لا يعلم كيف وصل إلى المشفى ولا كيف مر عليه الوقت وهو يقف خارج الغرفة المخصصة للولادة. وقد اجتمعت العائلة من حوله، يحاول الجميع طمأنته، لكنه لم يكن يستمع إليهم. بل عقله وقلبه وجميع حواسه معلقة بتلك الغرفة، فبداخلها أعز ما يملك وأغلى من حياته نفسها. يخشى عليها بشدة، فلو أصابها مكروه لضاع معها، فلا حياة له بدونها ولو لثانية واحدة، فيكفي ما عاشه بدونها.
وقف وعيناه مسمّرة بجمود ووجه شاحب بباب تلك الغرفة لوقت لا يعلم مداه، حتى طلت عليهم أخيرًا إحدى الممرضات تحمل بين يديها لفافة بيضاء اللون، تقول بهدوء: = مبروك يا أمير بيه... ولد زي القمر. لم يلتفت إليها حتى، بل أسرع بسؤالها بصوت يرتجف لهفة وقلق: = سارة... سارة عاملة إيه... طمنيني على سارة. أجابت الممرضة وفي عينيها نظرة إعجاب لم تستطع إخفاءها: = الحمد لله قامت بالسلامة، وثواني وهتلاقيها خارجة.
وبالفعل، لم تكد تكمل حديثها حتى خرجت سارة من الغرفة محمولة فوق سرير متنقل. ليترك الممرضة تحمل طفله ويسرع إليها، يناديها بصوت مضطرب ملهوف، يده تلتقط يدها، يمسك بها وهو يتحرك معها باتجاه غرفتها. لتسرع تولين إلى الممرضة تحمل الصغير، ليجتمع الكل حولها، يتطلعوا إلى تلك البراءة والجمال بفرحة وسعادة طاغية. نادته هامسة، ليسرع ناهضًا عن مقعده، يجلس بجوارها، يحيط رأسها بذراعه وهو ينحني عليها مقبلاً جبهتها، قائلاً برقة:
= عيون وقلب أمير.. حمد الله على السلامة يا حبيبتي. رفعت عينيها إليه تسأله بهمس وضعف: = الولد فين؟ أجابها وأصابعه تبعد خصلات شعرها بعيدًا عن وجهها: = في الحضانة والكل معاه هناك. هتفت برعب، ترفع أناملها تمسك بقميصه تسأله: = ليه.. حضانة ليه.. الولد فيهم حاجة يا أمير؟ أمسك بيدها المتشبثة به، يرفعها إلى فمه يقبلها بحب، قائلاً وهو يبتسم لعيونها:
= متقلقيش يا قلب أمير.. ده حاجة طبيعية إنه يفضل في الحضانة.. ساعة ولا اتنين وهتلاقيه هنا. هدأت نفسها حين وجدت البسمة تزين وجهه، لتسأله بضعف: = شوفته.. حلو.. شكل مين؟ تنحنح بحرج، قائلاً ببطء: = بصراحة لسه لحد دلوقتي ماشفتهوش.. مستني نشوفه سوا. ابتسمت له، ترفع يدها لوجنته تتلمسها بحب، وهي تقول: = أنا عاوزة اسميه أريان. ارتفع حاجباه بدهشة، يسألها مستغرباً: = بس ده مش الاسم اللي اتفقنا عليه. هزت كتفيها بعدم اكتراث،
قائلة بجدية مصطنعة: = عارفة.. بس أنا أمه وعاوزة اسمي كده. عقد حاجبيه بشدة وهو يتصنع الجدية هو الآخر: = حيث كده أنا كمان أبوه ومن حقي اسميه على مزاجي. هتفت بحزن مصطنع، وهي تنظر إلى عينيه ببراءة: = بس أنا عاوزاه اسميه أريان.. أنا حلمت إنك بتناديه بأريان. اقترب من وجهها، يقبل شفتيها برقة ونعومة، هامساً فوقهما بامتنان وسعادة طاغية: = أنا بهزر يا حبيبتي.. هنسميه أريان زي ما انتِ عاوزة.
ابتسمت له وعيناها تتراقص بسعادة، حين أتى على ذكرها هذا الحلم الذي كان السبب الرئيسي في أن تذهب إليه. بعد مرور أسبوع. وقفت سارة وهي ترتدي عباءة مغربية من الحرير باللون الأبيض، تترك شعرها بانسيابية فوق ظهرها، تزينه بتاج من الورود، وهي تحمل طفلها بين ذراعيها. لتتجه إلى ملك التي تجلس وتصب كامل تركيزها في الهاتف، لتردف سارة بجدية وهي تجلس بجانبها: = هو أمير والباقي فين؟
لتنتبه ملك إليها وملامح وجهها تدل على أنها تفاجأت بحضور سارة، لتتنحنح تحاول إخراج صوتها عاديًا، فقد كانت مندمجة بما تفعله: = أمير وأنكل عاصم بيتابعوا الدبح وتوزيع الفلوس على الناس، ومالك والياس وتيم بيساعدوهم... وسيدرا وديما وحازم بيتفرجوا عليهم... لتكمل وهي ترفع حاجبيها وتنظر ناحية الباب: = آهو أمير جه هناك. اتجه أمير إليها، يقبلها من جبينها، قائلاً بحنان: = عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي.
سارة بسعادة وهي تتأمل القصر الذي أصبح في كامل زينته استعدادًا للمدعوين لحفل سبوع المولود الأول لعائلة الشهاوي، فقد أصر عاصم في أن يقوم بحفل كبير للاحتفال بابن حفيده الأول. = الحمد لله يا حبيبي أحسن من الصبح. ليردف أمير بقلق وهو يأخذ صغيره بين ذراعيه بدلاً عنها: = طب كفاية عليكي كده، اطلعي ارتاحي شوية عشان لسه فيه ضيوف جايين بليل. سارة باعتراض وهي تشير ناحية الباب:
= بس أنا عاوزة اطلع أتفرج.. أريان كان بيعيط ومعرفتش أطلع. ليردف أمير بحنان وهو يسحب يدها يحثها على الوقوف، ويحيط خصرها بذراع والذراع الأخرى يحمل بها طفله، ويتجه بهما ناحية جناحهم: = حبيبي كل حاجة بتتصور فيديو، نبقى نتفرج عليها بعدين، بس دلوقتي نرتاح شوية، وكمان هنا دوشة على أريان.
وفي نفس اللحظة، دلفت كلًا من سيدرا وتولين التي أصبحت في شهرها السابع. ليجلسان على نفس الأريكة التي تجلس بها ملك التي عادت للاهتمام بهاتفها مرة أخرى. لتردف تولين بتعب تحاول مداراته وهي تنظر إلى أخيها وسارة وهما يصعدان: = شكلهم حلو أوي، ربنا يسعدهم. لتومئ لها سيدرا بابتسامة، وتنظر إلى ملك تجدها تبتسم وهي تحادث أحد عبر الرسائل، لتميل برأسها تنظر إلى شاشة الهاتف قائلة بخبث: = بتكلمي الولد الحلو أبو نضارة؟
كانت لغتها ضعيفة مهزوزة وهي تتحدث بالعربية، حيث قد بدأت هي وتيم وأيضًا ملك بأن يأخذا كور لتعلم اللغة كونهم سيمكثان في مصر. لتضحك ملك بخفة على لكنة الأخرى، تجيبها وهي تريها المحادثة: = لا بكلم هدى أخته. لتردف سيدرا وهي تلوّي شفتيها بسخرية: = تلاقيه قاعد جنبها بيمليها. أجابتها ملك ببساطة وهي ترفع كتفيها دليلاً على عدم اهتمامها، وهي تكمل المحادثة: = عارفة...
وقبل أن تكمل جملتها، قاطعتها صرخة تولين المتألمة وهي تضع يدها فوق بطنها وتبكي بألم. لتنتفض كلًا من سيدرا وملك، تسألها سيدرا بقلق واضح: = تولين في إيه مالك؟ لتجيبها تولين بألم وقد ازداد نحيبها: = مش قادرة يا ملك.. سكاكين بتقطع في بطني.. حد ينادي مالك.. مش قادرة... آآآه.
لتنطلق ملك راكضة للخارج لتخبر أخاها، الذي لن يدعها تكمل واتجه سريعًا إلى الداخل. وما إن رأى دموعها انفطر فؤاده من أجلها، ليطلب منها الهدوء وهو يحملها بين ذراعيه، يتجه ناحية سيارته، ويذهب بها إلى المشفى. = هدى نفس واهدي يا حبيبتي مفيش حاجة.. هتكوني كويسة.. مفيش حاجة.. خدي نفس.
ليجلسها في المقعد الخلفي، وجلس خلف عجلة القيادة، وقاد بسرعة جنونية إلى المشفى، وهو يقوم بعدة اتصالات سريعة للطبيبة التي تتابع معها، وأيضًا بالمشفى. وأعصابه تكاد تفلت منه وهو يشاهد العرق يغرق وجهها من شدة الآلام التي تعانيها، وهي تحاول عدم الصراخ وتحمل الآلام. ليصرخ مالك بعنف وهو يكاد يموت قلقًا عليها: = اصرخي يا تولين.. اصرخي.. متكتيميش الوجع بالشكل ده.. اصرخي.
نظرت له بنصف وعي ودموعها تتساقط من شدة الألم، وبدأت في الصراخ، وتشعر بالماء والدماء يتساقطان، وأنها أصبحت على بعد لحظات من الولادة. توقف مالك بسرعة أمام المشفى، يحمل تولين التي تكاد تغيب عن الوعي من شدة الألم. وتوجه للمشفى التي كانت على أهبة الاستعداد لاستقباله. وضعها فوق الفراش المتحرك، وقام الممرضون والطبيبة الخاصة بها بالجرى بها في اتجاه غرفة العمليات، ومالك يسير معهم وهو يمسك يدها بقوة. لتردف الطبيبة بعملية:
= بشمهندس مالك خليك هنا. مالك بإصرار وهو ينظر إلى تولين التي تبكي بشهقات مرتفعة: = مش هسيبها. لتردف الطبيبة بتعجل: = طب الأول اتعقم. لتدلف بتولين إلى غرفة العمليات، ويتجه مالك مع إحدى الممرضين إلى التعقيم، وارتدى الثياب المعقمة الخاصة بالعمليات، وذهب إليها سريعًا ليجدها تصرخ من شدة الآلام، فتوجه إليها بدون تفكير ويمسك بيدها، لتتشبث هي بأظافرها بكفه، لتصرخ صرخة مدوية ومعها صرخة طفلتها التي خرجت للحياة.
نظر مالك بحنان ودموع حبيسة إلى طفلته التي استلمها الممرضون. همست له تولين بضعف: = مش قادرة يا مالك.. حاسة إن قلبي هيوقف.. هموت. قبل جبينها بحنان ودموعه تختنق، ويشعر بالعجز وهو يراها تتألم بتلك الطريقة ولا يستطيع التخفيف عنها، ليردف بحنان وهو يشير لطفلته: = بصي بنتنا حلوة إزاي.. يلا يا حبيبتي أنا عارف إنك تعبانة بس اختها عاوزة تشوف مامتها وتنور الدنيا هي كمان.
ثم تمسك بيدها بشدة وهي تبكي وتصرخ من شدة الآلام الذي تصاعد بشدة. لتردف الطبيبة بسعادة: = طلع ولد يا جماعة.. مش بنت.. ما شاء الله زي القمر.. يتربوا في عزكم. ليحتضن مالك تولين براحة، وهو يتنفس الصعداء، بينما تولين تبكي بسعادة. لكن ملامحها تحولت لذعر وهي تراهم يأخذون الطفلة. = انتو واخدينها على فين؟ لتردف إحدى الممرضات بجدية: = ضربات قلبها سريعة.. هندخلها الحضانة وتكون تحت الملاحظة. بعد مرور 4 ساعات.
كان الجميع مجتمعين حول تولين التي تبكي بصمت منذ أن خرجت من العمليات، يحاولون إقناعها بأن طفليها بخير. وما كان يقلقها أكثر هو أن مالك قد اختفى منذ خروجها، ولا تعلم أين هو. ليردف عاصم بحزن وهو يرى حفيدته بهذه الحالة: = يا حبيبتي متعمليش في نفسك كدا.. إن شاء الله هيكونوا كويسين.. سيبها على الله وكله خير...
ولم يكمل جملته حتى فتح الباب ودلف ممرضتان، كل واحدة تجر أمامها فراش صغير خاص لحديثي الولادة. لتنظر تولين بأمل وسعادة إلى الفراشين، لتردف إحداهما ما إن وضعا الفراشان بمكانهما: = الحمد لله مفيش حاجة تقلق والاتنين بصحة كويسة رغم إنهم اتولدوا في السابع.. ألف مبروك يتربوا في عزكم. ليخرجا من الغرفة، يقابلهم مالك الذي نظر إليهما باستغراب، ويدلف سريعًا وابتسامة سعيدة ما إن رأى الفراشين الخاصين لصغيريه. لتهتف ملك بسعادة
وهي تنظر إلى الطفلين: = هتسموا إيه؟ لتجيبها تولين فورًا وقد تذكرت الاسم الذي زارها بالمنام من قبل: = الولد هسميه حمزة. لينظر لها مالك باستغراب وهو يعقد حاجبيه: = اشمعنى بقى؟ لترفع كتفيها ببساطة: = عادي بحب الاسم. ليومئ لها من ثم ينقل بصره ينظر إلى ملك قائلاً بابتسامة متحمسة: = والبنت هنسميها داليا على اسم ماما الله يرحمها. لتبتسم ملك هي الأخرى على ذكر اسم أمها.
لتتم حفلة أخرى بعدها بأسبوع تشبه حفلة أريان التي لم تكتمل بسبب انشغالهم بتولين. ولكن الفرق أنها تتم في المنزل القديم الخاص بعائلة مالك، نفس المنزل الذي جاء إليه أفراد عائلة الشهاوي أول مرة لخطبة سارة وهو يخطب تولين. وما زاد سعادتهم عندما أخبرهم تيم أن سيدرا حامل، ليهتف إلياس حينها بيأس: "مش هتجوزوا بقى.. الناس كلها اتجوزت وخلفت وأنا البنت لسه قاعدين جنبكم". لتمر الحفلة بسعادة على الجميع. بعدها بأسبوعين.
كانت ملك بجناحها الخاص في الفندق الذي ستقام به حفل خطبتها، تنظر إلى نفسها بفستان خطبتها وهي تكاد تطير من الفرح. هي التي بعد ساعات قليلة ستكتب على اسم من اختاره قلبها ويكون حلالها وهي حلاله. كانت الفرحة تظهر جليًا على وجهها وهي تتحسس فستانها بسعادة.
دلف إلى جناحها في ذلك الوقت كريم وأغلق الباب من خلفه، ينظر إليها بعشق وشغف يتأملها وهو يحمد الله أن تلك الملاك له وحده، وبعد القليل من الساعات ستصبح زوجته. رغم أنه عقد قران فقط، إلا أنه يشعر بالسعادة والفرح. كانت ملك غارقة في تأملاتها ولم تشعر بحركته إلا وهو يقف خلفها ليحتضن خصرها بكلتا يديه، ويحني رأسه ليستند بذقنه فوق كتفها، ويهمس بجوار أذنها قائلاً ويده تمتد إلى صورتهما المنعكسة، يمررها عليها، يرسمها بإصبعه،
ويهمس بصوت ناعم: = انتي نجمتي و أمان قلبي و ملجأ حُزني.. بحبك يا ملك.. خلاص ما بقى إلا القليل.. فرحانة يا ملاكي. هتفت ملك بفرحة تصفق بيدها: = أوي أوي.. أنا حاسة إني عايزة أطير.. وأكتر حاجة عجباني الفستان حلو أوي.. إيه رأيك فيه؟ ابتسم كريم ابتسامة واسعة وهو يرى فرحتها الجلية على وجهها دون أن يسألها. همس كريم وهو مازال على وضعه معها: = أنا اللي عاجبني اللي جواه.. الفستان هي اللي محليا، زي ما محليا حياتي كلها.
أصبحت وجنتا ملك كحبة الفراولة الطازجة من شدة الخجل، بعد أن فهمت مقصده، فقامت بالالتفات إليه ودفعه بعصبية مزيفة حتى تداري خجلها منه، هتفت بارتباك وتلعثم: = اتفضل برا.. انت أصلًا مينفعش تكون معايا ولوحدنا كدا.. افرض حد جه. أطاعها كريم لكي يخرج، وهو يشعر بخجلها، فكم يحب أن يرى خجلها، حين تصبح وجنتاها حمراء كحبة الفراولة الطازجة، فكم تصبح بريئة ولطيفة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!