رافق من يُشعرك بسكر الأيام رُغم مرارتها. كان للتو قد دلف إلى المنزل الثاني لصديقه مالك، ينظر إلى هاتفه بشوق وهو يحدث نفسه بصوت مسموع: "أكلمها طيب؟ لأ هتقول إني بفكر فيها. إيه الغباء بتاعي ده؟ ما هي عارفة إني بفكر فيها. أنا هكلمها، وبعدين أنا اللي المفروض أزعل مش هي. بقالي أسبوع في مصر ومش سألت فيا." ليتنهد بتشجيع وهو يقوم بالاتصال عليها، ولم يكاد أن تكمل لحظات إلا وقد أتاه صوتها الذي اشتاق إليه. "وحشتيني يا نجمتي."
ليغمض عينيه بإشتياق قائلاً بحب ظاهر. "مش اتصلت بيا طول الأسبوع اللي فات يا تيم؟ لتبتسم هي بسعادة قائلة بحب حاولت إخفائه. "استنيتك انتِ اللي تكلميني وتصالحيني، بس أعمل إيه بحب تلاجة." ليجيبها بحنق. لتحصل هي على وصفه لها "بالثلاجة" قائلة بصدق: "أنا آسفة يا تيم، عارفة إني اتعصبت عليك آخر مرة." ليجيبها بحنان قائلاً: "خلاص حبيبي، ما حصلش حاجة." لتشعر بتضخم قلبها من شدة حبها له قائلة بتهرب: "أخبارك إيه في مصر؟
وأخبار مالك وملك عاملين إيه دلوقتي؟ ليتنهد هو بطول قائلاً بهدوء: "كلنا كويسين الحمد لله، المهم قولولي الدكتور بلغك بحاجة جديدة ولا لسه؟ لتجيبه بحزن وأسف من الطرف الآخر قائلة: "للأسف لسه الوضع زي ما هو، ما فيش جديد، بس الدكتور قال إن مرحلة الخطر عدت الحمد لله." ليتنهد تيم بطول، وأخذ يتحدث معها لمدة تقارب الساعة، وما أن أغلق الخط معها، ألقى بهاتفه على الأريكة المقابلة له متنهداً ببطء قائلاً:
"الله يسامحك يا إلياس، أنت السبب في كل ده. لازم يهنى تخطط وتهبب أنت وهي." ما زلت أتعافى من الخذلان الكبير الذي أصاب قلبي، ما زلت أتعافى من كل كلمة سامة أصابتني فأفقدتني ثقتي بنفسي، ما زلت أقاوم رغبتي في عدم مغادرة فراشي، ما زلت أخوض حرباً لا تنتهي، أنهزم وأسقط وأنهار. أتساءل أين أنتِ يا أمي؟ كي تساعديني وسط تخبطي هذا، هل تشعرين بما أشعر به؟ هل يصل إليكِ آلام قلبي؟
أنا لا أريدك أن تحزني لأجلي، ولكني أريدك أن تكوني بجانبي ومعي، لقد اشتقت إلى حنانك، اشتقت إلى عناقك الدافئ، اشتقت إليكِ بشدة، لما لا تأتين لتأخذينني؟ ألم تشتاقي إلي؟ يا أمي بالله أجيبيني.. هل أنا سيئ حتى لا تحنو عليّ وسط آلامي التي تكسوني، يا أمي الحياة قاسية عليّ، فبالله لا تقسو أنتِ أيضاً، يا أمي إني أناديكِ من وسط عتمتي، فأنا كما تعلمين بحالي.
فيا أمي بالله لا تحزني مني، فقد حاولت.. حاولت أن أنظر للأمور بواقعية، ولكني وجدت أن الواقع كئيب أكثر مما أتخيل. الحياة قاسية والحزن لا يترك أحداً، وأننا جميعاً مصابون بلعنة النهايات الحزينة والحزن المستمر والحنين الدائم للذكريات والراحلين. هل أخطأت في نظرتي للحياة يا أمي؟ وحينما سُئلت: إلى متى سنظل مصابين بلعنة النهايات الحزينة؟
أجبت: أعتقد أن الاختيارات الخاطئة دائماً تؤدي لنهايات حزينة. اختيارات العقل أحياناً قد تفرض علينا فراقاً أو رحيلاً دون إرادة منا، فقط لأن هذا منطقي أو صحيح. النهايات الحزينة سببها ظروف خارج الإرادة، رحيل أو بقاء مؤلم. هذا تحديداً ما قد يجعلنا مصابين بلعنة النهايات الحزينة للأبد. والحقيقة يا أصدقائي التي تعودت على أن لا أخفيها عليكم هو أننا سنظل نشعر بالحنين في كل لحظة من لحظات الوحدة والاشتياق التي تمر علينا كل ليلة،
في كل مرة نتذكر خذلان شخص قريب لنا أو ألم فراق لم يستطع الوقت محوه. سنظل نعاني وتظل لعنة النهايات تطاردنا حينما تراودنا الذكريات الكئيبة في ذروة أوقات نجاح علاقات جديدة، في كل مرة يتملكنا الخوف من تكرار الخذلان مجدداً ونبتعد، فتستمر الحياة مصبوغة بالحزن، باهتة الذكرى، شحيحة الأوقات السعيدة.
هل أخطأت في سردي يا أمي؟ ألسنا جميعاً مصابين بلعنة النهايات الحزينة؟ يا أمي منذ رحيلك وأنا أصبحت سوداوية، أصبحت أمقت تلك الحياة القياسية.. وعندما فارقت روحي جسدي، وجد من ينقذني. أليس هذا سيئاً يا أمي؟ أتساءل بسخرية: "لماذا هذا الطبيب الذي أنقذني من الموت في هذا اليوم الكئيب، لمَ لم يستشرني أنقذني أم لا؟ " هل تعلمين يا أمي بأنني كنت سأرفض أن ينقذني؟ أليس هذا أمراً مضحكاً؟
أجل أمي، أعرف أن هذا الضحك ما هو إلا آلام يعصف بقلبي، وأن هذا الهدوء الذي أتحدث به هو بسبب الهموم والحزن الذي يملأ داخلي. لكن الآن الوضع مختلف، فالآن ينمو بداخلي طفلي، ينمو داخل أحشائي. اليوم هو يومه الأول بشهره الثاني داخل رحمي، وهذا هو السبب الوحيد الذي يجعلني أقاوم تعبي وألمي، فقط من أجله، هو من أجلي، طفلي. أريد أن أفتح عينيّ، أريد أن أنهض من مكاني لأستعد لقدومه. ومع كل هذا الذي أخبرتك به..
فمن واقع خيالي سأسرد لكم حال تلك الفتاة العمياء، فهي لا تزال تركضُ بين العابرين، وتسبُّ الذكور، فهي لا تزال تعاني من قسوة الحب منذ زمن مضى مع ذلك العاشق القاسي. "أنتِ موافقة على اللي جوزك بيقوله ده؟ هتف عاصم بحدة لتولين التي تجلس بصمت، مخفضة رأسها ولا تعلم بما تجيب جدها. ليجيبه مالك بثقة وبرود، وبنفس الوقت احترام لذلك الرجل الذي لم يرى منه غير احترام وتقدير له:
"حضرتك تولين مراتي، ومن الطبيعي إنها تكون موجودة في نفس المكان اللي أنا فيه." ليصيح عاصم بعصبية مقاطعاً له بانفعال: "ومش من الطبيعي إنك تاخدها وتهاجر. أنت توافق إن اختك تهاجر مع جوزها؟ ليبتسم مالك بسخرية قائلاً بحدة مفاجأة: "وأنا مش هقبل إن يكون ليا علاقة بواحد ضرب أختي لحد ما ماتت، حتى لو كان الشخص ده أخو مراتي."
في نفس الوقت، كان أمير قد دلف للتو هو وعدي، ليستمع إلى حديث مالك الأخير، ليشعر بتمزق قلبه داخله من كثرة الآلام التي هاجمته، ليتجه إليهم بخطوات بهدوء. وما أن رآه مالك، تحولت نظرات الأخير إلى نظرات غضب، وكأنه يحاول منع نفسه من عدم الانقضاض عليه. ليردف أمير بصوت متألم حاول صبغه بالهدوء: "وأنا مش هجبرك إن يكون ليك علاقة بيا بعد اللي عملته، بس تولين أختي وأنا مقدرش استغنى عنها، دي أختي الوحيدة." مالك بنظرات
قاتلة وهو يقول بغضب مكتوم: "وأنا مش همنعها عنكم، أنا هاخدها ونسافر، ولو فيه عندكم مناسبة ولا حاجة هجيبها لحد عندكم تحضرها، وأول ما المناسبة تخلص هاخدها ونرجع." لينظر أمير إلى تولين الجالسة بصمت قائلاً: "تولين، انتِ عايزة تسافري مع مالك؟ ردي عليا، موافقة على اللي بيقوله؟ هتسيبي شغلك وحياتك وتسافري معاه؟
لتحول تولين نظرها بين أخيها وزوجها وأيضاً جدها، لا تعلم بما تجيب، فإذا اختارت أخيها وجدها ستخسر مالك إلى الأبد، وإذا اختارت مالك ستخسر أخيها وجدها. لتبتلع ريقها بتوتر: "جدي، مالك يبقى جوزي، وزي ما أنا مقدرش استغنى عنكم، مقدرش استغنى عنه." ليقاطعها جدها بصرامة: "مليش دعوة باللي انتِ بتقوليه ده.. اختاري يا عيلتك يا جوزك." صدمة أصابت الجميع، تولين، أمير، عدى، وأيضاً مالك. كيف له أن يخيرها هكذا؟
فهو أكثر شخص يعلم مدى حبها لمالك، وأيضاً مدى حبها لعائلتها. لتنظر بدموع إلى جدها، ثم تتجه إلى مالك، تقف أمامه وتمسك بكفيه، بينما جدها ينظر لها بحزن وصدمة من اختيارها. لكن ما جعله مندهشاً هو سماعه لما تفوهت به: "أنا آسفة يا مالك، بس عايزك تفهمني، دي عيلتي." لا تعلم بماذا تقول أو تخبره، وكأن لسانها قد عقد عن الكلام. ليبتسم لها مالك بحزن، مقبلاً جبينها بحنان وهو يومئ برأسه لها قائلاً بهدوء يتخلله الحزن:
"متبرريش حاجة، أنا فاهمك." ليتنهد بطول قبل أن يكمل موجهًا كلامه إلى عاصم قائلاً بجدية: "المحامي هيجي ويخلص كل إجراءات الطلاق." ليغادر بعدها فوراً من دون أن ينظر خلفه، بينما تولين تبعته بنظراتها إلى أن اختفى، لتنفجر في البكاء بقوة، وصوت شقاتها ونحيبها هو ما يقطع الصمت. ليقترب منها أمير بحزن قائلاً بندم وهو يأخذها بين ذراعيه في عناق أخوي: "أنا آسف، أنا السبب في كل ده.. سامحيني يا حبيبتي، أنا آسف." لتهمس
هي من وسط شهقاتها قائلة: "أنا بحبه أوي يا أمير." ليعانقها أمير بقوة، يربت على ظهرها بحنان، بينما دمعة واحدة قد خانته لتسيل فوق وجنتيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!