جلس مع الرجل الذي كان يضاهيه في حكمته وقال بتعقل يليق به كثيراً: "بكفاية لحد كده يا حاج، أنا مرايدش نضل في عداوة باقي عمرنا. بتك عندي، وربنا يرزقني منها بالخلف الصالح، ما يجبليش يطلعوا مقاطعين خوالهم، ولا هي تحس إنها مقطوعة من شجرة برغم إن ليها عيلة وعزوة." عبدالحكيم بفرحة وإعجاب من حديثه: "عين العقل يا ولدي، وأدام قلت كلت ديه يبقى أكيد مرتب شي في دماغك." عثمان: "مرتب اللي هيجولوا العقل يا حاج." عبدالحكيم:
"قول لي وأنا وياك." عثمان: "بتكم اللي مرمية في المخزن من يوميتها، تلزمكم. كان ممكن أقتلها من غير ما حد يدري، بس أنا جبتهالكم لحد عندي. أنتم أحرار فيها، تقتلوها تخلوها، أنا اتحليت من ذنبها. لكن ليا عندها شيء واحد." عبدالحكيم: "عداك العيب يا ولدي، قول رايد منها إيه وأنا متكفل بيه." عثمان:
"هي برغم كل اللي عملته، ما نقدرش ننكر إنها أرملة خوي الله يرحمه، وأم ولده. كل اللي رايده منها إنها تتنازل عن حقها في ورثها لولدها، والوصاية عليه هتكون ليه. وتنسى إنها ليها ولد من الأساس، ولد أخوي أمه ماتت وهي بتولده. غير كده ماعوزش منها حاجة." عبدالحكيم: "حديثك زين يا ولدي، وأنا ما كنتش هجبل واصل إنها تاخد جرش منيكم، بكفاية اللي عملته." عثمان برجولة:
"دي حق ربنا، هتسأل عليه يوم الدين. مهما كان العداوة بينك وبين حد، لازم تديه حقه." عبدالحكيم: "طيب يا ولدي، أنت كده هتغير شهادة الميلاد، والواد مسيره هيكبر وهيِعرف إنها أمه." عثمان بهمس: "أنا دورت وفكرت كتير في الحكاية دي، ما لقيتش غير حل واحد وربنا يسامحني عليه." نظر له عبدالحكيم باهتمام، فأكمل:
"دلوقتي لو الواد اتكتب باسمها، السر هينكشف مهما طال الزمن، وهيبقى عار عليكم. أنا لقيت واحدة ميتة، طب تيجي أخت تمرجى عندي، قلت له هديله جرشين ويوافق إن الواد يتكتب على اسم أخته. الشهادة لله الراجل رفض ياخد جرش، شايل جميل ليا ولأبويا الله يرحمه. وأنا واثق فيه، حتى هو ما سألش ولد مين ولا ليه." عبدالحكيم: "طب والله يشكر." أكمل عثمان:
"هنجول في البلد إن أخوي كان متجوز واحدة من مصر وماتت وهي بتولد الواد، والبت الأصول كتمت جواتها لجل ما تكونش السبب في فتح الثأر. أنتم عرفتم بالصدفة إن الواد مش ولدها، عشان كده حصل اللي حصل من كام يوم. ويبقى كده حليناها من غير فضايح، وسر أخوي يندفن وياه. دي من ناحيتي، الباقي عليك أنت فيما يخصك." عبدالحكيم:
"وأنا أضمن لك إن ما فيش حد واصل من عندي هيقول غير اللي اتفجنا عليه. أما الكلبة دي، ما أروسش يدي بدمها. هتعيش خدامة جوه الدار، ونوميتها هتكون في البدروم، ويبقى كده أكرمتها كماني." عثمان: "تمام، اللي يريحك. نيجي بقى لولد أخوك ده بالذات، ما أقدرش أسامح في اللي عمله." نظر له بقوه وأكمل بأمر مبطن:
"ما ينفعش يعيش هنا بعد اللي عمله. أنا مش ضامن حالي لو قابلته في طريقي ممكن أطلخه عيارين وأخلص منه. وجتها ما هيكونش هو اللي قدامي." جز على أسنانه ثم أكمل بغل: "كل اللي هشوفه وقتها، مرتي اللي كانت بين إيديا ودمها سايح." عبدالحكيم: "حقك يا ولدي، أنا ما لقيتش حديث أقوله بعد قولك. أنت حليتها بالعقل، وأنا عليا الباقي." نظر له وأكمل بخبث مازح بعد أن ارتاح باله:
"أنا هبعده عن البلد بحالها وأحرمه يخطيها برجله، حتى عشان بتي تيجي تزور أبوها وأهلها براحتها." انطلق لهيب الغيرة من عينيه البنيتين وقال بوقاحة جديدة عليه: "بيتها مفتوح للكل، اللي رايد يطمن عليها ييجي وهنحطوه فوق روسنا من فوق، لكن مرتي ما تضلش رايحة جاية في وسط الخلجان." انطلقت ضحكات صاخبة من ذلك الشيخ الوقور، حقاً لم يستطع تمالك حاله. قال له من بينهم: "وااااه، غيرتك واعرى قوي يا دكتور، أنا أجده أخاف على بتي منك."
يرد عليه برجولة: "تخاف عليها لما تبجي كيفها كيف الحرب اللي راجلها ماسألش فيها. أما أنا... لمعت عيناه بالعشق وهو يكمل: "حاططها تاج فوق راسي. مرتي ملكة، عمرك شفت ملكة بتمشي وسط الخلجان، ولا ساكنة برج عالي محدش يقدر يهوب ناحيته."
لم يجد ما يقوله، يكفي لمعة عينيه فرحاً وفخراً بهذا الرجل الذي أنعم الله على ابنته به. لم يعوضها فقط عما عانته، بل جعلها ملكة على عرش قلبه. هنيئاً لكِ صغيرتي المدللة، ستصبحين من الآن تتنعمين بعيشة رغدة مثل اسمك، بل ستنالين من الدلال ما يجعلكِ أكثر إشراقاً وإقبالاً على الحياة. تستحقين كل ذلك وأكثر. داخل جناحه كانت تجلس شادية مع أختها بمصاحبة عائشة ونرجس. كان الجو يسوده المرح بجانب الأحاديث النسائية. شادية:
"كنك اتخبلتي يا بت، هتقومي وين؟ رايدة الدكتور يطخنا عيارين ومناش ديه عندي." رغد بعناد: "وااااه، ليه عاد، قلت ديه أكمني رايدة أشوف أبوي." عائشة بتعقل: "جرحك لسه جديد يا خيتي، الحركة غلط عليكي. أكيد عثمان هيجيب أبوكي لحد عندك. معقول ييجي ويمشي من غير ما يشوفك ويطمن عليكي." نرجس: "باين عليها اتوحشت النجار وياه، خليه يجيب الطين ويحط عليكي يا حزينة."
تعبت بداخلها حينما تخيلت رد فعله إذا ما تحركت من فراشها، ولكنها أبت أن تظهر ذلك. قالت بتكبر زائف: "خلاص، أنا أساساً كتفي وجعني دلوقتي، يعني أنا من حالي ما أقدرش أتحرك مش لجل ماني خايفة منه." ضحكت ثلاثتهم عليها، ولكنهم صمتوا فجأة حينما نظرت لعائشة التي تضحك بنية صافية لها. قالت بحب وأسف على شيء لم يكن لها يد فيه: "عيشة... نظرت لها باهتمام ظناً منها أنها تريد شيئاً ما، ولكنها تفاجأت حينما سمعتها
تقول بعيون لامعة بالدموع: "أنا محتاجة لك يا خيتي." عائشة بطيبة: "ليه يا ضنايا، ما فيش حاجة حصلت بيناتنا؟ رغد: "لااااه... واجب علي أحب على راسك قدام الكل. أنا ما كانش بإيدي أتجوز عثمان ولا أبقى لك ضرة، ولا كان بإيدي كل اللي حصل. وبدل ما أحس على دمي وأعاملك كويس، لااااه كنت عم أكايد فيك." بكت بندم وهي تكمل:
"بس أنا كنت كيه اللي مضروب على راسه، من كتر اللي حصلي بجيت أشوط في الكل، بجيت خايفة حد ييجي علي تاني، أو أتوجع تاني. اللي شوفته وعيشته ما كانش هين، وأنتي قصاد ديه كلها عملتي إيه؟ أول ما لاقيتيني مريضة، جيتي معايا كيف خيتي تمام. والله يا عيشة أنا عمري ما قلت في حقك كلمة شينة وياه، ولا فكرت أجيه عليك. بالعكس كان يجيب سيرتك بكل خير، مخبرتش أفهمك اللي جواتي، أو أعبر عنه صح." سحبتها بقوة وهي تكمل بخجل:
"أنا لو أقدر أبعد عنه كنت هملهولك وخرجت من حياتكم، بس... غصب عني ما أقدر." ضمتها عائشة بحنو وقالت بحكمة رغم بكائها تأثراً بما سمعت. قبلت أعلى رأسها وقالت: "بكفاية بكي، خابرة زين إنه مش بيدك. مين يعرف عثمان ولا يعشقهوش. يعلم ربي إني ما في جواتي لكِ حاجة شينة. أبعدتها ثم أكملت: كنت لأول هغير منك، كنت رايدة أقطعك بسناني تقطيع. بس لما تعبتي...
قلبي وجعني عليكي. فكرت بعجل، غير إنها عوايدنا، جلت لحالي يا بت يعني هتكوني أنتِ أحسن من زوجات الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. ديه نصيب، وأدام ربنا كتبلها النصيب وياه، إيش أكون أنا لجل ما أعارض إرادة ربي. عاهدت حالي أعاملك بما يرضي الله، وهكبر نفوخي من حركات الصغار اللي كنتي هتعمليها. لكن بعد اللي عرفتيه، واللي حصل لك، وختمت بإنك فديتي راجلي بروحك، خلاني أحس إنك خيتي صح، ومهما حصل منك عمري ما أزعل واصل. كبرتي في نظري
ونظر الكل يا بت العبايدة. وأنا أها بجولك جدامهم وربنا شهيد وكيل عليا، أنتِ خيتي اللي أتمنالها كل خير، وما في جواتي لكِ ذرة كره ولا حقد ولا حتى حساكي ضرتي. خلينا نعيش في هدوء وسر، الدنيا مش مستاهلة نكد وهم، وكل واحد يرضى بنصيبه لجل ما ربنا يراضيه."
داخل سرايا العبايدة، اجتمع بأفراد عائلته بعدما عاد من تلك الزيارة التي أتت بثمارها المرجوة وأكثر. قص لهم اتفاقه مع طبيب قلب ابنته، وبعد أن انتهى نظر لأخيه وقال:
"أظن كده قلبك ارتاح من ناحية بتك. كنت شايف الجهره جوات عينك يا خوي وأنت مستني تقتلها. خابر إنها أغلى عيالك عندك، بس جلعك الماسخ ليها هو اللي وصلنا للي احنا فيه دلوقتي. نحمد ربنا إن عثمان طلع راجل وولد أصول، وساعدنا نداري على عارنا اللي كان هيكسر رقبتنا العمر كله." نظر للجميع وأكمل:
"أما الكلب التاني، تحرم عليه بلدنا وأهله وناسه. ياخد حقه من ورثه، حد فيكم يحسب نصيبه يسوى كام وياخد جرشناته ويغور من هنا. الزرعة الشيطاني لازم تنخلع من الأرض قبل ما تخرب باجيتها." هل يترك الطبيب ذلك النزل بسهولة قبل أن ينتقم منه ولو قليلاً؟ لا والله لن يقدر. بينما اصطحب عبد الحكيم وابنه يونس ومعهما اثنان آخران إلى مكان احتجازه. بمجرد أن رآه يجلس أرضاً في أحد الأركان، لن يتمالك حاله.
اتجاه إليه سريعاً ثم سحبه من ثيابه المتسخة، وبكل ما يحمله من غل وغيره ظل يلكم فيه دون شفقة أو رحمة. كاد أحد الرجال أن يقترب كي يخلص ذلك الذي يصرخ ألماً منه، إلا أن عصا الشيخ التي امتدت أمامه منعته من التقدم وقال بعدها: "لو حد فينا مكانه كان قتلته، سيبوه يفش غله." انتظروا قليلاً، ولكن الطبيب العاشق لم يكتفِ ولم يشعر بحاله إن سمير فقد الوعي بين يديه. تقدم يونس ومعه الرجلان، أمسكوا به من الخلف بقوة مع قول الأول:
"بكفاية يا ولد عمي، كده روحه هتطلع في يدك." عليه من بين لهاثه الغاضب: "لو بيدي كنت جبت روحه وخلصت من وسخته، بس أنا أديت وعد لأبوك. غوروه من قدامي بدال ما أقتله وأخلص." حمله الرجلان ثم اتجها به إلى الخارج ووضعوه داخل السيارة الخاصة به. أمرهم عبد الحكيم حينما قال: "اطلعوا بيه على السرايا، لجحوه في الجامعة اللي بره، وأقفلوا عليه لحد ما نعاود."
اتجاه عثمان بمصاحبة الاثنين إلى مكان احتجاز تلك الحقيرة، والتي وجدوها في حال يرثى لها. نظروا لها باحتقار، لم تكترث به بل قالت برعب: "خلاص، هتقتلوني." تحركت زحفاً على ركبتيها تجاه عمها في مشهد غاية في الذل والمهانة. أمسكت قدمه وكادت أن تقبلها إلا أنه رفسها بغل. لم تهتم بل قالت بتوسل: "أحب على رجلك يا عمي، بلاش تقتلني. أعيش خدامة ليكم كلياتكم بس مريداش أموت." بصق عليها يونس ثم قال بغضب: "هي دي قيمتك يا فاجرة؟
تبوسي الرجلين وهو ده مكانك؟ هتعيشي خدامة، لكن مش لينا، للبهائم. هتفضلي اللي باقي من عمرك تحت البهائم، مالكيش مكان بين البني آدمين." نظرت له بعدم فهم فأكمل: "ولد الأصول عافى عن جرحك، وإحنا ما أروسش يدنا بدمك النجس. كادت أن تشكره بفرحة إلا أنه أكمل: هتمضي على تنازل عن ورثك في جوزك، وتنازل عن ولدك اللي أساساً هملتيه لغيرك." أكمل عليها ساحباً إياها من شعرها المشعث ثم أكمل بوعيد:
"فكري بس تجيبي سيرتهم، ولا حد يعرف إنه ولدك، وجتها هخليكي تتمني الموت ولا تطوليه يا هاملة." أعقب قوله بإلقائها بعنف، ارتطمت رأسها بالأرض الصلبة. لم يهمها كل هذا، بل ظنت أن كل ما قيل مجرد عقاب واهي سيأخذ وقته وينتهي. وافقت فوراً على كل ما قيل، بل وقعت على كل الأوراق التي وضعت بين يديها دون ذرة رفض. تنقذ حياتها من براثن الموت، وبعدها تفعل ما تريد، هكذا ظنت. أنهى كل شيء، عاد إلى السرايا في وقت متأخر من الليل.
اتجاه لها بقلب لهيف، محمل بهموم الدنيا، لن يرتاح إلا داخل أحضانها الدافئة. دلف إلى الغرفة بهدوء، أغلق الباب بتمهّل. اتجاه إليها وهو ينظر لها بعيون تتوسل لها أن تفهمه دون حديث. رغم استغرابها من هدوئه المريب إلا أنها احترمت صمته وفضلت الانتظار كي يتحدث بما يريد وقتما يشاء. تمدد قبالتها، وضع رأسه فوق صدرها، لف ذراعيه حول خصرها بإحكام. ثم قال بهمس يملأه العشق والاحتياج: "ضميني يا رغد، طبطبي على وجعي، أخوي مات النهارده."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!