الفصل 33 | من 44 فصل

رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
23
كلمة
8,292
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

افاق على صوت هاتفه. -أيوه يا يارا. -كان، جاسر إنت هنا في القاهرة؟ اعتدل مرجعًا خصلاته للخلف. -فيه حاجة ولا إيه؟ أجابه راكان: -عرفت مكان أمجد، الحيوان خطف ليلى كمان. استمع إليه باهتمام ثم هتف: -تمام، هخرج دلوقتي على القسم وأشوف جواد قدامه إيه وهكلمك، المهم حاول تهدى، متنساش ابنك ومراتك معاه. قاد راكان سيارته وصاح غاضبًا: -بقولك ابني ومراته مع الحيوان من يومين وانت بتقول اهدى، أنا لازم أموته، سمعتني، هموته الحقير ده.

نهض جاسر من مكانه وحاول تهدئته: -فاهم قلقك بس لازم تهدى وتفكر كويس يا راكان، الولد معاه وكمان مدام ليلى، يعني أي خطأ ممكن تكون عواقبه وخيمة، أنا هخرج دلوقتي وأكلم جواد ياخد إذن نيابة وبعد كدا هكلمك. -مستحيل اللي بتقوله ده، مستحيل أسيبه دقيقة واحدة، لازم أموته الحيوان، لازم أشرب من دمه. قالها راكان وأغلق هاتفه. بعد قليل قاد سيارته ليهاتف جواد.

-آه، هات إذن نيابة وأنا هسبقك مع راكان، هو مش متحمل يصبر وهو عنده حق، ابنه ومراته مع مختل عقليًا. -حاضر، أنا رايح لوكيل النيابة أهو وبعد ما أخرج هكلمك. -في أمان الله حبيبي. قالها جواد حازم وأغلق الهاتف. أمسك جاسر هاتفه وحاول مهاتفتها عدة مرات ولكنها لم تجب على اتصالاته. قام بإرسال رسالته:

-ممكن أعرف هتفضلي عنيدة لحد إمتى، أنا كنت خارج شغل مهم مكنش ينفع أرجع لك، المهم علشان أريحك، ابن راكان مخطوف وليلى كمان، وبقالنا كام يوم بنحاول نوصلهم، دا كل الحكاية، أسف لو زعلتك. ضغط عليها ثم قام بإرسالها، ثم اتجه بإرسال أخرى:

-جنى، عايز أقولك حاجة مهمة، إنتِ فهمتي كلامي غلط، أنا ماسك قضية صعبة جدًا وبحاول أأمن كل اللي حواليا، عمري ما أحاول أفكر أذلك حبيبتي، الفكرة كلها مش عايز أبين لهم أنا مهتم بحد علشان ما يضغطوش عليا، هموت لو حاولوا يأذوكي، علشان كدا عمو أصر أطلقك مش علشان ابن فيروز أبدًا، دي حاجة ولو مش مصدقة اسألي عز، عز عارف إني رجعتك من أول يوم وكمان أوس وياسين وبابا، مفيش غير عمو صهيب مش محتاج أقلقه عليكي فحبيت أبين له إننا أطلقنا.. وارتاحي يا قلبي بابا عارف كل حاجة.. أهم حاجة عندي إنك تكوني بخير.. أنا دلوقتي رايح لراكان، ربنا يوفقنا ونعرف نمسك أمجد وبعد كدا هجيلك، وإياكي يا جنى تستهبلي عليا.

"بحبك". أرسلها وأغلق الهاتف. وصل جاسر حيث وجود راكان. -إيه آخر الأخبار؟ أشار لمنزل بمنطقة منعزلة قائلاً: -جاسر، أنا هدخل البيت ده، هو كلمني عايز منك تراقبه لما يخرج، عارف ومتأكد إنه مخطط لموتي أو هيعمل حاجة تانية، المهم لازم تكون مستعد علشان لو خرج من غير ما أرجع لك بليلى. -تمام.. وجواد في الطريق مع القوة، خلي بالك من نفسك. وزع جاسر نظراته بينه وبين يونس.

-المهم ماتتهورش، وخلي الدكتور بعيد، ماتخليهوش يدخل معاك هو وحمزة علشان لو بيلعب نعرف نرد عليه من كل الجهات. بسط يديه بجهاز وهتف: -الأجهزة دي ركبوها كويس وهنتابع بيها، دقايق ويكون جواد هنا. -يالا نتحرك في أمان الله إن شاء الله. تحرك جاسر إلى مفترق طرق بعد المنزل الذي يحجز به ليلى بعدة أمتار. بعد فترة خرجت سيارة بها أمجد، لم يرى بها ليلى ولكنه تحرك خلفه بحذر. وقام بمهاتفة يونس. -إيه اللي حصل؟

أجابه يونس الذي تحرك إلى داخل المنزل خلال دقائق من خروج أمجد. -الحيوان خطف ليلى وحابس راكان وابنه في البيت. -يونس محدش يقرب من حاجة، جواد دخل المزرعة خلاص هو هيتصرف.. أرجوك بلاش حد يقرب من حاجة. توقف يونس وهتف: -لا دا مولع في البيت، لازم ندخل ننقذه، إنت خلي بالك من أمجد. -هو قدامي متخافش، أنقذوا راكان وأنا هعرف أوصله. بعد فترة وهو جالسًا بالسيارة يراقب المنزل بهدوء، رمق هاتفه ثم حمله وكالعادة لم تقرأ رسائله.

-طيب يا جنى. قام بمهاتفة عاليا. عند جنى وعاليا. كانت تتحرك بين الحضور تتحدث عن كل لوحة بمعانيها، وهدفها بابتسامتها الرقيقة. حقًا بريئة جميلة كطائر الكروان الذي يغرد دون ملل. شعرت بالإرهاق فأشارت لإحدى العاملات. -خليكي مع الأستاذ وشوفي طلبه. توقف أمامها يزن. -كنت عايز أسأل عن اللوحة اللي هناك. أشارت للعاملة وأجابته: -دي هتفهم حضرتك. قالتها وتحركت سريعًا من أمامه، ذهبت لجلوس عاليا.

-أوووف راجل دمه تقيل، كل شوية عايز يعرف كل حاجة، وتحسيه إنه مش جاي علشان يشتري. ابتسمت عاليا لها ثم غمزت بطرف عينيها. -ما يمكن معجب يا جميل، ماهو إنت معجبينك بقوا زي أنجيلا جوليت. نهدت تطالعها بصمت ثم أمسكت قلمها تدون بعض الأشياء، ولم ترفع رأسها عن دفترها سوى بعد سماع عاليا. -أهلاً يا حضرة الظابط. -أيوه موجودة. بسطت كفيها بالهاتف. -ردي عليه شكله عايزك ضروري، والله صعبان عليا. أمسكت الهاتف بكف مرتعش. -أيوه.

على الجانب الآخر. -كدا يا جنى مش عايزة تسمعي صوتي حتى، يعني غيرتي كل الأبواب وبلّكتي رقمي، إيه يا بنت عمي لدرجة دي مبقتش أعني لك. نهضت عاليا لتترك لها المساحة. تراجعت بجسدها، وحاولت السيطرة على ذاك الجزء الضعيف الذي بدأت دقاته تخترق صدرها.

-جاسر اللي بينا انتهى، بجد أنا مبقتش عايزة أوجع قلبي وأدوس على كرامتي أكتر من كدا، ليه أحارب علشان واحد باعني، واحد ما أخدتش منه غير الوجع.. إنت قلت كفاية كدا وعيشي حياتك، وأنا بوعدك يا ابن عمي هعيش حياتي وأبعد عنك، ومهما تعمل وتحاول تبرري خذلانك ليا مش هسمع لك، أدّيت لك من الفرص ما أكثرها.

ومتخافش مش هتجوز تاني، لأن وجعي منك ذوّب قلبي ومبقاش عندي قلب ليدق تاني، تطلقني ولا لا مابقاش يهمني، بس أتمنى تطلقني وأنا قررت أروح لبابا وأحكي له كل حاجة، لأنك بتتمادى للأسف، عندي شغل ولازم أقفل. -استني يا جنى لازم أقولك حاجة. -جاسر مبقاش فيه حاجة تتقال، مبقاش يفرق معايا مهما تقول. -ياااه.. لدرجة دي يا جنى، يعني عشت أو مت مش هتفرق معاكي. -لا.

قالتها بدموع تنساب من عبراتها، لقد خانها قلبها الضعيف من نبرة صوته ورغم ذلك أجابته بجبروت. -صدقني وجودك من عدمه مابقاش يفرق، من كتر ما عملته مابقاش عندي حاجة أشفع لك عليها.. وانت كمان ياريت تعمل كدا.

-مش هقدر، أنا مش زيك، أنا أموت لو بعدت عنك، قلبي يوقف لو وقف عن نبض حبك، حبي ليكي مش حب اتنين حبوا بعض وخلاص، إنتِ بالنسبالي الهوا اللي لو اتمنع عني أموت، وكلامك دا بيسحب روحي يا جنايا.. هتفضلي لآخر نفس ليا حبيبتي ومراتي، ومستحيل أطلقك لسبب بسيط قدرك مكتوب بقدرى يابنت عمي، وزي ماقولتلك قبل كدا إنتِ مش جنى صهيب أبدًا، إنتِ جنايا لوحدي، جنى الجاسر. قالها وأغلق الهاتف. وأنفاسه متسارعة كالمتسابق. هل حقًا ألقته من حياتها؟

هل تريد البعد عنه؟ شعر بدوران الأرض به وكأن سيارته ستنقلب، فتح باب السيارة وبجسد مختل توقف مستندًا عليها، وكل ما يراه أمامه حياتهم سويًا، ضحكاتها، شقاوتها، حتى بكائها، صورها فقط تطارده. تحرك للداخل عندما شعر بأن حياته سُحبت منه وكما أكد لها أنها الهواء الذي يتنفسه. تحرك إلى المنزل الذي يحتجز به ليلى. دفع الباب بوصول جواد حازم. -سلم نفسك يا أمجد، المكان كله محاصر. قالها بدخول جواد.

الذي توقف يطالعه مذهولًا عندما وجد أمجد يقهقه. -برضو إنت يا حضرة الظابط، إنما إيه أخبار بنت عمك ياحرام، كانت صعبانة عليا وهي بتترجى هاني وتقوله ارحمني، كان نفسي أكون موجود، البت طلقة. اتجه إلى أمجد كالأسد الجائع قائلاً. -هقتلك يا كلللللللب. هجم عليه المعاونون لأمجد، حتى توقف جواد صارخًا: -وربي لتموت يا أمجد. دفع جاسر الرجل بقوة وأخرج سلاحه. وضع أمجد سلاحه على رأس ليلى. -لو قربت هموتها.

كور قبضته يطالع دخول راكان بصمت فألقى السلاح. ليطلق ذاك المتوحش طلقة غدر أطلقها أمجد على صدره بدخول راكان، ليشغله حتى يخرج من ذاك المنزل، لتخترق صدره ليهوي ساقطًا غارقًا بدمائه بإنسحاب أمجد لليلى بصراخها باسم راكان الذي هرول إليها ولكن توقف عندما أشار عليها. -هموتها لو قربت. تراجع للخلف يتجه بانتظاره إلى حمزة. -ورا الحقير بسرعة. اتجه لياسين سريعًا. -جاسر، جاسر. رددها راكان صارخًا ليونس.

-اتصل بالإسعاف بسرعة لازم ألحق الحقير، اتولى أمر جاسر يا يونس. قالها وتحرك سريعًا خلف أمجد. هرول يونس إلى جاسر الغارق بدمائه. -جاسر افتح عيونك خليك معايا. قام بعمل إسعافات أولية لتوقف النزيف. -جاسر سامعني. صاح بها يونس وهو يحاول توقف النزيف. همس اسمها من بين شفتيه وأغلق عيناه نهائيًا. بعد قليل وصلت سيارة الإسعاف لتقوم بنقله إلى المشفى. بغضون دقائق خرجت غزل من غرفة العمليات بجوار إحدى زميلاتها.

-من زمان قوي معملتش عمليات ولا وقفت في غرفة العمليات أصلًا، الحالة صعبة قوي يا هند. لولا قريبك صدقيني مش لحاجة أبدًا بس أنا وعدت جواد علشان عارفة تعبي غير أن المريض أمانة، متنسيش العمليات دي لازم تكوني قادرة على كل المصاعب، وأنا قلبي مبقاش متحمل بحاول أكون كويسة قدام الولاد. ربتت على كتفها زميلاتها التي تعمل ب قسم المخ والأعصاب قائلة. -عارفة يا غزل علشان كدا مقدرتش أثق في حد بعد ربنا غيرك. ابتسمت غزل تربت على كتفها.

هنا شعرت بألم يغزو صدرها، رفعت عينيها لصديقتها وهي تضع كفيها على صدرها. -معرفش حاسة بوجع شديد في صدري. سحبتها صديقتها للمقعد قائلة. -أنا آسفة بجد يا غزل، عارفة تعبتك جدا بالعملية، دول اتنا عشر ساعة ياربي، ياريتني ما أصرت عليكي. هزت رأسها. -لا لا.. دا مش وجع جسدي، حاسة بحاجة وحشة هتحصل. رفعت كفها لصديقتها. -مش قادرة أتنفس. استدعت صديقتها الممرضة. -اعملي لميوناد بسرعة للدكتورة. وقامت بتدليك صدرها بهدوء.

ارتعش جسدها تشير لهاتفها. -تليفوني يا هند هاتيه من فوق المكتب، عايزة أطمن على جوزي والولاد. ابتسمت هند تهز رأسها. -لسه زي ما إنتي، دا إرهاق حبيبتي من الوقفة وانتِ تعبانة أصلًا. نهضت بتخبط تلوح بيديها. -لا جواد حصله حاجة أكيد، لازم أطمن قلبي مقبوض قوي.. يارب مش حمل وجع قلب يارب ألطف بقلبي. لحظات وأجابها جواد. -إيه حبيبي. سحبت نفسًا وهدأت. -عامل إيه؟ ابتسم وهو يلاعب سفيان.

-بلعب أنا وسفيان وبنرسم وبنعمل حاجات كتيرة يا نانا، إيه مش عايزة تيجي تلعبي مع جدو. قالها جواد مازحًا. ابتسمت وانبثقت عبرة من بين جفنيها. -وجدو كمان واحش نانا قوي، خلصت يا جدو وهرجع بعد شوية. صمتت للحظات وهي تسمع صوت سفيان. -نانا جدو بيلعب حلو قد البحر.. حبيب نانا فين مامي. أخذ جواد الهاتف متسائلاً. -زيزو مال صوتك. أزالت عبراتها، فخرجت صديقتها قائلة. -غزل هشوف المرضى، حاسة إنك أحسن.

أومأت لها فتحركت للخارج واتجهت تحادثه. -مفيش شوية إرهاق. توقف من مكانه يشير إلى سفيان. -حبيب جدو كمل لعب هروح أجيب نانا وجي. ثم صاح على مربيته. -خلي بالك من سفيان أنا خارج. قالها وتحرك ومازال يهاتف زوجته. -غزل أنا جاي لك في الطريق، متخرجيش لما أوصل. فركت جبينها قائلة بصوت مجهد. -أنا كويسة حبيبي. ولكنه صاح دون جدال. -غزل قولت جاي في الطريق مش عايز اعتراض. هزت رأسها رافضة حديثه واردفت. -كلمت ياسين النهاردة يا جواد.

استقل سيارته وهو ينظر لخروج عز السريع. توقف يغلق الباب واتجه إليه ولكنه أسرع بسيارته دون الرد عليه. قطب مابين حاجبيه. -الواد ده بيجري كدا ليه. بتر حديثه اتصال جواد حازم به. -إيه حبيبي. سحب نفسًا وزفره بهدوء يطالع جاسر المسجى على فراش المشفى. -خالو. -جاسر اتصاب واحنا رايحين المستشفى. ابتلع جمرة ألهبت جوفه، ليسحب نفسًا حتى يتسع صدره الذي انقبض فجأة متسائلاً. -عامل إيه يا خالو، الإصابة خطيرة.

قالها وقلبه عبارة عن كتلة نارية وقاد السيارة بسرعة جنونية ورغم سرعة سيارته إلا أنه وجدها تخطو كالسلحفاة. اتجه لهاتفه مرة أخرى متسائلاً بنبرة قلقة. -حبيبي مبتردش على خالك ليه، إصابة جاسر خطيرة. أزال عبراته يهمس. -الرصاصة بصدره، الدكتور يونس بيقول بعيدة عن القلب، بس مكانها مؤثر. -لله الأمر من قبل ومن بعد، ومانقول إلا ما يرضي الله.. خير إن شاء الله، ربنا يحفظه بحفظه، هجيب غزل خلي بالك من ابن خالك. دقائق ونكون عندك.

قالها وأغلق الهاتف. من أمام المشفى العسكري تأهب الجميع لتلقي المصاب. كان بانتظاره عز وصهيب الذي هاتفه عز. تحرك صهيب بقلبًا مفطور يطالع ذاك المسجى. -إيه الأخبار. تسائل بها وهو يتحرك بجوار الفراش المتنقل، مسد على وجهه يطالعها. -جاسر حبيبي سامعني. كان المسعفون يتحركون به سريعًا متجهون للداخل طالعه المسعف. -لو سمحت لازم نشوف شغلنا، المصاب لازم يدخل عمليات. توقف أمامه ثم انحنى يلثم جبينه وكفيه فوق خصلاته.

-جاسر حبيبي سامعني. رفرف بأهدابه. هامسًا بصوت متقطع. -"جنى". ابتسم صهيب ممسدًا على خصلاته. -اتمسك حبيبي بالدنيا، سامعني. همس اسمها مرة أخرى ثم أغلق عيناه بدلوفه لغرفة العمليات. اتجه صهيب لجواد حازم متسائلاً. -إيه اللي حصل يا جواد. قص جواد ما صار ثم جلس على المقعد قائلاً. -أنا اتصلت بعز الأول، مقدرتش أعرف خالو، بس واحنا جايين جاسر فضل يردد اسم خالو، خفت يحصله حاجة. هز صهيب رأسه رافضًا حديث جواد ثم هتف.

-لا إن شاء الله مش هيحصله حاجة أنا متأكد، هيفوق أيوة هيفوق، الإصابة مش خطيرة. بعد فترة قصيرة وصل جواد الذي حاول التماسك حتى لا يضعف أمام زوجته ورغم نبضه المتسارع خوفًا على ابنه إلا أنه احتضن غزل قائلاً. -غزل الواد كويس بطلي عياط لو سمحتي. وصلت بساقين تتخبط من الخوف تبحث بالوجوه علها تجده. رأت صهيب واقفًا أمام غرفة العمليات. همست بشفتين مرتعشتين. -صهيب.

التفت صهيب على صوتها، توقفت تطالع تلك الغرفة وقلبها يئن بالألم كأنه يقتلع من صدرها. اقتربت وجسدها ينتفض وعيناها تدفع الدمع بالدمع كالشلال. -ابني عايش يا صهيب، قولي آه وحياة عز عندك تقولي آه. رفع عيناه المتحجرة بالبكاء لأخيه وهمس له. -عايش والله وكلمني كمان، الدكتور بيقول الرصاص بعيد القلب، إن شاء الله هيطلع كويس. أسندها جواد عندما وجد تلاشي جسدها بالوقوف.

-غزل حبيبتي سمعتي جاسر كويس، وكلم عمه، وأنا عندي يقين بالله حبيبتي إن ربنا هيحميه. بطلي عياط بلاش تجهدي قلبك. -ابني يا جواد عايزة أشوف ابني، عايزة أشوف ابني كنت حاسة إن فيه حاجة هتحصل لولادي، ابني.. جاسر. ظلت ترددها ببكاء. -كأن جاسر ملوش حظ من الحياة.. آآه. قالتها بشهقة ملتاعة خرجت من أعماق قلبها الذي ينزف داخليًا. ضمه جواد لأحضانه، محاولًا التماسك، يعلم أن الحمل ثقيل عليها ولم يعد لديها مقدرة للحزن والألم.

نظر لصهيب. -اتصل بمليكة يا صهيب خليها تجيب البنات وتيجي علشان أخوهم. -بلاش اتصال يا جواد، عز هيروح يجبهم ماتنساش بنتك حامل. أومأ بصمت وهو يسحب عيناه الذي ضعفت وتجمعت الدموع تحت أهدابه. اقترب عز يجلس أمام عمه على عقبيه يحتضن كفيه قائلاً. -عمو جاسر هيعيش وهيقوم منها صدقني، أنا عارفه قوي. رفع ذراعه يمسد على رأسه. -ربنا يحميكم لشبابكم يابني. ربت على كتفه.

-قوم هات لي البنات يا عز، وقول لبيجاد الأول علشان غنى، وانت حبيبي خلي بالك على ربي. أزال عز دموعه الذي زخمت بوجهه ونهض من مكانه. -حاضر. ذهب ببصره لغزل التي تغمض عيناها ودموعها تنساب بصمت. ثم انحنى يقبل جبينها. -إن شاء الله هيقوم بالسلامة. هزت رأسها بدموعها دون حديث. رفع جواد نظره لجواد حازم الذي يهاتف والده، ثم اتجه إلى جواد. -خالو أنا كلمت بابا وقالي هيجيب ماما. كانت عيناه على قميص جواد الذي به آثار دماء ابنه.

نظر جواد للذي ينظر إليه خاله ثم اقترب منه. -جاسر كويس إن شاء الله يقوم بالسلامة. اقعد وقولي إيه اللي حصل يا جواد. تسائل بها جواد ظنًا من تلك القضية. عند عز استقل سيارته واتجه إلى حي الألفي، ثم قام بمهاتفة أخته، مرة واثنين وثلاثة. عند جنى. نظرت لهاتفها الذي أعلن صوته بالأجواء. سحبت نفسًا، فتسائلت عاليا. -مين. نظرت للخارج واجابتها. -عز معرفش كل شوية يتصل ليه. قالتها وهي تشغل محرك سيارتها. -أيوه يا عز. -جنى إنتِ فين.

تحركت بالسيارة متسائلة ظنًا منها وجود جاسر معه فأجابته. -ليه. انعقد لسانه وتوقفت الحروف على أعتاب شفتيه. صمتًا مخنوقًا وهو لا يعلم كيف يخبرها، ولكنه عقد العزم وهتف. -جنى أنا رايح حي الألفي علشان آخد ربي وغنى المستشفى. توقفت بالسيارة متسائلة بالهفة. -عمو جواد حصله حاجة. -جاسر. قالها عز بهدوء حتى شعرت باختراق الكلمة لتصبح كالرصاصة تستقر بصدره. رجفة قوية اجتاحت جسدها كالزلزال وصورته تخرق روحها التي شعرت بانسحابها.

-جا..سر، ماله. توقف بالسيارة لوصوله لحي الألفي. -جنى جاسر انضرب بالنار، وبما إنك مراته حبيت أعرفك. دموع كأمطار رعدية بشتاء عاصف، دموع وانهيار ببكاء مرتفع حتى ارتجف جسدها وهي تسأله. -كويس صح يا عز. تسائلت بنبرة متحشرجة. مما أجابها حزنًا على حالتها. -إن شاء الله يبقى كويس يا جنى ادعيله، مضروب بصدره. استدارت لعاليا بعد إغلاقها الهاتف.

-دعيت عليه، أنا دعيت عليه يا عاليا، والله من ورا قلبي، لا مش هقدر، عاليا مش هقدر، قولي لي عز بيقول كدا علشان أرجع له. بكت عاليا على حالتها وهي لا تعلم لماذا تتفوه بتلك الكلمات. بدأت تردد كالمجنونة. -أنا السبب.. أنا اللي دعيت، ياربي لو كنت أعرف الدعوة هتستجاب كنت دعيت ما يفرقناش عن بعض أبدًا. فتحت عاليا باب السيارة وشعرت بالخوف على حالتها فاتجهت للجانب الآخر وهي تهاتف ياسين. -جنى انزلي حبيبتي وأنا هسوق.

رفعت عيناها الزائغة. -هو ممكن يموت، ممكن جاسر يموت. يا عاليا، لا لا لا. صاحت بها صوت مرتفع، ودموعها تغرق وجنتيها. أوقفتها عاليا متحاملة على نفسها. -تعالي هنا يالا علشان نروح له. قالتها ومازالت بانتظار ياسين بالرد. مرت عدة دقائق واجابها، يبدو أنه كان مستغرقًا بنومه. -أيوه يا عاليا. استمع لصوت جنى. -لا هو وعدني أنه مش هيموت، هو عايش أيوة أنا قلبي بيدق. بكت حتى انهارت على الأرض. تحدثت عاليا تبكي لياسين.

-ياسين الحقني، جنى مش قادرة عليها، عز اتصل ومعرفش قالها إيه على جاسر، شكله مصاب. ووقعت مني ومش حاسة بحاجة. انتفض من مكانه متسائلاً. -ماله جاسر. -معرفش هي كلمت عز وزي ما إنت سامع، أنا مش عارفة أسيطر عليها. -طب اقفلي يا عاليا بسرعة وأنا هتصرف. لحظات وهاتف عز الذي جلس بجوار ربي بعد اخبار بيجاد. -والله يا قلبي هو كويس، بس باباكي بقى عايزكم هناك. -أنا أخويا عايش يا عز صح. ضمه لأحضانه.

-وحياة ربنا أخوكي عايش وفل الفل وهتشوفيه دلوقتي. بتر حديثهم رنين هاتفه. -أيوه يا ياسين. -إيه اللي حصل عندكم. قص له ما صار. نهض ياسين يرتدي ثيابه على عجالة قائلاً. -متخلف يا عز اختك منهارة على الطريق وعاليا مش عارفة تتصرف معاها، ابعت لهم فارس أو روح إنت، جنى مش في وعيها. كور قبضته يسب نفسه. -متخلف يا عز. تجهزت ربي مردفة. -عز أنا لبست يالا، هشوف غنى هتيجي معانا ولا لأ.

نهض من مكانه ثم حاوط كتفها وتحرك للخارج متجهًا إلى سيارة بيجاد. توقفت أمامه متسائلة. -عز إنت رايح فين. قبل جبينها متنهدًا ثم سحب نفسًا يزفره بهدوء قائلاً. -روبي ممكن تروحي مع بيجاد، ولو عايزة تيجي نروح لجنى، جنى من غبائي قولتلها وانهارت وعاليا مش عارفة تتعامل معاها. ربتت على كتفه ثم تحركت اتجاه غنى قائلة. -روح لجنى وأنا هروح مع بيجاد. أومأ لها واركبها السيارة ينظر لبيجاد يشير بعينيه. -خلي بالك منها وأنا شوية وهلحقكم.

-متقلقش. اتجه لسيارته وقادها بسرعته يهاتف فارس. -فارس فينك. نهض يشير لأصدقائه. -كنت في النادي وراجع على البيت فيه حاجة. -اه.. جاسر اتصاب في مداهمة وكلهم في المستشفى، شوف أوس فين وكلمه. -جنى عرفت يا عز. -آه ورايح لها. قالها عز ثم أغلق الهاتف متجهًا إليها. -عاليا إنتوا فين. -رايحين المستشفى في طريق. -تمام. وصلت بعد قليل إلى المشفى، توقفت السيارة تنظر حولها بتيه وعيون مشتتة. بوصول أوس يترجل من سيارته.

اندفع إليها بعدما أشارت له عاليا. -جنى. رفعت عيناها المتورمة إليه تهمس بصوتًا متقطع. -عا..يش. اتجه يرفعها من أكتافها. -تعالي معايا يالا، هو كويس. -احلف. رسم ابتسامة وحاوط جسدها يشير لعاليا. -اقفلي العربية يا عاليا. أومأت له دون حديث، استمعت لرنين هاتفها. -إحنا خلاص وصلنا المستشفى. -تمام يا عاليا أنا داخل عليكم متتحركوش. -الباشمهندس أوس دخلها جوا. -طيب. قالها عز متجهًا إلى المشفى.

تعكزت على أوس إلى أن وصلت إلى الجميع بوهنًا وألمًا يشق قلبها. زاغت أبصارها إلى جلوس جواد فأردفت بتقطع. -عمو جواد. رفع جواد نظره إليها واغمض عيناه يهز رأسه بألمًا دون حديث. توقف صهيب متجهًا إليها. -حبيبتي عاملة كدا ليه. تجول ببصره على هيئتها، يجذبها لأحضانه. -آآه. صرخة قوية شقت ثغرها ليربت صهيب على ظهرها وهي تردد كالذي فقدت عقلها. -أنا السبب.. أنا السبب.

وصلت الممرضة إليها لتقوم بحقنها بعدما ازداد بكائها الذي شق الصدور، فأشار جواد لأوس. -خلي الدكتور يعطل لها مهدئ يا ابني.

بعد عدة ساعات تأهب الجميع بخروج الطبيب الذي توقف وعيناه على جواد الذي مازال جالسّا من يراه يزعم أنه يتسلح بالبرود والقوة، ولكن كيف لقلب الأب أن يجد القوة للوقوف ونبضاته تصم أذنه، لقد خانته ساقيه على الوقوف، فابتلع ريقه الذي جُف كالتائه بصحراء جرداء بإحدى فصول الحرارة المرتفع، حاول السيطرة والتحكم بقوته عندما ترقرق عيناه بالدموع من نظرات الطبيب، تعلقت عيناه بأعين الطبيب منتظر حديثه.

-زي ماقولنا من شوية العملية كانت خطيرة، الرصاصة كانت في مكان مؤثر. توقفت غزل واستندت على كتف جواد. -قول من الآخر يا دكتور، مبحبش المقدمات، ابني كويس ولا لا. -إن شاء الله هيكون كويس يا دكتورة، بس. توقف عن الحديث فاتجهت إليه غزل وأشارت بكفيها صارخة به. -إنت هتقعد تسبسب، بقولك قول من الآخر ابني. دفعت الدكتور وثارت بغضب. -أنا بسالك ليه أصلًا. قالتها وتحركت متجهة إلى حيث وجوده. -ماما قالها أوس.

-محدش يكلمني مش عايزة نفس، أنا هدخل لابني علشان أعرف ابني حصله إيه. اقترب الطبيب من جواد. -أنا عاذر الدكتورة، لكن العمليات دي بتكون خطيرة ومقدرش أقول كل حاجة على ما يرام إلا بعد تمانية وأربعين ساعة. أومأ جواد متفهمًا، ليتحرك الطبيب مغادرًا. اتجه صهيب وجلس بجواره من جهة وسيف من الجهة الأخرى. -جواد. رفع عيناه لصهيب وأردف.

-نصيب، مش عايز صوت، نصيبه كدا، يعني مكتوب يحصل كدا حتى لو في حضني، قدره بقى عند ربنا يا صهيب، روح شوف بنتك لتضيع منك زي ماقولت. ربت صهيب على كتفه. -متقساش عليا يا جواد، جاسر ابني زي ما جنى بنتي. لاحت ابتسامة ساخرة على وجهها. -أيوه فاهم واهو ابني في أوضة وبنتك في التانية. تسائل سيف. -لو اللي فهمته صح تبقى غلطان يا صهيب. نهض صهيب متنهدًا. -ابنك يفوق بالسلامة وهبعت لك حاجة يبقى شوفها واحكم يا جواد.

قالها وتحرك متجهًا لغرفة ابنته. مر الوقت ثقيلًا على قلوبهم. حتى توقف جواد عندما ثار قلبه بالقلق. توقف صهيب متجهًا إليه. -جواد رايح فين. أشار بكفيه لتوقفه. -داخل لابني يا صهيب. تحرك بخطوات بطيئة ورغم بطئها إلا أنه كأنه يسير فوق نيران جحيمية. دلف للداخل وجد غزل تجلس بجواره تحتضن كفيه. ربت على كتفها. -غزل قومي ارتاحي. بصوت مفعم بالبكاء والانتفاضة ورعشة بجوفها المتألم. -أرتاح إزاي وابني تعبان. انحنت تلثم كفيه.

وتابعت مستطردة. -جاسر افتح عيونك ماما وطمن قلبي. قالتها بدموع الوجع، أوقفها جواد لترتمي بأحضانه تجهش بالبكاء، بكاء أم غرس قلبها بسكين بارد خوفًا على فلذة كبدها. -هيفوق يا جواد، قول أنه هيفوق ويبرد نار قلبي. قبل جبينها ثم اتجه بنظره لأبنه متحدثًا. -إن شاء الله يا غزل ادعي له، يالا تعالي علشان نصلي وندعي له، عايزاه يفوق إزاي وإحنا ناسين فرض ربنا، يالا حبيبتي تعالي نصلي من الصبح وأنتِ في مكانك مصلتيش.

تجولت عليه ببصرها للمرة الأخيرة ثم تحركت للخارج وهو محاصر أكتافها. مرت عدة ساعات أخرى، بغرفة جنى استيقظت وجدت والدتها تحتضن كفيها، فاعتدلت سريعًا. -إيه اللي حصل. قالتها وهي تنزل من فوق فراش المشفى، توقفت نهى أمامها. -جنى رايحة فين إنتِ تعبانة. تحركت للخارج. -رايحة أشوف جوزي يا ماما. قالتها وتحركت للخارج بخطوات مبعثرة، وزاغت أبصارها على الجميع فتحركت من بينهم متجهة لغرفة العناية. -جنى.

قالها عز، ولكنها تحركت حيث جلوس الممرضة. -عايزة أشوف جوزي. تجهزت واتجهت للداخل. تسلطت عيناها على تسطحه كالجثة لا يشعر بمن حوله. اتجهت إليه بخطواتها المتمهلة. وعيناها تسبح على جسده بالكامل. وصلت إليه. ظلت للحظات وهي تقف وعيناها تتجول على ملامح وجهه الشاحبة. دنت وابتسمت بدموع عينيها وهي تحرك أناملها على وجهه مرة وعلى رأسه مرة. هوت على ركبتيها تحمل كفيه المغرزو بالأبر ثم رفعته تلثمه وشهقة محملة بوجع قلبها المنفطر عليه.

-جاسر.. أنا جيت، آسفة. قالتها بتقطع، وضعت رأسها بجوار رأسه واناملها تتحرك على وجهه. -حبيبي افتح عيونك بلاش تعاقبني بالوجع ده. ابتلعت غصة بمرارة العلقم. فيه خبر حلو قوي. دنت من وجهه تهمس بجوار أذنه. -مش هسمع كلامك سمعتني، ابني هجيبه حتى لو فيها موتي، وكنت ناوية مش أقولك غير لما يكبر شوية علشان متقوليش لا بلاش علشان صحتك، أنا عايزاه يا جاسر، سامحني مش هقدر أتنازل عليه، ولو خيروني بينه وبين موتي هختاره هو، عارف ليه.

دنت حتى لمست وجنتيه بثغرها قائلة. -علشان حتة منك، إنت أبوه، وكل ما يخصك مستحيل أتنازل عنه. لثمت وجنتيه مرة أخرى وتبسمت وتابعت حديثها. -عايزاه حلو شبهك، بس مش عايزة بروده واستفزازه ليا، عارف لو طلع مستفز شبهك. انسابت عبراتها فوضعت رأسها بعنقه وبكت بشهقات. -هحبه برضو، ماهو ابني، وانت ابوه. كان واقفًا يتابعها من خلال النافذة الزجاجية، كور قبضته وعيناه لم ترف بالابتعاد عنها وهي تقترب منه وتطبع قبلة بجانب خاصته.

اتجه لباب الغرفة بعدما تجهز ودلف للداخل. -حبيبي يالا افتح عيونك وحشتني قوي، يالا علشان أتخانق معاك وأقولك طلقني. أزالت عبراتها المنهمرة واكملت. -أيوه بدلع عليك، وعارف لو طلقتني هموتك بجد، إياك تسمع كلامي، هو فيه حد بيسمع كلام المجانين، آه أنا مجنونة وإياك تسمع كلامي. شعرت بمن يضع كفيه على كتفها، فرفعت عيناها لوالدها ثم اتجهت إليه وتحدثت بمرار دموعها ووجعها الذي تشعر به.

-كدا مرتاح يا بابا، اهو قدامك بين الحياة والموت، ياريتك سبتني أشبع منه شوية. -قومي يا جنى، جاسر كويس، وشوية وهيقوم. انحنت تضع رأسها بعنقه مرة أخرى. -مش مسمحاك يا بابا، طول ما قلبي وجعني كدا مش مسمحاك. دلف جواد واستمع لحديثها، نهضت بعدما طبعت قبلة على جبينه ونهضت تطالعهم بعيونها الحمراء المتورمة. -مش مسمحاكم انتوا الاتنين. أشارت عليه ثم اقتربت من جواد.

-كل ما تبص له افتكر إنك سرقت سعادته إنت وأخوك.. ذنبنا برقبتكم انتوا الاتنين، بابا حكم وحضرتك نفذت. توقفت عن الحديث عندما استمعت لهمسه باسمها. استدارت سريعًا وابتسامة لمعت بعينيها وتبدل حالها. -جاسر. اقتربت منه بدخول الممرضة. -ماينفعش يافندم الزحمة دي، كدا هتسببوا لي مشكلة. أمالت بجسدها تطالعه بفرحة قلبها. -جاسر حبيبي سامعني، جاسر. فتح عيناه ومازال يردد اسمها. ابتسامة واسعة بدموع كثيفة وهي تقبل جبينه.

-أنا هنا، أنا اهو.. سامعني. اقتربت الممرضة تستدعي الطبيب. -لو سمحتوا كله برة. أمسكت كفيه تنتظر أن يفتح تلك الرمادية ولكنها لم تعد تستمع إليه. رفعت نظرها للممرضة. -إيه اللي حصل. جذبها جواد من ذراعها يشير إلى صهيب بالخروج مع دخول الطبيب. -تعالي يا جنى، هيفوق هو تحت المخدر. نزعت نفسها من كف عمها. -لا هستنى هنا. ضغطت الممرضة بخروجها مع فحص الطبيب إليه.

بعد عدة ساعات قام الأطباء بنقله لغرفة أخرى، تحرك البعض للاطمئنان عليه، اما تلك التي ظلت جالسة تنظر بشرود بعدما اطمئنت عليه من الطبيب المختص، جلست عاليا بجوارها تربت على ظهرها. -مش هتقومي تشوفي. سأل عليكي. مسحت دموعها تهز رأسها بالرفض. -اطمنت عليه كفاية، بلاش اخليه يشوفني هنا. -جنى اتجننتي إيه اللي بتقوليه دا، من كام ساعة كنتي هتموتي عليه إزاي عايزة تفهميه كدا. نهضت من مكانها ثم دققت النظر بعينيها قائلة.

-عاليا، أكيد هترجعي مع ياسين، طمنيني عليه، أنا مش هدخله، أهم حاجة يكون كويس، مش هين نفسي تاني قدامه. قالتها وتحركت تجر آلامها بخطواتها الهزيلة تحتضن جنينها، حتى خرجت من باب المشفى. جلست عاليا على المقعد بالخارج وتنهيدات متحسرة عليها، شعرت بأحدًا بجوارها يفرد ذراعيه يجذب رأسها تحت ذراعيه يقربها إليه، واضعًا رأسه فوق رأسها كالغريق الذي يبحث عن منقذه. همست بتقطع عندما لفت رائحة عطره أنفاسها. -ياسين إنت كويس.

أغمض عيناه وتمنى أن يدفن نفسه بداخل أحضانها، فمنذ معرفته بإصابة أخيه وهو فاقد كل شيئًا، لم يشعر بما يدور حوله. تغلغلت روحها بدقات قلبها العنيفة عندما ضغط على خصرها يضمها بقوة مما جعلها تشعر بأنه ليس هو. صمتت لبعض الوقت وتركت له الساحة حتى يهدأ قليلاً. رمقته تتفحص تقسيمات جسده المشدود، لأول مرة تكون معه بذاك القرب منذ تلك الليلة.

ظلت تقاوم نبض قلبها من قربه المهلك لروحها، وعجزت عن توقف شفتيها من الارتعاش حينما أعدل رأسه ودنى لتختلط أنفاسهما قائلاً. -عاليا أنا تعبان أول مرة أحس بالخوف كدا. رفعت كفيها تربت على كتفه عندما انتفض قلبها من حالته الضعيفة التي لأول مرة تراه بها. حاولت إخراجه فسحبت كفيه تضعه على بطنها الذي يتحرك بها جنينه. -شوف ابنك بيعمل إيه.

رجفة قوية بعموده الفقري حينما رددت له تلك الكلمات البسيطة، ورغم بساطتها إلا أنها كانت عبارة عن بحرًا غادقًا بالأمنيات والسعادة، لمعت عيناه وارتعشت دواخله وهو يبتسم قائلاً. -دا فعلاً بيتحرك. هزت رأسها فرحًا قائلة. -أيوه بيقولك متزعلش يابابي عمو بخير. -بابي. آآه يا إلهي ما أجملها حين تسقط على قلبٍا جاف خالي من السعادة، لتغرقه فرحًا وتطيب روحه بِرًا. باتت نبضاتها تهدر بعنف حينما نزل برأسه يقترب من بطنها وكأنه يسمعه.

"ابني". شعرت بالحرارة المنبعثة من وجنتيها عندما أفلت ضحكة رجولية. -هو سمعني وعرفني صح، كنت بسمع ماما بتقول كدا لروبي وغنى.. البيبي بيحس. رفعت أكتافها دون معرفة ضاحكة فتحدثت. -معرفش بسمع كدا. نصب عوده وتوقف يمد كفيه. -تعالي نشوف الدكتور ونطمن عليه. بالداخل جلست فوق الفراش تحتضن كفيه. -كدا يا جسور عايزة أضربك. لكزتها ربي. -بس يا غنون جسور ده يتحب مش ينضرب. رسم ابتسامة واغمض عيناه. وتحدث بصوت ضعيف. -أنا كويس يا غنى.

انحنت تقبل جبينه واردفت بمحبة أخوية. -دايما كويس يا قلب غنى. جذبها بيجاد من خصرها. -اطمنتي يا ستي، يالا بقى علشان يرتاح وانت كمان حبيبتي ومتنسيش ولادك اللي في البيت. شعرت بالحزن فترجته بعينيها. -خلينا شوية كمان. قطع حديثهما جواد وهو يشير لأبنته. -امشي حبيبتي مع جوزك، متنسيش إنك حامل وبقالك يومين وانت سهرانة، روحي علشان تشوفي ولادك. ثم اتجه ببصره لغزل. -خدي ماما كمان معاكي. توقفت غزل واتجهت لابنها. -حبيبي حاسس بإيه.

-أنا كويس يا ماما، عايز أنام. مسحت على خصلاته. -نام يا حبيبي، هروح أغير هدومي وأعمل كام حاجة وأرجع لك الصبح. قبض على كف والدته وهمس لها. -عايز جنى. طبعت قبلة واعتدلت ترمق صهيب بنظرات خرساء ثم تحركت قائلة. -جواد أنا همشي جاسر في رعاية ربنا ثم في رعايتك. كانت نظراته عليها فقام بالمناداة على ابنته. -ربي. استدارت إليه، فأشار إليها. -روحي مع ماما شكلها تعبانة. اتجهت بنظرها إلى أخيها. -طب وجاسر يابابا. ربت على كتفها.

-روحي وأنا وأوس هنا حبيبتي، متشغليش بالك خلي بالك من ماما. -حاضر يابابا. تحركت تجذب أشياءها واتجهت لزوجها. -يالا يا عز. نهض من مكانه يشير لوالده. -هوصل ربي يابابا. أوقفه جواد. -وصل باباك يا عز. طالعه صهيب بحزنًا ثم تحدث. -عايزني أسيبك لوحدك. اقترب جواد وعيناه على جاسر المستغرق بنومه. -روح ارتاح، والصبح تعالى، قعدتك مالهاش لازمة، الكل مشي حتى حازم ومليكة هتقعد ليه، قوم مع ابنك الولاد معايا هنا. ثم رفع نظره لعز.

-خليك مع باباك يا عز، وصل ربي حي الألفي علشان أكون مطمن على غزل وضعها مش مريحني، وبلاش ترجع حبيبي، أوس وياسين هنا، وجاسر بقى كويس الحمد لله هو بس دا من أثر المخدر والصبح يكون أفضل. بعد عدة ساعات بحي الألفي، تجلس على سجادتها تمسك مسبحتها والدموع تنهمر من عينيها مع ذكريات الألم المليئة بداخل صدرها، تمددت مكانها تكتم صوت شهقاتها تدعو الله عز وجل.

"ولادي في معيتك يا رحمن يا رحيم احفظهم بحفظك الامين، ربي لقد انفطر قلبي على فراق الأحبة فلا تجعل فراق أحدًا من أولادي مثقلة على قلبي". أغمضت عيناها بألم قلبها الذي بدأ ينخر بصدرها، فاعتدلت وبسطت كفيها تجذب أدويتها دلفت ابنتيها بعد السماح إليهما. -ماما حضرتك لسه صاحية. أزالت عبراتها واومأت برأسها تفتح ذراعيها إليهما.

جلست الفتاتان تحتضن والدتهما أغمضت عيناها تضمهما بقوة تغمض عيناها كأنها تستمد منهما راحة لقلبها ثم تحدثت. -تعرفوا إنكوا دوائي، وقت ما أكون تعبانة مجرد حضن منكم بنسى كل التعب. خرجت غنى تحتضن وجه والدتها. -ماما حبيبتي إحنا كويسين، بلاش توجعي قلبك حاولي ترتاحي. هزت رأسها. فأزالت غنى دموعها. -ماما بابا قلقان عليكي كل عشر دقائق بيتصل، علشان خاطري كلميه مش هيرتاح غير لما تكلميه.

تجهت ببصرها لربي التي وضعت رأسها على ركبتيها وانسابت عبراتها بقوة. اقتربت بجسدها ترفع ذقنها. -بطلي عياط حبيبتي متنسيش إنك بترضعي، يالا قوموا ارتاحوا، وصلوا القيام قبل ما تناموا، متنسوش إن قيام الليل متعة ربانية للي ربنا بيحبهم. مفكرين حبكم في الصلاة دا منكم، دا اللي ربنا بيحبه بيقرب عبده بالعبادات وأجملها قيام الليل. وزي ما النبي عليه الصلاة والسلام كان كثيرًا ما يتهجد بالليل،

ويقول: أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نِيام؛ تدخلوا الجنة بسلامٍ، عارفة مشاغلكم كتيرة وبيكون عندكم فتور، بس دا اعتبره أمر رباني زي الصلاة كدا. مسحت على رأس ربي. -يالا يا دكتورة، ومتنسيش بعد شهرين عندنا ماجستير إيه عايزاهم يقولوا بنت الدكتورة غزل ضعيفة المستوى. نهضت غنى تجذب رُبى. -يالا يا روبي قومي علشان مامي ترتاح ونصلي مع بعض. ثم اتجهت إلى والدتها.

-كلمي بابا يا ماما. هزت رأسها دون حديث، فخرجت الفتيات وقلبهما ينزف دون دمًا على حالة والدتهما الشاحبة، توقفت ربي على باب غرفتها. -مامي ممكن أبَات عندك الليلة. هزت غزل رأسها بالرفض قائلة. -لا حبيبتي أنا كويسة، روحي باتي مع جوزك، وكمان عايزة تاخدي مكان بابي يا روبي. ابتسمت من بين دموعها قائلة. -قلقانة على حضرتك يا ماما. نهضت غزل واتجهت لفراشها. -لا يا بنتي أنا كويسة، وهكلم بابا وأنام يالا على أوضكم.

قالتها وهي تتمدد جالسة على الفراش. أمسكت هاتفها وقامت بمهاتفة جنى. عند جنى. جالسة على فراشها تقلب ألبومًا من صورهما منذ الطفولة إلى بعد حملها، توقفت على إحدى الصور وهو يقبل وجنتيها وابتسامتهما تنير وجههما، لمست وجهه تتحرك بأناملها عليه بلهفة عاشق تريد أن تراه ليروي روحها الذابلة، ظلت تتجول بالألبوم صورة أخرى وهو يضع كفيه على أحشائها، وغيرها وغيرها. إلى أن استمعت لصوت هاتفها، رفعته بقلبًا متلهف واجابتها سريعًا.

-أيوه يا طنط غزل. -جنى ليه تركتي جاسر من قبل ما يشوفك، دا حبك يا جنى، عارفة إنك زعلانة منه وحقك مليون المية، بس متنسيش إن دا ابن عمك قبل ما يكون طليقك يابنتي. -آآه ملتاعة خرجت من جوف حصرتها على فراقه ثم أجابتها بصوت متحشرج بالبكاء. -كدا أحسن يا طنط، المهم هو يكون كويس. قطعت حديثها وهدرت قائلة.

-ومن إمتى يا بنتي الحبيب بيكون كويس وهو بعيد عن حبيبه، عارفة إن ابني خذلكي بس هو غصب عنه يا جنى، متنسيش إن باباكي حطكم في خانة اليك، متحمليش جاسر ألم فوق ألمه يا بنتي، أتمنى حبيبتي بكرة تروحي تزوريه مش هطلب منك حاجة تانية، انسي كل حاجة وروحي زوري ابن عمك يا جنى. -حاضر يا طنط. -وعد يا جنى. أجابتها بهدوء رغم اشتياقها الكامن له. -هحاول يا طنط، مقدرش أوعدك، فيه حاجة لازم حضرتك تعرفيها.

-جاسر خيرني بين حياته وبين البعد، فأنا اخترت البعد بلاش تضغطي عليا لو سمحتي. اعتدلت غزل وتنبهت لحديثها متسائلة. -يعني إيه يا جنى. -السؤال ده تسأليه لجاسر لما يفوق يا طنط. بعد عدة أيام. صباح جديد لاح بالأفق لتستيقظ على صوت هاتفها. -أيوه يا هناء. أجابتها العاملة التي تعمل بالجاليري. -مدام جنى حضرتك لازم تيجي النهاردة، معظم الكاستمرز بيسألوا عليكي.

فركت جبينها ثم جمعت خصلاتها ونهضت من فوق الفراش تزيل ستائر غرفتها فيبدو الجو اليوم شديد الحرارة، فنظرت للخارج وأجابتها. -هناء أنا حاليًا مش هعرف أجي المعرض، لو مش عارفين تشغلوه اقفليه وخدوا إجازة إنما أنزل لا، وماليش مزاج أشوف حد ولا أتكلم. يالا سلام. ألقت الهاتف واتجهت للحمام، خرجت بعد دقائق ترتدي إسدال صلاتها لتؤدي صلاة الضحى، فلقد أوشكت الساعة على العاشرة.

جلست بعض الوقت على السجادة تسبح ربها ثم قامت بالدعاء لزوجها لتنهض تنزع إسدالها، وتتجه نحو هاتفها. -عز. -جاسر عامل إيه النهاردة. جالسًا بإحدى الاجتماعات ولكنه اضطر للرد خوفًا لإصابتها بمكروه، ثم توقف وأجابها. -كويس حبيبتي و النهاردة تحرك شوية، كان عايز يخرج لكن عمو وطنط غزل رفضوا تمامًا.

-إنتِ أخبارك إيه، اعملي حسابك يا جنى مستحيل أخليكي تقضي رمضان لوحدك، لو مش عايزة تيجي عندي تروحي لبابا، مع إنّي متأكد إن عمو جواد مستحيل يسيب بابا يبعد في رمضان. -إن شاء الله يا عز، هسيبك ههههه تشوف شغلك، وأنا هنزل أعمل رياضة المشي صحيت متأخرة. لسه أسبوعين على رمضان.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...