بعد مرور عِدة أيام، الظلام الذي يكسره ضوء القمر الشبه بدر مُكتمل وسكون الليل الذي قطعه قوة صفعة قوية، وخلفها إستهجان وتعنيف بقسوة. "سبق وجولتك إن ممنوع تنفذ إغتيال سراج دلُق. ليه خالفت أوامري؟ أوعاك تفكر إنك صاحب كلمة هنا. هنا أنا اللي أقول إيه اللي يحصل وميتي." تفاجأ قابيل من تلك الصفعة، وزاد الغضب بقلبه. لوهلة فكر أن يُخرج سلاحه ويقتل الذي قام بصفعه، لكن فكر: هو مازال لا يعلم بقية الأوغاد الذي يتعامل معهم. وضع يده
مكان الصفعة وتفوه بتبرير: "أنا عملت كده لما اتأكدت إن سراج لسه بيخدم في الجيش. كمان أنا كان هدفي أشغل الشرطة و...
قاطعه الآخر بإستهجان أقوى: "وده غباء منك. وفي الآخر خسرنا رجالة. وكويس إن اللي اتقبض عليه ولسه عايش مقرش على اللي عطاه الأمر. ودلوقتي تطلع الجبل للراجل اللي كنت أمرته ينفذ وتسأله إذا كان حد من اللي نفذوا العملية له معاه تعامل مباشر يفضل متخفي، وياريت يختفي عن الدنيا نهائيًا. وده آخر إنذار لك. مرة تانية هتتصرف من دماغي مالكش عندي غير رصاصة واحدة زي اللي أنت ضربتها في غيث. وبعدين أنا متأكد إن في سبب تاني في دماغك من قتل سراج، مش حكاية إنه لسه بيخدم في الجيش."
ارتبك قابيل وبرر بتعلثم: "هيكون إيه السبب؟ أنا كل اللي يهمني المصلحة. وجود سراج هنا خطر كبير." زفر الآخر نفسه بنفاذ صبر قائلًا
بأمر: "جولت شيل سراج من دماغك. عمايلك دي هتخلي البوليس يفتح عينه أكتر. وإن كانت البضاعة وصلت المرة دي بسلام للمخزن الحديد لسه لما هنرجع نبعتها للمشتري، مش عاوزين أي شبطة مع الشرطة ولا الجيش دلوقتي. ولآخر بحذرك، قتل سراج مش في مصلحتنا ولا يضرنا. حتى وجوده في الخدمة هو ميعرفش إحنا مين. لكن إنت بغبائك مفكرتش إن كان واحد من اللي نفذوا العملية كان ممكن يقر على الراجل بتاعك وعلى مكانه. وجتها كان ممكن يقر عليك. كمان هو بقى مكشوف ومش هنستنى لحد ما يتقبض عليه ويقر."
فهم قابيل التلميح بضرورة التخلص من ذاك المجرم. وبالفعل بعقله قرر ذلك، ليس فقط خوفًا أن يقع بيد الشرطة ويوشي به، كذلك لفشله في قتل سراج. لو كان سراج قُتل ما كان شعر بالغضب من التوبيخ. بعد وقت قليل،
ب سفح الجبل بذاك الكهف دخل قابيل، لكن كان الكهف مظلمًا إلا من سرسوب ضوء القمر. رغم ذلك مُظلم، مجرد خط أبيض بالكهف. استغرب ذلك، هو منذ أيام لم يتقابل مع ذاك المجرم، كذلك لم يُهاتفه، فقط كي لا يلفت الانتباه. لكن سرعان ما شعر بالغثيان حين اخترق أنفه رائحة كريهة للغاية. أخرج محرمة ورقية
وضعها على أنفه وهو يقول: "سب نابي" بتوبيخ. ثم أشعل ضوء هاتفه. أضاء الكهف، سرعان ما وقف مذهولًا حين رأى تلك الجثة التي بدأت تتحلل. رغم شعوره بالغثيان، اقترب من وجه ذاك المجرم الذي بدأ يتحلل. رأى آثار الدم الجاف تحت رأسه، كذلك علامة بوسط رأسه دليل على وجود رصاصة. شعر بالهلع وهو يخرج من الكهف، يشعر أيضًا باختناق بسبب تلك الرائحة. وقف بمكان مفتوح يسعل وهو يستنشق الهواء كي يطرد تلك الرائحة عن أنفه. ظل لوقت حتى شعر بهدوء تنفسه. سمع صوت الذئاب تعوي. لم يكن سابقًا صوت الذئاب يخيفه، لكن الليلة سبب له هلعًا في
قلبه وعقله بدأ في السؤال: من الذي علم مكان ذاك المجرم وقتله؟ والجواب كان واضحًا... لابد أنه الكبير. والسؤال ينفي ذاك الجواب: إن كان الكبير هو الذي قتله، لما لمح له قبل قليل بقتله؟ والجواب معدوم. وهنالك احتمالات أخرى. ربما أحد رجال الجبل الفارين قتله. هذا الأرجح. لكن من ذاك المجرم الذي قتله...
ربما ذهب معه الجواب إلى القبر. ولا يهم التفكير كثيرًا، يكفي أنه قُتل. وعليه الآن الحذر. لكن فكرة قتل سراج لم تختفي من رأسه ولن يهنئ قبل أن يقتله. *** صباحًا، ب دار عمران العوامري. بالمندرة، وقفت ولاء بغضب بعدما سمعت إخبار إسماعيل لعُمران، أنه ينوي الزواج، بل وتقريبًا اتفق على كل شيء، وتبقي فقط إتمام عقد القران بعد يومين. تحدثت بإستفسار متهكم: "ومين بقى العروسة اللي اختارتها؟
اياك تكون اختارت نسب يشرف، مش زي خواتك الاثنين." شعر بالضيق والغضب منها قائلًا: "اختارِت اللي تناسبني يا عمتي، وأعتقد كل واحد حر في اختياره شريكة حياته." شعرت بالغيظ وسألت بضجر: "مين بقى العروسة ومين يا ترى اللي راح طلبها لك؟ أجابها: "اللي طلبها لي خالتي رحيمة، والعروسة زميلتي بتشتغل صيدلانية في المستشفى اللي بشتغل فيها." ازداد شعور الغضب وقالت بضيق: "رحيمة...
طبعًا واكلة دماغكم ومسيطرة عليكم كأنها ساحرة لكم. والعروسة موظفة يعني وأهلها بقى... قاطعها إسماعيل: "أهلها ناس طيبين، والدها كان مدرس وطلع على المعاش. كمان والدتها إدارية في مدرسة. وبعدين أنا مش بفكر في الحسب والنسب. أنا اخترت البنت اللي قلبي دق لها ومتأكد إن سعادتي معاها، ومش هيفرق هي بتشتغل أو لأ، ولا بنت مين. يهمني هي شخصيتها متوافقة معايا."
أفحمها إسماعيل مما جعلها تكبت غيظها. ثم نظر لعُمران قائلًا: "كتب الكتاب بعد يومين يا أبوي وهيكون على الضيق في شقة والد قسمت 'عروستي'، يعني هيبقى مختصر علينا. مش لازم يبقى فيه زحمة وهيصة الزفاف والفرح هيبقى قريب للهيصة." أومأ له عُمران ببسمة موافقًا يقول له بأبوة: "ألف مبروك يا ولدي." كذالك فهيمة تبسمت بمودة قائلة: "ألف مبروك وربنا يتمم بخير."
نظرت لها ولاء نظرة تحذيرية، لكن تغاضت عن تلك النظرة ولم تهتم بها. مما سبب انزعاج لـ ولاء. بعد أن غادر إسماعيل، نظرت لعُمران بتجهم قائلة: "إزاي توافق على حديث إسماعيل؟
ده كانه بيدعينا ولا كأننا أهله، وكان لازم يخبرنا من الأول. وإحنا اللي كنا نروح نطلبها له ونشوف الناس اللي هيناسبهم دول شكلهم إيه. انت عارف رحيمة طول عمرها بتفكر نفسها لها كيان وسط ولاد أختها. وهي بتضحك عليهم أنها تاخدهم على هواهم عشان تفضل ليها مكانة عندهم. مش فارق معاها إن كان نسب يليق بمقام سيط عيلة العوامري ولا لأ. المهم إنها تكون ليها مكانة."
نظرت لها فهيمة قائلة: "إسماعيل بيقول هو اللي اختار عروسته وهو اللي هيعاشرها و... قاطعتها ولاء بغضب وتقليل شأن منها: "إنتِ كان حد حشرك وقالِك تتحدتي في أمر ميخصكيش. إنتِ... تدمعت عين فهيمة. لكن قاطعها عمران. لأول مرة يقف بصف فهيمة زوجته: "فهيمة عنديها حق. هو حر في اختياره. وهو اللي هيعاشرها ويعيش معاها." تبدلت دمعة فهيمة إلى بسمة منشرحة. بينما غضبت ولاء بحقد قائلة: "إنت ضعيف قدام ولادك، زي ما كنت ضعيف زمان قدام....
قاطعه عُمران بعصبية: "كفاية يا ولاء، أنا مش ضعيف." قاطعته بتحريض: "لأ ضعيف يا عمران. كأنك خايف منهم. سايبهم كل واحد يختار على مزاجه وبعد ما يتمم يجي يخبرنا كأننا معازيم و... قاطعه عُمران
مرة أخرى: "إنتِ كمان زمان مش اتحديتي أمي ووافقتي على ولد عمك اللي كلنا حذرناكِ منه وجولنا لك إنه ماشي بطال مع قطاعين الطرق مطاريد الجبل. وفي النهاية خدتي منه إيه غير لقب أرملة قبل عرسكم بأسبوع. كفاية، كل واحد حر وعيتحمل نتيجة اختاره. أنا مهمل لك الدار عشان ترتاحي."
غادر عُمران بغضب وترك ولاء تكاد أنفاسها تحرق الدار بأكملها. نظرت إلى فهيمة التي تنظر لها لأول مرة تشعر بشماتة بها. اغتاظت ولاء واهتاجت غضبًا وهي تخرج من المندرة تلعن وتسب الجميع بالغباء. *** ليلًا. في الليل تتجمع الهموم، كذلك الذكريات. بغرفة إيمان. أغلقت ذاك الكتاب الذي كانت تدرس به وشعرت ببعض التشنج بعنقها. تمطت ببعض الحركات الرياضية.
شعرت براحة قائلة: "بسبب إني بقالي كام يوم موقفة تمارين الكاراتيه جسمي اتشنج. لازم أركز الفترة دي شوية في الدراسة. خلاص هلاقيني فجأة داخلة الامتحانات. لازم ألم المنهج عشان أتخرج بتقدير محترم يليق بيا زي السنين اللي فاتت." فجأة جاء إلى رأسها ما رأته ظهرًا بمحطة القطار. [بالعودة إلى ظهيرة اليوم] تحدثت إيمان مع إحدى زميلاتها
بالجامعة وأخبرتها: "هو الدكتور بتاع المادة قال إن الكتاب اللي نقدر ناخد منه معلومات للبحث اللي طلبه موجود فين؟ أخبرتها زميلتها: "المكتبة اللي قال عليها تقريبًا مكانه قريب من محطة القطر." أومأت إيمان قائلة: "تمام، خلينا نروح المكتبة بسرعة قبل ما تزدحم من زمايلنا." أومأت زميلتها ببسمة. بعد وقت قليل،
كن تقفان أمام تلك المكتبة القريبة من محطة القطار. كما توقعت إيمان، لقد شبه ازدحمت المكتبة ببعض زملائهم، لكن استطاعن العثور على نُسخ من ذاك الكتاب واشترين. تنهدت إيمان بصبر قائلة: "الحمد لله لحقنا لنا نسخ من الكتاب. تعالي أعزمك على قهوة في الكافيه اللي هناك ده."
رفضت زميلتها قائلة: "لأ الوقت قربنا على العصر وأنا مقلتش في البيت إني هتأخر، خليها لوقت تاني، يا دوب أشوف تاكسي عشان أرجع للبيت، وإنتِ كمان اتصلي على السواق بتاعكم يجي ياخدك." تبسمت لها بموافقة.
غادرت صديقتها وظلت هي منتظرة السائق بعد أن أخبرته بمكانها القريب من محطة القطار. لكن لفت نظرها أثناء انتظارها للسائق ذاك المشهد. حين رأت جسار يسير وهو يسحب خلفه حقيبة ملابس كبيرة. لكن ليس هذا ما لفت نظره، لفت نظره تلك الأخرى التي كانت تسير جواره، شابة رائعة الجمال ومحجبة، تمسك بيدها طفلًا يتعدى الخمس سنوات تقريبًا. نظرت نحوهم حتى اقتربوا منها. لم يراها جسار بسبب انشغاله بذاك الصغير الذي ترك
يد السيدة وتوجه نحوه يقول: "بابا". لا تعلم لما خفق قلبها قويًا بتلك اللحظة، شعرت ببرودة تجتاح جسدها. بنفس الوقت أتى السائق. لم تنتبه له وهي تنظر نحو جسار وتلك التي معه وذاك الطفل الذي يمرح حول جسار وهو يبتسم له. من الجيد أنه لم يلاحظ وجودها بالمكان. فاقت من شرودها على صوت زامور السيارة. ذهبت نحوها، وعقلها مشغول دون علم السبب. [عودة]
على صوت تنبيه هاتفها انتبهت. رغم ما زال عقلها لديه فضول معرفة المزيد عن جسار. هل تلك هي زوجته؟ خفق قلبها بشعور غريب. لما تشعر بانقباضة في قلبها؟ لماذا هذا الشعور؟ الفضول... لمجرد المعرفة. لا تأثير الفضول يكون بلا تلك الانقباضة حتى لو كانت طفيفة. صراع حميد لا تدري سببه. جسار ليس أكثر من مجرد مدرب بالمركز الرياضي فقط. زميل لا أكثر. لا تشغلي عقلك بشيء أكثر من ذلك.
لكن الفضول. لا داعي منه. لكن الرغبة لمجرد المعرفة فقط. هكذا أقنعت نفسها أن ذاك الشعور ليس سوى فضول. رغم خفقات قلبها التي تتمرد وهي تعتقد أنها تتحكم بها، ولكن التفكير الذي شغل عقلها وصراع محموم بين قلبها الشارد وعقلها البارد لا يهدأ. بل ابتدأ الصراع نحو مسار غير متحكم. *** ليل الهموم لقلب بدأ يستسلم لأضغاث قلبه. بشقة إيناس.
نظرت جوارها للفراش كان خاويًا. قابيل رغم أن الليل انتصف منذ وقت، لكنه لم يعود كعادته. ليس ذلك بالجديد. تذكرت قبل ساعات حين كانت تقف بالشرفة. كان آدم يدلف ومعه تلك المعتوه زوجته. كان يمسك بيدها ينظر لها وهو يبتسم. ربما كان ذلك صدفة أثناء دخولهما حين تعرقلت حنان، تلهف عليها وأمسك يدها وهما يسيران بإنسجام. عكسها مع قابيل الذي تركها بالمشفى مجرد زيارة أو اثنتين وتحجج بكثرة العمل وانشغاله. كذلك منذ أن أجهضت، رغم مرور وقت
لم يقترب منها قابيل حتى ويقبل إحدى وجنتيها كنوع من الدعم، لكن هو يتجاهلها. أصبحت تكره كل شيء حولها وتحقد بقلبها. سابقًا من كانت هي من تُحسد، الآن أصبحت ناقصة. يدخل إلى عقلها هوس أن هنالك أخرى تغزو عقل وقلب زوجها. بالتأكيد ربما يبحث عن من تعوض النقص الذي أصبح لديها. بنفس
الوقت نفضت ذلك بعقل موهوم: "لأ قابيل مستحيل يفكر في غيري. قبل كده قالي مش عاوز عيال. وبعدين ما عندنا بنت." -قد يرغب بولد يحمل اسمه ويرثه فيما بعد. عقلها يقول ذلك وينفي بنفس الوقت: "لأ مستحيل. هو بيحبني من صغرنا ومش هيفكر في كده. هو بس زعلان وعشان كده بيحاول يبعد عني عشان محسش بكده." بين تعقل وهوس تهزي من حجود وحقد نفسها. ***
لمعت عين ثريا ببسمة وهي ترى سراج يقترب منها هو الآخر. تلمع عيناه بوميض خاص وشغف. ضمها بين يديه وطبع قبلة على إحدى وجنتيها، ثم نثر قبلات على وجهها بالكامل. يديه عملت على إزالة ذاك المئزر من فوق جسدها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!