الفصل 4 | من 41 فصل

رواية عشقت طالبتي الفصل الرابع 4 - بقلم منار حسين

المشاهدات
33
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

دائمًا ما يحب أن يسمع لحكاوي البسطاء أيًا كانوا. أثناء سيره بتلك الفرس بين الأراضي الزراعية، لفت انتباهه ذاك التجمع الخاص بأحد جلسات الصفاء لمجموعة من الفلاحين يجلسون أسفل ظلال فروع أشجار الصفصاف الملتفة. كانوا يمرحون، يتذكرون بعض الذكريات التي مرت عليهم. ذهب نحوهم بتلقائية، هبط من فوق الفرس وتبسم وهو يقترب منهم يلقي عليهم السلام.

الجميع يعلم من هو "آدم العوامري"، لكن لا يخشون منه، يعلمون أنه ذو قلب ودود. كثيرًا ما جلس بينهم، يسمع حكاويهم، يتناول معهم أبسط الطعام وكوب شاي، يستمع لحكاياتهم وذكرياتهم وحياتهم بين الأمس والحاضر. حكايات يعيد صياغتها، يغزلها فيما بعد بحكاوي كتابية. انتهت تلك الجلسة حين نهضوا واقفين تبجيلًا لـ "عمران العوامري" الذي كان يمر أمامهم بتلك العربة التي يسحبها حصان. لم يهتم آدم لذلك وظل جالسًا، لكن لمح عمران جلوس آدم،

وسأل ذاك الشخص المرافق له: "مش آدم اللي قاعد مع الفلاحين ده؟ أجابه: "أيوه هو جنابك." زفر عمران نفسه بضجر. آدم كثيرًا ما ينسى ما هي قيمة عائلة العوامري ويجلس بين الفلاحين الذين يعملون باليومية، لا يهتم أنهم دون مستواه العائلي المرموق. تفوه للعامل الذي معه بأمر: "انزل نادي عليه." لحظات وكان آدم واقفًا أمام عمران الذي ينظر له بإستهجان قائلًا بذم: "إيه اللي مقعدك مع الفلاحين الأجرية دول؟ مش من مقامك، مش هتبطل العادة دي؟

كده بتمرعهم وبتديهم قيمة أكتر من حجمهم. لازم تتعامل معاهم على إنك آدم بيه العوامري، اللي يحكم ويأمر فيهم، وهما عليهم السمع والطاعة، لازم يهابوك." يعلم أن مجادلته مع والده لن تفيد بشيء. أومأ برأسه قائلًا بمهاودة: "تمام يا أبويا، بعد كده هتعامل معاهم بالكرباج." نظر له عمران بسخط قائلًا بغضب: "إنت بتهاودني؟ بتاخدني على قد عقلي... قاطعه آدم، يزفر نفسه قائلًا:

"لأ يا أبويا، بعد كده هحط حد للتعامل بيني وبين الفلاحين اللي المفروض إحنا بناكل من كدهم وتعبهم، وبقينا أساتذة عليهم." زفر عمران نفسه بخشونة قائلًا: "وصلنا للحديث الماسخ. لازم تعرف وتعترف إن ربنا له في خلقه شؤون، خلق الأسياد... قاطعه آدم:

"ربنا خلقنا سواسية، لا أسياد ولا عبيد. ودول مش عبيد، دول بشر فلاحين. قعدتي معاهم مش شبه ليا ولا تقليل من شأني. هما دول الفلاحين اللي بينجحوا عمي 'عبد المقصود العوامري' في الانتخابات بتاعة المجلس. وعلى العموم، هما خلاص انفضوا، كل واحد فيهم راح يرتاح له ساعتين العيال عشان يرجعوا العصر يشتغلوا. أنا كمان راجع للاسطبل. أشوفك المسا يا أبويا."

غادر آدم نحو ذاك الفرس الخاص به وامتطاه وسار به سريعًا. بينما ضجر عمران، يزفر نفسه هامسًا يقول: "وارث مش بس شكل أمك، لأ وكمان صفاتها. مكنش لازم أسيب رحيمة وسطيكم، كان لازم تعيش منفية بعيد عن هنا من الأول... بس خلاص، سراج عاد وهو اللي هيرجع الهيبة من تاني." *** بمنزل مجدي السعداوي. تفاجأت "سناء" زوجته بعودته إلى المنزل في هذا الوقت، ليس من عادته. تفاجأت أكثر حين خرجت من المطبخ بجلوسه فوق مقعد بالردهة، وجهه عابس وحزين.

انخضت من جلسته هكذا. اقتربت منه بتوجس وقلق قائلة: "وجدي في إيه؟ مالك قاعد كده ليه؟ مش عادتك ترجع للدار دلوقتي." شعر بغضب ورفع نظره لها قائلًا بعصبية: "لازم أعود داري بمواعيد إياك." ارتبكت وتلجلجت بالقول: "لأ مش قصدي، بس خير، قاعد ورا الباب كده ليه؟

بنفس الوقت خرجت "حنان" من غرفتها، لاحظت وقوف والدتها أمام والدها الجالس. استغربت عودته للمنزل بهذا الوقت. اقتربت منهما بخطوات مترددة خشية عصبية والدها المعتادة. لكن أخفض وجدي وجهه. سألت بتردد: "ابوي، إنت مش كنت رايح لعمي المستشفى؟ هو مش كان هيخرج النهارده." أخفض وجهه وظهر الحزن على وجهه وتنهد بآسى، يشعر بألم قائلًا: "لأ، أخوي مش هيطلع من المستشفى النهارده. الدكتور مد فترة وجوده في المستشفى." استغربت سناء وحنان،

التي سألت: "ليه؟ وبعدين ده كسر رجل ماكنش محتاج يفصل في المستشفى الفترة اللي فاتت دي كلها. بس الغريب، لما زورنا عمي امبارح كان بيتألم وكمان خاسس أوي بفترة قصيرة." زفر نفسه بآسى قائلًا: "للأسف، سبب حجزه في المستشفى مش كسر رجله. كسر رجله هو اللي كشف حقيقة المرض اللي عندي." استغربت الاثنتين وسائلت سناء: "مرض إيه؟ أجابها بآسف: "للأسف، أخوي عنده المرض الخبيث في العضم، وماكنش يعرف. كسر رجله هو اللي ظهر المرض."

استغربت الاثنتين من ذلك، بذهول. فإصابة بسيطة أظهرت أن هناك داء خبيث يسري بين عظامه. لكن عاود وجدي القول: "أنا بس يشد حيله شوية هتكلم وياه في موضوع خطوبة حنان وحفظي، وبدل ما يبقى خطوبة يبقى جواز، عشان يفرح قلبه ونفسيته تتحسن، يمكن ده يساعده وربنا يكتب له الشفا، أو يفرح بولده قبل ما يقابل وجه كريم." انصعقت حنان بذلك ورجف قلبها. هي ظنت أن هذا سيساعد بتأجيل تلك الخطوبة، لكن لابد أن تخبر آدم بذلك بأسرع وقت. ***

بمنزل قديم بطرف بلدة قريبة من كفر العوامري. وقف يطرق بقوة وتتابع دون توقف على ذاك الباب القديم، لكنه متين ومُتماسك. وقف لدقيقة يسمع سؤال من بالداخل تسأل: "مين اللي بيخبط؟ آه أنا وصلت، بطل خبط، جاك خابط." ضحك، مازال لسانها زالف كما عاهدها دومًا. فتحت الباب، نظرت إلى ذاك الواقف أمامها للحظة. ظنت أن بصرها من أسفل تلك النظارة أخطأ. خلعت النظارة وقامت بالتمعن بعينيها. نفس الوجه. عاودت وضع النظارة تنظر له ثم قالت:

"ياااه، أكتر من عشر سنين مروا، ولسه كيف ما إنت، ملامحك متغيرتش يا 'سراج' يا ولد أختي التوأم 'رحمة'، الله يرحمها." لمعت عيناه ببسمة وهو يراها تفتح له ذراعيها سريعًا. ضمها يشعر باشتياق لذاك الحضن الذي افتقده لسنوات. ضمته بقوة قائلة: "الغالي على قلبي، اتوحشتك كتير كتير يا ولد أختي الغالية، تعالى ادخل الدار." بصعوبة تركت احتضانه حتى دخل إلى داخل الدار. عاودت حضنه مرة أخرى قائلة: "السنين مرت كتير يا ولدي."

تبسم وهو يضمها بحنين قائلًا: "كذا مرة بعت لك آدم يجيبك معاه لمصر نتقابل." تنهدت بآسف: "أنا يا ولدي بجيت ست كبيرة خلاص، رجليا مبقوش يتحملوا زي الأول، هبقى عالة على آدم وهعجز حركته... ربنا رايد لينا نعاود نتقابل. الحمد لله، كنت بدعي أشوفك قبل... قاطع حديثها وهو يضع يده فوق فمها، كذلك يضمها قائلًا: "بلاه الحديث الماسخ، إنتِ لسه صغيرة يا خالتي. فاكرة لما كنت تقول لي أنا أصغر من أمك بسنتين." تدمعت عيناها

وهي تضمه لها وأباحت بآسف: "سنتين، وهي سكنت التراب من سنين. نسيت عددها، كنتم صغار، ملحقتش تربيكم. كان قلبها كان حاسس، كانت تقولي ولادي أمانتك يا 'رحيمة'. ها بس القدر نجول إيه؟

أنا وعمران عمرنا ما كان بينا وفاق، بس أنا كنت أقوى منه واتمسكت بولاد أختي، أنا اللي ربيته بعيد عن جسوة وخباثة ولاء. بس لما حسيت إن خلاص كل واحد منيكم شق طريقه، جولت يا بت بلاها تتحملي حديث ولاء الماسخ، وجساوة عمران. عدت لدار المرحوم جوزي من تاني. بس آدم، وإسماعيل من فترة للتانية حسب مشاغلهم بيشقوا عليا. إنت اللي كنت غايب وبعيد. اشتقتلك كتير يا ولدي... جولي جاي في إجازة جد إيه؟

ضمها مبتسمًا يحاول كبت تلك الدمعة بين عينيه، ثم قال: "أنا مش في إجازة يا خالتي، خلاص أنا قدمت استقالتي للجيش وقررت أرجع أعيش هنا. يعني هرجع من تاني ولدك الشقي أبو دماغ يابسة." ضحكت وضمته قائلة بفرحة: "أحسن ما فعلت يا ولدي، خليك هنا قريب مني... عارف، أنا زي اللي ما يكون كان قلبي حاسس، لاه مش قلبي، ده 'رحمة' جاتلي في المنام وقالت لي 'الطير المهاجر' معاود لأرضه يا رحيمة." تبسم وهو ينحني يُقبل يدها قائلًا:

"الطير اشتاق ينام على رجليين خالته تحكي له من حكاويها لحد ما ينام." تبسمت وهي تجلس على أريكة بدون دعوة. ذهب وتمدد على تلك الأريكة، وضع رأسه على فخذها. عبثت بخصلات شعره بحنان، أغمض عينيه يستمتع بحنانها. لكن ساءت ملامحه حين وضعت يدها على موضع قلبه سائلة: "مفيش بنت حلال شغلت القلب ده، ولا لسه قاسي؟ أغمض عينيه يشعر بضيق وأجابها: "لسه قاسي... طبيعته كده، أكيد مش هيتغير يا خالتي." مازالت يدها على قلبه وقالت بحكمة:

"مفيش طبيعة مش بتتغير يا ولدي، بكرة تظهر اللي تفتت جسوة جلبك، ومش بعيد تكون ظهرت وإنت مش دريان." تهكم مبتسمًا يقول: "مفتكراني آدم أبو قلب رقيق. فاكرة كنتِ بتقولي لكل إنسان صفة من اسمه، وأنا سراج شق السما." ضحكت رحيمة قائلة: "مهما كان غضب السراج، الأرض أقوى قادرة تبلع غضبه بلحظة."

تهكم سراج غير مباليًا، وأغمض عينيه مستمتعًا بصوت رحيمة الحاني الذي يذكره بصوت والدته الذي افتقدها وهو بالحادية عشر. لكن فجأة، بغفلة عقله، ظهر شبح وجه ثريا أمامه. فتح عينيه سريعًا، زفر نفسه بخشونة يشعر بغضب. كلما تذكر لقاءاتهم، كانت ثيابها دائمًا ملتصقة بجسدها، كأنها تتباهى بذلك كي تلفت النظر لها. *** بمنزل ثريا.

كانت ثريا تجلس جوار والدتها التي تقوم بتطريز ذاك الثوب الخاص بالغبازي بتلك القطع اللامعة "ترتر". جذبت ثريا إبرة خاصة بذلك وساعدت والدتها بتطريز ثوب آخر. كانتا مع ذلك تتابعان أحد المسلسلات على التلفاز.

بسبب علو صوت التلفاز، خرج ممدوح من غرفته يزفر أنفاسه بتعسف وتجهم. ذهب مباشرة نحو التلفاز بعصبية، جذب تلك الفيشة كي ينتزعها من الكهرباء. لكن للشر والعصبية المتملكان منه، انقطع سلك الفيشة من المنتصف تقريبًا. ظل جزء منها عالقًا بذر الكهرباء بالحائط. نهضت ثريا بضيق وألقت ذاك الثوب وتهجمت عليه بالقول قائلة: "صاحي قرب العصر تقول يا شر اشتطر ليه؟ كويس كده، قطعت سلك فيشة التلفزيون." نظر لها بغضب قائلًا:

"بسيطة، إنتِ بجيتي صاحبة أملاك دلوقتي، وصوتك عالي. هاتي تلفزيون جديد." نظرت له بغضب قائلة بإستهزاء: "صاحبة أملاك؟ قول هو ده اللي مضايجك بجي؟ الحقد في قلبك، بدل ما تقول أختي وأبقى سند ليها قدام عيلة العوامري. لاه مضايق." تهكم ضاحكًا يقول بآسى وآسف: "إنتِ خلاص مبجتيش محتاجة سند، ولا أقولك كفاية سند خالك، من وراه بجي عندك أرض، تخليكِ تعلي صوتك علي أي حد." نظرت له بدموع قائلة:

"لو كنت لقيتك سند ما كنت وافقت خالك، وأنا عارفة إن عمر ما شفنا منه خير." شعر بوخزات قوية تضرب قلبه. دموعها التي انحصرت بعينيها هزت رجولته. كأنها دهست قلبه، لا بل كبرياؤه كأخ يحتوي ضعف واحتياج أخته. لكن هو ضعيف كما تقول. تهرب من أمامها وتوجه إلى باب المنزل وغادر يصفع خلفه الباب بقوة. بينما سالت دموع عين نجية تشعر ببؤس. جلست ثريا جوارها تنظر لها تشعر ببؤس بسبب قدرها.

بينما خرج ممدوح يحاول السيطرة على ثوران قلبه البائس، يعلم أنه ضعيف، لم يستطع حماية أخته ويقف جوارها سندًا يقويها. يتمنى لو يختفي من الوجود. ذهب غاضبًا نحو ذاك المحل وقف بحده يقول: "هاتيلي سجاير." نظرت نحوه تلك الصبية، تلمع عيناها بوميض خاص حين تراه. شعرت بآسي على ملامحه المحتقنة والواضح عليها الضيق. مدت يدها بعلبة سجائر، قائلة: "السجاير يا أستاذ ممدوح."

نظر لها وأخذ السجائر، متهكمًا من قولها بذاك اللقب يسبق اسمه "أستاذ". يسبق اسمه لو بالأحقية لكان الآن أستاذًا جامعيًا، أو حتى مدرسًا بإحدى المدارس. لكن حتى هذا فقده. شعر بحسرة واجمة في قلبه وأخذ علبة السجائر قائلًا: "ضيفيها على حسابي يا 'رغد'." أومأت له ببسمة قائلة باهتمام: "حاول تقلل من السجاير عشان صحتك." أومأ لها بلا مبالاة أو اهتمام، وكاد يسير. لكنها تعمدت القول:

"أستاذ ممدوح، ممكن دقيقة لو سمحت. أنا عارفة إنك درست في كلية التربية قسم علوم، أنا كمان في نفس الكلية دلوقتي. في كذا جزء في المنهج مش فاهماها والدكتور بتاع المادة دي كل ما نسأله سؤال يقول لنا الإجابة في الكتاب، والكتاب مش مفهوم." لوهلة شعر بحنين لدراسته التي اختارها. كان يود أن يصبح ذا شأن بالتعليم، لكن حتى ذلك اكتشف أنه غير كافٍ. تنهد قائلًا: "تمام يا رغد، بكرة ابقى هاتي الكتاب معاكِ المحل وفكريني أشوف الجزء ده."

تبسمت له تلمع عيناها بحياء، وهو يغادر. تدعي له بالهداية والعودة إلى سابق عهده حين كان بالجامعة. كان فارسًا ومازال نفس الفارس الذي أسر قلبها منذ طفولتها. *** بمركز الشباب. بدأ الأشبال في المبارزة كل اثنين حسب تلك التقسيمة الذي قام بها جسار لهم. سار حولهم يتابع مبارزاتهم معًا، يصحح لهم الأخطاء ويقيم مستوياتهم. في ذلك الأثناء، نظر نحو باب صالة التدريب. لوهلة وقف مشدوهًا من تلك التي دخلت إلى الصالة تلهث قائلة بلا انتباه:

"اتأخرت على التمرين ثواني، هغير هدومي وأجيلكم، سخنوا على ما أرجع."

لوهلة توقفت حين سمعت أصواتًا عالية. نظرت نحوهم. لم تتعجب، لكن شعرت بضيق. من نظرة ذاك الواقف ينظر لها بإعجاب واضح وهي بذلك الزي النسائي وتاج رأسها الحجاب المنمق. كانت أنثى، عكس ما كان يراها بالأيام السابقة بزي التمرين. حقًا محتشم وترتدي الحجاب، لكن كان لا يظهرها كأنثى مثل ذاك الزي النسائي. ضجرت من نظرته لها، لا تعلم أنها إعجاب، تظن أنها تحدي وأنه سبقها بدأ التمرين مع الأشبال، بمعنى أصح، أخذ مكانها.

ذهبت نحوهم، رأتهم يقومون بالتباري أمام ذاك الوافد عليهم. بفترة صغيرة أصبح يسحب منها تلك السطوة. هي كانت المدرب الخاص بهم، هو أتى وأخذ مجهودها معهم بفترة وجيزة يحوز إعجاب، يخاطبهم كأنه الأعلى والأمهر منها. احتقنت ملامحها وقالت بأمر: "وقفوا التمرين."

في البداية لم يستجيبوا لها، لكن إيماءة جسار جعلتهم يتوقفون. شعرت بغضب وهي تنظر له، ازداد بسبب تلك البسمة الطفيفة على وجه جسار، ظنتها انتصار منه. لكن هي لن تستسلم. منذ بداياتها وهي متمردة، حتى مع تحكمات والدها هي بعنادها وإصرارها بتصميم استطاعت شق طريق خاص بها بعيدًا عن تحكمات والدها. إنها مجرد فتاة وعليها الامتثال لمجتمع صعيدي يُدحرها ولابد أن تسلم. لكن لا، هي متمردة وستظل.

تركت صالة التدريب لدقائق ثم عادت مرة أخرى بزي التمرين. كانوا يأخذون راحة. بتحدي منها غير محسوب منها لمدى مهارة الخصم التي تود منافسته، بلؤم منها قالت: "بصوا يا أبطال، أنا والكابتن جسار هندخل ماتش سوا. عاوزاكم تركزوا كويس واعتبروا ده تمرين ليكم." لمعت عيناه وأخفى بسمته، على يقين أن إيمان تود إظهار مدى مهارتها أمام هؤلاء الأشبال. لم يرفض، على يقين أنه الأمهر منها ويستطيع ببساطة كسب المباراة ومن أول جولة.

وافق على ذلك. بدأت مباراة بينهم. لا ينكر أنه أعجب بمدى مهارتها بالنسبة لفتاة بمكان هنا بالصعيد. مع الوقت بدأت تخطئ وهو يراوغها، ويأخذ نقاط عليها تُحتسب له. أرهقها بذكاء، جعلها تخطئ، واكتسب هو الجولة الأخيرة، ليصفق له الأشبال مبهورين به وبمهارته. بينما هي وقفت تلهث، رغم خسارتها تقبلت ذلك بروح رياضية منه وصافحته. ضم يدها بيده، شعرا الاثنان بإحساس غريب كأنهما يشعران ببرق يضرب أعينهما. لوهلة ظلا ينظران لبعضهما، إلى أن انتبهت إيمان وسحبت يدها. شعرا بفجوة بعد ذلك، لكن روح العناد والتحدي مازالت بقلبها، لن تستسلم بسهولة. وطالبت بمباراة أخرى بوقت لاحق. أومأ لها مبتسمًا بموافقة.

*** ليلًا. بمنزل العوامري، استمع لحديث ولاء مع والده حول تلك الأرض وعن سمعة العوامرية التي أصبحت علكة بفم البسطاء. زفر نفسه بضيق قائلًا: "هعمل إيه أكتر من اللي عملته؟ بعت لها المحامي كوسيط بمبايعة للأرض وشيك وقلت له تكتب المبلغ اللي عاوزاه، رفضت." تدخل سراج قائلًا: "فين المبايعة والشيك؟ نظر له عمران قائلًا: "موجودين عندي في الخزنة." طلب سراج: "هاتهم حالًا."

استغرب عمران ذلك، بينما لمعت عين ولاء بظفر وأومأت لعمران الذي امتثل لذلك ونهض وتركهما معًا. بثت ولاء بعضًا من الأقاويل الكاذبة عن طمع ثريا كذلك استغلالها لعشق "غيث" لها وتلاعبها بمشاعره منذ فترة خطوبتهما حتى زواجهما، وأنه أنفق عليها الكثير والكثير وأعطاها مالًا أكثر من حقها الشرعي به، بل يفوق ذلك بمراحل، وأنها لو كانت صادقة ما كانت ارتضت ثريا بأقل من حقها شرعًا، لكنها تعلم أنها أخذت أكثر من ميراثها به كزوجة، وأن قطعة الأرض تلك أخذتها كي تهز مكانة وهيبة عائلة العوامري. امتلأ حقدًا منها وغيظًا، وصمم على استرداد تلك الأرض.

عاد عمران بملف ورقي ومد يده به لـ سراج الذي نهض واقفًا. وأخذه، فتحه، قرأه، وأعاد إغلاقه ثم غادر بتصميم أن يسترد تلك الأرض مرة أخرى. *** بينما بمكتب ثريا الصغير، عبارة عن حجرة صغيرة بمنزل والدتها. كانت تجلس مع رجل وامرأة تبكي وهي تسرد تلك القضية على ثريا التي سألتها: "بنتك عندها كم سنة؟ أجابتها المرأة: "خمستاشر ونص." لم تستغرب ثريا ذلك وقالت لها بلوم:

"خمستاشر سنة ونص واتجوزت وحامل شهرين كمان، وطبعًا مفيش قسيمة جواز تثبت أنها متزوجة." أخفضت المرأة وجهها بخزي، بينما تحدث زوجها: "الجواز أساسه الإشهار وإحنا كنا أشهرنا الجواز في الجامع، والبلد كلها عارفة إنها متزوجة. هو جوزها ولد الحرام اللي لما بعتنا له عالصلح بينكر جوازه منها وبيتبري من الجنين اللي في بطنها." تهكمت ثريا بإستهزاء قائلة:

"الحكومة مش بتعتمد غير بالأوراق الرسمية. كده بنتك عند الحكومة تعتبر ملهاش أي حقوق عند اللي كان متجوزها وعادي أنه ينكر الاعتراف بجواز أو حتى نسب الجنين اللي في بطنها. طيب مفيش أي مستندات تانية تثبت أنها متزوجة من اللي بينكر ده؟ يعني مثلا كنت كاتب عليه شيك قصاد القايمة، أو مثلا عقد جواز عرفي." هز الاثنان رأسهما بالنفي. زفرت نفسها بغضب وإحتقان قائلة:

"يعني هندخل في متاهة والله أعلم هنوصل لإيه. طبعًا هحاول من اللي المفروض جوزها ودي لو وافق ممكن أنتم تدفعوا مبلغ للمأذون يدفعه للحكومة كنوع من تقنين وضع، ويكتب الكتاب. وقتها سهل الاعتراف بنسب الجنين. وطبعًا الاقتراح ده مؤكد مش هيجيب نتيجة لأن زي ما قلت إنه رافض وبينكر. بس أهو محاولة أخيرة قبل اللجوء للقضاء اللي أحباله طويلة ممكن تاخد سنين. وكمان هنواجه صعوبات في النسب لأنه هيخضع لتحليل بصمة وراثية وهو طبعًا واثق من نفسه. بس إن شاء الله خير. رغم إني لو مش خاطر بنتك ومستقبلها اللي ضيعتوه، كان فين عقلك وانتوا بتجوزها بالشكل ده. دي مش جوازة دي زي بتبعوها بخس لواحد يتمتع بيها."

بخزي تحدثت المرأة: "والله كان بيحبها وقال بس تتم السن القانوني هيعقد عليها رسمي. بس السوسة أمه هي اللي بتلعب في راسه، وخلته رمي عليها يمين الطلاق. عاوزة تجوزه بنت أخوها عشان عنده أرض." تهكمت بإستهزاء قائلة: "عذر أقبح من ذنب. لو كان بيحبها كان اتبرأ منها بالشكل ده. طفلة معندهاش ستاشر سنة ومش عارفة إذا كانت متزوجة ولا مطلقة. في القانون ملهاش أي حقوق. يا خسارة، ياريت غيركم يتعظ من اللي أنتم فيه...

على العموم هحاول وزي ما قلت، معروف نتيجة المحاولة. يعني نستعد للجوء للقضاء وإحنا وحظنا." نهض الرجل وزوجته يشعران بالخسارة الفادحة. مازال عقلهما لا يلومهما، بل يعتقدان أنهما لم يفعلا شيئًا خطأ. الخطأ هو الحظ فقط. بينما ثريا، مسكت ذاك الملف وهي تشعر بالآسف. ذكرها ذلك بنفسها، لكن هي لم تكن تحت السن القانوني، بل كانت بالخامسة والعشرين تقريبًا. ظنت أن القدر يبتسم لها، لكن كانت صدمة وانكسار جديد لها.

ضغطت على الملف تشعر بالدموع. زفرت نفسها بغضب بعد مطالعة تلك القضية. قبضت بيدها بقوة فوق ذاك الملف. لم تشعر بمن دخل إلا حين سمعت صوت نحنحة. رفعت رأسها، واسترخت قبضة يدها، وتركت مطالعة ذاك الملف، ورسمت بسمة سخرية قائلة بتهكم ساخر: "سراج العوامري هنا في مكتبي المتواضع... لاه أكيد الأمر هام."

تغاضى عن فحوى قولها، يعلم أنها تسخر منه. تهكم بسخرية واستقلال وعيناه تدور في زوايا تلك الغرفة الصغيرة للغاية، كذلك أثاثها. حقًا مرتب من بضع مقاعد خشبية شبه قديمة، رغم ذلك شبه متينة. استهزأ وهو يقترب من المكتب الجالسة خلفه قائلًا: "ده مكتب متواضع؟ بتسمي خزانة الفراخ دي مكتب أساسًا." رغم شعورها بالضيق من استهزاؤه، لكن رسمت بسمة كيد سائلة:

"والله مش أنا اللي طلبت منك تدخل المكتب بتاعي، إنت اللي دخلت، أكيد غلطت في العنوان. على العموم، تقدر تخرج برة خزانة الفراخ... وهعتبر ولا كأنك دخلت."

شعر بالعصبية من ردها، وتغاضى عن ذلك ونفخ بأنفاسه فوق أحد المقاعد، ثم جذب محرمة ورقية من تلك العلبة الموضوعة أمامها فوق المكتب ومسح فوق المقعد، ثم ألقى المحرمة بتلك السلة، وجلس بتعالي، يضجع بظهره على المقعد ثم وضع ساق فوق أخرى. ونظر نحوها يرسم بسمة جادة ثم وضع ذاك الملف الذي كان بيده أمامها على المكتب. تهكمت من طريقة تعالي سراج ولم تبالي بذاك التعالي، ونظرت للملف سائلة: "إيه الملف ده؟

ملف قضية للأسف ماليش في القضايا الباطلة أكيد... قاطعها بإستقلال قائلًا: "لو عندي قضية أكيد هروح لمحامي له اسم وسطوة، مش محامية مبتدئة. قدامك الملف وبلاش تتسرعي في توقعك، اقريه الأول." تغاضت عن نبرة الاستقلال بشأنها وفتحت الملف. تبسمت بسخرية من أول ورقة، رفعتها قائلة بإستهزاء: "ده شيك ممضي من 'عمران العوامري' بنفسه بس مفيش فيه أي مبلغ."

أومأ برأسه. تهكمت بشفتيها بسخرية ثم توقعت تلك الورقة الأخرى قبل قراءتها. لم يخيب ظنها، وعادت بنظرها إلى سراج قائلة: "عقد تنازل عن أرضي." نظر إليها بتحدي قائلًا بتأكيد: "قصدك أرض العوامرية." تهكمت بإختصار قائلة: "ده كان زمان يا سراج." "وهترجع يا ثريا بأي تمن... اكتبِ المبلغ المطلوب." قالها بوعيد. تبسمت ثريا بإستهزاء ولم تتحدث بل كتبت فوق ذاك الإيصال.

ثم مدت يدها بالإيصال له. لوهلة شعر بزهو وهو يمد يده يأخذ الإيصال منها. قرأه. كان مختصرًا من كلمتين: "عرضك مرفوض" ثانية واحدة، وكز على أسنانه بغضب ونهض واقفًا من فوق المقعد يرسم البرود، واقترب من جلوسها خلف المكتب وانحنى عليها يهمس بوعيد ثائر قائلًا: "افتكري كويس، أنا مش 'غيث'. أنا 'سراج العوامري' يا ثريا. مش هتقدري تلعبي عليا ولا تغريني زي غيث، لآني مش من النوع اللي بضعف قدام مفاتن ست. أنا مش شهواني زيه."

ازدردت ثريا ريقها وهي تُغمض عينيها، تشعر بصقيع يضرب جسدها يكاد يقتلع عقلها وقلبها من محلهما. ضغطت بقوة فوق ذاك الملف، وفي لحظة واحدة فتحت عينيها، دون اهتمام مزقته قطعًا، وألقتها فوق المكتب بلا اهتمام باستبياع واضح. نظر سراج إلى تلك القطع الورقية بغضب ساحق يشبه الإعصار، وكان هذا لهما الاثنين بمثابة... لقاء آخر عاصف.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...