طلّقني يا مروان. ده إيه السواد اللي الواحد فيه ده. روحت وجيت... قالها بسخرية، فكان يفعل ذلك حتى يرى رد فعلها، ولكنها ما زالت كما هي، باردة المشاعر. توقف عن الحديث حينما وجدها قد اقتربت منه، بل أنها حاوطت عنقه واحتضنته. **قبل دقائق** دخل مروان المنزل بعد أن فتح الباب بهدوء. ربما لم يتغير مروان كثيرًا. ما زال يعشق السفر ليلاً ويحب الطرق في الهدوء. أحب عليه أن يقضي كل مهامه ليلاً لو كان يستطيع ذلك.
وجد إضاءة المطبخ مشتعلة، فظن أن شقيقته تسهر للمذاكرة وشعرت بالجوع، فهبطت لفعل شيء كعادتها طوال عمرها. فأردف قائلاً بخبث ومرح: ايه ده؟ اروح اخضها اخليها تصوت دلوقتي جايلك يا رباب. مشي خطوات بطيئة، بخفة شديدة وغير محسوسة. ألقى بصره في هدوء مميت وهو يظهر رأسه فقط من الباب. عرفها فورًا من ظهرها، في ذلك هو الإسدال بين اثنين تتحرك بهما في المنزل، فيقسم أنه حفظهما عن ظهر قلب.
وجدها تقف عند الثلاجة وصوتها مسموع بعض الشيء نظرًا للهدوء الذي أصاب البيت، فالجميع إما خلد للنوم أو يجلس في غرفته. أنا هعمل نوت وأول حاجة هكتبها في أول صفحة: الرجالة كلهم ميتعاشروش. تقول الحقيقة أو تكدب عليهم نفس الغباء. خليه قاعد في اسكندرية، ما ليها حق كارمن تقول بيدور على التالتة. الحياة من غير راجل أحلى بكتير. وكنت مش بفكر في حاجة. **في القاهرة** **في بيت كريمة وعمر**
كانت تتقلب على الفراش ولا تستطيع النوم أبداً. نهضت وتأكدت من نوم أولادها وخرجت لتجلس في غرفة المعيشة وتنتظره بما أن النوم قد هرب منها. وجلست على الأريكة بالفعل. دخل عمر البيت وهو في أعلى درجات السعادة، وكأنه لا يشغل عقله بأي شيء. كان يدندن بسعادة. قولي عملك ايه؟ قولي قلبي. قاطعت كريمة وصلة الغناء الخاصة به، وأردفت قائلة بسخرية وحنق من سهر طوال الليالي ورجوعه المتأخر: إيه الروقان ده؟
ما شاء الله عليك. هو تصدير وش الخشب مخصوص ليا أنا بس؟ ضم شفتيه بانزعاج شديد، فما الذي يجعلها مستيقظة حتى الآن؟ لعنها، فهي تفسد لحظات حياته. حاول أن يتحدث بطريقة محببة على قلبها. مالك؟ هو دي حاجة تزعلك أن راجلك يكون مبسوط؟ أنتِ عارفة أني قلبي أبيض. بخرج من البيت بنسي المشاكل والهم. اقترب منها وهو ينهي كلماته، طابعاً قبلة على جبينها. وأردف قائلاً وهو يجلس بجانبها على الأريكة: إيه اللي مصحيكي لغاية دلوقتي يا ست الستات؟
قالها بنبرة حانية وطريقة يعرف أن يمتلكها بها، فأردفت قائلة بنبرة حانقة ولا مبالاة: مستنياك. غمز لها بعينيه، وأردف قائلاً بنبرة خبيثة: عليا أنا يا كريمة؟ ما أنا كل يوم بسهر برا وأرجع ألاقيكي في سابع نومه. يلا قوليلي إيه اللي شاغل بالك؟ تسنيم.
كاد أن يلعنها ويلعن تسنيم وذلك اليوم الذي تزوجها به على أمل أن يكن لديها بعض النقود التي كان يسمع عنها، وكونها حسنة المظهر وجميلة، فهي تشبه تسنيم إلى حد ما، ولكن مع فارق العمر قل جمالها. فأردف قائلاً بنبرة حاول جعلها هادئة: مالها تسنيم؟ أردفت كريمة قائلة بنبرة قلقة: بقالى كام يوم بتصل بيها تليفونها مقفول. أنا خايفة يكون في حاجة. قلقانة عليها أوي يا عمر.
لا يدري ما بها تلك المجنونة في هذه الفترة. أصبح هوسها تسنيم.. تسنيم أصبحت كل الأحاديث عليها دون فائدة أو أي شيء قد ينفعه من وراءها. طب ما تتصلي بجوزها. معرفش رقمه. يعني مش منتظرة تقولي كده. خايفة عليها أوي.
قومي نامي ومتصدعنيش. طيرتي الدماغ اللي كنت عاملها. تولع بنتك أنا مال أمي أشغل بالي بيها. بنتك ياختي متجوزة واحد متريش ومش ناقصة سؤالك عليها. إحنا اللي محتاجين حد يسأل علينا. فكري في عيالك اللي نايمين جوا. النهاردة في أكل. بكرة مش هنلاقي نأكل علشان مش عارفين نعملنا مشروع نأكل منه عيش.
قالها بغضب شديد، فلا ينقصه سوى تلك الفتاة الحمقاء، فما زال يتذكر حينما جرحته في كتفه حينما اقترب منها. فلتذهب إلى الجحيم، فلم تنفعه يومًا لمتعته أو حتى نقود من وراء زوجها الذي كان يأتي لتهديده، وبالفعل خشي الاقتراب منها.. **في المنصورة / في بيت عائلة العربي**
صدمة كبيرة احتلت مروان. لم يصدق بالفعل أنها تعانقه، ولم تبعد فورًا حينما أدركت فعلتها، فمرت أكثر من خمس دقائق وهي لا تبالي بشيء، وحاوطت عنقه بيدها وتغلق قبضتها، وتضع رأسها في صدره. شعرت بانتماء شديد له، نفس ذلك الانتماء التي شعرت به مع سلوى بعد أعوام، ولكن هناك انتماء شعرت به معه في فترة قصيرة. لم تدرك أنها بالفعل تنتمي له إلا في غيابه، شيء غريب بينهما.
حينما أصبح كل شيء لا يعجبها به وتتذمر بسبب فعله لأشياء كثيرة أو حتى كلماته التي تغضبها، هناك شيء عجيب يدفعها للاشتياق والغضب منه بسبب تركه لها. لأول مرة تفعل شيء دون أن تفكر في عواقبه. تريد أن تشعر بروحها تعانق روحه، ليس مجرد أن يعانقها جسدياً. عناق من نوعٍ خاص تجهله، ولكن قلبها دفعها لذلك. هناك شعور تحتاجه منه، لا تفهمه.
تغلق عيناها ولا تفكر بشيء، وكأنها غائبة عن الوعي في تلك اللحظة. تريد معانقته عوضًا عن الكثير من الكلمات وعن العتاب، وحتى أن تحكي له اشتياقها لوجوده. لم تشعر باستجابة منه، فكانت على وشك الابتعاد حينما لاحظت تجاهله، ولكنها لم تفهم مدى صدمته. فكيف تطلب الطلاق في دقيقة، وفي الدقيقة التالية تحتضنه؟
حينما أرخت قبضتها عن عنقه وابتعدت رأسها وكانت على وشك الابتعاد، وجدته يغلق قبضته على خصرها دافعاً إياها أن تبقى في أحضانه. فاشتعل قلبه نيران عاشقة باقترابها، فكيف تريد الابتعاد دون أن ينهي شوقه؟ فهو أدرك في تلك الليالي أنه يحب، متى وكيف؟
لا يعلم كل ذلك. طوال الليالي لم تكن الوحيدة من كانت تفكر وتغرق في أفكارها، بل هو كذلك أيضاً. فهي لم تكن فقط سد خانة أو احتياج، بل هناك رابطة تشكلت بينهما وصلت لمراحل أبعد من كونها احتياج واعتياد. وهو واعٍ كثيراً حتى يفهم مشاعره، إن كانت هي تجهل اتباع قلبها، هو يعلم قلبه جيداً. بت طلبه دون حديث، وحاوطت عنقه مرة أخرى دون أن تتفوه بكلمة أو اعتراض، وكأن خجلها قد ذهب، ولكن ماذا سيفعل العقل إن كان القلب يشتاق ويدفع للجنون؟
أردفت تسنيم قائلة بسحر لم تفهمه أو تدركه، ولكن مشاعرها المتناقضة والثائرة أعطتها الصلاحيات لفمها بالنطق بما تكنه له: للأسف الشديد أنتَ وحشتني. كان من المؤسف لها أن تعترف بذلك الاعتراف، ليزيد من عناقه لها دون أن يبقى بينهما فجوة قد تسمح لذرة من ذرات الأكسجين أن تتسلل بينهما. عانقها بقوة يحتاجها، قبلها. فأردف مروان قائلاً بنبرة هادئة وهو يستند برأسه على رأسها، مقبلاً إياها. فهي لا تعطي له المساحة أن يرى
ملامحها أو يقبل جبهتها: خايف أقول وأنا كمان ألاقيقي اتحولتي ورجعتي لتسنيم اللي أنا أعرفها. أنتَ خلتني تسنيم. أنا نفسي معرفهاش. لاول مرة حسيت بحاجة وعملتها من غير ما أفكر.
قالتها تسنيم بنبرة هادئة وغير مجبرة على التحدث بها؛ قالتها وهي لأول مرة تتبع قلبها. هي ليست حجر، ولكن قلبها مقيد تحت تحكمات عقلها. ولكن لم يستطع عقلها السيطرة في تلك اللحظة. ولكنه محق قليلاً، فقد خذلتها والدتها، أفشت صديقتها بسرها، تخلى عنها عمها بعد موت والدها، خذلها الكثير من الناس. تخشى أن يكن مروان مجرد شخص سيتم كتابة اسمه مع كل من تسببوا لها بالخذلان في صفحة مطوية من صفحات الذكريات.
يا للهول، خمس أيام عملوا فيكي كده. كنت اتأخرت أكتر من كده. قالها مروان بمرح وهي في أحضانه، لم يبتعد أو يتحرك منهما أحد. فأردفت قائلة بنبرة حانقة وهي تبعد رأسها عند صدره وتنظر في عينيه بحدة: أنا لو هخليك تطلقني هطلقني علشان بس مشيت وسبتني وخلتني اتجنن من غير تليفون ولا من غير حتي كلمة واحدة، وخلتني اتحمل كلامهم كلهم. إزاي أحافظ عليك؟ لا بس واضح إن المرة دي كلامهم نفع ما شاء الله. قاطعها قائلاً بخبث ومرح شديد.
فأردفت قائلة بنبرة حانقة: أنا مبيفرقش معايا كلام حد. ولو أنا قدامك دلوقتي فعلشان أنا اللي عايزة كده، مش علشان حد عايز كده. ده اعتراف يستاهل الضجة اللي بتعمليها دي. قالها بمرح وهو يرفعها عن الأرض قليلاً وهي في أحضانه. فهي حمقاء، هل هكذا تدافع عن تصرفاتها أو تخفف من فعلتها؟ فهي تعترف بالفعل أنها تريده، أو على الأقل تشعر بشيء نحوه. فما أصدق الشوق والغيرة لتعبر عن الحب؟ فلم يثق بتلك المقولة عبثاً، فهي فعلت ما يريده.
نزلني ومتستهلكنيش. أنتَ عارف أنا ممكن في ثواني أرجع لطبيعتي. متستهلكنيش!!! عليكي مصطلحات عايزة كاتالوج. الكلمة دي أعمق من الموقف. أنزلها وما زال محاوطها، فمن الصعب تلك الفتاة أن تصمت مرة أخرى في أحضانه. تنحنحت تسنيم وهي تحاول أن تخفف من حرجها. نعم، أصابها جنون على الأغلب وفعلت ذلك ورمت نفسها في أحضانه، وحتى إن كان اشتياق نابع منها، فهي بالتأكيد شعرت بالإحراج والخجل وبدأت تدرك فعلتها الآن. فأردفت قائلة:
لسه هنتكلم كتير على فكرة. مفيش كلام بعد ما بقيتي في حضني. هتقولي إيه بعدها؟ اتكلمتي بدبش وعكيتي أو حتى اتكلمتي عدل، ملوش لزوم. فعل واحد أصدق من ألف كلمة ممكن تقوليها. قالها وهو ينظر داخل عينيها مباشرًا، عيناها التي يصعب عليك تحديدها هل هي زيتونية أم تميل إلى اللون العسلي، ولكنها تحمل الكثير من البراءة خلفها، حتى وإن لبست ثوب الحماقة والجراءة. هناك فتاة لم يكتشفها أحد بعد.
دخلت رباب المطبخ وهي تربط رأسها بطريقة عشوائية وتمسك إحدى الكتب ووجدت هذا المنظر. كانت تسنيم تعطي لها ظهرها، ومن يظهر هو مروان. فأردفت رباب قائلة بمرح: فينك يا حج محسن تشوف بيتك الطاهر بيحصل فيه إيه؟ ممكن متلفنيش أو الأرض تنشق وتبلعني. قالتها تسنيم بحرج وصوت منخفض. فهل ما كان ينقصها رؤية أحد في هذا الوضع؟ فنظر لها مروان قائلاً وهو يرخي قبضته عن تسنيم لتبتعد قليلاً وتقف خلفه، فأردف قائلاً:
مفيش ازيك يا أبيه مروان، واحشني. أردفت رباب قائلة بنبرة مرحة: ازيك يا أبيه مروان. أبيه إيه وبتاع إيه؟ إحنا بتوع الكلام ده. وبعدين أنا أول ما بشوفك متوعده، أجي أحضنك. بس المرة دي حضنك مش فاضي. لا فضي. تعالي يا أخرة صبري. قالها مروان بسخرية، فهي قطعت عليه لحظته التي لن تتكرر دون مناقشات وكلام قد يجعله يصاب بالإرهاق. فاقتربت رباب منه، احتضنها، فهي قد تعودت على وجوده باستمرار أكثر من السابق. وأردفت
قائلة بعد أن ابتعدت عنه: مدام أنتَ هنا وتسنيم هنا، إحنا هناكل كلنا بدل ما أعمل حاجة أكلها لوحدي من غير اعتراض. وإلا أنا لساني فلت وبعترف بجنية واحد. **في الصباح** **في القاهرة**
استيقظ عمر ولم يجدها جنبه، فتذكر أن بعد كلماته الليلة الماضية غضبت منه وذهبت للنوم في الغرفة بجانب أطفالها. نهض من الفراش بملل وأخذ ينظر في المرأة ومشط شعره بطريقة منمقة، وخرج من الغرفة. وحينما خرج من الغرفة وجدها تجلس على الأريكة، فذهب لها وأردف قائلاً بنبرة حانية وهو يجلس بجانبها: خلاص متزعليش يا كريمة. بقا هو أنا علشان بكلمك في مصلحتنا تزعلي؟ لم تجب عليه، ليستكمل حديثه قائلاً:
بقا تخاصمي جوزك حبيبك أبو عيالك اللي ساب أهله واتجوزك علشان بيحبك ومهموش فرق السن ولا كلام أهله علشان بس يكون حبيبك؟ دي تسنيم دي بنتي يا كريمة، بس أنا لازم أفكر في لحمي. وبعدين بنتك متستاهلش. عملتلك إيه هي؟ راحت وقالت عدولي: مش المفروض تهتم بأخواتها طول عمرها مش طايقاني علشان مش عايزة تتتمتعي وتتجوزي، ولا تشوفي نفسك. وهي لو بنت حلال كانت بعتت فلوس علشان المشروع. إخواتها يناموا شبعانين حتى لو بتكرهني أنا راضي. أردفت
كريمة قائلة بنبرة قلقة: أنا قلقانة عليها. بقولك يا عمر بتتكلم أنتَ في إيه بدل ما تقدر قلقي بليل وتطمني ونحاول نشوف حل نوصلها؟ روحت مطول لسانك عليا. الراجل يحب يجي يشوف مراته مبسوطة وبتضحك في وشه مش بومة. وبعدين أنا ربيت بنتك ومتمرش فيها أول ما لقت عريس نسيتنا. ثم استكمل حديثه قائلاً بنبرة ماكرة: بعدين تعالي. أنا عايزك في حوار مهم علشان مصلحتنا. سيبك بقا من تسنيم هتلاقيها زي القردة. وأنا برضه هشوفلك طريقة.
**في المنصورة** انتهت الليلة بين مروان وتسنيم في هدوء شديد. هي تريد النوم وهو كذلك دون الحديث في شيء. إن كان عتاب على ما مضى أو أي شيء. أصرت تسنيم على النوم على طرف الفراش بدلاً من النوم في أحضانه، فهي بالفعل معتوهة وتصرفاتها غير طبيعية.
ولكن تركها كما تريد، فلن ينهي الليلة بأي شيء قد يخرج كلمات منها قد يفسد ما حدث. ولكن مروان لا يترك شيء يفوت أو يفرض رأيه عليه. انتظر أن يغلبها النعاس، وبالفعل حينما نامت، قد أخذها في أحضانه. استيقظ حينما سمع رنين هاتفه. كان المتصل محمود يريد أخذ رأيه في موضوع ما يخص العمل. فنهض من الفراش وتوجه إلى الشرفة للحديث. **بعد دقائق**
حينما دخل الغرفة وأغلق الشرفة، وجدها في المرحاض. فعلى ما يبدو قد استيقظت. حينما خرجت، أردف مروان قائلاً: صباح الخير. نظرت له باستغراب، فظنت أنه ذهب. صباح النور. أنتَ مروحتش الشغل؟ أصلاً محدش يعرف إني جيت. فاكرين إني هاجي بكرة وأحمد اللي رايح النهاردة. طيب. فايقة نتكلم وله إيه رأيك؟ فايقة.
قالتها بخجل، فكانت المواجهة ستأتي في لحظة ما، فما زال الأمس ليلة فعلت بها أكثر تصرف جنوني طوال حياتها، وقالت أشياء حينما تعيد ما تفوهت به تريد دفن نفسها. جلست على طرف الفراش بجانبه. آسف. قالها بنبرة غامضة ومبهمة، لم تفهم مقصده أو على أي شيء يتأسف، فلم تتفوه بشيء وانتظرته أن يستكمل حديثه، وبالفعل لبى رغبتها وأستكمل الحديث قائلاً بنبرة غير مفهومة:
إني كسرت تليفونك دي الحاجة الوحيدة اللي هتأسف عليها. غضبي وحش. مش من عادتي أقعد أكسر في الحاجة. وعموماً هجبلك فون جديد والأهم خط جديد. مفيش نفر يعرف رقمه غير اللي أنا أعوزه يعرف رقمك. في ناس كتيرة عارفة رقمي ده. وهطلع شريحة جديدة الخط باسمي. قالتها باستغراب من فعلته، ليجيبها بحنق، فهو لا يريد أن يتذكر شيء: مهو علشان في ناس كتيرة تعرف أمه مش عاجبني. وبلاش نفتح سيرة الموضوع ده تاني أحسن ليا وليكي.
غضبت من حديثه وعقدت ساعديها، وتمتمت بنبرة منزعجة: وبعدين إن شاء الله أي أوامر تانية؟ مش أوامر دي أساسيات علشان منزعلش بعض. كانت تشعر بالغيظ الشديد، ليس مما يريدها فعله فقط، ولكنها منذ سنوات لم تعتد أن يتحكم بها شخص بتلك الطريقة. كان شيء يصعب عليها استيعابه، فأردفت قائلة: إيه تاني؟ حك ذقنه وهو يتصنع التفكير، فتمتم قائلاً بنبرة هادئة:
أنا مش زعلان إنك قولتي لحد على اللي ما بينا، بس صاحبتك دي متتكلميش معاها تاني لا بخير ولا بشر. لا أنتَ مش هتحدد أكلم مين ومكلمش مين. لا هحدد. قالها بحدة، فأردفت تسنيم قائلة بغيظ: أنا شبه مبكلمهاش، بس كنت ناوية أصالحها. بعدين هي افتكرت أن ده من مصلحتي وافتكرت أنها كده بتساعدني و... قاطعها مروان قائلاً وهو يحذرها أن تتفوه بكلمة واحدة من الممكن أن يعاد ذكر ذلك المعتوه بها، فالمرة القادمة سيرتكب جناية:
أياكِ تخلينا نوصل لهنا ونتكلم في الموضوع ده. صاحبتك يعني أمينة لسرّك. أنا ماليش دعوة بنيتها إيه. اللي أعرفه حد قالي سر أموت قبل ما أقول سره لحد. واللي عمل كده وسببلك إن كلب زي ده يعمل اللي عمله مش بعيد تعمل إيه تاني بهدف أنها تساعد. وياريت نقفل على السيرة دي. أنا على آخري. كل ما يقوله لم يكن غريب، فهي فكرت في كل ذلك، فأردفت قائلة بنبرة حانقة، فهي تريد معرفة القرارات الجديدة: غيره؟
ماتخبيش عليا حاجة مهما كنت هتعصب ومهما حصل صارحيني. أنا مخبتش عليك من الأول. تنهد مروان، ثم تذكر قولها ليلة أمس بأن هناك الكثير من الكلمات التي سمعتها من الجميع، وهو متأكد أن والده كان له النصيب الأكبر. فأردف مروان قائلاً: حاجة كمان. أنا عارف اللي ممكن أبويا يقوله وأي حد يقوله. كوني صريحة معايا وملكيش دعوة غير اللي بيخرج مني أنا وبس.
عادي باباك مقالش حاجة، هو بس فهمني أني لو مجبتش الحفيد وزينت حياتك وفرح بيك أنه هيفضل يعمل لمصلحتك. بمعنى أوضح هيجوزك التالتة. قالتها بنبرة ما بين السخرية والمرح، رغم أنها تتأكل من نيران الغيرة. فأردف مروان قائلاً: متجوزتش إلا واحدة لغاية دلوقتي وربنا يرحمها. أنا دلوقتي سنجل. طيب شجرة أنا يعني؟ فأي زوجة هي الآن؟ زواجهما غير مفهوم. تركها دون أن يشرح مقصده، ثم أردف قائلاً:
لو كان ليا رغبة في الجواز تاني علشان الخلفة أكيد مكنتش هتجوزك أنتِ وقتها، وأنتِ فاهمة قصدي كويس. ولو على ملك صدقيني الرجالة كلهم صنف واحد. كان ممكن أتجوز ولا أقولها ولا تعرف أصلاً. الراجل لما بيحب يعمل حاجة بيعملها. قالها بصراحة مطلقة، فهو ليس أحمق أو زوج يخشى الزواج للمرة الثانية فقط خوفًا من زوجته، ولكن هو أحب ملك وبصدق ولم يفكر أن يخونها يومًا. وإن كانت على قيد الحياة لم يكن ليفكر في غيرها أو تكن تسنيم أمامه الآن.
يعني أسقفلك يعني وله أعمل إيه؟ مش فاهماك. أنتَ بتخوفني مثلاً وله بتحاول تطمني؟ مش فاهمة الحقيقة. أردف قائلاً بنبرة هادئة: بفهمك علشان أنتِ متخيلة إني هروح أتزوج عليكي علشان الخلفة وأريح أبويا. في حين أني لو كنت عايز كده كنت اتجوزت غيرك أنتِ من الأول وحققتله اللي هو عاوزه من غير حتى ما في مخلوق يعرف. بحاول أفهمك.
أفهميني. أنا لو هكمل معاكي علشان دي رغبتي، مش علشان رغبة أي حد حتى لو كان أبويا نفسه. ولو هسيبك هيكون علشان أنا عايز كده، مش علشان رأي حد تاني. قالها بنبرة صادقة، لتجيب عليها قائلة: مروان ينفع أقولك حاجة؟ أكيد. إحنا بنتكلم سوا علشان كل واحد يطلع اللي مخبيه جواه. قالتها بنبرة غريبة على ما يبدو، أصبحت خيالية وأصابت بعدوى من رباب ومنه. ينفع أقابلك وقت تاني؟ الساعة كام يعني؟ قالها بمرح، فأردفت تسنيم قائلة بنبرة هادئة:
مبهزرش. أقابلك في زمن تاني أو ظروف تانية أو حتى بطريقة تانية غير اللي اجتمعنا فيها. نعيش حياة طبيعية وخطوات طبيعية ومفهومة. هيتغير إيه؟ لم تفهم مقصده، فانتظرته كالعادة أن يوضح أكثر فلسفته ونظرياته العجيبة. فأردف مروان قائلاً: إيه اللي هيتغير؟ هقابل إنسانة غيرك؟ هتقابلي مروان تاني غيري؟ إحنا نفس الشخص ونفس كل حاجة، حتى لو اتقابلنا بطرق مختلفة. أنتَ مش فاهمني يا مروان.
صدقيني لو مكملين الأسابيع اللي فاتت أو الفترة اللي فاتت سوا، فده أكبر دليل إننا فاهمين بعض كويس جداً. فمن الصعب أن تقنع رجل تعرض للخيانة من أكثر من امرأة بأن هناك فتاة ذات خلق. ومن الصعب أن تقنع فتاة بالحب وهي نشأت بأن الرجال فقط نفوس تتغلب عليهم شهواتهم، ذكور مسلوبة رجولتهم ولا يربطهم بها أي صلة!
وجدها صامتة، لم تعلق على كلماته. فعادت تسنيم إلى تلك الفتاة التي يعرفها جيداً. أمسك يدها وهو ينهض من جلسته ويشدها حتى تنهض هي الأخرى. إيه يا مروان؟ مش خاطفك. أنا تعالي. أخذها ناحية المرآة لتقف ويقف خلفها، فأردف قائلاً: بصي كده شوفي نفسك. نظرت له في المرآة وأردفت قائلة بنبرة ساخرة ومرحة في آن واحد: ياااه قد إيه أنا جميلة، على أساس إني مش عارفة نفسي يعني. إيه أكتر شيء لافت نظرك؟ ولا حاجة. إحنا زي ما إحنا.
جميل جداً. تعرفي إيه؟ أنا أكتر شيء لافت نظري. هيكون إيه؟ أن مفيش أي حاجة معانا من اللي فات، إلا سلسلة باباكِ وهي الذكرى اللي باقية. بس دلوقتي إحنا في حاضرنا. مفيش غيرنا. ابتعدت عنه وجلست على المقعد وأردفت قائلة بنبرة صادقة، فهي لا تدعي الحماقة هذه المرة: آسفة لروح سقراط اللي جواك. أنا مش فهماك. أنتَ عايز توصل لإيه؟ مدام مش بتفهمي كلامي، فهميني أنتِ إيه اللي مخوفك وهي توصل لي إيه؟
مش عايزة أكمل حياتي معاك لمجرد أنك خدت على وجودي. تعود يعني أو بسد خانة. قالتها بنبرة صادقة ومرهقة أكثر من كونها قلقة. فأخف وأسهل أنواع الحب هو الصافي والخالي من أي مصطلحات كالكذب وغيره. فأردف مروان قائلاً بنبرة هادئة أكثر جرأة منها هي شخصياً كعادته، وجلس على المقعد المجاور لها:
أنا مستغلتش وجودك من أول يوم أنتِ فيه هنا. وعاملتك كزوجة وخت حقوقي منك. كون إني شايفك لغرض إني محتاج زوجة، حتى لو كنتِ رفضتي في الأول، اتأكدتي. لو كنت عايز منك حاجة كنت هاخدها. مش غصب، لا كنتِ هتقبلي في الآخر.
فاز مروان بجرأته وصراحته التي فاقتها أضعاف. فهو يعلم أنها جاهلة بالفعل ولا تفهم كثيراً في مشاعر الرجال. فلو كان يريدها لتسد خانة لكانت زوجته شرعاً وقانوناً منذ أسابيع حتى ويستطيع أن يجعلها أن تستسلم بسهولة له مهما قاومت. وقح!!
هكذا وصفته. لم تنتظر منه أن يتحدث بتلك الجرأة التي أخجلتها بالفعل، ولكن مقابل تصريحاتها كان يجب أن يردعها عن ذلك التفكير الذي يقتل أي محاولة منه أو حتى منها هي شخصياً. فليكن صادق، فهي ليست امرأة باردة كونها بادرت بالتعبير عن اشتياقها ليلة أمس، ولكن حماقتها تفسد كل شيء. القطة كلت لسانك. لا محدش كل لساني. يلا قومي البسي واجهزي. هنروح فين؟ هنكمل المشوار اللي اتلغى المرة اللي فاتت، بس من بدري شوية.
قالها وهو يتوجه ناحية الباب، فسيذهب ليرى والده الذي على يقين أنه قد استيقظ. فأردف قائلاً بنبرة ساخرة: ياريت لو ليكي أي تصريحات متقوليهاش واحنا خارجين علشان متقفليش اليوم. ممكن تقوليها لما نرجع. خرج من الغرفة غالقاً الباب خلفه بهدوء. فلم يكن يريد أن يزيد معها الحديث، فيكفي الحديث معها بتلك الطريقة اليوم حتى لا ينقلب الأمر إلى سوء فهم. ففهم طبيعتها على الأغلب.
يعلم أنها حمقاء، ولكنها أحبته. يستطيع أن يؤكد ويبصم على تلك الحقيقة. المرأة التي يدفعها اشتياقها لتحضنه بتلك الطريقة والعمق، وتحديداً إن كانت امرأة تمتلك خصالها. فلقد أحبته، ولكن يسيطر عليها أشياء يفهم بعضها. فهناك أشياء قليلة لا يفهم مخاوفها بها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!