وتتمنى ما يفعله الآن، تتمنى أن يتأملها. وها هو يفعل. تظل هي أنثى تشتهي الحب بعد كل تلك القسوة التي عاشتها، تظل تحلم بالحنانِ والاحتواء برغم قناع القوة الذي ترتديه. ليتهما التقيا في عالمٍ آخر.
حركها فضولها لتلتفت متأملة أن تراه، وهذا ما حدث. التقت عيونهما في لقاءٍ صامتٍ ولكنه استطاع هز قلبيهما وإحداث فوضى عارمة في مشاعر كليهما.
توترت نظرتها ونظرت حولها وتخلت عنها قوتها لتتلعثم وتقول بتوتر من نظراته:
– نـ نعيماً.
هيأتها قيدت لسانه، تلك العباءة البيتية التي جلبها تكاد تلتهمها. يبدو أنها صممت لها خصيصاً، جميلة بتلك العيون السوداء كوردة تفتحت لتوها.
توردت وجنتاها خجلاً من طول تحديقه بها وعادت تردف متسائلة بتوتر:
– فيه حاچة يا صالح؟
تحمحم وانتبه على ما يفعله، لذا أردف وهو يبعد نظره عنها قائلاً بقلبٍ صارخٍ يطالب بقربها:
– لا، سرحت شوية بس.
تحرك نحو الخارج وتركها في حالة مميزة ورائعة جديدة كلياً عليها.
بعد وقتٍ وبعد تناول العشاء سوياً اتجهت إلى غرفتها لتنام، ولكن هناك ما ستفعله بعد نومه.
انتظرت إلى أن تأكدت من نومهما وفتحت نافذتها وألقت منها البندقية وأحضرت مقعدين خشبيين كانا في الغرفة. أحدهما وضعته في الداخل والآخر خارجاً، ثم صعدت على الأول وقفزت من النافذة إلى الخارج وهي تحمل في يدها مجرفةٍ صغيرةٍ.
تنفست بعمق وتوتر وهي تنظر حولها. المكان ساكن ومظلم نوعاً ما، فقط ضوء القمر وحولها الأرض الزراعية الخاصة بزوجها.
تحركت عدة خطوات حتى وصلت إلى مكانٍ ما عند شجرة ثم انحنت وبدأت تحفر سريعاً حتى استطاعت حفر فوهة مناسبة وضعت بها البندقية وردمت فوقها التربة مجدداً. ثم اعتدلت تقف وتقفز بقدميها فوق الأرض لتساويها، ثم عادت سريعاً من حيث أتت وأعادت أغراضها وأغلقت نافذتها وتمددت على الفراش لتنام بتنهيدة قوية وهي تدعو الله أن تمر الأمور بسلام.
عاد يكرر سؤاله عليها بنبرة أكثر حدة عندما طال صمتها وهي تتذكر ما حدث قائلاً بشك:
– إنتِ ليكِ كلام مع حد في القصر؟
نظرت له بصدمة، كيف علم ذلك؟ ونظرتها أكدت له ظنه، لذا تحدث بضيق من صمتها:
– أخوكي هو اللي بلغ عني، علشان ضربته الصبح، يعني بعد كل اللي حُصل ده بقى ليا حق عليكِ إنك تقوليلي عرفتي كيف وعملتي إيه؟ وإلا إكدة يا بنت الناس إنتِ بتزيدي الفجوة بينا وأني صبري قرب ينفذ.
تنفست بقوة ثم نظرت إلى محمد وعادت تنظر إليه قائلة باستسلام:
– ايوة يا صالح اتكلمت مع نهال، نهال صاحبتي قوي وبتحبني قوي قوي، وهي قالتلي إنهم هيبلغوا عن السلاح اللي عندك بعد ما الكلب اللي ماشي مع أخوي قاله عليه، بس هي حلفتني ما أقول لإنها بتترعب منهم وخصوصاً من رامي، علشان إكدة أخدت المفتاح من وراك وانت بتستحمى وطلعت البندقية ودفنتها برا تحت الشجرة اللي قدام شباكي.
استمع لها هو ووالده الذي تحدث قبله وهو يربت على كتفها بإعجاب وسكينة:
– عفارم عليكِ يا بتي، نظرتي ليكِ في محلها صُح، من أول ما شفتك وأني قولت إنك نصيب إبني الحلو عن كل اللي شافه.
نظرت له وتحدث بود ونبرة يغلفها الندم:
– لا يا عمي أني بكفر عن ذنبي، صالح شاف بسببي كتير.
وقفت بعدها تتحرك نحو صالح حتى وقفت أمامه ونظرت له بعمق قائلة برجاء:
– أهلي قاسيين قوي يا صالح، واللي بيدوس لهم على طرف بيدوسو عليه بكل قوتهم، خلينا نبعد عنهم واصل وكفاية قوي لحد إكدة، ابعد عن رامي يا صالح أني خايفة عليك.
زفر وتحدث وهو يلتفت ليحافظ على ثباته:
– ادخلي نامي دلوك، الفجر قرب يطلع.
ابتلعت ريقها وأومأت تتحرك نحو الغرفة بصمت واحباط، باتت ترغب في رؤية حنانه وحبه.
نظر له محمد بعتاب فتابع حديثه كي ينهي جدال لا يريده قائلاً:
– الواضح إكدة إن عيلة السيوفي بيحاولوا يضيقوا عليا البيع والشرا، الراجل اللي كان بيشتري المحصول مبيردش عليا، واهم كانوا رايدين يوقعوني في قضية سلاح.
استغفر محمد ربه وتحدث متسائلاً بقلقٍ وخوفٍ عليه:
– طب والعمل يا صالح؟
– هعمل زي زمان يا حج محمد، هنزل السوق وأبيع أني محصولي بنفسي، هدور على تاجر تاني يشتري القمح اللي في المخزن، والفاكهة أديني بعرف أصرفها للتجار، متقلقش.
أومأ محمد ونظر له بثقة وقال يخفي ما يشعر به حتى لا يؤثر عليه:
– مش قلقان يا ولدي، أني متأكد إنك هتلاقي حل.
أومأ صالح ووقفت يفكر في أموره ويرتب الحلول وهو يطلب العون من ربه.
صباحاً في قصر السيوفي.
يجلسون جميعهم على مائدة الفطور، حتى رامي بات يجلس معهم منذ أن اتفقوا.
جاءهم الخبر الذي أحقن وجوههم، لذا تحدث عادل موبخاً أخاه:
– يعني ملقوش حاچة عنديه يا أخوي! مش تبقى تتأكد من العرّة اللي انت ماشي وياه بدل ما نبلغ ويطلع بلاغ كاذب وندخل في حوارات بسبب واحد زي ده.
آخر ما يريده رامي هو سماع تلك الكلمات، فمنذ أن جاءهم خبر عدم وجود أي سلاح في منزل صالح وهو يفكر في طريقة ينتقم بها لما فعله به، لذا نظر نحو شقيقه وتحدث بغضب مرتسماً على ملامحه:
– بقولك إيه، متتكلمش معايا واصل دلوك، أني روحي في مناخيري ومش ناقص.
تحدث جابر ليمتص غضب ابنه الذي بصعوبة استطاع ترويضه قائلاً:
– ملوش لزوم الحديت ده يا عادل، أخوك جه وبلغنا وكلنا اتقفنا على البلاغ، يبقى كلنا في نفس المركب، وانت يا رامي حقك هيرجع بس مش بطريقتك دي واصل، اهدى وفكر زين وأني هرجعلك حقك والضربة اللي ضربهالك هياخد مكانها عشرة، بس دلوك اصبر واتفرج على أبوك.
مسح وجهه بعنف وتحدث بنبرة مغلولة سوداء:
– اصبر كيف يا أبوي، بقولك خدني على خوانة ولازماً يدفع التمن النهاردة قبل بكرة، ولا انت عايز الناس تقول ابن چابر انضرب من حتة عيل مالوش عازة ولا له قيمة.
تحدث جابر بقوة وجمود:
– اللي هينطقها هنقطع لسانه، محدش في البلد كلاتها يقدر يجيب سيرتك، إنت ولد السيوفي، وكيف ما قولتلك، اصبر وهو بنفسه اللي هيزن على خراب عشه، وهيغور من البلد كلاتها قريب أوي.
كانت دعاء تتابع ما يحدث بتعجب من قسوة تلك العائلة التي وقعت بينهم بفضل والدها.
بينما تتابع شريفة ما يحدث بصمت بعد عودة جبروت جابر مجدداً.
لتشعر بالعجز والهوان لذا بحثت في جبعتها عن أي حديث فلم تجد سوى دعاء التي تجلس أمامها لذا قالت تطالعها:
– معتكليش ليه يا دعاء؟ نفسك مقفولة ولا إيه؟ لتكوني حامل؟
نظرت لها بصدمة وتعجب من نطقها بهذا الحديث فجأةً هكذا وبدون مقدمات والتفت الجميع يطالعها وهي تجيب:
– لا يا مرت عمي باكل أهو، وبعدين حامل كيف دا أني لسة مكملتش شهر.
تحدث عادل بطريقة مهينة وبنبرة جريئة فظة قائلاً:
– كفاية قوي، كتير أصلاً شهر، شهر كمان وهتچوز التانية لو مافيش حمل.
انسحبت الدماء من وجهها ونظرت له بصدمة فتابع وهو يضحك بلا مبالاة ساخراً من هيأتها:
– مالك اتخلعتي إكدة ليه، بهزر معاكِ يا قلبي، هستنى شهر تالت متقلقيش.
ضحك عالياً وضحكت شريفة، بينما تأفأف رامي وجابر، أما هي فأدركت الآن أنه لا يمزح برغم ضحكاته، هو على استعداد لفعلها إن لم تنجب في أقرب وقت.
فهذه العائلة لا تملك عزيزاً قط وهذا ما استشفته هنا.
في مساء اليوم عاد صالح إلى منزله بأثقالٍ من الهموم تعتليه وتقبض على صدره وتتزاحم في عقله بعدما رفض كل التجار التعامل معه.
حتى من كان يورد لهم الفاكهة والخضروات أخبروه بكل أسف أنهم مجبورين على عدم التعامل معه مجدداً.
طوال طريقه يفكر في حل، أحرقوا نصف محصوله والنصف الآخر سيفسد بسببهم. كلما حاول التقاط أنفاسه وتقبل زوجته في حياته أتت أفعالهم لتذكره باتهامها له، اتهاماً قلب حياته رأساً على عقب. منذ تلك اللحظة ولم ينعم بالراحة، رأى مالم يره طيلة حياته وهدموا ما شيده دوماً ألا وهي سمعته الطيبة.
لم يرغب بالذهاب إلى منزله، مؤكد سيراها وهذا مالا يريده الآن، لذا تحرك نحو الشجرة التي كان يجلس أسفلها دوماً.
جلس واستند عليها ورفع رأسه عالياً، ينظر إلى النجوم نظرةً مختلفةً تماماً عن كل مرة. الآن تمنى لو يعود به الزمن لعدة أيامٍ فقط.
تنهد بقوة ومسح على وجهه بتعب ثم ظل شارداً يبحث مع عقله عن حلٍ ولم يعِ على تلك التي أتت إليه تجلس تجاوره وتساءلت بهمس:
– مالك يا صالح؟
انتبه لها فتنهد وفلف وجهه للجهة الأخرى، صوتها دوماً يأخذهُ عنوةً من نيران يأسه إلى نيران عشقها، وكلاهما يحرقانه ولم ينعم بجنته بعد.
تنهدت ثم تحدثت بترقب:
– عملولك إيه تاني! احكيلي.
التف لها ينظر لعينيها لثوانٍ ثم زفر وتحدث بنبرة عتاب جادة وهو يصارحها:
– منعوا التچار يتعاملوا معايا وإلا هيقطعوا رزقهم، فكرهم إكدة هيكسروني، بس معاهم حق، أني لو فيه حد عمل مع بتي إكدة واستغلها وضحك عليها مش بعيد اقتله.
حزنت لحالته وابعدت عينيها بندم ثم عادت تطالعه وتحدثت لتوضح له القليل من حقيقتهم قائلة بنبرة حزينة:
– بس لو بنتك اتچوزته يبقى يتحرم عليك قتله، إنت متعرفش حاجة يا صالح.
– عرفيني.
قالها بجدية مطلقة وبترقب فتنهد بحيرة ثم راوغت، ليس وقت حمل المزيد من الهموم والغضب، لذا تحدثت قائلة:
– مش وقته، دلوك لازمن نلاقي حل للمحصول اللي هيفسد ده، إيه رأيك لو تنزل إنت السوق وتبيعه بنفسك؟
كان هذا تماماً ما يفكر فيه، حتى أنه سيطلب مساعدة صديقه محمود وسيارته لنقل المحصول ومن ثم سيحاول بيعه بنفسه للناسِ بدلاً من التجار.
فإن استطاعوا إجبار التجار لن يستطيعوا إرغام أو حجب الناس على الشراء، ولهذا أومأ يردف:
– هعمل إكدة، الصبح هتوكل على الله.
تنهدت براحة ودعت سراً أن يمر الأمر بسلام دون افتعال مشاكل له من طرف عائلتها وإلا حقاً يجب عليها أن تعاقبهم ولكن كيف؟؟
أخرجهما من شرودهما نداء محمد على وردة فوقفت تلبي نداؤه وقبل أن تتحرك عائدة للداخل قالت:
– يالا قوم علشان تتعشى.
حنيناً جديداً وقوياً تمتلكه تجاهه، حنيناً يجعلها بحاجته ويجعلها أكثر أنوثةً معه.
حنيناً يعيده إلى والدته التي يشتاق لها، حنيناً يرغمه على حب التعامل معها برغم كل ما وقع عليه بسببها، حنيناً يجعله متسامحاً عاشقاً لها.
أومأ لها فتحركت عائدة وتتبعها بعينيه إلى أن دخلت وجلس يعاود التفكير والتدبير في أموره ثم رفع رأسه عالياً يوكل الأمور لصاحبها ووقف بعدها يخطو هو الآخر إلى الداخل.
صباحاً في سوق البلدة.
صخب أصوات الباعة والمشترون وزحام هنا وهناك.
الكل يعلي على بضاعته والأوضاع طبيعية ككل يوم.
ولكن فجأة دلفت سيارة صغيرة (ربع نقل) إلى السوق وتوقفت جانباً وترجل منها صالح ومحمود أمام أعين الجميع ليبدءا سريعاً في عرض بضاعتهما وبيعيها وسط الزحام.
البعض سعد والبعض ارتاحت ضمائرهم بعدما أجبرتهم عائلة السيوفي واستعملت ضغوطها المعنية معهما.
وقليلاً من البائعين كان الحقد يتآكلهم منه، لذا بمجرد أن وصل صالح إلى السوق وصل هذا الخبر إلى رامي السيوفي الذي كان يجلس في وكالة عائلته.
وقتاً قليلاً وتهافتت الناس على سيارة محمود وبضاعة صالح الصالحة، خاصةً وأن أسعاره مميزة.
توغلت الراحة إلى قلب هذا الصالح وكذلك محمود الذي يجاوره ويصرخ بحماس وينادي على المشترين.
ولكن فجأة بعد وقتٍ قليلٍ انتشر في المكان رجال تابعين لعائلة السيوفي وبدأوا يمنعون المشترين ويسحبونهم عنوةً من جوار سيارة محمود.
وهنا بدأ الخوف والقلق يتسرب إلى الناس من هيئة هؤلاء لذا ابتعد جزءاً كبيراً منهم.
نظر محمود نحو صالح الذي أدرك فعلتهم ولكنه أشار لمحمود بعدم التدخل وإكمال ما يفعلانه.
لم يتبقَ سوى القليل على سيارة محمود وخاصة أنهن من النساء أما الرجال فتم إجبارهم على الإبتعاد.
جاء رامي ووقف خلف رجاله ينظر نحو صالح بضيق مرتسماً على وجهه نظرات الحقد والتشفي والتوعد، بينما صالح لم يعره اهتمام لذا أشار رامي لأحدٍ من رجاله وحين جاء إليه همسه قائلاً:
– بعد النسوان دي من على العربية.
أومأ الرجل وتحرك يزيح السيدات ولكن صرخت إحداهن بغضب وهي تنفض يدها منه قائلة:
– بعد يدك عني.
آخر ما كان يرغب به صالح هو الاشتباك مع هؤلاء ولكن عند تلك النقطة ولم يحتمل المساس بإحداهن، لذا قفز من فوق صندوق السيارة أرضاً وتحدث محذراً وهو يقف أمامه:
– اتعامل مع رچالة وملكش صالح بالحريم واصل.
أومأ له الآخر وابتسم لنجاح استفزازه ورفع يده ليلكمه ولكن صدها صالح ولكمه بدلاً عنه لينحني الرجل متفاجئاً به. ولكن فجأة تجمع حول صالح عدة رجال وفي لحظة غدرٍ من أحدهم ضربه على رأسه بعصا خشبية صلبة تحت أنظار الجميع فتعالت الصرخات من النساء وجاهد صالح ألا يظهر تأثره بتلك الضربة ولكنها نزلت عليه قاسية آلمته بقوة.
وضع كفه تلقائياً على رأسه فتحسس دماءه ولكنه تجاهلها والتفت سريعاً يقبض بيده على العصا التي كادت تسقط فوق رأسه مجدداً بينما نزل محمود يصد الآخر فأصبح الاثنان ظهرهما متقابلان يجابهان هذان الضخمان.
ولكن عائلة السيوفي تمتلك الكثير من هؤلاء لذا جاء غيرهم وبدأوا يلقون عبوات البضاعة أرضاً ويسحقوها بأقدامهم تحت أنظار صالح المعذبة الذي يحاول التصدي لهذا الضخم حتى خارت قواه وسقط على عقبيه بانهيار.
سقط وسط دمائه التى سالت من رأسه على وجهه، سقط وسط محصوله المدهوس ولم يعد يحتمل أكثر، سقط مستسلماً ليأسه وتحت أنظار رامي المتشفية.
رواية عشق بين هشيم مشتعل الفصل الثامن 8 - بقلم اية العربي
بين ثلجٍ ونار تقع الهدنة الحرارية التي يعاد فيها رسم خطوطك القادمة بمنتهى الدقة.
هل لتلك الدرجة كان عشقها جريمة؟ هل عشق ملكة فرعونية فأصابه عشقها بلعنةٍ حلت عليه كلياً؟
بصعوبة خرج به محمود من بين براثن هؤلاء الوحوش البشرية بعدما انهارت قوته وخرت طاقته وغمره اليأس والاستسلام.
يقود محمود سيارته عائداً به إلى المنزل بعدما ضمد له جرح رأسه، بينما يجلس هو جواره يضع يده عند عقله بحزنٍ بلغ حنجرته وصمتٍ تام. خسارته ليست هينة، خسارته تندرج على قمة قهر الرجال.
تحدث محمود بحزنٍ وبنبرة داعمة:
– قولتلك نطلع ع القسم نبلغ يا صالح، والناس هتشهد معانا، اللي حُصل ده ميرضيش ربنا.
لم يتحدث، بقي على حاله لم يحرك ساكناً. عن أي بلاغ يتحدث! لقد حاول من قبل أخذ حقه بالقانون ولكنهم تلاعبوا بالقانون وبالدلائل وبالحقائق. عن أي حق وهم آكلي حقوق البشر؟
تنهد محمود ملتمساً له كل الأعذارِ وتابع بتروي وبنبرة لينة:
– وحد الله يا صالح، إن شاء الله ربنا هيچبلك حقك، دول عالم ظالمة حسبي الله ونعم الوكيل فيهم.
ظل على حاله، عقله في صراع وروحه مستنزفة. فأكمل محمود قيادته وبعد قليل توقف بسيارته أمام منزل صالح وترجل يساعده، ولكن صالح كان قد سبقه وترجل وهو يخطو نحو المنزل ويرفع يده ملوحاً إلى محمود يودعه بصمتٍ تامٍ كأنه فقد النطق.
دلف، وظل محمود واقفاً يطالعه إلى أن غاب، فالتفت ليغادر.
خطوتين فقط وتوقف عندما وجد من تناديه.
التفت يطالعها بضيق، فهي وعائلتها من أوصلوا صديقه إلى ما هو عليه، لذا قال:
– خير؟
اقتربت قليلاً وتساءلت بترقب:
– ماله صالح يا محمود؟ إيه اللي حُصل؟
زفر بقوة ثم تحدث بنبرة مبطنة بالقمع واللوم:
– إسألي أخوكي، مهواش سايبه في حاله واصل، جمع بلطجيته وهجموا علينا ووقعولنا المحصول كله في الأرض بعد ما الناس اتجمعت تشتري مننا. الله يكون في عونه، أني خابر صالح زين لو قتلوه كان أهون عنديه من اللي حُصل.
تركها والتفت يستقل سيارته ويغادر. ووقفت هي تشعر بكم الظلم الذي وقع عليه بسببها، ضيق اجتاح صدرها فباتت تتنفس ببطء، غاضبة من نفسها ومن عائلتها وتريد الانتقام منهم لهذا الصالح ولها، ولكن كيف وبأي طريقة تشفي غليل صدرها وترد له حقه وتريحه؟
التفتت تعود إلى المنزل فوجدته يخرج من الحمام بعدما غسل الدماء عن وجهه ورأسه وتوضأ، فنادته بحزن وتوجس قائلة:
– صالح!
أشار لها بيده أن تصمت وتحرك يصعد الدرج المؤدي لسطح منزله. يريد الاختلاء بنفسه الآن، يريد أن يهرب من هذا العالم الظالم قليلاً.
أما هي فظلت واقفة لا تعلم أين تذهب أو تأتي، ولكن تفاقمت النيران داخلها وباتت تحاول إيجاد طريقة للانتقام، فعلى ما يبدو أنهم تمادوا كثيراً وكلما صمتت ازدادوا طغياناً.
قررت مهاتفة نهال ومعرفة أي أخبار جديدة، لذا تحركت إلى الغرفة وبحثت عن الهاتف حتى وجدته ووقفت عند النافذة تهاتفها.
لم تجب نهال، يبدو أنها لم تستطع الرد الآن، لذا لم تكرر اتصالها بل وقفت تنظر من النافذة بضيق وتفكر.
أما هو في الأعلى فقد وقف يصلي. في تلك اللحظة هو بحاجة للسجود والشكوى، لم يعد قادراً على أفعالهم الغادرة. ربما يمتلك الكثير من الشجاعة والقوة والشهامة، ولكن هذا الخليط غير كافٍ لمواجهتهم. لابد من تعزيز العلاقة بينه وبين ربه لينتصر عليهم، لذا فهو الآن بحاجته كثيراً.
في قصر السيوفي دلف رامي تنعشه فرحته بانتصاره العظيم اليوم.
بالنسبة له اليوم يعد عيداً بعدما رأى انكسار نظرة صالح القوية التي كانت تؤرقه. لقد انتقم منه أمام الجميع ولم يعد بقدرته النهوض في تلك البلدة. من المؤكد سيجمع أغراضه ويغادر.
يجلس جابر بعد أن وصلت إليه الأخبار ينتظره. ربما ما حدث لم يكن في الحسبان، ولكنه أيضاً فخور بانجازات ولديه وبشاعة أفعالهما.
رحب به قائلاً وهو يشير ليتجه نحوه:
– تعالى يا ولد السيوفي، عفارم عليك، هو ده الشغل الصُح.
تفاخر بنفسه واتجه يجلس جواره وتحدث بتعالي:
– محدش عارف قيمتي صُح، إكدة خلصنا منيه ومن قرفه، كان شايف حاله ومحسسني إنه المحافظ وهو حتة عيل راعي ولا يسوى حاچة.
أومأ جابر مؤيداً حديثه، بينما انحنى رامي قليلاً يتكيء بساعديه على ساقيه واسترسل وهو ينظر لوالده:
– المهم دلوك عايزك في موضوع، في بت عاجباني وعرفت إن أبوها يبقى صاحبك، عايز اتچوزها.
مال جابر برأسه متسائلاً:
– بت صاحبي! إسمه إيه ده وأني أروح اخطبهالك من الصبح؟
ابتسم بسماجة يردف:
– حمدان الوزير، اللي كان مترشح لمجلس النواب السنة اللي فاتت.
تفاجأ جابر بهذا الخبر السار وتحدث بترقب:
– وه؟ بت حمدان؟ وانت شوفتها فين دي؟ دي أغلب الوقت عايشة في مصر ومبتچيش إهنة كتير.
زفر بقوة وتحدث ببرود:
– عيني عليها من شهر إكدة، وعرفت إنها رايدة عريس من إهنة، وبيتهيألي مافيش أنسب مني ليها، ولا إيه يا جابر بيه؟
أومأ جابر مؤيداً وتحدث بقبول:
– صُح الصُح يا ولد جابر، سبني إكدة اتكلم وياه ونحدد معاد نروح فيه.
أومأ ووقف ينهض قائلاً وهو ينوي المغادرة:
– ماشي، مستنيك.
تحرك يصعد لغرفته فسأله جابر بترقب:
– طالع ليه دلوك؟
تحدث وهو يصعد دون النظر إليه:
– لما الغدا يخلص ابعتولي البت نهال تصحيني.
في غرفة عادل يقف أمام مرآته يهندم نفسه ويستعد للذهاب إلى وكالتهم التجارية بعدما عاد رامي ليبدأ دوريته ومتابعة الأعمال الأسبوعية.
تقف دعاء تناوله أغراضه ومازال حديثه عن الزواج معلقاً في ذهنها، لذا تساءلت بترقب:
– قولي يا عادل!
تمتم دون حديث وهو ينظر لملامحه باعجاب، فتابعت بترقب:
– هو إنت صُح لو أني محملتش قريب هتتجوز؟ ولا كنت عتهزر؟
التفت ينظر لها ثم ضحك يردف بغمزة وخبث:
– عتغيري ولا إيه يا دودو؟
تنهدت تبعد عيناها عنه ثم أجابت وهي تتلاعب بكوفيته المنسدلة على جلبابه تقول:
– أومال مش جوزي وحلالي.
تمسك بيدها ثم قال بشك:
– ارفعي عينك في عيني.
رفعت عيناها فتابع بنبرة غليظة:
– دلوك قولي اللي قولتيه؟ عتغيري عليا وعتحبيني صُح؟
توترت نظرتها قليلاً، ربما كانت تكن له الكثير من المشاعر التي بدأت تهدمها أفعاله معها، لذا قالت بتلعثم:
– عتقول إيه بس يا عادل، أكيد بحبك وبغير عليك كمان مش چوزي!
لم يصدق عيناها وتوغله الشك لذا أبعد يدها عنه وقال بصلابة:
– على العموم الجواز ده حقي، الشرع حللي اتچوز عليكِ تلاتة كمان، ولو الحمل اتأخر احتمال كبير اتجوز، ولا رايداهم يقولوا العيب مني؟
نظرت له بصدمة من حديثه الذي يعد بنداً من بنود الوقاحة وقالت:
– ببساطة إكدة يا عادل؟
هز منكبيه قائلاً بلا مبالاة:
– وعنصعبها ليه يا دودو.
تركها وتناول باقي أغراضه وغادر بلا مبالاة تامة. ووقفت هي تتبع أثره بصدمة، ولكن لا، هو لا يعلمها جيداً بعد.
كان لا يزال جالساً فوق سطح منزله يقرأ آيات من المصحف استطاعت شرح صدره قليلاً بعدما كان يعتليه الضيق.
صعدت لتراه وتناديه ليتناول معهما الغداء. لا تعلم كيف وماذا ستقول، ولكنها تتألم لمَ أصابه.
خاصة وأن محمد لم يتهمها بل يعاملها بكل حبٍ وود كأنه يعرفها منذ زمن، وهذا يزيد من عذاب ضميرها نحو صالح.
صالح الذي باتت تحبه وتحب رؤيته ورائحته وأغراضه وصوته وتكره حزنه وتبغض انكساره.
تحمحمت تنظف حلقها ثم قالت وهي تفرك أصابعها بتوتر:
– صالح؟
كان قد انتبه لها منذ أن صعدت، ولكنه أكمل قراءته إلى أن نادته فتوقف عن القراءة ليستمع لها فتابعت:
– أني عملت الغدا، تعالى يالا علشان تاكل لقمة، إنت ماكلتش حاچة من ساعة الصبح.
تنفس بعمق ثم تحدث بنبرة جادة:
– ماليش نفس، كُلي إنت وابويا.
حزنت وتملكها الضعف، كانت تتأمل أن يأتي والآن ليس في استطاعتها أن تهون عليه ما حدث، فهي المتسببة به. لذا تحركت بيأس تعود للأسفل. فرآها محمد وهو يعلم مسبقاً أن ابنه لن يأتي، لذا أومأ قائلاً بعدما رأى حزنها:
– معلش يابتي، سبيه مع نفسه شوية وهو هيبقى زين.
أومأت له ثم اضطرت للجلوس معه على طاولة الطعام قائلة بنبرة حنونة:
– طيب يالا يا عمي كُل علشان تاخد دواك.
أومأ لها وبدأ يتناول القليل، وكذلك هي التي لم يكن لديها شهية من الأساس.
مساءاً في القصر وبعد أن نام الجميع وبعد أن أنهت نهال التنظيف تناولت هاتفها وقررت مهاتفة وردة، لذا تحركت تخطو خارج القصر وتوقفت في حديقته ورفعت الهاتف بعدما طلبت رقمها.
كانت وردة تجلس في غرفتها تنتظر اللحظة المناسبة لتنفيذ خطتها الانتقامية التي خطرت على عقلها.
رن هاتفها فتناولته تجيب على الفور قائلة:
– عاملة إيه يا نهال؟ أني رنيت ولما مردتيش قولت أكيد حد چنبها.
تحدثت نهال بصوت منخفض قائلة:
– أيوة يا وردة كانوا كلهم برا وخوفت أكلمك، طمنيني عنك وعن چوزك، أني عرفت باللي رامي عمله معاه النهاردة في السوق قدام الناس، وزعلانة قوي عليه وعليكِ، بس معرفاش اعملك حاچة، إيديا مربطين.
تنهدت وردة بقوة وقالت بنبرة حزينة ومتوعدة في آنٍ واحد:
– متعمليش أي حاچة إنتِ واصل، حقي وحق چوزي أني هعرف إزاي أخده، خدي بالك إنتِ من نفسك وأوعي تطلعي أوضة رامي لحالك، ولو حُصل أي جديد عرفيني.
– حاضر يا وردة، خدي بالك من نفسك إنتِ كمان، مع السلامة.
أغلقت معها ولكنها انتفضت حينما استمعت إلى صوتٍ ما كأن هناك من كان يراقبها، لذا باتت تلتف حولها بذعر فلم تجد أحداً فأسرعت تخطو عائدة إلى الداخل ومنه إلى غرفتها المشتركة مع والدتها ونامت بعدها على الفور.
انتظرت وردة إلى أن غفا محمد وصالح وقد تحركت بحذر إلى الخارج. كان صالح يتمدد على الأريكة كالعادة، ولكن لحسن حظها كان يواليها ظهره فاستطاعت التسحب حتى وصلت إلى المطبخ.
وضعت قطعة القماش التي كانت تقبض عليها على سطحٍ رخامي، ثم انحنت تحضر كيساً بلاستيكياً وعبوة تحتوي على سولار للاستخدام المنزلي.
وضعت قطعة القماش في الكيس البلاستيكي ثم سكبت فوقها مقدار من السائل البترولي، ثم عصجت الكيس وانتشلت القداحة الخاصة بإشعال الموقد. ثم تسحبت تحمل في يدها الكيس والقداحة حتى وصلت إلى الباب الذي فتحته ببطءٍ شديدٍ وخرجت بحذرٍ وأغلقته وتحركت في طريقها إلى أرض عائلة السيوفي المجاورة لأرض زوجها.
تعلم أنها خطوة هوجاء منها، ولكن لابد لها أن تذيقهم من نفس الكأس. لقد تمادوا إلى مالا تستطيع عليه صبراً.
كانت ترتدي عباءة سوداء وتخفي وجهها بحجابٍ أسود وتتحرك بحذر وتحاول مراقبة الطريق، ولكن عليها أن تسرع قبل أن يستيقظ صالح ويشعر بغيابها.
كانت قد غفت للتو قبل أن يرن هاتفها.
انتفضت تستيقظ ثم تناولته لتجد إسم رامي أمامها. توغل الرعب إليها وفكرت أن تتجاهل مكالمته ولكنها خشت ذلك، لذا أجابت بتلعثم بعدما تبخر نعاسها:
– نعم يا رامي بيه؟
تحدث رامي بخبث وتوعد:
– بت يا نهال، قومي اعمليلي فنچان قهوة وهاتيلي حباية للصداع، راسي هتتفرتك.
دب الخوف قلبها ولم تعلم كيف وبأي حجة تجيبه، فعاد يقول بحدة:
– اخلصي يا بت.
أغلق الهاتف وتركها تكاد تبكي من قلة حيلتها، ولكن لحسن الحظ استيقظت والدتها على رنين الهاتف فسألتها بنعاس:
– بت يا نهال؟ مين اللي هيكلمك دلوك؟
تحدثت نهال بتلعثم:
– د، ده رامي يا أما، قال عايزني أطلعله فنجان قهوة وحباية مسكن دلوك.
تنهدت والدتها وتحركت تنهض من فراشها هي قائلة:
– لا متطلعيش إنتِ فوق دلوك، أني هقوم أعمله القهوة واخدله حباية المسكن.
برغم رأفتها على والدتها إلا أنها وجدت في ذلك نجدة وتمسكت بها قائلة:
– تمام يا أما اللي تشوفيه.
بعد قليل صعدت عزيزة بفنجان القهوة وقرص المسكن حتى وصلت أمام غرفته وطرقت بابها.
كان في الداخل ينتظرها بتوعد بعد أن سمعها تتحدث مع شقيقته. كان يريد الانتقام منها بأبشع الطرق التي كان ينويها منذ زمن، وأتت مكالمتها لشقيقته لتبرر له قذارته فيما نوى.
نهض عندما سمح طرق الباب واتجه يفتح الباب بملامح خبيثة، ولكن انهارت أحلامه عندما وجد والدتها أمامه، فتملكه الغضب قائلاً بصراخ:
– إنتِ إيه اللي جابك إهنة دلوك يا مَرة إنتِ، وبتك فين؟
تلعثمت وتحدثت بحرج:
– أصلها تعبانة شوية يا سي رامي فقولت أچيبلك أني القهوة والبرشامة، اتفضل.
مد يده ينزعهما منها حتى أن بعض قطرات القهوة الساخنة انسكبت على يده، ولكنها لم توازي حريق صدره الغاضب.
أغلق الباب بقوة في وجهها، فتنفست براحة وخطت تغادر قبل أن يلتهمها هذا الوحش الغاضب.
وصلت وردة إلى حدود الأراضي التابعة لعائلتها مما جعلها تتنفس بقوة ويزيد نبضها ويتملكها الخوف بعد أن باتت قريبة من تحقيق رغبتها الانتقامية.
ولكنها جاهدت لتتغلب على خوفها. توقفت على الطرف الجنوبي لبداية أراضي عائلتها وبدأت تفتح الكيس لتلتقط منه قطعة القماش المغمورة في السولار. وبالفعل أخرجتها وتناولت القداحة وكادت تضغط بيدها المرتعشة لتشعلها، ولكنها وجدت من يمسك بيدها يمنعها من إكمال ما تنوي قائلاً بهمس حاد:
– عتعملي إيييييه؟
انتفضت بفزع وكادت تصدر منها صرخة رعب لولا عينان رأتهما تعرفهما جيداً وتثق وتطمئن في وجودهما، لذا قالت بنبرة صادمة:
– صالح؟
تنفس بقوة وهو يتعمق في عينيها المرتعبتين ويداه تقبض على يدها المرتعشة، ثم لف وجهه ينظر حوله بترقب فرأى الغفير الخاص بعائلة السيوفي على بعدٍ مناسبٍ ولم يراهما نسبةً لعتمة الليل، لذا قال بهمس يحثها على التحرك:
– يالا.
تحركا سوياً وهي تنكمش داخله. هي أضعف من تنفيذ تلك المهام الانتقامية وتعلم أن ما كادت أن تفعله ربما عاد عليها بالأسوء، ولكنها أرادت أن تذيقهم من كأس أفعالهم.
كان يخطو معها ويتمسك بيدها ويفكر. لقد شعر بها منذ أن بدأت تتسحب من غرفتها وظل ثابتاً ليرى ماذا تنوي. وعندما اشتم رائحة السولار انتابه القلق، ولكنه أكمل ادعائه في النوم ليصل إلى ما تنويه.
وحين غادرت من المنزل نهض وتتبعها دون أن تلاحظ إلى أن وجدها تسير باتجاه أراضي عائلتها فذهل مما تنوي فعله وأوقفها، ولكنه لم يكن يتوقع في حياته أن يصل بها الأمر إلى حرق أراضي عائلتها. كيف تفعل ذلك؟ ولكي تهدأ مناوشات عقله عليه أن يتحدث معها.
انتبه على أصوات صادرة منها فالتف لها وجدها تشهق وتبكي، فتوقف يلفها له وكم شعر حينها بالضيق والغضب لرؤية دموعها التي نادراً ما تظهر. لذا تساءل:
– بتعيطي ليه دلوك؟
رفعت عينيها اللامعتان له وتحدثت بنبرة متحشرجة وندم:
– كنت رايدة أچبلك حقك يا صالح بس معرفتش. أني لولا خوفي من ربنا كنت كرهتهم واتبريت منيهم زي ما عملوا. أني قلبي مبقاش فيه حب ناحيتهم واصل.
طالعها بتعجب وعادت التساؤلات تلتهم أفكاره، ولكن ليس هنا. لذا حثها على المشي وأكملا سيرهما إلى أن وصلا إلى المنزل.
دلفا سوياً وأغلق الباب بهدوء حتى لا يوقظ والده، ثم حركها نحو الغرفة ودلفا سوياً وأغلق بابها والتفت يطالعها ويتنفس بعمق، ثم قال بنبرة لا تقبل نقاش:
– دلوك هتحكيلي كل حاچة، الأول هتقوليلي ليه اتهمتيني اتهام باطل وبعدها هتقوليلي ليه كنتِ راحة تحرقي أرض عيلتك.
رفعت كفها تجفف دموعها ثم أومأت له. الآن ستخبره بحقيقة الأمور وبسنوات عمرها في ذلك القصر.
أشارت له بيدها نحو الفراش قائلة:
– تعالى نقعد يا صالح وهقولك كل حاچة.
تحرك يجلس على مقعد مقابل لفراشها وتحركت هي تجلس أمامه، ثم نظرت له قائلة بتوتر وألم:
– اليوم اللي قلت إني چيتلك بكيفي وإننا بنحب بعض مكنتش بتهمك يا صالح، أني كنت وقتها بستنجد بيك.
تطلع عليها بعمق وتمعن، فتنهدت تتابع:
– لو مكنتش قولت إكدة كانوا چوزوني للكلب اللي إسمه فارس أو صاحبه، صدقني كان ده اللي حُصل أو كانوا قتلوني ووقتها الموت عندي أهون فعلاً بس أني اتظلمت كتير قوي منهم. أنا مكنتش بتعامل على أني بتهم يا صالح، دول كانوا بيعتبروني خدامة عنديهم وألعن كمان. أني لو حكتلك اللي شوفته مش هتتحمل.
تحمحم ينظف حلقه وقال يحثها على الحديث:
– اتكلمي يا وردة، كانوا بيعاملوكي كيف؟
تنهدت بقوة ومنعت دموعها من السقوط مجدداً وبدأت تخبره عن معانتها طوال سنوات حياتها وعن تعامل والديها معها وتفضيلهما لشقيقيها في كل الأمور. تحدثت تكمل:
– حتى التعليم يا صالح مكانوش رايدين يخلوني أروح الچامعة بس لولا إن أبوي بيحب المظاهر قوي مكنتش كملت، هو اللي قالهم إني هتعلم، وفعلاً روحت الچامعة وكان كل يوم ليا في الجماعة لازم قصاده ضرب وإهانة، يوم من رامي ويوم من عادل وعشرة من أمي وابوي، ولما كنت بدافع عن نفسي كانت أمي بتكمل عليا بحجة إني ميصحش أمد يدي على أخواتي الرچالة. عمري ما هنسى اللي عملوه فيا ولا هسامحهم. كنت اروح الجامعة واسمع البنات بيحكوا عن اخواتهم إنهم بيضربوهم وبيتخانقوا معاهم وبيرچعوا يصالحوهم وبينهم مواقف حلوة كتير، إنما إخواتي وأهلي كانت صفحتهم سودا معايا يا صالح، مفيهاش ولا نقطة بيضة، ممنوع أقول رأي أو اجتمع معاهم في مناقشة، ممنوع أخرج معاهم في مناسبة إلا لو حد من الكبار، كان أبويا ياخدني بردو علشان شكله، ولما كنت أرفض أروح كنت بتهان وبنضرب من أمي ورامي يكمل عليا. كان قهر يا صالح، اللي عشته معاهم كان قهر.
التقطت أنفاسها الحبيسة بقوة ثم تذكرت ذلك اليوم فسقطت دموعها التي جاهدت لتوقفها وعادت تكمل أمامه:
– اليوم اللي إنت دافعت عني فيه أني كنت راحة أنام وأمي جت قالتلي أروح أودي الوكل لأخوي في الأرض، كانت خايفة عليه يموت من الجوع، قلتلها مش راحة بس فضلت تتحايل عليا ولقيت إني أقل من إكدة فقلبت وخرجت أوديله الوكل، يومها وأني ماشية في الأرض لقيت الاتنين دول بيهجموا عليا وبيجروني لحد المكان اللي إنت لحقتني فيه، ربنا بعتك ليا وقتها، تفتكر بقى يا صالح بعد ما ربنا بعتك ليا تلحقني وتنقذني متعلقش بيك؟ حتى لو كنت هتهمك إننا بنحب بعض؟ عارفة إني ظلمتك وعارفة إنهم انتقموا منك وعلى عيني يا صالح بس غصب عني، غصب عني كنت عايزة أفلت بأي طريقة من تحت يدهم ومن ظلمهم.
أحنت رأسها تبكي بشدة فتألم وانهارت حصون صلابته وتبدد غضبه القائم منها منذ ذلك اليوم ونهض يقف ثم تحرك نحوها يضم رأسها إليه ويلف ذراعيه حولها قائلاً بقلبٍ عاشق وحنين:
– خلاص اهدي، بطلي عياط عاد.
صدمتها فعلته ولكنها صدمة ممتعة أحبتها. رأسها الآن بين ضلوعه، تحشرجت فأسرع يوقفها فرحبت ليتسنى لها الاستمتاع بعناقه الذي تجربه لأول مرة.
وبالفعل سمح لنفسه أن يعانقها، سمح لنفسه أن ينعم بجسدها الناعم بين ضلوعه الصلبة، شعوراً أطاح بكل همومه وجراحه بل والتهم الحزن الذي سكن روحه لأيام، شعوراً جعله ملكاً على عرش قلبها، باتت قريبة جداً من قلبه الذي ينبض بصخب، قلبه الذي لم يستوعب بعد أنها تقطن بين جنباته.
انحنى يقبل رأسها بتهمل ويردف بنبرة عاشق كاد أن يذوب في عشقه قائلاً:
– من إهنة ورايح محدش منيهم هيتعرضلك واصل، بس اللي حصل دلوك معايزهوش يتكرر، ماشي؟
بالفعل لن تكرر ما كانت تنوي فعله، كانت فقط تود تبريد نار صدرها ولكن أتى عناقه ليحول نيرانها إلى برداً وسلاماً. لذا أومأت برأسها التي ترتكز عند قلبه ولم تتفوه بحرف بل ساكنة تستمتع بهذا الاحتواء.
رواية عشق بين هشيم مشتعل الفصل التاسع 9 - بقلم اية العربي
طال العناق والصمت، طال وبرغم هذا لم يشعر كلاهما بالوقت، كأن الساعات توقفت هنا.
احتوائه لجسدها واستكانتها بين ضلوعه طيّب سائر جراحه وآلامه، وعناقه لها في تلك اللحظة وهي تتذكر معاناتها وظلم عائلتها لها جعلها تبكي أكثر داخله.
لو كان أحدهم احتضنها هكذا حتى لو كانت والدتها أو والدها لكانت بسطت لهما جناحي الراحة وهيأت لهما متاع الحياة.
لم يحركا ساكناً إلا عندما نادى محمد على صالح بتعجب قائلاً:
– صالح؟ يا صاااالح؟
كان ينادي بفزع، فعندما لم يجده ظن أنه ذهب لينتقم، لذا تنبه صالح فتحمحم يبتعد مجبراً عن وردة بحرج، فالمستجد على الفرحةِ خجول.
نظف حلقه وتحدث بهدوء ينافي نبضاته وسعادته:
– يالا يا وردة نامي دلوك، تصبحي على خير.
أومأت له ولم ترفع عينيها في عينيه، لم ترغب في إظهار كم احتياجها لعناقه، ولكنها ترغب أن يفعلها دوماً، فكم هي بحاجة ملحة إلى هكذا شعور، ليت الأمور بينهما تجري في نهر طبيعتها.
تركها مرغماً، فعلى ما يبدو أن البعد عنها بعد الآن عذاباً، ولكنه جاهد ليظهر ثباته وتحرك للخارج وأغلق الباب.
فالتفت محمد يطالعه بدهشة مالبثت أن تحولت لسعادة على وجههِ وتحدث بمكر جديد عليه:
– صالح إنت إهنة! معلش يا ولدي، لو أعرف إنك نايم مكنتش ندهت عليك، أني قلقت بس، ادخل إنت كمل نومك حقك عليا.
بات في موقف لا يحسد عليه وأراد التبرير لوالده لذا قال بحرج:
– لاء يا حچ محمد أني صاحي، كنت بس بتكلم مع وردة شوية.
تحدث محمد محفزاً:
– ومالو يا ولدي اتكلم طبعاً مش مرتك، يالا تصبح على خير.
تحرك نحو الأريكة وهو يرد على والده قائلاً:
– وإنت من أهل الخير يا أبوي.
طالعه محمد بصدمة ثم أسرع إليه قبل أن يجلس وقبض على ذراعه يتساءل بتأهب:
– هتنام فين؟
تطلع عليه بتعجب وتحدث وهو يشير على الأريكة:
– هنام مطرحي يا بوي، في إيه؟
سحبه محمد من يده يخطو نحو غرفة وردة قائلاً بصرامة كأنه يحرك طفلاً صغيراً:
– لااا، مطرحك چوه مع مرتك، معادلكش نوم إهنة واصل.
حاول إيقاف والده قائلاً بتردد:
– وقف بس يا بوي ميصحش إكدة.
صمم محمد على ما نوى، حيث وقف أمام غرفة وردة وطرق بابها وهو يتمسك بذراع إبنه ففتحت وردة متعجبة تطالعهما.
فتحدث محمد وهو يحث صالح على الدخول عنوة:
– خدي چوزك يا بتي متسيبهوش ينام برا تاني.
استطاع إدخاله الغرفة وسط صدمتهما، حتى أنه التصق بوردة التي أفسحت له المجال بترحابٍ خفي، فأسرع محمد يغلق الباب ويزفر بارتياح وسعادة.
ربما هو أكثر سعادة من كليهما، لقد دعا دوماً أن يشق الله طريق سعادة ابنه وكان يثق أن ما عاشه خلال الأيام الماضية ما هو إلا شدة يتبعها فرج وفرح آتيان.
تنهد بارتياح وتحرك عائداً لغرفته.
أما في داخل تلك الغرفة فيقف صالح لا يعلم ماذا عليه أن يفعل، فرفعت عنه وردة الحرج قائلة بتوتر وخجل برغم شعور السعادة الجديد عليها:
– بسيطة يا صالح، عمي معاه حق، دي فرشتك أصلاً وأني أخدتها منك، نام على سريرك إنت وأني هنام على الأرض.
ربما جملتها تحمل نوعاً من الخبث والترقب، تعلم جيداً أنه لن يقبل باقتراحها وتتمنى أن لا يبدل الأدوار ولهذا ألقت جملتها ونظرت له بترقب تنتظر حديثه.
أما هو فكان عليه أخذ خطوة أشد جرأة واستغلال الموقف لصالحه ولو لمرةٍ واحدةٍ، لذا نظر لها وتحدث بجدية زائفة وقلبه ينبض بعنف:
– لا يا وردة مافيش نوم ع الأرض واصل، أني وانتِ هنام ع السرير.
انشرح قلبها بسعادة برغم خجلها وتورد وجنتيها وأخفضت رأسها تردف بتوتر:
– اللي تشوفه يا صالح.
تنهد بقوة ليهدأ من لكمات صدره القوية ثم نظر لجلبابه، فعليه أن يبدله، فاليوم بالنسبة له عيداً لم يأتِ من قبل، لذا تحرك نحو دولابه وفتحه يخرج منه بنطال رياضي وتي شيرت وتحدث بنبرة لينة مبطنة بالسعادة والسكينة:
– هروح أغير في الحمام وراجع.
أومأت له فتحرك مجدداً خارج الغرفة، بينما هي تنفست بعمق ونظرت لعباءتها نظرة متفحصة تبعتها بخطواتٍ نحو خزانتها هي الأخرى.
بعد وقتٍ خرج صالح من الحمام يرتدي ملابسه التي انتقاها ثم اتجه إلى غرفة العطور الخاصة به وانتشل زجاجة العطر المركب الذي أعده مسبقاً ثم نثر منه القليل على ثيابه وعنقه وتركها في مكانها.
ثم تناول زجاجةً أخرى كان يحتفظ بها، زجاجة أعدها خصيصاً لها منذ وقتٍ حتى وإن لم تصلها أو هكذا كان يعتقد.
ابتسم يهز رأسه متعجباً من خطة القدر وتدبير الله للأمور، ثم تنفس براحة وحمل الزجاجة وتحرك مجدداً نحو الغرفة.
طرق الباب وفتح ليدلف، ولكن تسمرت قدماه وهو يجدها تقف تمشط خصلاتها الطويلة الغجرية السوداء أمام مرآة الزينة وقد أبدلت ثوبها البيتي بمنامة حريرية تصل لركبتيها كانت من ضمن الأغراض التي أحضرها لها.
وقف يتأملها، يتأمل خصلاتها التي يوقن أن رائحتها ستنعش قلبه، بشرتها الحنطية الناعمة، ملامح وجهها وهي تطالعه أسمى من أي حديث.
التفتت بعدما تركت مشاطتها وبدأت تفرك كفيها مردفة بتوتر بعدما توغلت رائحته إليها:
– نعيماً.
تقدم بخطى متمهلة حتى توقف أمامها ثم رفع يده الخالية يتحسس خصلاتها المنسدلة بتمهل لينحني يشتم ما التقطته يداه بتخدر وتيه وتقف هي متخشبة لا تستوعب ما يحدث في جسدها بعد، وكأن نوعاً آخر من الدماء أصبح يسري في أوردتها، نوعاً جديداً يجعلها تستقبل حركاته بسعادة وحماس.
تنفس بعمق ثم اعتدل يفتح عيناه اللتان أغلقهما ثم ابتعد قليلاً ومد يده يناولها زجاجة العطر قائلاً بهمس دل على تدفق مشاعره:
– دي علشانك، عملتها من زمان علشانك.
لم تفهم جملته وقلبها يتقافز ويتساءل ولهذا رفعت رأسها تطالعه بترقب، فتابع مسحوراً بهيأتها:
– إنتِ چميلة أوي يا وردة، اسم على مسمى، إنتِ كيف الورد البلدي، إنتِ وردتي اللي ياما حلمت بيها.
عاد الخجل يتوغل ملامحها لذا أخفضت وجهها، فتجرأ ليضمها مجدداً ويلف ذراعيه حولها ورحبت هي بعناقه، ولكن الآن العناق أقوى والمشاعر وصلت لمرتبةٍ أعلى بكثير من ذي قبل وهي تشعر بيداه تعتصر جسدها لذا بدأت ترتعش من شدة توترها وخجلها وشعر بذلك فوراً وهي بين يديه.
فتحدث بحنو ليحصل على تركيزها ويطمئنها:
– تعالى بقى لما احكيلك عن حب حياتي.
فك قيوده اللينة من حولها ثم تحركا نحو الفراش وجلسا عليه سوياً، فدثرها صالح بالغطاء وتمدد يجاورها وبدأ يخبرها بمراحل عشقه لها قائلاً:
– بصي يا ستي، في الأول خالص سمعت إن چابر السيوفي عنده بنت كيف القمر، واللي مخلي الناس تتكلم عنك إنك مش شبه إخواتك، وإنك بتتكلمي وبتاخدي وتدي مع الخلق علشان إكدة حسوا إنك قريبة منهم، وقتها حاچة جواية خلتني أغير عليكِ من الناس دي ومن كلامهم، غيرة واحد على بنت بلدة من كلام وعيون الناس، أو يمكن أتمنيت أشوفك وأعرف البنت اللي بيتقال عنها إكدة عاملة إزاي، وإزاي أخت رامي وعادل اللي محدش بيطيقهم تبقى واكلة الچو إكدة.
تنهد يسترسل وهو يحاوطها بذراعيه لترتكز برأسها عند الجزء الأيمن من صدره حيث تابع:
– من إهنة بقى بدأت أفكر فيكِ، والعقل والقلب انشغلوا بيكِ وبقيت متشوق أكتر إني أشوفك، لحد ما شوفتك راحة الچامعة، كنتِ كيف القمر، ويوم عن يوم أروح السوق يمكن ألمحك تاني ولا حاچة وفعلاً حصل، ولمحتك بتشتري طلبات وواقفة تتكلمي مع التاچر، سرحت فيكِ ومن يومها دخلتِ قلبي وسكنتِ فيه يا وردة، بقيت أحلم بيكِ وأني نايم وأني صاحي كمان.
وفي يوم لقيت واحد بيعاكس بنت وماشي وراها، وقتها الدم غلى في عروقي، نسيت أني چاي ليه وقلت لازمن أعلمه الأدب خصوصاً إن الچدع ده مش أول مرة يعمل إكدة، المهم يا ستي أول ما عيني چت في عينك نسيت حالي وكنت كيف العيل الصغير اللي مستني العيد جه فجأة، كان أول مرة عينك تيجي في عيني، قربتي مني وشكرتيني وأني ولا كنت سامع ولا شايف غيرك، من وقتها لحد دلوك وأني قلبي مشي وراكِ وفاتني.
لف رأسه ينظر لها بعيون يتقافز بهما العشق وتابع:
– كنت بقعد عند الشجرة اللي برا دي وأكتبلك شعر، وكنت بدخل الأوضة اللي هناك دي وأعملك عطر واتخيل اللحظة اللي هتبقي فيها ملكي وحلالي وبعدين أضحك على حالي وأقول لنفسي فوق يا صالح، ده إنت بينك وبينها فروق ياما، علشان إكدة كنت بتعذب كل يوم عن يوم وحولت عذابي دي لجهد وعزيمة بقيت أزرع بيهم أرضي وأكبر شغلي يمكن في يوم من الأيام أوصلك، معرفش أن ربنا كتبك ليا أصلاً يا وردة، برغم إن اللي حُصل كان قاسي أوي وظلم في حقي، بس كنت مستغرب إزاي بقيتي مرتي بين يوم وليلة إكدة.
انتهى وظلت هي ثابتة شاردة في اعترافه، لو أن أحدهم أخبرها أن هناك من يحبها هكذا في الخفاء لكانت عنفته وضحكت بألم عن حالها، من الذي سيحب ابنة السيوفي الذليلة؟ كانت تعاني القسوة والظلم والتمييز وعلى الجهة الأخرى كان هناك من يتمناها ويكتب لها شعراً ويصنع لها عطراً؟ إذاً استحق كل هذا العناء، استحق كل ما عاشته لتنعم بهذا الحب.
زفرت بقوة ونظرت لعينيه وتحدثت بنبرة باكية من شدة فرحتها:
– تستحق كل اللي عشته يا صالح، تستحق وچعي كله، حبك يستاهل كل العذاب اللي شفته.
رفع يده يلتقط دموعها بحنو ويعاود احتضانها كالطفلة المدللة ثم قبل رأسها قائلاً:
– بزيداكي عاد، من إهنة ورايح مش هنفتكر اللي راح، من إهنة ورايح هنفكر بس في اللي چاي، وهنلاقي حل إن شاء الله، ولو على حقي ياستي أني مسامح فيه، إنما حقك هييجي يوم وأجبهولك يا وردة، وده وعدي ليكِ.
أبعدت نظرها عنه ثم وضعت رأسها على صدره وتعلقت به كأنه آخر رجال الأرض حناناً فتنهد بقوة وبنبضاتٍ راقصة استقبلها ثم تملل بها ليتمددا على الفراش بأريحية ودثر الغطاء عليهما جيداً ثم عاود تقبيل رأسها الذي يضمه كحال جسدها بأكمله وتحدث:
– نامي يا وردة.
كان هذا ما تريده حقاً في تلك اللحظة، هو النوم بين ضلوعه ليغمرها الأمان وتتذوقه لأول مرة في حياتها لذا غفت سريعاً قبل حتى أن تلتهمها الأفكار كعادتها، غفت وظل هو يفكر في عدة حلول أولهما إعادة أرضه لمجدها، فإن أراد أن ينتصر على عدوٍ ما عليه سوى أن ينجح رغم أنف هذا العدو.
صباحاً في قصر السيوفي
تقف دعاء في المطبخ تعد الفطور مع نهال التي تعجبت من مجيئها ومشاركتها في تحضير الطعام ولكنها تركتها تفعل ما تريد.
أعدت الأطباق ثم تحدثت بترقب:
– يالا يا نهال خدي رصي ع السفرة.
أومأت نهال وتناولت منها الأطباق وتحركت بهما للخارج، فأسرعت دعاء تدس يدها في فتحة صدر ثوبها ثم أخرجت زجاجة صغيرة تحتوي على سائلٍ ما ووضعت منها قطرات على إحدى أطباق الطعام والذي لم يكن سوى لزوجها.
أخفتها سريعاً ووقفت تتنفس بتوتر ولكنها قررت تسوية هذا الأمر قبل أن يسوء.
بعد قليل تجمعوا جميعهم حول المائدة وبدأوا يتناولون الفطور فتحدث جابر بترقب موجهاً حديثه إلى رامي الذي بات يجلس معهم:
– أني كلمت الراجل يا رامي ومستنينا نروحلهم النهاردة، جهز حالك علشان نروح نطلب يد بنته كيف ما أنت رايد.
ضحك بتعالي وقال وهو يفرد ظهره على مقعده أكثر:
– ده كان مستنينا بقى!
ضحك چابر وقال مؤكداً:
– وهو يطول أصلاً، ده لولا چابر السيوفي هو اللي كان عامله الحملة الانتخابية بتاعته، أني خيري ع البلد كلاتها ومحدش يقدر يرفض لنا طلب.
تحدث عادل وهو يتناول طعامه بشهية:
– بقولك يابوي، ماتتكلم مع حمايا إكدة في موضوع المعصرة، الراجل منشف راسه ومهواش رايد شريك، اتحدت وياه وخليه يقبل يشاركني، دا أني حتى چوز بته، ولا إيه يا دودو؟
قال الأخيرة وهو ينظر نحو دعاء التي رفعت عينيها تقابله بنظرة معينة ثم تحدثت وهي تهز كتفيها:
– متدخلونيش في أمور الشغل دي، حلوها بعيد عني.
تحدثت شريفة بنبرة تهكمية موبخة:
– وه؟ إيه الحديت الماسخ ده! مش ده چوزك وواجب تقفي في صفه وتسانديه! ده بدل ما تحاولي تقنعي أبوكي؟
اغتاظت من تدخل شريفة المستمر والمتعمد تجاهها ولكنها لن تسمح لها بعد الآن لذا أظهرت الوجه الأكثر قوة وأجابتها بشموخٍ قائلة:
– لا يا حماتي أني مليش صالح بينهم، هما يصفوا أمور الشغل دي بعيد عني ولا عادل يدخلني أتحدت مع أبويا ولا أبويا يقولي كلمي عادل، وده كان شرطي من الأول قبل ما أوافق على ابنك.
التفت عادل يطالعها بعيون جاحظة قائلاً:
– أضبطي لسانك يا بت مالك إكدة ع الصبح!
ابتسمت ومدت يدها تتحسس صدره قائلة بنبرة أنثوية ماكرة تستعملها حديثاً:
– أني بقول إكدة علشان حياتنا تبقى زينة يا دولة ونبعد عن المشاكل أني وأنت، ولا إيه يا حبيبي؟
لانت نظرته وتعجب من طريقتها الجديدة ولكنه أكد على حديثها وهو يلتفت لوالدته قائلاً:
– أيوه صُح، دعاء معاها حق يا أما، خليها هي بعيد عن الحوارات دي.
مطت شريفة فمها بطريقة ساخرة ثم نظرت نحو چابر لتغير دفة الحوار وتساءلت بترقب:
– وهنروح إمتى يا چابر للناس دي؟
رفع عينيه يطالعها بضيق ثم تحدث بنبرة باردة:
– أني وأولادي بس اللي هنروح، الحريم ملهمش قاعدة في الاتفاقات دي.
نظرت له بضيق وتحدثت باستفاضة:
– يعني إيه الحريم ملهمش قاعدة؟ من ميتى الحديت دي يا چابر؟ ده ولدي الغالي وأني أمه وحقي أبقى وياكوا وإنتوا بتطلبوا يد البت دي كيف ما كنت وياكوا أيام عادل، دول ولادي وده حقي.
نهض فجأة وتحدث بنبرة غاضبة قمعية:
– من إهنة ورايح ملكيش حقوق، وأيام الدلع دي تنسيها خلاص، واحمدي ربنا إني عديت اللي حُصل ده من غير حساب.
تحرك يترك المكان فلم يعد يطيق رؤيتها ونهض رامي يبتسم بخبث وتحرك خلفه، بينما أكمل عادل ودعاء طعامهما كأن شيئاً لم يكن، لتقف شريفة تطالعهما بحسرة وتتذكر تلك التي طُردت وأهينت بأبشع الطرق وتتحسر على وجودها.
استيقظت منذ دقائق ولم تحرك ساكناً سوى عيناها اللتان تطالعان ملامح هذا النائم بعمق وطمأنينة على غير عادة كأنه يعانق قطعة سحاب ناعمة تغمره بالدفء والسكينة.
لأول مرة منذ سنوات ينام بهذا العمق ولهذا الوقت، لقد قاربت الساعة على التاسعة وهو ما يزال يغط في سباته معتقداً أن الوقت لم يمر أو هذا ما يتمناه بعد أن جرب النوم وهي في حوزته وبين أذرعه.
شعوراً لا يوازي أي شعورٍ آخر، راحة وألفة جديدة اجتاحته لذا هو غارق في أحلامه لا يتقبل فكرة عودته للواقع.
أما هي فتتمدد بين ذراعيه القابضتين وتطالعه بنظراتها وتحفظ ملامحه قبل أن يستيقظ ولا يتسنى لها التحديق جيداً.
لم يكن في حسبانها كل تلك الراحة والسعادة التي تغمرها الآن، تتمدد بين يدي أحن رجال البلدة، لو كانت في عالمٍ آخر لظنت أن دعوة والدتها قد استجابت ولكنها تعلم يقيناً أن هذا الصالح لم يكن بدعوة عائلتها بل كان بعوض الله المميز.
تنهدت تنهيدة الراحة كأن أحدهم ربت للتو على قلبها المدمى المتألم فأسكنه، لم تعد تتمنى فارس أحلامٍ فها هي قد رُزقت ببطلٍ وحامٍ ستعمل دوماً على نثر بذور السعادة في طرقاته.
تحمحمت ونادت بصوتٍ ناعمٍ وحنون قائلة:
– صالح، اصحى يالا.
تمتم صالح كأنه يرى حلماً مميزاً لا يود فراقه لتبتسم عليه وتعاود نداؤها قائلة:
– اصحى يالا يا صالح الساعة بقت تسعة.
فتح عينيه فجأة بعدما علم الوقت ولكن لقاء عيناها كان له صدمةً أقوى حيث ظل متعمقاً في عينيها لثوانٍ يستوعب حلمه الممتع حتى ابتسمت واخفضت بصرها عنه تردف بنعومة:
– كفياك عاد، اصحى يالا.
ابتسم لها وتململ في نومه وحرك ذراعيه أخيراً ثم تحدث بتيه:
– دا مكانش حلم بقى.
خجلت واستندت على الفراش لتنهض قائلة بهمس:
– لا مهواش حلم، يالا بقى اصحى وأني هروح أحضر الفطار علشان اتأخرنا على عم محمد وإكدة ميصحش.
طالعها بإعجاب ونهض يترجل من فراشه ثم فرك وجههُ وتحرك نحو باب الغرفة قائلاً بنبرة هادئة لينة:
– هطلع أنا الأول وإنتِ ألبسي حاچة تانية وتعالي.
أومأت له فتركها وخرج يتجه نحو غرفة والده ليراه ولكنه تفاجأ بخلوها.
عاد إلى الخارج وبات ينادي قائلاً:
– يا حچ محمد؟
بحث عنه في الحمام وهنا وهناك حتى أنه فتح باب المنزل ونظر نحو الخارج فلم يجده لذا تعجب ودلف يتساءل بينه وبين نفسه أين ذهب.
خطى مجدداً ودلف الغرفة فوجد وردة قد أبدلت ثوبها فطالعها يبتسم بعيون عاشقة ثم تساءل وعينيه تبحث قائلاً:
– تليفوني فين يا وردة؟
أشارت له نحو الكومود فتحرك يلتقطه ثم طلب رقم والده الذي أجاب بنبرة متحمسة وسعيدة قائلاً:
– نوم العوافي يا صالح يا ولدي.
تساءل صالح بترقب:
– إنت فين يا بوي؟
تحدث محمد وهو ينظر نحو شقيقته تجلس مجاورةً التي تبتسم له:
– أني چيت عند عمتك بدر يا ولدي، كلمت محمود وهو وصلني بالعربية الصبح بدري، قولت آچي أشوفها وأطمن عليها وأقعد معاها يومين، إنت عارف إنها وحشاني قوي.
أدرك صالح نوايا والده فوراً، ربما حقاً اشتاق لشقيقته التي تعيش في بلدة مجاورة لهما ولكنه نادراً ما يذهب إليها وإن ذهب يراها ويعود في نفس اليوم، ولكن محمد أراد أن يعطي لهما الراحة ويرفع عنهما الحرج لذا قرر الذهاب إليها.
تحدث صالح معترضاً بحنو:
– سلم عليها كتير يا بوي بس مافيش لا يومين ولا يوم، اطمن عليها وهبعت محمود يچيبك، إنت ليك علاچ ونظام معين والحديت ده مينفعش.
ناول محمد الهاتف لشقيقته الحنونة بدر التي وضعته على أذنها وتحدثت ببشاشة يغلفها اللوم بعد أن سمعت حديثه قائلة:
– بقى إكدة يا ولد أخوي؟ يعني معايزش أخوي يقعد معايا يومين؟ أني بقالي شهر بحاله مشفتهوش، ولو على علاجه ونظامه أني أشيله في عنيا، ملكش صالح إنت يا واد، خليك مع عروستك.
قهقهت بعدها بحرج في ضحكة عفوية فابتسم صالح عليها وتحدث بحنو:
– وحشاني قوي يا بدر، عاملة إيه يا أم سعيد، وكيف سعيد وأميرة؟
تنهدت تجيب بحب:
– بخير يا ولدي طول ما أنت بخير، إنت عامل إيه، ومرتك الزينة عاملة ايه، أبوك حكالي على كل حاچة، خد بالك منها يا صالح، إنت كريم يابني ولازم تكرمها، وأبقى چيبها وتعالى علشان أشوفها.
زفر براحة ونظر نحو وردة التي تطالعه بترقب ثم تحدث:
– عنيا يا بدر، إن شاء الله قريب هچيبها واچيلك، بس قولي للحچ محمد إن اللي عمله ده مش هيتكرر، أني فاهمه زين.
نظرت بدر لشقيقها الذي يشير لها بمغزى ثم تحدثت بحنان:
– أبوك فرحانلك قوي يا ولدي، وعايزك دايماً مبسوط، افرح إنت بس ومتشيلش هم حاچة.
تحدث صالح بود:
– على الله كله يا عمتي، سلميلي على كل اللي عندك، ولو احتاچتوا حاچة كلميني علطول.
أغلق معها ووضع الهاتف في جيبه ثم تنهد ونظر نحو وردة وتحدث بعيون لامعة:
– ابوي راح عند عمتي، قال هيقعد معاها يومين.
فركت أصابعها بخجل وتحدثت بملامح وجه متوترة:
– طب ليه إكدة بس؟ هو حُصل حاچة زعلته؟
لا تعلم لمَ تفوهت بهذا برغم أنها تدرك سبب فعلته ولكنها خجلت لذا ادعت الاستفهام، أما صالح فأدرك توترها ولكنه تحرك نحوها ثم وقف أمامها وبحركةٍ جريئة مد ذراعيه يحاوط خصرها قائلاً بنبرة متحشرجة مبطنة بمشاعر مستجدة على قلبه:
– عمل إكدة علشان أني وانتِ نبقى على راحتنا شوية، وعلشان متتكسفيش إكدة.
كان قلبها يقفز فرحاً حتى ظنت أن قدميها سترتفع عن الأرض وتحلق، كانت في حالة من السعادة التي تجربها لأول مرة ومع ذلك يغمرها الخجل والتوتر لذا تحمحمت قائلة:
– مكانش ليه لزوم، عمي محمد على راسي، بس تعالى دلوك علشان نفطر، يالا اني هروح أجهز الأكل.
نجحت في التسلل من بين يديه أو هكذا حررها صالح الذي يقدر ويراعي كل حالتها.
ليلة أمس كان على وشك امتلاكها، مشاعره معها وصلت لعنان أحلامه ولولا نظرة الخوف والتوتر في عينيها لكانت الآن ملكه قلباً وقالباً ولكنه أرادها مطمئنة مستكينة بين يديه لذا أعطاها ليلة أمس كهدنة تعطي لقلبها طاقة عشقٍ مضاعفة تجاهه.
بعد قليل.
يجلسان يتناولان فطورهما وعادت وردة لثباتها لذا تساءلت بترقب:
– هتعمل إيه في الأرض يا صالح؟
ارتشف من كوب الشاي رشفة ثم تحمحم قائلاً:
– هحرثها وازرعها تاني يا وردة، من إهنة ورايح مافيش حاچة هتوقفني، هنكمل سوا.
مدت يدها تتحسس كفه وتردف بنبرة داعمة قوية:
– هو ده الصح يا صالح، أوعى تيأس أو تبطل تزرع.
ربت على كفها بحب فتنهدت وسحبت يدها ثم تساءلت بترقب:
– طب والعطور يا صالح؟ بتعملها كيف؟
تعمق في عينيها قليلاً، فصناعة العطور هذه تعد سره الذي لا يفصح عنه لأحد، حتى زراعة تلك الأزهار لها مشتلاً صغيراً خاصاً بها بعيداً عن زراعة الأرض لذا فهي مميزة بالنسبة له، نظف حلقه وأجابها قائلاً:
– دي مَلكة يا وردة، مَلَكة ربنا أنعم عليا بيها ومحدش يعرف حاچة عنها واصل، أني كل كام شهر إكدة بسافر المحافظة وأبيع الروايح دي هناك وأرچع، ومش أي حد إكدة اللي يعرف قيمتها، دي ناس قليلة أوي، وهو تاچر واحد بس اللي أعرفه هناك وبيستناني كل مرة.
سعدت بهذا الحديث كثيراً وأردفت بإعجاب:
– إنت حالة نادرة يا صالح، تعرف طائر إسمه العنقاء؟ إنت بتفكرني بيه، الطائر ده مبيستسلمش واصل.
أحب مدحها وإعجابها به لذا ابتسم يردف:
– مهو الاستسلام ضعف يا وردة، وأني متعودتش أبقى ضعيف، صحيح اليومين اللي فاتوا كانوا صعبين عليا قوي، يمكن أول مرة في حياتي أواجه مشاكل إكدة، بس حضنك يستاهل.
عاد الخجل يتفاقم على ملامحها لذا لم تجبه فنهض بعد أن أنهى طعامه يردف بترقب وحنو:
– أني هسيبك شوية بس هروح أباشر على الزرع والمشتل وهكلم منعم ياچي للغنم وهرجعلك علطول.
أومأت له ونهضت تخطو نحوه ثم تحدثت بحب وهي تودعه:
– تمام يا صالح شوف إنت اللي وراك وأني هعمل الغدا واستناك.
تنهيدة قوية خرجت منه، راحة وألفة واستقرار كان يتمناهم وها هم يقدمون له بكل حب لذا مد يده يسحب رأسها إليه ثم قبلها من جبينها بحب ليفلتها بعد ذلك ويتحرك مغادراً نحو الخارج.
أما هي فانتظرته إلى أن غادر وأغلقت الباب ثم تقدمت من الطاولة وتناولت هاتفها وقامت بطلب رقم شخصٍ ما وانتظرت حتى أجاب الطرف الآخر متسائلاً بترقب:
– ألو؟ مين معايا؟
رواية عشق بين هشيم مشتعل الفصل العاشر 10 - بقلم اية العربي
كلنا مجبرون يا عزيزي العقل، كلنا يحركنا هذا الأيسر. يشير على من يريده ويجبرك.
وأن كان قلبك ذو حزم فأنه الغالب وسيبقى العذاب لك، وإن كنت أنت الغالب فعزائي لقلبك وراحتك، وإن اتفقتما سوياً فيا مرحب بحياةٍ هنية.
مر الوقت على صالح وهو يعاود حراثة أرضه بالجهد والراحة معاً.
عجيبٌ هو أمر أجسادنا فكلمةٍ تجعلها طريحة الفراش وكلمة أخرى تضخ بها شلالات الطاقة والأمل.
كان يعمل ويفكر بها وبعشقها الذي سرى فيه كتفشي الشفاء في جسد المريض.
يغمره يقيناً بأنه من الآن وصاعدا لن يهزم مجدداً، لن يستسلم ليأسه، لن يجعلهم يرقصون فوق رفاته، سيحيا من حيث أحرقوه.
كانت بين الفنيةِ والأخرى تخرج إليه حاملة له على كفوفِ الراحة بعض كؤوس العصير الممزوجة بالحب والقليل من أكواب المياة المغمورة بالإبتسامة الصافية وخلطة سرية جمعت بين الدقيق والسعادة لتكوّن فطيراً لا يستطيع مقاومته أبداً.
حتى أنهما تناولا غدائهما خارجاً في هذه الأجواء التي تحمل خليطاً من الرومانسية والحب والبهجة معاً.
تجلس وردة على العشب تحت هذه الشجرة التي كانت شاهدة على عذابه والآن كأنها تهلل فرحاً لسعادته حيث تتمايل فروعها بخفة لتعطي جواً بهيجاً كأنه الربيع.
ترتشف وردة القليل من كوب الشاي الساخن وتطالعه قائلة بتساؤل:
– محدش من معارفك عنده چرار يا صالح؟ إكدة تعب عليك، ولسة في الأرض كتير.
جال أرضه بأنظاره ثم استقر عند عينيها قائلاً بنبرة حبٍ حنونة:
– مبتعبش من أرضي يا وردة، تعبي كله بيهون وأني شايفها كيف العروسة قدام عيني، وهرچعها تزهر تاني بيدي.
تعمقت وطالت نظرتها له، تتفحص بعينيها ظاهراً وعقلها باطناً هذا الشخص الذي رزقت به، أفكاره وحياته ومبادئه وملامحه، حالته كاملةً تجعلها يوماً بعد يومٍ تهيم به عشقاً.
تنهيدة حارة أطلقتها ثم وضعت كوب الشاي على الصينية قائلة بنبرة متحشرجة من أثر أفكارها:
– أني هدخل بقى وأسيبك تخلص اللي وراك، ولا تحب أساعدك في حاچة؟
ابتسم لها وتحدث بعينيه العاشقة التي نطقت قبل لسانه حين قال:
– خليكي بس قريبة مني؛ هو ده كل اللي محتاچه.
مدت يدها تربت على كتفه بحب وتحدثت بنبرة داعمة مشجعة:
– أصلاً مبقاش ينفع أبعد عنك يا صالح، إنت نصيبي الحلو والعوض اللي ربنا طبطب على قلبي بيه، أني في ضهرك ومعاك دايماً.
أدخل كلماتها إلى عمق رئتيه بتنهيدة قوية وانقلبت أفكاره رأساً على عقب والآن باتت تتلاعب به مشاعره ولكنها تحركت من أمامه وخطت تجاه المنزل فزفر بيأس وعادت أفكاره الجريئة تجلس عند زاوية عقله بإحباط وتنتظر اللحظة المناسبة، ابتسم مستنكراً حالته تلك ثم نهض ليكمل ما بدأهُ.
***
مساءاً في قصر السيوف
تجمع في الأسفل جابر وولديه ينوون الذهاب إلى منزل حمدان الوزير ليتقدموا إلى خطبة ابنته.
يقف رامي بغرور يضع كفيه في جيبي بنطاله قائلاً بتعالي:
– عايزين نعدي على محلات فاتح نچيب منه الحاﺟات اللي موصيه عليها.
تساءل چابر بترقب:
– حاچات إيه دي؟
تحرك خطوات نحو الخارج وهو يجيب ببرود:
– حلويات وورد، ولا هندخل على العروسة بيدنا فاضية.
ضحك عادل وتحرك خلفه قائلاً بنبرة ساخرة رديئة:
– هندخل ع العروسة كيف؟ دي مهمتك إنت لحالك.
لم يعره رامي اهتماماً بينما دعاء نظرت له بحرج ولوْم ولكنه تجاهلها وخطى للخارج مع والده واستقلوا سيارتهم وغادروا.
تنهدت دعاء تفكر فيما قررت فعله وتعمقت في أفكارها بينما أنظارها مازالت معلقة نحو الخارج فأتت شريفة تجلس على الأريكة قائلة باستفزاز ساخر:
– لحق يتوحشك يا مرت ولدي؟
انتبهت دعاء لها فطالعتها بتساؤل قائلة:
– هو مين ده يا مرت عمي؟
تحدثت شريفة بجرأة كاذبة بعدما غادروا:
– قصدي على چوزك، أني واخدة بالي من كل حاچة يا دعاء، عمايلك دي متنفعش واصل، چوزك مهواش عيهرب، خليه ياخد راحته متكتميش على نفسه إكدة.
ضيقت عيناها بتعجب من هذا الحديث وزفرت بضيق ثم قررت قطع هذا الحوار قائلة وهي تتحرك من أمامها:
– حاضر يا مرت عمي، أني طالعة اوضتي بقى علشان تعبانة ونفسي أنام شوية، عن إذنك.
تحركت وتركتها تنظر نحوها بضيق، تريد أن تفرض سيطرتها على أحدهم ولكن لا أحد هنا يناولها تلك الفرصة حتى هذه الدعاء لذا نادت بعلو وحدة على نهال قائلة:
– بت يا نهااااال، اعمليلي فنچان قهوة يابت.
***
بعد وقتٍ عاد جابر وابنه عادل إلى القصر يتحدثان باندماج.
دلفا فوجدا شريفة في انتظارهما فلم يعرها جابر أي اهتمام لذا نظرت نحو عادل وتساءلت بترقب:
– ها يا عادل عملتوا إيه؟ وفين رامي؟
قالتها وهي تبحث عنه بعينيها فتحدث عادل بملل:
– هنعمل إيه يعني؟ قرينا الفاتحة وابنك راح يحتفل مع اصحابه، عالله يعقل شوية.
تحرك متجهاً نحو غرفته وتركها بينما جلس جابر على مخدعه فتنهدت وتحركت نحوه مجدداً وجلست بالقرب منه قائلة بتوجس:
– هتفضل إكدة يا چابر؟ معتفتكرليش حاجة حلوة واصل؟
لم ينظر نحوها بل تحدث بضيق وعينيه مغلقة:
– بقولك إيه، أني مطايقش اسمع حديتك الماسخ ده، قومي وسيبني دلوك.
فارت دمائها ونهضت من جواره وتحركت مبتعدة عنه لتنفس عن غضبها بينما هو انشغل في حديث حمدان الوزير عن ابنته وردة وكأنه يتعمد توبيخه.
***
دلف صالح منزله بعدما أنهى أعماله اليومية، ود لو يعمل طوال الليل في أرضه ولكن لمشاعره وأفكاره رأيٌ آخر، كل ما به يطالب بها وبرؤيتها وبعناقها الذي اتخذه وطناً له.
دلف يبحث بعينيه عنها وتحركت قدماه نحو غرفته ينادى بنبرة حنونة قائلاً:
– وردة؟
لم تجبه بل لم يجدها في غرفتها فتحرك نحو المطبخ ولكن تجمدت قدميه حينما رآها تخرج من الحمام بعد أن استحمت وارتدت قميصاً بدون أكمام وفتحة صدر منحنية ووصل طوله إلى فوق ركبتيها ليظهر تفاصيل أنوثتها التي كانت تخفيها مسبقاً.
الآن يتمنى لو أنها تختبئ فيه وتتخده منزلاً تسكن إليه، يعلم أنها تشعر بالبرد ويريد تدفئتها بنفسه وظهر ذلك في أنفاسه التي تسارعت ونظرته التي التمعت ببريقٍ جديدٍ عليه لا ولن يظهر سوى أمامها.
تحمحمت وتفاجئت بوجوده لذا انتابها الخجل وتجلى ذلك على ملامحها التى توردت وهربت الأحرف من فوق لسانها، والآن باتت تبحث بعينيها عن مأزرها الشتوي الذي تركته في الغرفة عمداً، نظفت حلقها ثم تركت المنشفة الملفوفة على خصلاتها وبدأت تفرك يدها قائلة وهو تتحرك بخطواتٍ متمهلة نحو الخارج:
– مكنتش عارفة إنك چيت يا صالح، تعالى ادخل استحمى وأني هجبلك هدوم.
مرت من جواره فالتقطتها يداه قبل أن تبتعد فارتعشت بين قبضته وتوقفت مكانها تنتظر ما ينوى فعله بخجل، التفت إليها وابتلع لعابه وهو يرى خجلها الذي يضاعف رغبته بها لذا تحدث بنبرة متحشرجة تجلت فيها الرغبة حينما قال:
– عتهربي مني ليه؟ أني چوزك يا وردة، وطبيعي نتعامل كيف أي اتنين متچوزين.
أومأت له بتوتر وبرغم حنان قبضته ودفء قربه إلا أنها تود لو تفر هاربةٌ من فرط خجلها، أدرك ذلك فتنهد بقوة يرغم نفسه عن الإبتعاد قليلاً ثم تحدث بنبرة آمرة ولينة:
– أني عارف إنك نسيتي تاخدي الروب بتاعك معاكي، بس افتكري إننا مش عايشين إهنة لوحدينا يا وردة، ابقي خدي بالك المرة الجاية.
رفعت أنظارها إليه بعدما تبخر خجلها من كلماته وأردفت بنبرة تبريرية قائلة:
– لاء يا صالح أني واخدة بالي زين، أني أصلاً منسيتوش أني سبته چوة الأوضة لأني عارفة إن عمي مش إهنة.
ضيق عيناه يطالعها بترقب ثم ابتسم واستنتج نيتها وغمزها بطرف عينه اليسرى قائلاً بمرحٍ وقلبٍ هالكٍ من هيأتها:
– وه؟ يبقى إكدة أني ﺟيت في الوقت المناسب صُح.
عاد خجلها فرفعت أنظارها إليه تخبره بصمتٍ عن قلبها الذي بات ينبض باسمه وبات يشتاق لرؤيته وبات عاشقاً لعناقه ودفئه.
تنهد تنهيدةً حارة وأصبح يرغب بها بكامل مشاعره ولكن بقي عائقاً وحيداً فقط بينهما لذا تحدث هامساً بأنفاسٍ ملتهبة:
– هدخل استحمى واچيلك علطول.
أومأت له فمرّ من جوارها مرغماً ليزيل أثر تعبه ويعود إليها سريعاً.
تحركت نحو الغرفة بعد أن دلف وانتشلت من خزانته ملابس تناسبه وعادت تعلقها في مكانها الملتصق بالحمام ثم عادت إلى الغرفة كي تتزين قليلاً قبل خروجه وقلبها عنيفاً ينبض بسرعةٍ غير مسبوقة من فرط سعادته.
خرج صالح من حمامه واتجه لغرفته بقلبٍ متضخمٍ عاشق بعدما أرهقته أفكاره ومشاعره وبات لا يتحمل البعد أكثر.
دلف غرفته فوجدها تجلس فوق الفراش تنتظره، كانت دوماً جميلة ومتفتحة ولكن الليلة جمالها براقاً بدأ يتلألأ في عينيه.
تفرك يديها بتوتر وقلبها ينبض بصخب وهي تراه يتقدم منها، ابتلعت لعابها ورفعت أنظارها إليه تبتسم فتوقف عندها ومد يده لها دون نطق أي أحرف.
وقفت تقابله بتوترٍ ملحوظٍ فدارت عيناه على ملامحها ثم تساءل بمَ يعلم إجابته قائلاً:
– إنتِ خايفة مني يا وردة؟
أخفضت أنظارها خجلاً وهزت رأسها بلا فمد يده يرفع أنظارها مجدداً إليه لتطالعه فظلا ينظران لبعضهما لوقتٍ كانت الأفكار هي من تتحدث ولم يعد لأي حديث أهمية، الآن كلٍ منها سيخبر الآخر بطريقته عن مخزون عشقه.
انحنى قليلاً فبات قلبه عنيفاً في نبضاته وهو في طريقه إلى شفتيها ليقطف قبلته الأولى ويتذوقها بكل شهيةٍ بعدما انتظرها أمداً.
ما أن لامس شفتيها لم يعد يشعر بعدها بمكانٍ أو زمان، استلم جائزته الكبرى عن كل معاناته وعذاب البعد، الآن يسعى لإطفاء نيران اشتياقه التي دامت مشتعلة داخله لسنواتٍ.
لا تعلم ماذا يحدث لها ولجسدها ولكنها في حالة جديدة لا تود رؤية نهايتها، أصبح خجلها على حافة الهاوية فوضعت كفيها على قلبه تتحسس نبضاته الصاخبة كأن هناك حفلاً يقام داخله.
احتواها بذراعيه ولو أنها مادةً سائلة لتبخرت من حرارته ولكنها لينةً تذوب حباً به كلما أضاف من عشقه إليها.
تحركت أجسادهما بتخدرٍ يتمددان على الفراش ومشاعر كلٍ منهما تتناول من كؤوس خمر عشق الآخر.
يعبر كل طرفٍ عن حبه بطريقته، تجمع الحب مع الخجل والشغف مع الحنان حتى انتجوا حالةً فريدةً من المشاعرعندما تمتلك من تحب برغبته وبكامل إرادته فستشعر بأنك امتلكت حريتك بعدما كنت أسيراً للقيود والفروقات.
ستشعر أنك استعدت وطنك بعدما احتله عدواً خبيثاً يسمى الاشتياق.
أعطاها من حبه نهراً فارتوت وطابت كل جراحها كأنها لم تعاني يوماً، كأنها ولدت لتوها بين يديه وكأن عيناها تنظر للمرةِ الأولى فلم تعد ترى سواه.
أعطته من عشقها سكناً تمنى أن يسكنه حتى ظن الأمنيات سراباً والآن هو يتربع على عرش جنته.
أصبحا روحاً واحدةً في جسدين، لم يجد في سائر أبيات شعره ما يعبر عن حالته الآن ولن يجد مهما بحث لذا فإن الجمال يكمن في غموضها.
حين يجمتع الحب مع الشغف مع الحلال فإنك جمعت نخبة من مشاعر ليس لها مثيل.
يحتويها بين ضلوعه ويقبل مراراً وتكراراً جبهتها، تختفي بداخله بعدما تبخر خجلها وبات عشقه متلازمة ستحيا معها.
سابحةً بأفكارها فيما عاشته تنقل له حرارة الأفكار فيعاود ضمها وتقبيل جبينها كأنه في حلمٍ يخشى فقدانه.
نظف حلقه ليتساءل أخيراً بصوتٍ جياشٍ متحشرج:
– وردتي؟ إنتِ زينة؟
تمتمت وأومأت برأسها المستقر داخله فعاد يقبل جبينها للمرة التي لا يعلم عددها ثم ضمها مجدداً وقال بنبرة احتلت السعادة كامل أركانها:
– اللي حُصل ده حلم ولا حقيقة؟ إنتِ دلوك مرتي وملكي؟ معقول يا وردتي بقيتي ملكي وبين يدي؟
لم تستطع النطق وتخشاه كأن الحديث سيمتص من سعادتها بل كانت إجابتها فعلية كالقطة التي تتقلب بين أحضان صاحبها لثبت له أنها بين يديه حقاً فأطلق زفرةً خرجت من أعماق أعماقه واستكان يعاود طرح ما حدث على عقله لا يود تجاهله أبداً.
أما هي فغفت بين يديه لتنام مدخرة هذا القدر من الحب الذي كفى احتياجها ولم تعد تبالي شيئاً بعده.
***
انتهت نهال من تنظيف المطبخ بعدما دلف الجميع إلى غرفهم.
زفرت وكادت تتحرك نحو غرفتها لتستريح ولكنها انتفضت حينما آتاها صوت رامي الذي جاء لتوه قائلاً وهو يستند على حافة باب المطبخ يطالعها بخبث وتنبعث منه رائحة السُكر:
– لحقتك قبل ما تنامي؟ حظي حلو الليلة.
ارتعبت من هيأته وظهر ذلك في عينيها فتراجعت وتحدثت متسائلة بتوتر:
– أچبلك حاجة يا رامي بيه؟
ضحك وأومأ يردف بنبرة خبيثة قائلاً:
– تعمليلي فنجان قهوة وتجبيه على أوضتي، ولو بعتي أمك مكانك هكسر الفنجان في راسها، يالا مستنيكي.
غمزها وتحرك يصعد للأعلى وتركها في رعشتها ورعبها منه ومن هيأته ونظرته، ليتها تمتلك حق الرفض هنا.
وقفت متجمدة لثوانٍ لا تعلم ماذا تفعل ولكن نظرة من عينيها دلتها على تلك السكين الموضوعة مع أشقائها على السطح الرخامي فتنفست بقوة تفكر قليلاً ثم عزمت أمرها على التحرك وبدأت تحضر فنجان القهوة له.
***
في غرفة عادل الذي يجلس مستنداً على فراشه يدخن لفافة تبغه بغضب وتعجب مما أصابه.
لأول مرة منذ أن تزوج تحدث مع تلك الحالة الغريبة، دوماً كانت مشاعره حاضرة عند اقترابه من زوجته أما الليلة فكأن هناك أمراً ما يعجز عن استيعابه.
هروب غير مبرر لمشاعره فبات لا يستطيع ممارسة حقه الشرعي معها لذا فهو يجلس يدخن ويفكر بضيق وهي تجاوره وتنام بعمق بعدما حاولت بث الطمأنينة بداخله وما يزيد الأمر سخريةً أن من يرسل لك الدعمِ هو المتسبب في خسارتك.
فهي أرادت الانتقام بطريقتها على ما كان ينوي فعله ونجحت في ذلك وها هي تنام بعمقٍ بعدما رأت حصاد فعلتها.
ظل يفكر إلى أن أوشك عقله على الدخول في نوبةٍ جنونيةٍ أسعفه منها شيطانه الذي حثه على تناول عقاقير منشطة إن استمر الأمر هكذا.
***
تحركت نهال تحمل صينية عليها فنجان القهوة وتتجه نحو غرفة رامي بخطواتٍ مترددة وقلبٍ متسارعٍ وعقلٍ معنفٍ لها يمنعها عن إكمال تلك الخطوات.
وبرغم ذلك وصلت أمام باب غرفته وطرقته ففتح لها بعد ثوانٍ ولم يكن يرتدي سوى سروالٍ فقط فأخفضت بصرها عن جذعه العاري ومدت يدها له قائلة:
– اتفضل القهوة يا رامي بيه.
طالعها بخبث وابتسامة ماكرة ومتوعدة ثم مد يده يلتقط الصينية منها ولكن بدلاً عن الصينية التقطت يديها وسحبها فجأة إلى غرفته وأغلق الباب فوراً، وبرغم أنها أفلتت صرخةً فزعةً إلا أن صوتها الخاطف لم يُسمع.
سقطت الصينية من يدها ارضاً وانسكبت القهوة وانتفضت هي تطالعه بذعر ثم قالت مترجية بتلعثم:
– أأأ أبوس يدك افتح الباب وخليني أخرچ.
كان يقف يسد الباب بجسده ويطالعها بعين الشر ثم قال وهو يهز رأسه:
– تخرچي كيف؟ داني ماصدقت دخلتي إهنة برجليكي، من زمان قوي وأني مستني اللحظة دي.
ارتشعت وبات جسدها يطالب بالتحرر فبدلت ضعفها وقالت بنبرة مهددة قوية تظنها نافعة:
– لو مفتحتش الباب دلوك هصوت، هصوت وأقول إنك دخلتني إهنة غصب عني.
ضحك عليها وبات يتقدم منها وهي تبتعد مرتعبة وهو يقول ساخراً:
– متقلقيش، إنتِ كدة كدة هتصوتي يا حلوة، بس هتصوتي من اللي هعمله فيكي، بقى ياحتة خدامة إنتِ تضحكي علينا وتبلغي وردة باللي بيحصل إهنة؟ فكرك يعني مهنعرفش؟
صدمة جعلت عينيها جاحظة ثم هزت رأسها تردف باستنكارٍ ورعشة وضعفٍ عاد إليها:
– محصلش يا بيه، مين قالك إكدة؟
ابتسم بشر قائلاً وهو يتقدم منها بخطواتٍ لا تحسب على قائمة الحركة:
– وداني، وداني سمعتك، عتكدب عليا ولا إيه؟
كادت تنطق ولكنها سقطت على فراشه فجأة فصرخت وكادت تبتعد لتنجو بنفسها ولكنه سبقها وهجم عليها يقيدها ويتحدث بعيونٍ سوداءٍ جحيمية وهو ملتصقاً بها:
– لو صوتك طلع هقطع رقبتك وسمعتك هتبقى على كل لسان، محدش إهنة هيصدق إني دخلتك غصب عنك، الكل هيصدق اللي هقوله وإنك دخلتي إهنة بكيفك، ودلوك اسمعي اللي هقوله زين.
كان فمها مكمم بيده ويده الأخرى قابضة على يديها وهي محاصرة بين جسده بينما عيناها جاحظة فابتسم وتحدث وهو يطالعها بنظراتٍ شهوانية:
– عتخليكي حلوة معايا وتسمعي كلامي هوكلك الشهد، لو مشيتي تحت طوعي إنتِ الكسبانة، إنما هتتفرعني وتنقلي أخبارنا لل*** اللي اسمها وردة دي يبقى هتشوفي مني أيام سودة وبردك اللي في دماغي هنفذه، أني الليلة هاخد اللي أني رايده من زمان سواء بكيفك أو غصبن عنك، مهو لازم تتعاقبي على عملتك السودة اللي عملتيها.
أوشكت أنفاسها على الانقطاع وجسدها يرتعش وعيناها تطالعه بصدمة فصرخ بفحيح:
– يالا اختاااااري، برضاكي ولا غصبن عنك؟
لم تفكر مرتين ولم يعد أمامها سبيل، تطالعه بعيون رسم بهما القهر وقلة الحيلة لذا أومأت له عدة مرات فضحك وأبعد يده عن فمها يردف بانتصار:
– إكدة إنتِ ذكية.
حرر قيد يديها وتحركت يداه تتلمس ملامحها بشهوة، منذ زمن وهو يخطط ليستبيح شرفها ولكن كانت تقف له شقيقته بالمرصاد والآن بات طريقه خالياً واقترب من تحقيق مراده وها هو ينوي تقبيلها وهي تئن ألماً وحسرةً وضعفاً ولكن لم يعد أمامها سبيلاً سوى يدها التي حررها بغير وعيٍ منه فتحركت أسفل ثوبها تنتشل تلك السكين التي أخفتها وتقبض عليها بقوتها التي جمعتها فيها ثم عندما التهم شفتيها ومنع صرخاتها بفمه صرخت يدها بقوة وانتقام طاعنة جانبه الأيسر فزعق متألماً وابتعد منتفضاً يطالعها بصدمة والدماء باتت تنزف منه بغزارة وهو يحاول كتمها بيده فلم تجد نفسها إلا وهي تسرع وتطعنه مجدداً في منتصف بطنه وكأنها لا ترى بشراً وإنما شيطاناً تجسد في هيأته فباتت تهاجمه بضراوة وقوة لا تعلم كيف أتتها وهو جاحظاً عيناه لا يدرك ما يحدث.
خر أرضاً بين دمائه لا يقوى على النهوض فطالعته بعيونٍ انتقامية قوية ثم نظرت ليدها وللسكين الذي تقبض عليه والدماء المعلقة بهما جعلتها تستعيد القليل من وعيها لذا نفضت عن يدها السكين وألقته بعيداً وأصدرت صرخة مكتومة حبيسة وهي تبتعد عنه وتبكي بشدة وهو يجلس القرفصاء لا يستوعب ما يراه وما يحدث معه حتى غاب عن وعيه وانهار جسده أرضاً بين الدماء.
كانت تطالعه بتشفي برغم بكائها وهو يصارع الموت ولكن سكونه جعلها تقف عاجزة لثوانٍ ثم تحركت تغادر تلك الغرفة بعدما أغلقت بابها وتركته في الداخل مع الموت.
نزلت الدرج الذي صعدته منذ قليل ولم تكن هي نفسها بل كانت روحٍ جديدة في نفس الجسد، روحٍ خاوية ضائعة لم تعد تشتهي شيئاً في هذه الحياة، انتقمت لسنوات عمرها التي ضاعت هباءاً في هذا القصر.
تقدمت من باب القصر وفتحته وتحركت إلى الخارج، كان الغفير يجلس على مقعده غافياً ورأسه متدلية على كتفيه فلم يرها أو يشعر بها وهي تمر من جواره نحو الخارج.
ظلت تسير في طريقها وبعض المارة يطالعونها بتعجب وتساؤلات من هيأتها ولكنها كانت كالعمياء لا تراهم بل سلكت طريق لا تعلم كيف سلكته ولكنها تعلم جيداً وجهتها ألا وهي مركز الشرطة.
***
أشرقت الشمس على البلدة صباحاً ثابتاً كعادته ولكن القلوب متقلبة
فمنهم من يراه أنه أجمل الأيام ومنهم من يراه أسوأها ومنهم من لم يره بعد ومنهم من لن يراه مجدداً.
تلك المرة لم تكن وردة هي المستيقظة بل كانت تغط في سباتٍ عميق داخل ضلوع زوجها الحبيب الذي يستيقظ منذ قليل يطالعها فقط وعقله يمرر جميع معاناته السابقة، يتذكرها وداخله ينتفض مهللاً بمكافأته التي تلقاها من القدر، أحبه الله فأرسلها له بطريقةٍ إلى الآن لا يستوعبها.
الآن تقبل ما مر به، تقبل النيران التي اشتعلت في أرضه، تقبل كل ما حدث معه في الأيام السابقة وعلم أنها كانت مجرد جسراً لعبورٍ آمنٍ دوماً، ما عاشه معها ليلة أمس استحق كل المعاناة التي مرت على حياته، عشقها وحالتها وخجلها أمس كانوا النصيب الأفضل والعوض لما وقع عليه من ظلمٍ.
تنهد بحرارة ثم اقترب من جبينها وقبله مجدداً ثم تململ لينهض بهدوء من جوارها حتى ابتعد قليلاً وترجل من فراشه ينوى الاغتسال ليبدأ يومه الأول بعد توليه عرش مملكتها.
كاد يتحرك مرغماً نحو الخارج ولكنها استيقظت بعدما تسربت البرودة إليها ورفعت رأسها قليلاً تطالعه ثم تساءلت بنعاسٍ ونبرة هامسة مثيرة:
– رايح فين يا صالح؟
ابتسم وعاد إليها يدنو من وجنتها ويقبلها بعمق ثم ارتفع قليلاً يجيب أمام ملامحها بهيام:
– فاتتني صلاة الفجر يا وردتي ومتعودتش على إكدة.
ابتسمت له ثم أومأت قائلة:
– ماشي يا حبيبي، روح استحمى وأني هحضر الفطار.
انتعش من نطقها كلمة حبيبي للمرةِ الأولى ودنا يقبل شفتيها بتمهل ثم ابتعد لاهثاً ومضطراً يفصل قبلته ثم نهض مجدداً وطالعها قليلاً قبل أن يتحرك ويترك الغرفة، لديه الكثير من المشاعر ليعطيها لها ولكن ليضع كل شيءٍ في معاده المناسب.
***
في قصر السيوف
استيقظ الجميع ومن ضمنهم عزيزة والدة نهال التي بحثت عنها ولم تجدها، تعجبت وانتابها القلق ولكن أتتها أوامر تحضير الفطور فبدأت تحضره سريعاً كي تنهيه وتبدأ بعدها في البحث عن ابنتها ربما ذهبت ترى وردة بعدما أخبرتها أنها تهاتفها.
اجتمعوا حول مائدة الطعام ولكن رامي لم يأتي فزفر چابر بضيق قائلاً:
– أهو ده اللي كنت خايف منيه، عيروح يسهر مع أصحابه ويرچع تاني للقرف اللي بيشربه ينام الصبح ويصحى المغرب، أخوك مش ناوي يعقل يا عادل.
كان يتحدث مع عادل الذي يجلس شارداً ويفكر في ليلة أمس التي تعد أسوء ليلة مرت عليه لذا لم ينتبه لحديث والده فتحدث جابر بحدة قائلاً:
– وه؟ مالك إنت كمان؟ لتكون لساتك مشبعانش نوم؟
زفر عادل بضيق ثم طالعه يتحدث باستهزاء:
– بقولك إيه يابا، سبني دلوك أني اللي فيا مكفيني، إبنك عايز دماغ سليمة وأني مش ناقصه.
تعجب جابر من طريقه ابنه الجديدة غير الاعتيادية وكاد يسأل دعاء زوجته ولكن طرقات على باب القصر نبهت الجميع فترقبوا الزائر تحركت عزيزة تفتح الباب ليتفاجئوا بثلاثة رجال من الشرطة يقفون متجاورين ويلقون السلام.
نهض جابر وعادل متعجبان من حضورهم ثم تقدم جابر يسأل بترقب:
– خير؟ حُصل إيه تاني؟
نظروا لبعضهم بتعجب فعلى ما يبدوا أنهم إلى الآن لا يعلمون لذا تحدث أحدهم بترقب:
– الفجر جتلنا البنت اللي شغالة عندكوا يا جابر بيه واعترفت إنها ضربت ابنك رامي بالسكينة لما حاول يتعدى عليها، وقالت إنها سابته في أوضته وجت سلمت نفسها.
جحظت عيناه بصدمة أفقدته النطق وكذلك عادل بينما صرخت شريفة من خلفهم قائلة بحسرة:
– ولـــــدي!
تحدث عادل متعجباً:
– كيف ده؟ أخوي نايم فوق؟
نظر الشرطي لرفقائه ثم عاد يردف وهو يتقدم نحو الداخل:
– عن أذنكوا نطلع نشوف.
أُفسح لهم المكان فمروا سريعاً ومنه للأعلى يبحثون عن غرفته حتى وجدوها وفتحوها ليتفاجئوا به ممدداً على الأرض وسط دمائه وفاقداً للحياة.