أنا لم أكن عادية أبداً، فدائماً ما أكون أنا محور الاهتمام، صدقاً بدون أن أبذل أي مجهود. ما كان يميزني دوماً أني لم أكن أهتم، لا تقنعني أبداً كلمات الحب والغزل، لا أنتظر من أحداً أن يخبرني كم أنا جميلة. فكُنت على قناعة كاملة أن قلبي ينتظره، وأن جميع أبوابي المغلقة لن تُفتح لغيره. وحين أجده ستكون وقع كلماته مثل السحر، وأن جمالي لن يكتمل إلا بانعكاس صورتي في عينه.
طال انتظاري لك، وأخيراً قد وجدتك، وحين وجدتك لم تسمعني أي كلمات، أعطيتك مفاتيح روحي ولم تمد يدك لتأخذها وتركتها تصدأ. لم أرَ في عينيك سوى انعكاساً لخيبتي بك، ومعك نعم وجدتك، وحين وجدتك فقدت نفسي وفقدتك. تمنيت أن لم أجدك وأعود أنتظرك، فكم كانت قسوة الانتظار أرحم لي من قسوة قلبك. *** دنى يخطو إليها، ومع كل خطوة ترتفع نبضاتها متراجعة للخلف. دقات قلبه تتنازع مع بعضها، وصراع داخلي بين كرامته وقلبه.
لقد أهينت رجولته بحديثها اللاذع المهين له، حتى جعلته ينزف. ونيران داخلية تلعنه من ذاك العشق اللاذع، اقترب بأنين صامت، وأنفاس نارية مهدورة. فجذبها من ذراعها بقوة أذهلتها. ابتلعت ذعرها منه. "جاسر!! نيران بداخله أشعلت حرب أعصاب ونظرات بينهما. دفعها بقوة على الفراش. نهضت سريعاً متسائلة بزعر بعدما وجدت جنونه. "إنت هتعمل إيه؟! " قالتها بعين زائغة. انحنى إليها وتملكه غضب جارف.
"هعاين الجثة مش يمكن عايزة تحنيط مش تشريح، يا حضرة الطبيبة التشريحية، تقولي إيه أصل جوزك حقير واطي." قالها وقلبه يتآكل من الوجع. تلاشى تنفسها من حالته التي أوجعت قلبها، فتحدثت. "جاسر ابعد عني، أنا آسفة مقصدش اللي وصلك." ما زال على وضعه، لقد وضعه على المحك. فدنى أقرب منها ووزع نظراته على جسدها الذي كُشف أمامه بالكامل، ثم رفع نظره إليها. ورغم المرارة والألم من حديثها الذي شقه لنصفين، حاول أن يهدأ داخله فتحدث.
"من اللحظة دي طرقنا افترقت، عايزة تمشي الباب مفتوح مش همنعك، عايزة تطلقي معنديش مانع، إنتِ كدا كتبتي خط النهاية بينا، أصلك مش غريبة متعرفيش مين هو جاسر، علشان تفكريني حقير شهواني، ياخسارة يابنت عمي." قالها وتحرك للخارج سريعاً. هرول كالذي يطارده شيطانه، حتى وصل لسيارته، استقلها سريعاً، وقادها بسرعة جنونية. شهقة خرجت من جوف آلامها تهمس اسمه ببكاء يمزق نياط قلبها هامسة. "آسفة مكنش قصدي، أنا تعبت من قلبي الموجوع منك."
وضعت كفيها على صدرها وناجت ربها. "يارب.." ثم نهضت من مكانها متجهة للواحد القهار ترجوه بأسرها أن ينجيها من الهم والحزن. قامت وتجهزت لمقابلة ربها بركعتي تزيل همها. خرجت من مرحاضها بعدما توضأت واتجهت تقيم صلاتها بآلام قلبها النازف. سجدت لربها تبكي وتدعوه بسريرتها.
"ربي لقد عجز تفكيري وخلت بي الطرق، فأنت وكيلي، اللهم بك أستعين وعليك أتوكل، اللهم ذلل لي صعوبة أمري، وسهل لي مشقته، وارزقني الخير كله أكثر مما أطلب، واصرف عني كل شر، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري يا كريم. اللهم أخرجني من حولي لحولك ومن ضعفي لقوتك." ظلت تناجي ربها حتى أنهت صلاتها فاعتدلت تقرأ بعض آيات الذكر الحكيم. مرددة دعاء سيدنا يونس. "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
ظلت فترة من الوقت، ثم نهضت من مكانها واتجهت لهاتفها وامسكته بتردد لحظات تنظر للهاتف ثم عزمت أمرها وقامت بمهاتفاته. كان يقف بالسيارة أمام النيل ينظر بشرود، تعاظم الغضب بداخله حتى بدأ ينفث سيجاره على هيئة نيران صدره الملتهبة. يعشقها بجنون، وغيرته تكاد تذهب عقله. تذكر ما صار بينهما بعد رجوعهم من المشفى. **فلاش قبل شهر** ولج للداخل كانت تجلس تنظر بشرود للخارج. توقف أمامها يضع كفيه بجيب بنطاله.
"من بكرة هنزل الشغل، ياسين استلم شغله في العريش ومراته هتيجي تقعد معاكي الفترة اللي هكون موجود بها بالشغل." كانت ما تزال تنظر للخارج وكأنه لم يتحدث إليها. جذب مقعد وجلس أمامها. "مش عايزة تقولي حاجة؟ استدارت برأسها. "جاسر أنا مش مرتاحة هنا، ومبقتش عايزة اقعد هنا، عايزة ارجع بيت ابويا عرفت أنه سافر، ومفيش حد في البيت." نهض من مكانه يزفر متنهداً بغضب. "جنى بلاش نتكلم دلوقتي في حاجة."
سحب كفيها وساعدها بتبديل ثيابها، ثم جمع خصلاتها برباط للشعر. "خلي شعرك ملموم علشان مايتعبكيش في التسريح." رفع ذقنها. "مرات ياسين برة ادخلها؟! أومأت برأسها. تحرك للخارج ولكنها أوقفته. "جاسر..!! استدار بجسده ينتظر حديثها. "عايزة اكلم بابا، حاسة بحاجة ماما مخبيها عليا." دققت النظر بعينها. "إنت مخبي عليا حاجة؟! قطب جبينه ثم اقترب منها مستفهماً. "تقصدي إيه؟! زفرت متحدثة. "ولا حاجة خلاص."
وقف أمامها ثم سحب كفيها وأجلسها بجواره. "أنا مشفتش عمي من يوم مارجعنا من تركيا، هو لسة زعلان مننا، يعتبر مبكلمنيش، سبيه شوية وبعد كدا يبقى نزوره." أومأت له فنهض متحركاً للخارج. توقف على باب الغرفة يليقها بنظرة أخيرة ثم خرج. ولجت عاليا للداخل. "صباح الخير ياجميل." رفعت نظرها لعاليا مبتسمة فأشارت لها. "تعالي." ولجت للداخل توزع نظراتها على الغرفة. "اوضتك حلوة اوي على فكرة." "ميرسي."
ظلت نظراتها عليها، فجلست عاليا أمامها. "عارفة عايزة تسألي عن علاقتي بياسين مش كدا." هزت رأسها وابتسامة حزينة افترقت شفتيها متسائلة. "أنا معرفش ياسين اتجوز، حتى جاسر مقالش حاجة زي كدا." نهضت عاليا، وأشارت على حجابها. "طيب البسي وتعالي ننزل الجنينة شوية، الشمس حلوة، وحضرة الظابط نزل الشغل، وقالي أوامر اد كدا." غمزت عاليا بعينيها. "تعرفي بيحبك اوي اوي يبختك."
"وانا بحبه اوي كمان." خرجت الكلمات من فمها حزينة وترقرقت عيناها بالدمع. أطبقت على جفنيها حتى لا تسقط عبراتها. ابتلعت ريقها وتسائلت. "هو جاسر حضر فرحكم؟ *** ضيقت عيناها تنظر إليها مستغربة. "ليه هو ماقالكيش ولا إيه." تحمحمت تجذب حجابها تضعها بعشوائية على رأسها، ثم ارتدت حذائها. "يالا ننزل تحت، ونتكلم." **عند جاسر** استقل سيارته متجهًا لعمله، استمع لرنين هاتفه. "أيوة يابابا." "إيه اللي رجع فيروز تاني ياجاسر."
توقف فجأة حتى اصطدم بالقيادة. "بتقول إيه!! نهض جواد يزأر بصوته كالأسد. "قدامك 24 ساعة يابن جواد تخلصلي من موضوع الحرباية دي سمعت ياله، وحياتك عندي البت دي لو حاولت تقرب من جنى لأحرقها ياحضرة الظابط الحنين." قالها ثم أغلق الهاتف. يشعر بارتفاع أنفاسه. ولجت غزل تفرك كفيها. التفت إليها ثم جلس محاولاً السيطرة على أعصابه الذي بدأ يفقدها. حمحم ليتجلى صوته وأشار لها. "تعالي ياغزل." جلست تبعده ببعض المسافة.
مسح على وجهه بعنف ثم سحب نفسًا وزفره قائلاً. "غزل عايزك تجهزي فرح ياسين، انا رحت لابو البنت، لازم في أقرب وقت نعملهم فرح قبل ماابنك المتخلف يطلقها." رفعت عيناها بذهول. "إنت بتقول إيه ياجواد، يعني إيه يطلقها اومال اتجوزها ليه، هو مش بيقول بيحبها ولا فيه حاجة مخبيها عننا." نقر بقلمه على المكتب ينظر بشرود.
"البنت ملعوب بيها لعبة كبيرة اوي، انا بدور ورا الموضوع دا،. بس طبعا عايز وقت، فأنا لازم اسكت الكل قبل مايبدأو يخنقوني بأخبار كاذبة، واعدائنا اكتر من اصدقائنا." رفرفت بعينها. "تقصد إيه؟! "بعدين ياغزل شوفي لو ينفع على الجمعة اللي جاي." نهضت من مكانها وتوقفت أمامه. "جواد!! رفع رأسه منتظر حديثها. ابتعدت بنظرها مردفة. "مينفعش نعمل فرح ياسين دلوقتي، ممكن حفلة بسيطة وكأنه كتب كتاب وتصريح للسوشيال ميديا حاليا."
هب من مكانه رافضاً حديثها. "مينفعش اللي بتقوليه دا، انت متخيلة لو حد من اعدائي عرفو موضوع مراته دي هيحصل إيه، نسيتي جواز جاسر." تدرجت ملامحها بالحزن وأجابته بهدوء. "مينفعش نعمل فرح وصهيب مش موجود." "هتصل بيه ياغزل مالكيش دعوة، هعرف احل موضوع صهيب، هو زعلان علشان بنته وهو من حقه، إنتِ دوستي عليه ياغزل." تجلى الحزن بعينيها. "عارفة ياجواد، ورحت اعتذرتله، لكن مقبلش الاعتذار." تنهدت وجلست بمقابلته.
"فيه موضوع مهم لازم تعرفه، نهى حلفتني ماأقولك بس أنا قلبي وجعني من امبارح ومبقتش قادرة أخبي عليك أكتر من كدا." نظرات مصوبة إليها منتظر حديثها وعقله يوحي بأن هناك شيئاً سيئاً. أطلقت تنهيدة مرتعشة ولمعت عيناها بالعبرات. "صهيب هيعمل عملية بعد يومين في ألمانيا." هب فزعاً من مكانه وتسائل. "عملية إيه دي وازاي أنا معرفش." صاح بصوت أفزعها. "عملية وألمانيا، ليه تخبي عليا حاجة زي كدا، اتجننتي." انسابت عبراتها تهز رأسها.
"والله مكنت أعرف، عرفت بالصدفة." بكت بنشيج واكملت. "نهى قالتلي امبارح بس لما كانت بتطمن على جنى، حتى هو كان عايز يشوف جنى بس مقدرتش أقولك." "عملية إيه.." هدر بها. "مرتحش بعد عمليته الأخيرة والدكاترة طلبوا من اكس راي، واتضح الشريان والصمام فيه مشكلة، الدم مابيوصلش كويس." أطبق على جفنيه وأحس بوخز يشق صدره فتحدث بقلب ينازعه الحزن. "ازاي قدر يعمل فيا حاجة زي كدا، لدرجادي صهيب زعلان." احتضنت ذراعيه قائلة.
"جواد صهيب مشي مش علشان زعلان، مكنش عايز يعرف حد بتعبه." امسك هاتفه وأجرى اتصاله. "تعاليلي ضرورى." كان متجهًا لعمله، فتوقف متسائلاً. "فيه حاجة؟! "لما تيجي هتعرف." قالها وأغلق هاتفه. *** دلت ربى إليهما. "بابا أنا هخرج مع عز للدكتورة." وزعت نظرات بينهما، فهتفت متسائلة. "مالكم شكلكم زعلان." "فين عز؟! أشارت للخارج قائلة. "هو بيجهز وهينزل، قالي تعالي نطمن على البيبي علشان هيسافر بالليل." "إنت تعرفي عمك صهيب مسافر ليه."
ضيقت مابين حاجبيها مجيبة. "هو مسافر فين؟! أشار لها. "روحي ميعادك متتأخريش." استدارت متحركة ثم أوقفها جواد. "انتي هترجعي لعز ولا هتفضلي كدا، عايز رد نهائي." ابتلعت غصة بحلقها ونظرت لوالدها بأعين تحجرت عبراتها. "دا إجباري ولا حضرتك بتسأل." اقترب بخطواته واحتضن وجهها. "رُبى ابنك هيجي للدنيا بعد شهرين، ينفع يجي من غير أبوه."
"وأنا مسبتش أبوه يابابا، هو اللي سابني، هو اللي باعني، عايز أؤمن له ازاي بعد ما باعني في أول مشكلة." وضعت كفيها على أحشائها. "أنا مش هحرمه من ابنه، وقت مايعوز يشوفه." هز جواد رأسه مستنكراً حديثها. "أفهم من كدا إنك مش هترجعيله تاني." "لا يابابا..ودا قرار نهائي، مستحيل آمن لشخص باعني، حتى لو روحي فيه." اتجه بنظره لغزل التي جلست تحتضن رأسها مغمضة العينين. "سامعة كلام بنتك، موافقة على عمايلها." ثم استدار إليها.
"مش معنى إني مديلك الحرية يبقى تضيعي حياتك، أنا مش موافق على اللي بتقوليه." "بابا.." أشار بسباباته. "بلا بابا بلا زفت، ياترجعي لابن عمك ياإما معنتيش تخرجي معاه تاني سمعتيني، وآخر مرة هقولك، حافظي على جوزك وبيتك، كلنا بنغلط، أيوة عارف إنه غلط، لكن انتي مسكتيش برضو، متكلمتش وقتها علشان كان معاكي حق بس دلوقتي خلاص مبقاش ليكي حق عنده، اتعادلتوا." "بابا لو سمحت.." استدار موليها ظهره وهدر بصوته.
"اللي عنده قولته، ياترجعيله يااما ماشوفكيش قريبة منه، وممنوع تتقابلي معاه." *** تحركت للخارج ولكنها تسمرت بمكانها عندما وجدته يقف على باب الغرفة. همست بخفوت. "عز..! تحرك للداخل مبتعداً بأنظاره عنها. دلف للداخل قائلاً. "أنا حبيت أطمن على ابني قبل ماأسافر، مكنش قصدي حاجة تانية ياعمو، ومش معنى طلبت منها نزور الدكتورة يبقى خلاص مشاكلنا انحلت." استدار يرمقها بنظرة خذلان ثم تحدث.
"اللي بيتكسر عمره مابيتصلح ياعمو، وحتى لو اتصلح مابيرجعش زي ماكان." "بعد اذنك." قالها وتحرك من أمامهما مهرولاً للخارج. نظر إليها جواد بملامح جامدة لأول مرة ثم اقترب منها.
"الراجل لما تكسره مراته قدام نفسه عمره مابيسامح إلا إذا كان بيموت في الست دي، وانتي كسرتي جوزك قدامنا مش قدام نفسه بس، ورغم كدا سامحك وطلب الغفران، ياترى الملكة روبي عملت إيه، كسرتيه للمرة اللي مبقاش ينفع يسامح، أتمنى متخسريش جوزك وحياتك وترجعي تندمي، أنا مش موافق عليكم انتو الاتنين." لوح بيديه. "امشي روحي مع طليقك ياهانم، النهاردة طليقك بس، بكرة يكون جوز واحدة غيرك."
هزة عنيفة أصابت جسدها فشعرت بتوقف نبضات قلبها من مجرد حديث والدها. ماذا ستفعل إذا فعلها، تراجعت بذكريات تلك الليلة التي حفرت بذكرياتها المأسوية وهو يدلف بأخرى ويخبرهم بأنها زوجته، رغم أنها علمت بلعبته ولكن سُحبت روحها ونزف قلبها. هزت رأسها تبعد أفكارها المأسوية التي تصفعها بقوة وخرجت هاربة من نظرات والدها النارية. وصلت إليه وجدته جالسًا بالسيارة ينظر للأمام بجسد متجمد. استقلت السيارة بجواره بصمت، لم ينبت بكلمة واحدة.
قام بتشغيل المحرك وتحرك بهدوء رغم نيران قلبه القابعة. راقبته بأعين حزينة وقلبًا فتته الوجع. همست بصوت كاد أن يصله. "عز..! ظل كما هو ينظر للأمام بصمت. اتجهت بنظرها للخارج بعدما وجدت صمته. وصل بعد قليل للمشفى، ترجل أولاً ثم اتجه إليها. قام بفتح السيارة، يحثها على النزول قائلاً بملامح جامدة. "على مهلك." طالعته بنظرات متألمة عندما وجدته لم يمد كفيه إليها. نزلت ببطء وتحركت بجواره للطبيبة.
بعد فترة من الوقت كانت تتسطح على فراش الفحص، مرت الطبيبة بجهاز السونار بعد وضعها السائل، يتحرك الجهاز على جميع أنحاء البطن، ثم فتحت صوت النبض. ابتسم بحب حتى لمعت عيناه وهو يرى نطفته تكبر بأحشائها. أمسكت كفيه وانسالت عبرة عبر جفنيها وتسائلت. "كويس يادكتورة، طمنيني." ابتسمت الطبيبة وهي تطالع شاشتها. "كويس جدا، ماشاء الله، وشكله شقي جدا، مش حاسة بحركته ولا إيه." هزت رأسها وابتسامتها تنير وجهها أنستها حزنها فتحدثت.
"أيوة بيتحرك بس مش كتير اوي." أعطتها الطبيبة محرمة ورقية. "دخلنا التامن، والشهر دا أصعب الشهور، لازم نهتم بصحتنا كويس، وممنوع الإجهاد، علشان نكمل بخير إن شاءالله." ساعدها بالأعتدال قائلاً. "اعدلي هدومك هستناكي برة." أومأت له، وهي تضع كفيها على بطنها تهمس لأبنها. "حبيبي، شوفتك عقبال لما تجيلي بالسلامة." ظلت تمرر أناملها.
"شوفت بابي فرحان بيك إزاي، وأنا كمان أسعد واحدة في الدنيا، اخيرا هشوفك قريب ياقلبي، مش مصدقة تيجي." دلف إليها بعدما تأخرت خوفًا عليها. "فيه حاجة." قالها مقتربًا منها، ثم بسط كفيه وجذب ذراعها يوقفها. "حاسة بتعب ولا حاجة." سعيدة جميلة بريئة تطالعه بنظراتها العاشقة ثم أمسكت كفيه تضعها على بطنها. "شوف ابنك، مش مبطل ضرب فيا، أول مرة يكون كدا." رفع عيناه إليها ثم نظر لبطنها وشعور السعادة يتملكه. "بتتوجعي كدا؟!
هزت رأسها نافية ثم تحدثت. "لا بالعكس فرحانة أوي." ابتسم ثم جذب رأسها يلثم جبينها. "ربنا يباركلي فيكم يارب." قالها وتحرك بعدما فقد سيطرته على نفسه، كانت شهية للقلب والعين، اشتاقها حد الجنون، تمنى لو اخذها بمكان لا يعلم أحد به، ليعلمها كيف يكون الاشتياق، ولكن ذهب كله هباء، بعدما استمع لحديثها مع والدها. **عند ياسين** وقف أمام بعض الجنود الذين يتدربون بساحة القتال. قام بالتعريف عن نفسه.
"أنا الملازم ياسين الألفي، اكيد هنقعد فترة مع بعض اتمنى تكون ذكرى كويسة للجميع." قالها ياسين للجنود الذين يقفون أمامه بصمت واعتدال تقديراً له. "أتمنى نكون زي الأخوات ونعرف نتعامل مع بعض بحب واحتراماً، ونعرف نميز بين العدو والصديق." وصل من يرأس ياسين. توقف ياسين يلقي تحيته العسكرية مع باقي فريقه. ظل لفترة من الوقت وهم يتدربون حتى انتهت مدتهم المحددة، تحرك لتناول وجبته امسك هاتفه واتجه لمكان منعزلاً بعض الشئ.
**عند جاسر** يقود سيارته متجهًا لمنزل والده. ترجل من السيارة فاستمع لرنين هاتفه. "أيوة ياياسين." جلس ياسين أعلى صخرة متسائلاً. "جنى عاملة إيه النهاردة؟! توقف عن السير وأجابه وهو يطالع والده الذي يتوقف بشرفة مكتبه. "النهاردة أحسن، عاليا قاعدة معاها." أومأ له وتسائل. "جاسر خلي بالك جنى ممكن تأذي نفسها." أحس بقبضة تعتصر صدره عندما تذكر حديث الطبيبة فأردف.
"أنا اتصلت بمكتب علشان أشوفلها جليسة، مكنتش عايز أعرفها دلوقتي، بس هي عرفت وخلاص." "تمام خلي بالك منها، أنا كلمت أوس الصبح وقالي هيرجع النهاردة، وان شاء الله رمضان يجي علينا وكلنا موجودين مع بعض." ردد جاسر قائلاً. "إن شاء الله حبيبي خد بالك من نفسك، وخلي بالك العريش مش آمان ياياسن." ابتسم ياسين قائلاً. "العمر واحد والرب واحد، المهم انت خلي بالك على جنى ياجاسر، صدقني لو زعلتها هقفلك." قهقه جاسر مردفاً.
"خلي بالك من كلامك يا حمار دي مراتي وقبل ماتكون مراتي فهي روحي." أطلق ياسين ضحكة رجولية مرتفعة. "اي ياعم الحبيب غيران عليها مني." خلل أنامله بخصلاته. "مش موضوع غيرة ياحضرة الظابط اد ماهو احترام ليا مش كدا ولا إيه." "طيب يااخويا، روح شوف رايح فين." "الله مش ناوي تسأل عن حبيبة القلب يعني." قالها جاسر بمغزى. توقف ياسين عن الابتسام ونهض من مكانه. "متخليهاش تخرج من البيت لوحدها." "ياجاسر لو سمحت."
تحرك جاسر للداخل وهو يحادثه. "ابوك معينلها حراسة متخفش، هو طلب مني اروح معاه عندهم بس معرفتش علشان جنى تعبانة، فكلمت بيجاد وعز راحو معاه." "عرفت!! "كريم قالي، بس تفتكر ابوك بيفكر في إيه." رفع جاسر نظره لوالده الذي يراقبه فتحدث. "هكلمك لما ارجع البيت أنا عند بابا دلوقتي..سلام." *** بالداخل جلس جواد ينتظره. دلف للداخل يبحث بعينيه عن والدته. "فين ماما يامنى." أشارت للأعلى. "فوق ياباشا." "طيب يامنى قوليلها جاسر تحت."
"حاضر." تحرك للداخل بعدما قام بطرق الباب مستأذناً. ولج ملقياً السلام. "عامل إيه ياحضرة اللوا." "اقعد." قالها جواد بجمود. مط شفتيه ثم تحدث. "يبقى لسة زعلان، يعني افهم من وجودك للمستشفى ماهي إلا تأدية واجب، ومجية الدكتورة غزل لبيتي بردو تقضية واجب مش كدا ياحضرة اللوا." "زعلان منك يا ابني الكبير." "وأنا؟! " قالها سريعاً. انحنى جواد مستنداً على مكتبه ونظر لمقلتيه.
"بكرة تبقى أب وتحس يعني إيه ابن يتهم أبوه، ويحسسه بالخذلان والإهانة." رفع نظره محدقاً بمقلتيه. "ولا عاش اللي يهينك ويخذلك ياحبيبي." "ليه بتقول كدا." نهض جواد من مكانه وأخذ يحاوره بعيون قليل الحيلة لما يفعله. "لما تيجي وتوقف قدامي وتقولي اني مبعتبركش ابني الكبير، دا تسميه إيه، لما تيجي تتهم ابوك انك ولا حاجة عنده دا تسميه إيه، لما ابوك يطلب تكون سند لأخوك في مشكلته وحضرتك ترفض وتقول شوف عز وبيجاد دا تسميه إيه."
وقف بمقابل أبوه مشدوهاً يتمزق قلبه على ما صار بينه وبين والده. "بابا حضرتك فاهم الموضوع غلط." جلس على الأريكة ونظراته مصوبة عليه. "زي ماانت فاهم الموضوع غلط ياجاسر." جلس بجواره ودنى منه. "أنا وقتها كنت مخنوق وبطلع وجعي مش أكتر." تراجع جواد بجسده ومازالت نظراته عليه فتحدث. "ساعات وقت الوجع بنطلع الصدق يابن جواد." طأطأ رأسه للأسفل وتحدث. "بابا أنا آسف، آسف على كل حاجة."
"أنا مبحبكش ياجاسر ودايما شايفك سبب المصايب، أنا.." اختنق صوته وتحدث بصوت متحشرج. "عمري مافكرت في كدا، من وانت صغير شايفك أكتر واحد في اخواتك بتفهم ابوك من مجرد نظرة، إنما كلامك ليا حسسني اني ماأنفعش أكون أب، وفشلت في تربيتكم." حدق بوالده بصدمة، يهز رأسه رافضاً مايعتليه بصدره. "ابدا يابابا..أنا بس كنت بغير من بيجاد اوي، لأنه كان بيفهمك أكتر مني، حتى غرت منه على غنى، وزي ماحضرتك شوفت غنى دلوقتي أهم واحد عندها بيجاد."
"غبي يابن جواد، غبي ومتخلف كمان." "بيجاد دا مهما كان هيفضل واحد من العيلة ومكانته غالية آه، بس عمره مايتساوى بيكم أبداً، انت أول فرحتي في الدنيا، أول نور وأمل نورلي حياتي." "ازاي تفكر إن بإمكاني أحب بيجاد أو أعتمد عليه، انت اللي دايماً بتعد عن ابوك، فاكر أول مشكلة معاك، جريت على صهيب وحكيتله وابوك واحد غريب." "خفت يابابا!! جحظت عيناه يشير على نفسه. "خفت من ابوك..لدرجة دي شايف ابوك مجرم علشان يعاقبك بطريقة مؤذية."
"تروح تقول لعمك وباسم وأنا آخر واحد." انحنى وغرز عيناه بمقلتيه. "وياترى صهيب وباسم فادوك، قدروا يساعدوك ياحضرة الظابط." أغمض جاسر عيناه بحزنًا وردد. "آسف..عارف أنا غلطت." "ليه عملت كدا ياجاسر، ليه دايماً ضدي في كل قراراتي، ليه يابني قولي عملت إيه يخليك تشيل مني كدا، من وقت خطوبة عز وروبي ومبقتش ابني بقيت واحد أنا معرفوش." تراجع بجسده وسند برأسه على ظهر المقعد وتحدث.
"كنت زعلان من وقت مارفضت أدخل الشرطة ووافقت لجواد ابن عمتي، ليه معرفش، من وقت ما طلبت منك أروح مع عمو باسم سفرية سويسرا وحضرتك برضو رفضت، حتى لما جيت أتزوج فيروز برضو رفضت، كان كل حاجة بطلبها بترفضها، كنت بشوف عز وجواد أي حاجة يطلبوها يتوافق عليها بس أنا لا." صدمة نزلت على رأس جواد كصاعقة هزته حتى فقد الحديث، فطالعه وكأنه غرس خنجراً بصدره.
لحظات محاولاً السيطرة على ألم اخترق صدره فسحب نفساً وطرده بهدوء، ليخرج النار القابعة بصدره. لحظات مميتة تشعره بخيبة أمل من حديث ابنه اللاذع فتحدث بصوت هامس. "محبتش تدخل الشرطة علشان انت مكنتش عايز دا في الأول، مش عايزك تعيش حياة كلها أوامر، حياة بالورقة والقلم، حبيتك تكون حر مش مقيد، ورغم كدا لما شوفتك مُصر وافقت."
"رفضت سفرك من باسم علشان ماينفعش تكون معاه في رحلة زي دي، واحد رايح شغل ومراته عايزة تعمل إجازة بعد شغله، كنت مستني مني أوافق على شاب عنده 22 سنة يروح مع واحد مايربطوش علاقة سوى أنه صديق لأبوه، أول حاجة هتطلع إشاعات عليك وعلى مراته، إيه ياحضرة الظابط، متعرفش إن بينك وبين حياة 3 سنين بس، وقتها مش هيقول أكبر منه هيقول الشاب اللي بيروض مرات صاحب أبوه الشابة." زفرة حارة ثم مسح على وجهه قائلاً.
"موضوع فيروز رفضته علشان كنت عارف اللي إحنا وصلناله دلوقتي." "لسة مقتنع إنك اتجوزت فيروز علشان تبعد عن جنى، ولا اتجوزت فيروز علشان تعاند أبوك وتفهمه إنك صح وهو غلط." أطلق تنهيدة مؤلمة وتوقف يضع كفيه بجيب بنطاله ثم توجه للنافذة. "الاتنين يابابا، كنت عايز الاتنين." "والنتيجة ياحضرة الظابط." شعر بقلبه يتأكل من حديث والده، فاستدار له يطالعه متسائلاً. "حضرتك حاسس بوجعي يابابا."
نهض جواد من مكانه متجهًا إليه يقف أمامه ونظرات تعكس الغليان القابع بصدره. امسكه من كتفه. "وأنا لو مش حاسس بوجعك كنت سامحتك ياجاسر." تظاهر بالثبات رغم انهياره الداخلي ورغبة جامحة أن يبكي بأحضان والده عله يشفى من آلام روحه النازفة. ورغم ذلك تحدث بنبرة متزنة. "يبقى سيبني أختار حياتي وأمشيها زي ما أنا عايز زي ما حضرتك دايماً معلمنا، قولتلنا زمان مش عيب نغلط بس العيب أننا منعترفش بالغلط." أومأ له ومازال على وضعه.
"بنت عمك عاملة دلوقتي." رفع نظره لوالده، وحزن عميق داعب قلبه. "قصدك مراتي." أشار جواد بسباباته. "وبنتي ياجاسر، جنى زيها زي غنى وربى، وأنا سبتك تاخد حقك منها مش علشان انت جيت وفضلت تصرخ، لأ يابن جواد، دا علشان هي غلطت وكان لازم تتعاقب، وانت اللي ليك حق في كدا..بس مسألتش نفسك إيه اللي وصلها لكدا." "أنا.." أردف بها بصوت بارد. انفرج ثغره جواد بإبتسامة ساخرة. "قصدك فيروز؟! "طيب لما حضرتك عارف بتسأل ليه، وليه سبتها تمشي."
ناظره مع تأوهها المؤلم التي انبثقت من فم جواد يشير إليه. "تفتكر يابن جواد لو أعرف كنت سبتها تكسرنا كدا، كنت هتحمل وجعك شهرين، ولا أشوف حالة صهيب وأسكت، كنت هستنى العيلة توقع، ليه فكرت كدا، دي ثقتك في ابوك." ارتسم الألم بداخل أعين جاسر. "مكنتش أتوقع إن اختي تعمل فيا كدا." أومأ جواد غير راضيًا بحديثه. "اختك لأ بس ابوك آه." دنى من والده وتوقف أمامه. "مش قصدي اللي وصلك، قصدي إنك الوحيد اللي تقدر تعمل كدا."
ثبت عيناه على ابنه وتسائل. "سيبك من اللي فات وقولي، دلوقتي ناوي على إيه." رفع عيناه التائهة لوالده ووقف منحني كعصفور مكسور الجناح. "مش عارف يابابا، بحبها بس كرامتي مهدورة، حط نفسك مكاني، لو ماما عملت كدا كنت هتعمل إيه." سحبه من كتفه وأجلسه. "إنت عارف أن عمايل جنى نتايج لعمايلك." "بابا.." أشار بسباباته واستأنف بهدوء. "صعب يابني حط نفسك مكانها قبل ما تعمل راجل عليها، اسأل نفسك الأول."
"انت لو مكانها تصرفك إزاي، وقبل ما تتكلم أنا مش موافقها أكيد على عمايلها دي، بس برضو مش عايز أموتها بقرارات وأنا عارف غلطك أكبر." "لو شايف إنك هتقدر تعيش بعيد عنها وأنها كسرتك زي ما بتقول يبقى طلقها وريح نفسك، بس إياك تيجي في يوم تقولي عايز أرجعها يابابا أصلي مش قادر، وقتها أقسم بالله ياجاسر ماهاخليك تطولها." "ومين قال لحضرتك إن أنا هسيبها أو أطلقها." توقف قائلاً.
"جنى هتفضل مرتبطة باسمي لحد ما أموت يابابا..ومش هتنازل عن عقابي ليها، لازم أدوقها وجعي." ارتسم ابتسامة ساخرة. "متأكد يابن جواد." دقق النظر بوالده مندهشاً من حديثه فتسائل. "تقصد إيه." نصب عوده وتوقف يربت على كتفه. "بتحبها أوي كدا، وعايز تعاقبها." "اه..ومحدش له يدخل." هز جواد رأسه ومازالت ابتسامته. "يبقى مبتحبهاش." "محدش له يقولي كدا..حضرتك مدخلتش قلبي علشان تحكم عليه."
"بس كفاية أفعالك ياحضرة الظابط، لسة ناقص إيه، تعالى وقولي." "إزاي قدرت تقهرها بالشكل دا قدامنا." لكزه بصدره. "إزاي قدرت تشوف دموع مراتك يالا، فضلت تدوس لحد ماوقعت بالشكل دالا وواقف تقولي محدش له يحكم." ناظره ناهراً إياه. "أنا بحذرك ياجاسر من رجوع فيروز لحياتك تاني." شعر بالحزن والألم بآن واحد مردداً. "مفيش حاجة بيني وبينها."
"دا أنا متأكد منه، أنا اللي أقصد حطلها حد، البت دي مبقاش ينفع تقرب منك، وخليك متأكد أنها مش هتسيبك." أومأ برأسه يحمل أشياءه قائلاً. "عايزك تكلم جنى، مصرة تبعد، مش عايز أتعامل معها بطريقة مش كويسة لو إنت خايف عليها..عايز أفعال ياحضرة اللوا." ربت على ظهره. "منك ليها أحسن، حاول تبعد عنها، سيبها شوية لحد ما ترجع زي الأول، البت بتحبك ومش هتقدر تبعد، بس خليك عاقل." تجلى الوجع بنبرته قائلاً.
"بابا الدكتور منع جنى من الحمل، بيقولها احتمال كبير أن حملها يبقى دايماً مشوه، ومن وقت ماعرفت وهي متجنباني خالص ومش مديني فرصة أتكلم معاها ومصرة على الطلاق." *** ألجمته الصدمة من حديثه ولم يستطع التفوه للحظات. حرب نظرات لا يعلم بماذا يجيبه. جلس محاولاً السيطرة على صدمته، ابتلع ريقه ورفع رأسه قائلاً.
"مفيش حاجة في الطب اسمها كدا، حتى لو الطب اتقدم ومبقاش فيه حاجة اسمها مستحيل، خد مراتك في حضنك وداو جروح بعض ياجاسر، دا علاجها الوحيد." تثاقلت أنفاسه ورغم كدا حاول ألا يضعف أمام ابنه فجلس قائلاً. "كنت بعتلك علشان أقولك عمك هيعمل عملية بعد يومين، هسافر بالليل عايزك ترجع هنا لحد ما أرجع، مامتك هتيجي معايا عارف إنها هترفض." انتابه غصة قوية، فهمس بتقطع. "عملية إيه.." هز كتفه بعدم معرفة قائلاً.
"معرفش بس أكيد حاجة كبيرة، غزل بتقولي العملية فشلت." "وعمو كويس يابابا، ولا." هز رأسه بعدم معرفة. "معرفتش أوصله، لما أوصل هكلمك." جمع أشياءه وتحرك للخارج. "هشوف جنى، بس بلاش موضوع أرجع هنا، عمو حازم هنا، يعني هيسد وكمان أوس هيرجع، لا بلاش أنا..يالا سلام ياحضرة اللوا ترجع بالسلامة." قاد السيارة وأمسك هاتفه. "فيه واحدة باسم فيروز هاشم الناجي." "أيوة رجعت الصبح." أغلق الهاتف ملقيه على المقعد ينقر بكفيه على القيادة.
"ناوية على إيه يافيروز، ياترى رجعتي ليه ومش همك تهديدي." استمع لرنين هاتفه. "بسوم عامل إيه." "جاسر عدي عليا بعد الشغل، فيه موضوع مهم." نظر من خارج النافذة واستأنف حديثه متسائلاً. "فيه حاجة ولا إيه." "اه لما تيجي هتعرف." قالها مغلقاً هاتفه متجهًا لحياة. "هخرج ساعتين وارجع، جهزي الغدا، جاسر هيتغدى معانا، وكمان ممكن يجيب ندى." ابتسمت له وأشارت بعينيها. "من عيوني ياحبيبي." انحنى يطبع قبلة على جبينها. "خلي بالك من فارس."
تحركت معه للخارج، استمعت لهاتفها، فاتجهت إليه. "فيروز..لسة فاكر عليكي ياحيوانة." على الجانب الآخر أجابتها. "حياة أنا تعبانة اوي، لسة راجعة من سويسرا من شوية، وماليش حد غيرك." "فيروز آسفة بس انتي عارفة باسم عمل آخر مرة إيه." صمتت بعد الوقت ثم اردفت. "تعالي نتكلم ونشوف هتعملي إيه باسم قدامه ساعتين، وعلى فكرة عازم جاسر وجنى على العشاء." شعرت بالحزن بداخلها فهمست ببكاء. "جاسر خلاص نسي فيروز ياحياة، وجنى أكلت عقله."
ضحكت حياة بسخرية وأجابتها. "لا دا إنتِ فاتك بلاوي يابنتي، جنى هربت من جاسر، ورجعت والكل كرهها." أنار وجهها من الأخبار التي أسعدت قلبها، فتحدثت حياة. "أنا هاجيلك." قالتها وأغلقت الهاتف. وصلت بعد فترة. "قصدك إيه يافيروز." "لا طبعا دا باسم لو عرف ممكن يموتني." احتضنت كفيها وانسابت عبراتها. "مش هخليه يشوفني والله، عايزة أشوفه من بعيد هو ميعرفش إنها رجعت اصلا، وحشني أوي ياحياة." ضمتها حياة تمسد على خصلاتها.
"وكان ليه من الأول تعملي في نفسك كدا بس." شهقت ببكاء. "مكنتش اعرف أن حياتي هتبقى كدا بعده، جاسر أحسن راجل قابلته في حياتي، وبتمنى نرجع لبعض حتى لو زوجة تانية أنا راضية، لازم تساعديني ياحياة لو سمحتي، أنا ياما ساعدتك قبل كدا." تنهدت حياة متأملة فاجابتها. "خلاص اقعدي وربنا يستر وباسم ميعرفش، وقتها هيبقى أنا وأنتِ في الشارع." مساءً عاد لمنزله وجدها تجلس أمام المسبح تستمع للموسيقى. خطى إلى وصل أمامها. "عاملة إيه حبيبتي."
"الحمد لله." "رجعت بدري يعني." جذب المقعد وجلس بمقابلتها يطالعها بإشتياق. "وحشتيني." ابتعدت بنظرها بعيداً وأجابته. "أنا همشي ياجاسر هروح شقتك اللي في الرحاب، عايزة أقعد مع نفسي شوية، وأفكر بعيد عن الضغوطات." رفعت نظرها إليه. "وانت كمان فكر كويس، علشان مترجعش تندم تاني." طالعها بملامح جامدة ثم أجابها. "مفيش خروج من البيت، وبدل إنت مقتنعة بجنونك يبقى اسمعيني كويس." "خروج من البيت دا مفيش." نهض من مكانه وأشار إليها.
"ولو حاولت تستفزيني بموضوع الطلاق." انحنى ينظر بمقلتيها. "هتجوز عليكي واجبها هنا واحصرك بجد..سمعيني بس كلمة طلاق، ولو نسيتي أنا عملتها قبل كدا..فخليكي زي العاقلة وانسي الهبل بتاعك دا." انتفض قلبها بدقاته بسعادته من تمسكه بها ورغم ما شعرت به إلا أنها ما زالت على وضعها فتسائلت. "أنا مستحيل أفضل في صراع بيني وبين فيروز..مش هفضل قاعدة جوايا قلق من حرباية زيها." كانت شهية بغضبها وشفتيها التي تتحرك أمامه.
انحنى يجذب رأسها يقربها إليه ودنى ليروي روحه ولكنها ابتعدت ودقاتها تتقارع بصدرها. "إيه اللي بتعمله دا..أنا بتكلم في إيه وانت بتعمل إيه." جذب حجابها الذي يحاوط عنقها وأزاحه، ثم جذب مقعدها يقربه، ينظر بداخل مقلتيها. "افهم من كدا بتخيرني تاني، يعني غلطانة وبتتبجحي وجاية تتشرطي." دنت أكثر وغرزت عيناها قائلة. "حقي، دا حقي يابن عمي، والدين والشرع بيقول كدا، أنا مش موافقة أفضل على ذمتك وانت عايز ترجع مراتك التانية."
أردفت بها وانتظرت حديثه بقلب ملتاع وعيناها تبحر فوق وجهه تتمنى أن ينطقها متمسكاً بها، عاشقها الأوحد ملهم روحها. تراجع بجسده ينظر للبعيد وأجابها. "ولو قولتلك أنا مبتهددش يابنت عمي، ومالكيش اختيارات عندي." نصب عوده وتوقف يضع كفوفه بجيبه ونظراته على وجهها الذي شحب. "مجنون بقى تقولي إيه." انحنى وهمس بالقرب من شفتيها. "زي ماانتِ مجنونة بحبي أنا مجنون بحُبك ياجنجون." قالها وتحرك من أمامها حتى لا يطبق على عنقها.
تراجعت بجسدها للخلف. "وبعدهالك يابن عمي ناوي على إيه، عايز إيه بالظبط." فركت جبينها وأطبقت على جفنيها تذهب لطفولتهما. قطعت خلوتها عاليا. "كنت جايلك بس لقيت جاسر فرجعت." فتحت عيناها وأشارت لها. "تعالي احكيلي ياسو وقع فيكي إزاي، متكلمناش." عوجت شفتيها تلطم كفيها. "ياسو..دا تدلعيه..!! "دا تعوريه، تاخديه لعشماوي يخوفوا بيه اللي هيتكلوا على الله." ارتفعت ضحكات جنى حتى أدمعت عيناها. "يخربيتك مجنونة." "دا كله على ياسو."
وقف يراقبها من شرفته، عزفت تعويذتها على قلبه، حتى كثرت أمنياته بتلك اللحظة. لكزتها عاليا. "متقوليش بس ياسو، والله بضايق، دا رخم ومغرور." انحنت جنى تطالعها بريبة. "إزاي هو انتوا مش بتحبوا بعض ولا إيه." "ولا عمري أحب الجلنف اللي اسمه زفت الطين ياسين دا، كرهني في الاسم يخربيت تقل دمه، كان نفسي اسمي ابني ياسين." تلألأت عيناها بالدموع، فرفعت نظرها إليها. "من وانا صغيرة أقول لما أتزوج هجيب ولد وأسميه ياسين."
ابتسمت جنى تلذذها. "أهو جوزك ياسين متزعليش." *** سحبت كم من الهواء وزفرته ببطء. "ياسين أول مرة أشوفه يوم الفرح، حتى اتجوزته ومعرفش اسمه." توسعت أعين جنى مذهولة فاعتدلت تنتظر حديثها قائلة. "هسمعك، عايزة أعرف إيه حكايتك." ذهبت عاليا ببصرها لجاسر الذي أبدل ثيابه متجهًا إليهما. "عاملة إيه ياعاليا." "كويسة الحمد لله." قالتها ونهضت لتحرك. فأوقفها قائلاً. "لأ أنا خارج." اتكأ على المقعد ينظر لجنى.
"عمو باسم المفروض عازمنا على العشا، أنا رفضت وجودك لحد ما ترجعي تاني." انحنى يهمس بجوار أذنها. "ضحكتك خطفت قلبي ياجنايا." قالها بملامسة خاصته لأذنها. رفعت رأسها وتقابلت عينيهما بإشتياق جارف. تحركت عاليا سريعاً متجهة للداخل، فتحدثت جنى بتقطع. "بتعمل فيا كدا ليه ياجاسر." مسد على شعرها وهتف. "عايز أعذبك ياجنجون زي ما بتعذبيني، أحسسك قد إيه قلبي وجعني." رفرفت بأهدابها تهز رأسها وأجابته. "ومين قالك إن مش بتعذب يابن عمي."
اعتدل بوقوفه يرتدي نظارته الشمسية. "أهي ابن عمي دي أكتر وجع ياجنى، طول ما إنتِ كدا اعرفي إنك بتوجعيني أوي." أمسكت كفيه. "مقدرش أوجعلك قلبي، بس خايفة." رفع كفيها يقبلهما قائلاً. "مش هتأخر." "لسة مكملناش كلامنا، خدي بالك من نفسك." طبع قبلة على جبينها وتحرك لسيارته دون حديث. ظلت عيناها تراقب تحركه حتى خرج من البوابة الرئيسية للمنزل. تنهدت وهمست لنفسها. "قربك عذاب وبعدك عذاب، ياترى ناوي على إيه ياجاسر."
وصل بعد قليل لمنزل باسم. جلس لبعض الوقت وتناول العشاء. أخرج باسم بعض الصور. "دول هينفعوك في القضية، الصراحة أبوك اللي بعتهملي، بس حبيتك تعرف إن أبوك له طار من الناس دي، فخلي بالك ممكن يؤذوك." تراجع بجسده ينظر للصور ثم رفع نظره لباسم. "العيال دي بيوزعوا مخدرات على شباب الجامعة." طالع باسم مذهولاً من حديثه. "إيه اللي عرفك." أشعل سيجاره، ونفثها بهدوء ينظر لجاسر.
"زرعت في وسطهم واحد، العيال دي مجرد أنها بتوزع بس، إحنا عايزين نوصل للكبير..والديلر بتاعهم صاحب ابن عم بنت هاشم الناجي." "قصدك فيروز؟! وضع رماد سيجاره بالمطفأة يضغط عليها بغضب. "بلاش اسمها وحياتك، بتحرق دمي، ياريتني سمعت كلام أبويا، مكنتش دي حياتي." قهقه باسم غامزاً. "هتنصب يالا، عشتلك يومين في الجنة يااخويا." رفع جانب وجهه وابتسامة ساخرة. "سبتلك الجنة." دفعه باسم مقهقها. "افهم النار اللي انت فيها أحسن."
هنا تذكر مهلكته. فلاحت ابتسامة عاشقة ظهرت بعينيه. "بعشق النار دي ياعمو، عجباني اوي، المهم النار هيجلها يوم وتطفى." أخرج باسم حافظة أوراق. "طيب شوف الورق دا واشتغل عليه كويس." بالداخل كانت تقف قريبة منهما تستمع إلى حديثهما. اعتصر قلبها من حديثه، فجزت على أسنانها تهمس لنفسها. "وحياة حبي ليك ياجاسر لندمك على اللي عملته فيا." اتجهت ببصرها لحياة التي تتحدث مع العاملة. "اعملي فنجانين قهوة وخرجيهم." ثم تحركت لفيروز.
"شوفتي حبيب القلب." أشارت فيروز على ملابسها. "إيه اللي انتي لابساه دا، روحي البسي فستان كويس، وسيبك من ضفيرة أبلة نظيرة." أشارت لها محذرة. "عشر دقايق هطلع أغير وأنزل، فيروز بلاش تعملي مشكلة مع باسم لو سمحتي." ابتسمت لها ماكرة. "أنا ماصدقت ياحياة تقوليلي جاسر هيتعشى عندكم علشان أشوفه، تفتكري ممكن أفكر في حاجة تنكد عليا." ربتت على كتفها وتحركت للأعلى. اتجهت فيروز سريعاً للمطبخ وتحدثت مع العاملة.
"هاتي من الجنينة نعناع، عايزة أعمل شاي بنعناع ياكريمة." أشارت العاملة للقهوة. "حاضر هطلع القهوة وأروح أجيبلك." سحبت كفيها قائلة. "أنا هاخد بالي منها روحي بس هاتي النعناع." تحركت العاملة مضطرة، ثم أسرعت فيروز لحقيبتها وأخرجت بعض الحبوب، وامسكت أحدهم ووضعتها بفنجان جاسر، ثم سكبت القهوة وقامت بتقليبها سريعاً، ووضعت قهوة باسم وتراجعت تنظر من الشرفة تنتظر الخادمة التي وصلت. فأشارت لها.
"خدي القهوة وديها قبل ماتبرد، شوفي الفنجان دا بتاع حضرة اللوا، متهويش علشان أنتِ عارفة كل واحد قهوته مختلفة." أومأت لها وتحركت للخارج. هبطت حياة بعد قليل تبحث عنها وجدتها تحمل حقيبتها. "همشي ياحياة قبل ماباسم ياخد باله، وهجيلك كل فترة." أومأت حياة متفهمة، خرجت فيروز تنتظره بالخارج. مر قرابة دقائق معدودة حتى وجدته يخرج بسيارته من منزل باسم. توقفت أمام سيارته تعقد ذراعه، حتى كاد أن يدعسها. هبط من السيارة يطالعها بغضب.
"بتراقبيني يافيروز." "هو أنا مش حذرتك." ظل يصرخ بها، حتى وصل إليها يضغط على كتفها. "إنتِ عايزة مني إيه يابت، هو أنا كنت متجوز حرباية، ابعدي عني بدل ما أكرهك في نفسك." شعر بنيران تسري بجسده، تراجع عندما شعر بوجود شيئاً ما يسير له. استدار متحركًا لسيارته، يفتح زر قميصه، تحركت خلفه، تجذب ذراعه حتى التفت إليها يدفعها بقوة أذهلتها. "ابعدي عني يا حيوانة." بدأت الرؤية تتشوش أمامه، حتى أغمض عيناه وفتحها عدة مرات.
ابتسمت بنصر، فاقتربت تحتضنه من الخلف. "جاسر اسمعني لو سمحت." حاول دفعها ولكن قوته أصبحت هاوية، ورؤيته بدأت تتلاشى. دنت منه تحتضن وجهه تهمس له ببكاء. "جاسر وحشتني اوي." شعر بدوران يسيطر عليه فدفعها بهدوء واتجه لسيارته يفتحها. فأمسكته من ذراعه. "حبيبي استنى مش هينفع تسوق وانت كدا."
ظل يطالعها بنظرات صامتة، فتحركت بخطى بطيئة ونظراتها عليه مبتسمة إلى أن وصلت تحتضن كفيه متجهة به لباب السيارة الآخر واستقلت بجواره تقود السيارة تبتسم بسعادة وهي تطالعه بنظراتها. كان مغمض العينين يشعر بألمًا يفتك برأسه. بحث عن هاتفه. فرفعت ذراعيها تحتضن كفيه قائلة. "مفيش داعي للتليفون احنا خلاص هنوصل بيتنا بعد شوية." **باليوم التالي** فتح عيناه بضعف بعدما تسلل الضوء يخترق جفونه. شعر بآلاما تفتك بجسده.
مسح على وجهه يعدل من خصلاته، بحث بعينيه بالغرفة. فشعر بثقل على صدره. هب فزعًا عندما وجدها، تغفو بجانبه، تضع رأسها على صدره. هنا شعر بدوران الأرض به وانفاسه سحبت ولم يعد لديه قدرة للتنفس. فتحت عيناها مبتسمة. "صباح الخير حبيبي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!