مثل خفافيش الظلام كان موعد لقائهم فى آخر الليل بذاك المنزل اللذان كانا يتقابلان به سابقًا، فى إحد المنازل المُتطرفة القريبه من الجبل الذي يمتلكه ذاك الأهوج حفظي. كان بمثابة وكرًا قريب لملذاتهم الدنيئة، منزل مُتهالك من يراه من الخارج يظنه مهجورًا، لكن من الداخل كان فخمًا وبأثاث راقٍ مُجهزًا خصيصًا لأهوائهم.
فتح حفظي الباب ودخل بترقُب يرفع سلاحه متأهبًا أن يكون فخ من ذاك الذي إتصل عليه ينتحل شخصية وصوت غيث. لكن لا أحد يعلم بهذا المنزل سوا هو وغيث، حتى تلك العاهرات الاتى كان يأتون بهن لهنا كان يضعون حول أعينهم شرائط سوداء.
بينما بإحد الغرف، لمعت عين غيث وهو ينظر الى ذاك الفراش الوثير. تذكر أنه آتى بـ ثريا هنا ذات ليلة. كان بإنتظاره عاهرة عارية إمتثلت لأهوائه من نظرة عين، ركعت أسفل قدميه تستلذ بإيلامه وصفعاته لها. بينما إنكمشت ثريا على نفسها لا تشعر بالغثيان فقط، بل الرعب فى عينيها كان مُثيرًا للغايه. ربما زاده إثاره أكثر من نيله لجسدها تلك الليلة. زفر نفسه فى نفس اللحظة شعر بالغضب وهو يتذكر ذاك الفيديو الذي رآها مع سراج بتلك الحمِيمية
راغبة عكس حين كان يقترب منها يرا النفور. حقًا كانت الصورة بعيدة والصوت به بعض اللغوشات، لكن لا يتوه عن تلك التنهيدات. قبض على ذاك العكاز الذي يستند عليه بقوة، لوهله قد تتحطم قبضة يده من المعدن، لكن أخرجه من ذاك الغضب سماعه لصوت أغلاق باب المنزل. تبسم بلمعة عين، وغادر الغرفه.
كما توقع لم يتفاجئ حين رأي حفظي يرفع السلاح بناحيته. ضحك غيث قائلًا بعتاب سخيف: "هو ده إستقبالك ليا، بدل ما تفرح آني لسه عايش." مازال الذهول على وجه حفظي، الذي تعلثم سائلًا بغباء: "إنت إزاي لسه عايش... توقف ثم أجاب نفسه: "إنت اللى عملت تمثيلية موتك لهدف فى دماغك، بس ليه عملت اللعبة دي، هدفك منها إيه؟
لم يكُن حفظي يلاحظ إتكاء غيث على عكاز الا حين سار يتجه نحو إحد المقاعد بالردهه، وتركها جواره يضجع بظهره على خلفية المقعد. لاحظ ذلك عاود يسأل: "وإيه اللى حصل لرجلك، إنت إزاي لسه عايش، أنا حاسس إنى بحلم أو في فيلم هندي. آيه حكايتك، إنت مين؟ تهكم غيث قائلًا بإستهزاء ومراوغة: "إيه اللزق الكتير اللى على وشك ده، كل ده سببته بِت عمك... مش عيب عليك ست تعلم وعلى وشك كمان."
شعر حفظي بالغضب والضيق الشديد من طريقة حديث غيث المُستهزأة، فقام بالرد عليه وإثارة غضبه هو الآخر بسخط قائلًا: "وإنت ثريا اللى المفروض طالما لسه عايش تبقى مراتك، متجوزة من سراج العوامري... هما كده الستات تدفن جوزها وتقول مش هتجوز تاني، ومتصدق فرصه ومش بضيعها بالأخص لما يكون العريس هو سراج العوامري، مسوفتش نظرة عنيها لـ سراج وانا حاطط السلاح فى راسها... نظر له غيث بسُحق وصمت يكبت غيظه لثواني ثم تفوه:
"أنا مش متصل عليك عشان إكده، تفتكر كنت هكشف لك حقيقة إني عايش محبه فيك، وأنا عارف إنك خسيس." ضحك حفظي قائلًا: "الحال من بعضه يا صديقي، إحكي لى إزاي لساك عايش وليه مستخبي بتخطط لأيه... توقف حفظي للحظه ثم عاد يتفوه بيقين: "إنت اللى كنت ورا ضرب الرصاص اللى حصل فى فرح واد عمران العوامري، إكده فهمت." نظر له غيث قائلًا:
"بلاه حديثك الكتير، سبق وقولت لك من زمان بطل رط كتير فى الحديث الماسخ، اللى بيرغي كتير آخره حديث وبس، إتفرج وشوف الفيديو ده متوكد هيعجبك." غمز حفظي له بعينيه بوقاحه قائلًا: "فيديو من النوعيه.... قاطعه غيث بغضب: "جولت بلاها الحديث الكتير وإتفرج." صمت حفظي... ونظر نحو تلك الشاشة التي بدأت تظهر بلغوشه ثم أعتدلت الصورة. بعد ان كان مُضجعًا، إستقام بظهره وتمعن بالفيديو بعين جاحظة، مذهولًا مما يراه. نظر نحو غيث سائلًا:
"مستحيل ده يكون حصل." إبتسم غيث بمكر قائلًا: "حصل وجدامك الفيديو، أهو قابيل أستغل إنك كنت فى غيبوبه بسبب سراج وقتل أبوك." "مستحيل" قالها بذهول بخفوت. "إزاي وصلك للفيديو ده." أجابه ببساطه: "أنا ليا تار مع قابيل، زيك هو دخل، حط المخده على وش أبوك خنقه وبعدها خلط المحلول الطبي اللى كان بيغذي جسم أبوك بالهوا وبان إن موته سببها طبيعي، زي ما قدامك فى الفيديو." بغضب سأله حفظي: "إزاي وصلك الفيديو ده وإزاي إتصور أساسًا."
أجابه بهدوء: "قابيل هو اللى حاول يقتلني وكنت وراه خطوه بخطوه، والفيديو أنا سجله واحد من رجالتي عالموبايل بتاعه بدون قابيل ما ياخد باله... قابيل قتل أبوك وبعدها جالك يتفق معاك." شعر حفظي بالغضب قائلًا: "طول عمره واطي وخسيس، بس عاوز أعرف إنت عاوز مني إيه يا غيث، أكيد فى هدف فى دماغك." لمعت عين غيث باسمًا يقول: "عاوزك تهدي أعصابك وتنسي فكرة قتل قابيل دلوك، عندنا الأهم منه، ومتقلقش مش هحرمك إنك تاخد تار أبوك." ***
قبل قليل جحظت عين ثريا من قول سراج المفاجئ، توترت وشعرت بإرتباك وهي تُزيح خُصله من شعرها من فوق جبينها قائله بتعلثم: "جبت الحديث الفاضي ده منين.... قاطعها وهو يضع يده فوق تلك العلامة بفخذها قائلًا: "إنتِ قولتي وإنتِ فى حضني يا ثريا، يوم ما كنتِ مصابة بالرصاص." إبتلعت ريقها كأنها إرتوت بعد عطش وبررت بإستهزاء: "أكيد كنت بهزي مش فى وعيي، يعني... قاطعها بحزم:
"لاء مكنتش بتهزي يا ثريا، دي الحقيقة، أنا عارف باللى عملوه فيكِ عمتي ولاء وعمتي راضيه... إرتعش جسد ثريا وهي تُغمض عينيها تعتصرهما ليس بسبب الدموع بل بسبب أنها لا تود ان تتذكر تلك الذكرى التي نزفت ومازالت تنزف ليس دمًا، بل روحها تنزف وهي تعلم أنها بسبب ذلك أصبحت كالارض الجوفاء التى لا تُثمر. ربما لن تشعر بمشاعر كل إمرأة حين تُصبح "أُمً"، أصبح حِلم بعيد المنال وقد تُحرم لا تنوله.
سؤال آخر برأسه: لما الآن تفكرين بذلك، سابقًا لم يشغل ذلك عقلك، ما الذي تغير؟ لما تسيطر عليكِ تلك المشاعر؟ هل هي غيرة أم شعور بالنقص؟ أم شعور آخر مازالت لا تعلمه. فتحت عينيها تنظر نحو سراج تشعر بتوتر سائله: "وعرفت منين، مش معقول أنا اللى حكيت اللى حصل ده كله وأنا بهزي." حرر تلك الخُصله المُلتصقه على عُنقها قائلًا بمراوغة: "قولتلك عرفت منك." أخفضت وجهها صامته، وضع سراج يده اسفل ذقنها ورفع وجهها تلاقت عيناهم،
تحدث بتحريض: "ثريا إنتِ وغيث... قاطعته بصدمة: "جوازي من غيث كان كامل يا سراج، حتى لو مكنش برغبتي بس أنا وغيث... توقفت تبتلع ريقها وهي تخفض وجهها كي لا تسيل تلك الدمعة وتلك الذكرى التى فجعتها وهذا اليوم يُعاد أمامها. "رصاصة فوق بقعة الدم على الفراش، وهي عارية، لولا ذلك المفرش التى تتمسك به، ونظرة عين غيث الظافرة، وهو يضحك بجلجة تهز صوتها أركان الغرفة...
وهي تنكمش غير مُصدقة، زوجها حقًا زوجها لكن هو قاتل وسادي، خائن، بل أبشع إنسان قد مر بحياتها... أيام... مجرد أيام زادت فوق عمرها أعمار... نظرة عينيها كانت مُرتعبه وهي تنظر الى بقعة الدم، هي ليست عذراء، كما أن البقعة كثيفة وتلك الرصاصة هل تلميح أم تصريح. تصريح منه حين إقترب منها وهو عاري تمامًا... وهي تعود للخلف بالدثار، جذبها بقوة ينظر الى رهبة عينيها بإستمتاع: "دي الرصاصة الأولى يا ثريا...
هنبدأ جولة تانية وهتبقي ليا وبرضاكِ أو اللى حصل ليلة إمبارح هيتكرر كنت مُميزة أوي وإنتِ بتتذللى تحت رجليا عشان...
توقف ينظر الى نظرة عينيها الرافضة تهز رأسها، يستمتع بذلك وهو يلعق شفاه بلسانه بتلذُذ سافر، وهي تهطل دموعها، تعاني وهي تتذكر بعض اللحظات وهي حقًا تقترب منه تتود له، كيف فعلت ذلك، لا داعي للتفكير، فمجرد التفكير قد يجعل عقلها يشت وقلبها يكاد ينفجر بداخلها. ضحكته الغليظة وقُربها منها جعلها تشعر أنها ترا وحشًا مُخيف يُبرز أنيابه، ويده التى تمتد نحوها مثل مخالب الثعالب... حديثه الفظ: "الطلقة الأولى يا ثريا....
حظك حلو عندي شغل كتير النهاردة، بس راجعلك المسا." قال لك ذلك، وكاد يُقبل وجنتها لكنها تراجعت للخلف، صقك أسنانه بغضب، لكن إمتثل بالبرود، ونهض من على الفراش يخرج من الغرفه ضحكاته تتردد كصدى صوت مخيف ومفزع بليلة شتاء عاصفة". تركها عقلها وقلبها موهومان أنه نالها. نظرت نحو سراج الذي تبدلت نظرة عيناه وهو يضغط على عضد يدها بقوة. تألمت ثريا من ذلك وحاولت سلت يدها من قبضة يده. لكن هو يزداد قوة فى قبضته. نظرت له قائله:
"أنت اللى كنت عاوز تعرف الحقيقة ليه دلوقتي إضايقت، سيب إيدي يا سراج، الحقيقة أوقات بتكون عكس ما بنريد." نظر لها هو على يقين أن ما سردته كذب، وهي تتمني لو كان حقًا كذب. لكنها حقيقة تجرعت قسوتها. غفت ثريا بينما سراج لم يغفوا، ليس بسبب ما أخبرته به، بل مازال منظر عُمران بلحظاته الأخيرة يسكن رأسه يشعر بأنفاسه المضطربة. تذكر الحديث الأخير بينهم وهما بسيارة الإسعاف:
"سامحني يا سراج، عارف إني كنت قاسي عليك، بس والله أنت كنت دايمًا الأقرب لقلبي...
فاكر يوم ما عرفت إن رحمه حامل فيك، كنت وجتها خدت القرار وهطلقها وأنهي عذابنا إحنا الاتنين، إتفاجئت بفرحتها أنها حبله كنت زي الشريد اللى مش عارف يعمل إيه. أطلقها وأسيبها تواجه مصيرها لوحدها، بس قلبي قالى والجنين اللى فى بطنها هيكون مصيره إيه، هيتشتت بيني وبينها، كنت عارف مستواهم المادي، سبتها وهدمت فرحتها لو كنت فضلت قدامها كنت هضعف وأقول لها كل واحد يروح لطريقه، مشيت فضلت أفكر واتخيل لو سيبتها وخلفت وبعدها هي كمان
سابت اللى خلفته وراحت إتجوزت أبني أو بنتِ مصيرهم هيبجي إيه، هيشرد أكيد، غصبت على نفسي وشيلت فكرة الطلاق من راسي، كنت عارف إنها بتتعذب من قسوتي وبتتحملها بس عشانك، خايفه عليك لو أخدتك وطلعت من دار العوامري هتعيش إزاي، كمان خوف تاني إني ممكن أخدك منها، صبرت وسكتت وإتحملت، حتى لما حبلت تاني كانت خايفه تقولى عرفت بالصدفة. حتى إسماعيل كمان عرف بالصدفة، القسوة بنت بينا جدار واعر، حتى عرفت إنها مريضة بالقلب بالصدفة، كل حاجة
كنت بعرفها بالصدفة كأننا مش عايشين مع بعض، الحياة سحبتنا فى دوامة غرقتنا إحنا الاتنين...
فوقت متأخر كان الوقت انتهى يا سراج، بس الحقيقة عمري ما كرهت رحمه ياريت كنت كرهتها يمكن كنت ارتاحت، أنا كنت معارض جوازك من ثريا لنفس السبب، خايف تعيش اللى أنا عيشته إنها كانت لغيرك قبلك، الفكرة لوحدها بتوجع. هنصحك نصيحه يا سراج إنت بتحب ثريا، إنسي كل الماضي اللى حصل قبل ما تقابلها، عيش معاها على إنك الراجل الوحيد فى حياتها... اسمع لقلبك وبس، سامحني أنا متأكد إن رحمه طول عمرها كانت مسامحة."
على تنهيد ثريا نظر سراج نحو ثريا التى إبتعدت تُعطيه ظهرها، تكتم نفسها حتى لا يعلم أنها مستيقظة مثله، وتلك الذكرى مثل الجمرة تحرق فى جوفها. ماذا لو علم أنها تشعر أن ذلك الـ غيث مازال حيًا، لو أخبرته بذلك سيتأكد من فقدانها لعقله. كادت تشهق وتفضح أنها مستيقظة، حين إقترب منها، يظن أنها نائمة لكنها تشعر كأن جزء من روحها عاد لها، بعدما أخبرته ببعض أفعال ذلك القبيح غيث معها وعرت حقيقة عاشتها كانت خاضعة لجبروت بسببه فقدت الكثير. ربما آن الأوان أن تسترد ثريا نفسها. بينما ضمها لصدره يضع رأسه بعنقه يتنفس، لن يكون مثل عمران ويعيش الندم لاحقًا.
*** بشقة إسماعيل قبل قليل دخل إسماعيل يشعر بالإنهاك النفسي، يشعر كأن روحه تتألم، يشعر كأنه بلا كيان. تفاجئ بعدم وجود قسمت بالشقة. إستغرب ذلك، ظن أنها ربما مازالت بالأسفل، فكر فى النزول والبحث عنها لكن يشعر بإرهاق. جلس على أحد المقاعد بالردهه وأخرج هاتفه قام بالإتصال على هاتف قسمت. سمع الرنين إلى أن إنتهي دون رد منها. عاود الرنين، لكن هنالك من فتح الخط تفوه إسماعيل بسؤال: "قسمت أنا فى شقتنا أنتِ فين لدلوقتي؟
سمع الرد لكن ليس من قسمت بل من والدها الذي قال بتعسف: "بنتِ عندي فى بيتي يا دكتور مُعززة مُكرمة، لما تبقي ترد لها قيمتها اللى هدرتها عمتك تبقي ترجع، أنا بس سكتت على ما أيام العزاء تخلص، لكن بنتِ مش هترجع لمكان إتهانت فيه." تنهد إسماعيل قائلًا: "ممكن تدي الموبايل لـ قسمت." تعجرف والد قسمت قائلًا: "قسمت بنتِ وأنا... تضايق إسماعيل منه قائلًا بعصبيه:
"بقولك عاوز أكلم قسمت مراتي، أقولك إفتح الإسبيكر عشان تسمع الكلمتين اللى كنت هقولهم لها." رغم غضب والد قسمت لكن إمتثل وقام بفتح مُكبر الصوت وسمع قول إسماعيل لـ قسمت بنبرة تهديد:
"قسمت أنا إتحملت سخافات كتير من والدك، وانا معرفش إيه اللى حصل وخلاكِ سيبتي بيتي، عالأقل كان قبل ما تمشي تعرفني وأكيد كنت هجيب لك حقك، لكن إنك تمشي بالطريقة دي هقولك كلمة واحدة وراجعي نفسك واللى عاوزاه بعد كده هعمله ليكِ. طول ما والدك متحكم فى قراراتك حياتنا هتدمر، ومن رأيي إننا لسه عالبر والقرار ليك... تصبحي على خير."
لم يقول إسماعيل أكثر من ذلك وأغلق الهاتف وضعه على طاولة أمامه يزفر نفسه بغضب ساحق. كان يتمني أن يجد قسمت تنتظره، ربما نظرة عينيها خففت من ذلك الألم الذي ينتهك قلبه، لكن هي كما العادة تستجيب لرغبة والده. كان يتغاضي سابقًا، لكن الليلة وبهذا الوقت لن يتغاضي، يكفي تنازلات على قسمت الاختيار. *** بشقة آدم
دلف إلى غرفة النوم، تمدد على الفراش يغمض عينيه يشعر ببؤس. لم يتسنى له رؤية والده للمرة الأخيرة وتوديعه الوداع الأخير. كان غافيًا بسبب إصابته. يشعر بشبه إنهيار داخلي. فتح عينيه حين وضعت حنان يدها على كتفه تشعر ببؤس هي الأخرى وشفقة عليه تسألت: "آدم هجيب لك بيجامة قوم غير هدومك."
إعتدل جالسًا وطاوعها قام بتبديل ثيابه وعاود يتمدد على الفراش، يغمض عينيه حتى أنه شعر بنوم حنان على الفراش. لكن استغرب حين سمع صوت شهقة خافتة منها. فتح عينيه ونظر نحوها كانت تعطيه ظهرها، جذبها وأدار وجهها له رأى تلك الدموع. شعر بوجع بينما ضمت حنان نفسها له قائله: "عارفة من يوم ما اتقدمت لي والمصايب نازلة ترف عالعيْلة. هتقول عليّ ضعيفة، كمان نحس زي... قاطعها وهو يضمها قويًا قائلًا بإحتياج: "حنان....
قاطعته ببكاء وهي بحضنه، كادت تتحدث، لكن هو ضمها بذراعه السليم قبل عنقها. رغم مأساة قلبه لكن تفوه بهدوء: "مش وقت ضعف يا حنان، بلاش ارجوك انا لغاية دلوقتي مستقوي بيكِ، خديني فى حضنك، ده كل اللى عاوزه دلوقتي... حاسس إني تايه ومش مستوعب ارجوكِ... أنا عرفت اللى عملتيه فى حفظي فى المستشفى، خليكِ كده ده اللى محتاجه." ضمته حنان قائله بحنان: "أنا بحبك يا آدم، لو بأيدي كنت بعدت كل الأذى عنك."
ضمه بقوة يضع رأسه على صدرها قائلًا: "يبقى بلاش كلام فارغ ملوش لازمة." ضمته بعين دامعة تقول: "حاضر." رفع آدم رأسه عن صدرها قبل وجنتها ثم عاد ينام براسه فوق صدرها، ضمته بإبتسامة حنان، وهي تشعر بانفاسه الساخنة التى تخرج من لوعة قلبه. لو بيدها لإنتزعت كل ما سبب له كل هذا الضعف الذي تراه به. بينما هو يريد فقط ضمه تحتويه. *** صباحًا
كان هنالك بعض النساء لعائلات كبيرة من خارج البلدة جئن لتقديم واجب العزاء بعد إنتهاء الأيام الثلاث حتى يتجنبن الزحام. كان بصحبتهن بعض الرجال، الذي استقبلهم قابيل رغم شعوره الغاضب. خرجت ولاء من المندرة نادت على عدلات وسألتها: "فين فهيمه." أجابتها: "الست فهيمه فى أوضة إيمان بتواسيها." تهكمت ولاء بسخرية، وتفوهت: "وفين البومات التلاته." صمتت عدلات. إستهزأت ولاء قائله: "طبعًاكل واحد من ولاد عمران نايم فى حضن مراته...
أحسن بلاش يستقبلوا الضيوف مش ناقصين شوية أوباش... غوري هاتي قهوة للضيوف." *** اصرت رحيمه على مغادرة الدار، فقد إنتهي وقت العزاء. طلب من سراج أن يوصلها لمنزلها. بالفعل إصطحبها بالطريق. كان الصمت إلى أن وصلا إلى منزلها فتحت الباب وقالت بأمر: "تعالى يا سراج... دخل خلفها، جلست على أريكة بالردهه، وقامت بالإشارة على فخذها بإشارة فهمها سراج. لبى سريعًا ذهب للنوم على فخذها، ربتت على خصلات شعره قائله:
"ابكي يا سراج هترتاح، بلاش تكتم فى نفسك، عارفك من وإنت صغير، فاكره لما اللى تنشل فى إيديها ولاء ضربتك، مبكتش، انا شوفت عمران يومها مسكتش لها وعطاها كفوفها وقال لها إنه مراعي إنها أخته كان قطع إيديها." إستغرب سراج ذلك، لكن مازالت دمعته آبية النزول من بين عينيه، لكن شعر ببعض الارتياح وغفى يحاول أخذ هدنة حتى يستعد للعواصف القادمة. *** بالمركز الرياضي
رغم أن اليوم لا يوجد تمرين للأشبال فهو الأجازة الأسبوعية، لكن لو ظلت بالدار ربما تفقد قلبها من شدة الحزن والوجع على فراق والدها الجائر والمفاجئ بلحظة كيف حدث ذلك. سمعت كثيرًا عن "موت الفجأة" لم تتوقع أن يتعرض أحد قريب منها لذلك وليس أي أحد والدها. كانت إيمان تجلس على أحد المقاعد تبدو شاردة حزينة الوجه. بعد أن تلقت التعازي والمواساة من بعض العاملين، أضجعت بظهرها تضع رأسها على الحائط خلفها، تغمض عينيها. ذكريات وأحاديث لها مع والدها، تمر، ضحكات وإخفاقات. دموع سالت من عينيها بؤسًا.
فتحت عينيها حين سمعت: "البقاء لله، الباقية في حياتك." إعتدلت جالسة ونظرت إلى تلك اليد الممدودة لها بأحد المحارم الورقية. رفعت رأسها نظرت لوجهه ثم أخذت المحرمة الورقية، جففت دموعها، بينما هو جلس بجوارها يشعر بغصة فى قلبه قوية برؤيتها بهذا الشكل. يعلم قسوة ما تمر به. ردت عليه بحزن: "البقاء لله." صمت لدقائق قبل أن تتحدث إيمان بسؤال: "إنت مين يا جسار؟ أجابها ببساطه: "أنا جسار مدرب الأشبال." نظرت له بشرز، غضب. إبتسم،
فعاودت سؤالها: "قولت إن سراج يبقى رئيسك." أجابها وهو ينظر حوله بترقب ثم قال لها: "مش هينفع نتكلم هنا، هرد على كل أسئلتك بس مش هنا، لو ينفع نطلع بره حتى فى الإستاد بتاع الكورة اللى فى النادي."
أومأت له بموافقة. بعد قليل على ذاك العشب الأخضر الصناعي جلس الاثنان بالمنتصف تقريبًا على مقعدين من البلاستيك. رغم أن البساط الأخضر صناعي لكن اليوم شتوي دافئ بسمش شبه غائبة. بعض الغيوم تسير جوار السحب. بعيدًا عن الأماكن المغلقة، أغمضت إيمان عينيها تتنفس بهدوء ثم فتحت عينيها رأت نظرة جسار لها الذي لم ينكر تلك النظرة. إيمان بجمال خاص وبهاء بثقتها بنفسها لكن كل هذا اليوم كان مطفيًا بسبب الحزن الواضح. لوهلة شعرت بخجل،
نظرت أمامها ثم قالت: "جاوب على سؤالي يا جسار، إنت مين؟ أجابها بمزح: "لاول مره أعرف إنك فضوليه." نظرت له بغضب وكادت تنهض ليس لها مزاج للمجادلة والمناهدة. مسك يدها قائلًا: "إقعدي يا إيمان." نظرت له ثم جلست قائله: "هتجاوب على سؤالي." أومأ بموافقه. ثم قال:
"أنا جسار عبد الحميد. ظابط فى الجيش. هنا فى مهمة رسمية ومقدرش أتكلم فى تفاصيلها ولا أقدر أقولك أكتر من كده، ولولا اللى حصل مكنتش هكشف عن حقيقتي قدامك، وأرجوك بلاش نتكلم فى الموضوع ده، لأنه أسرار." تفهمت إيمان ثم بفضول أو تسرع منها سالته: "ومراتك وابنك عارفين إنك هنا فى مهمة سرية، وجبتهم بتفسحوا." نظر لها بإندهاش قائلًا: "مراتي، وابني! فين دول." أجابته بتوضيح: "اللى كانوا هنا فى النادي من فترة." أومأ لها متفهمًا:
"آه قصدك على اللى كانوا هنا... بس دول لا مراتى ولا ابني... دي مرات أخويا وابنه.. هو بيشتغل مهندس فى الامارات وكنا فى فترة أجازة وجت تغير جو مش أكتر." إستغربت إيمان بتسرع قائله: "بس أنا سمعته الولد بيقولك يا بابا." أجابها ببسمة طفيفة: "هو فعلًا بيقولى كده، يمكن لانى الاقرب له من باباه اللى مسافر." تفهمت إيمان ثم صمتت. بينما تفوه جسار بغباء:
"اللى زيي كان مستحيل يفكر فى بيت وأسرة وأطفال، لأني معرض للإستشهاد فى أي عملية بدخل فيها، إنتِ شوفتي على الطبيعة جزء مشابه باللى بيحصل، فى لحظة ممكن رصاصة تصيبني فى مقتل... ليه أدمر حياة إنسانة تانية معايا." نظرت له بغضب قائله: "كل شئ قدر، واللى مكتوب للإنسان هيشوفه وليه مش تتفائل، وسراج أهو متجوز." أجابها:
"مش حكاية تفاؤل او تشاؤم بس دى حقيقة، كمان انا قولت كان مستحيل، سراج كمان كان زيي كده، بس الوقت بيغير، زي ما أنا فكرتي إتغيرت." نظرت له بإستفهام فأجابها قبل أن تسأل: "أنا مؤمن بالقدر اللى جابني هنا وفى لحظة حطك قدامي فى الخطر، وفـ لحظة مهتمتش بسرية المهمة اللى أنا هنا عشانها وإدخلت وظهرت حقيقتي قدامك." نظرت له بعدم فهم وضيقت بين حاجبيها سأله: "مش فاهمه قصدك إيه." تنهد يستنشق الهواء البارد قائلًا:
"كل شئ هتفهميه فى وقته... واضح إن السما غيمت وناوية تمطر أنا بقول ندخل جوه." أومأت له بموافقة، كادت تحمل الكرسي، لكن سبقها قائلًا: "أنا اللى جبتهم يبقى أنا اللى ادخلهم، دول عُهدة على مدير المركز." أومأت مبتسمة، سارت جواره كل منهم ينبض قلبه ربما جلسة هادئة صفت ما بقلبهم البائس. *** ليلًا بأحد فنادق أسيوط الفخمة، وقفت أمام باب إحد الغرف وقامت بإرسال رسالة: "أنا قدام باب الاوضة"
سُرعان ما فُتح باب الغرفة، دخلت مباشرةً، بينما الآخر نظر يمينًا ويسارًا بالممر وتأكد من خلوه من المارة ثم دخل وأغلق الباب. نظر أمامه لتلك التى نزعت ذلك النقاب عن وجهها، تنظر له بثقة، تبدلت حين نهرها بغضب قائلًا: "إيه اللى جابك دلوقتى يا ولاء، سبق وقولتلك ممنوع تتصلي عليا غير عالرقم اللى قولتلك عليه... مش كفاية الغلطات والمصايب بتاعتك الاخيرة بلاش تستفزي غضبي." تحولت الثقة إلى قلق نظر لها بحسم قائلًا:
"عرفتي مين اللى سرق الآثار، كمان مين اللى اللى عمل الهجوم اللى حصل عالجواز انا قولت سراج يتقتل، اللى حصل فى الفترة الأخيرة يدل إن قوتك خلاص إنتهت، وبحذرك لآخر مرة لو الآثار مظهرتش يبقي بتكتبي نهايتك." *** بشقة سراج
إستغرب عدم رجوع ثريا إلى المنزل لهذا الوقت، فقد إقتربت من العاشرة مساءًا. بإرهاق توجه إلى غرفة النوم سيتحمم وبعدها إن لم تعود ثريا سيهاتفها. دخل إلى الغرفه أشعل الضوء ودلف ببطء لكن لفت انتباهه ذلك المغلف الموضوع على الفراش. بفضول ذهب نحوه وقام بفتحه. إنذهل وهو يقرأ تلك الورقة، كأن الإرهاق زال عنه، وبلا تفكير أخذ الورقة والمغلف وخرج. دقائق كان يدخل من باب تلك الغرفة بمنزل والدة ثريا، المكتب الخاص بها.
بينما قبل دقائق إنتهت تلك المرأة من سرد قضيتها لـ ثريا وغادرت. لدقيقة فكرت برد فعل سراج حين يقرأ محتوى ذلك المغلف، ربما يهدأ وتنتهي لعنته بها. لكن نفضت عن رأسها حين صدح هاتفها، نظرت له بترقب أن يكون سراج هو المتصل لكن كان رقمًا غير مسجل. كعادتها تغاضت الرد. لكن عاود الصدوح لكن بصوت رسالة قبل أن تفتح الهاتف وتقرأ الرسالة. سمعت صوت إغلاق باب المكتب الخارجي، ثم ذلك الباب الآخر المتصل بالمنزل. رفعت رأسها تفاجئت بإقتحام سراج للمكتب، وقفت مذهولة من إغلاقه للبابين، قبل أن تتحدث ألقى أمامها ذلك المغلف سائلًا:
"إيه ده يا ثريا." نظرت إلى المغلف ثم إلى سراج وصمتت للحظات ثم قالت بهدوء: "ده تنازل عن الأرض يا سراج." إقترب منها بخطوات سريعة قائلًا: "ما أنا عارف إنه تنازل عن الأرض، الورقة التانية فيها إيه؟ أجابته: "تنازل عن جميع مستحقاتي عندك، يعني...
جذبها من عضدي يديها بقوة لتصطدم بصدره وبسرعة كان يُقبلها بقوة كادت تزهق روحهما الاثنتين. ترك سراج شفاها، وقف يلتقطا انفاسهما. عينيهما تنظران لبعضهما. قبل أن تهدأ أنفاس سراج قام بدفعها بقوة، عادت للخلف تصتدم بالمكتب، قائلًا: "أنا فاهم قصدك إيه بده يا ثريا." أجابته بلهاث: "أنت كان غرضك الأرض من البداية وانا برجعها لك يبقى... قاطعها بإستهزاء مؤلم:
"مفكرة إن كان صعب أسترد الأرض سبق وقولتلك بجرة ألم، تعرفي أنا متأكد إن غيث مكملش جوازه منه، هو عيشك الوهم ومش بس حرق فخدك، ده حرق عقلك وروحك، إنتِ ضعيفة يا ثريا، وأسهل شئ عندك الإنهزام والإستسلام." ضغط بقوة على نقطة ضعفها، نظرت له بأسي وسالت دموع عينيها قائله بإستسلام: "أنا فعلًا كده يا سراج مُنهزمة وضعيفة، بس مش بأيدي، ده قدر إتفرض عليا." تهكم ساخرًا بعصبيه قائلًا:
"مفيش حاجة إسمها قدر، فى حاجة إسمها تمرد عالواقع، لكن إنتِ أسهل شئ عندك.... توقف عن بقية إيلامه لها ينظر لها بـ «غضب سحيق».
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!