الفصل 10 | من 58 فصل

رواية عذرا لقد نفذ رصيدكم الفصل العاشر 10 - بقلم فاطمه طه

المشاهدات
17
كلمة
10,383
وقت القراءة
52 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

تقوم بحزم أمتعتها وجميع متعلقاتها الخاصة بالعمل. اليوم لديها أحد حجوزاتها الخاصة بخطبة إحدى الفتيات التي قامت بالحجز معها، لكن ستبدأ متأخرًا عن العادة. صدع صوت هاتفها يعلن عن اتصال منه، ولم تكن تلك المرة الأولى ولا الثانية، بل تخطت العاشرة منذ مكالمته معها وهي في الفندق يوم أمس، وهو لا يتوقف عن الاتصال أو إرسال الرسائل راغبًا في مقابلتها. كأنها تأخرت عليه! هو فقط طلب منها بالأمس، فلما هذا الإصرار؟

لكن لتكن صادقة، يروق لها اهتمامه بشكل كبير جدًا، أكثر مما يتوقع هو حتى. أجابت سامية بنبرة هادادئة: "ألو." جاءها صوته المشرق والشغوف دومًا: "إزيك، عاملة إيه؟ ردت عليه سامية باستغراب: "الحمد لله بخير، في حاجة ولا إيه؟ مش عادتك تتصل بدري كده." تحدث حمزة بنبرة واضحة: "أنا عندكم في المنطقة برا عند موقف الأتوبيسات، عايز أشوفك." غمغمت سامية باستنكار شديد: "نعم؟! أردف حمزة بلهفة وجسارة واضحة:

"زي ما سمعتي، أنا عايز أشوفك لأني عارف لو فضلت مستنيكي لغاية ما تتصلي بيا ونتقابل ده مش هيحصل، وأنا عايز أشوفك. تعالي قابليني خمس دقائق بس." تحدثت سامية بارتباك واضح وهي تعقب على كلماته تلك: "إزاي تيجي يعني من غير ما تقولي؟! رد عليها حمزة بوضوح شديد: "علشان زي ما قولتلك، انتِ كنتي هطنشيني وأنا محتاج أشوفك." غمغمت سامية متحججة بعملها: "حمزة، أنا ورايا شغل على فكرة وعندي ميعاد كمان ساعة." أردف حمزة بنبرة لينة

وهو يتوسل لها دون حرج: "علشان خاطري، أنا محتاج أشوفك ومش هاخد من وقتك كتير، خمس دقائق بس، وإلا هاجي عندك تحت البيت." بعد مرور نصف ساعة تقريبًا. كانت سامية تصطف بسيارتها أمام سيارته. هبطت من السيارة لتجده يخرج من السيارة وهو يحمل باقة من الزهور أسرت قلبها، لكنها تجاهلت هذا كله متحدثة بنبرة منزعجة: "يعني أنتَ بتهددني؟ سألها حمزة بعدم فهم: "بـ تهددك إيه؟ تحدثت سامية بانزعاج واضح وعتاب:

"أومال إيه اللي لو مجتش هتيجي عندي تحت البيت دي؟ ضحك حمزة ثم أردف بنبرة جادة: "أكيد مش هعمل كده، أنا قولتها بس تعبيرًا عن قد إيه نفسي أشوفك وهعمل أي حاجة علشان أشوفك. انتِ فهمتي إيه بس؟ أنا مكنتش هعمل كده لسبب بسيط جدًا إني مسببش ليكي أي مشكلة مع عمك وابن عمك دول." نظرت له سامية بعدم فهم. لا تعلم هي، تارة تشعر بالأمان الشديد معه، تارة أخرى تشعر بأنها لا تفهمه حقًا. شخص غريب.

لكن تحاول بث الطمأنينة في ذاتها بأنه فقط الأمر كله يرجع إلى اختلاف الطبقات بينهما أو على الأقل أسلوب المعيشة. مد حمزة يده بباقة الزهور متحدثًا بنبرة هادئة وعاطفية: "اتفضلي." أخذتها سامية منه مما جعلها تعقب بعدم فهم: "بمناسبة إيه؟ رد حمزة عليها وهو يقف أمامها بشموخ والبسمة لا تفارق وجهه:

"هو مش لازم مناسبة معينة يعني، بس المرة دي أنا جايبها علشان أعتذر على اللي حصل مني الفترة اللي فاتت. حقك عليا إني اختفيت بس صدقيني ظروف وكان غصب عني يعني، فلازم أعتذر منك على كل اللي حصل مني. ولولا أن عندك شغل كنت قولتلك أنا اختفيت ليه، بعيد عن تعب ماما كمان." شعرت بالحرج وهي تخبره ببساطة: "مش مستاهلة يعني." رد عليها وهو ينظر لها نظرات أربكتها:

"زعلك يستاهل، وأنتِ عندي حاجة كبيرة أوي ومينفعش أبدًا أعرف أنك زعلتي مني وتقوليلي مش مستاهلة يعني، واضح أنك لسه معرفتيش قيمتك عندي كويس." هتفت سامية بتردد: "أنا قصدي مكنتش تعبت نفسك، أنا مقدرة أنك مكنتش فاضي." "متزعلنيش منك بالكلام ده، تعبك راحة، ده لو هنسمي ده تعب أصلاً، كفايا عليا أصلاً إني أشوفك، متعرفيش دي بالنسبالي بالدنيا وما فيها."

نظرت سامية متأملة الباقة الجميلة والانيقة جدًا، تحاول أن تشغل نفسها عن تلك الكلمات التي تصيبها في موضع شديد الخطورة، ثم تحدثت برفقٍ تحاول الهروب بأي طريقة، فهي مازالت تخطو خطواتها الأولى في دروب العشق: "شكرًا بجد؛ بس أنا مضطرة أمشي لأني هتأخر على العروسة كده، وشكرًا على الورد وعلى كل حاجة." "العفو، وأنا مش هعطلك أكتر من كده ولا هعطلك عن شغلك، بس توعديني إني أشوفك قريب وبلاش تطنشيني." ردت سامية عليه

ببسمة هادئة ونبرة صادقة: "إن شاء الله قريب." *** "فين نضال اللي أنتَ بتقولوا عليه ده؟ "أنا نضال." قالها نضال الذي كان يقف على الباب بعدما استلم رسالة شقيقه ليأتي من أجل إنقاذ شقيقه. ولم يسمع أي شيء سوى صوت رجل غريب لا يعرفه يسأل عنه. وقبل أن يتفوه نضال بحرف آخر، أشار زهران ناحيته هاتفًا بثقة وابتسامة لا يدري كيف رُسمت على وجهه وهو يفعل ما يفعله: "أهو العريس وصل أهو." سؤال واحد كان يخطر على عقل نضال.

إلى من يشير والده؟ كانت الإجابة أنه يشير عليه هو، فـ نظره ليس ضعيفًا إلى هذا الحد. لكن من "العريس" الذي وصل؟ هل يأتي أحد خلفه؟ أستدار نضال بنصف جسده للخلف لرؤية إذا كان يأتي أحد خلفه، لكن النتيجة أنه لا أحد. تحدث أبيه ينتشله من الشرود أو البلاهة الذي انتابته: "تعالى يا نضال يا ابني، اتأخرت علينا، قاعدين مستنينك من بدري، مكنتش عايز أبدأ كلام إلا لما تيجي." أقترب نضال منه ليقول زهران وهو يقترب من أذنيه:

"أبوس إيدك ما تفضحنا وعدي اليوم علشان خاطري، متخربش الدنيا." جلس نضال على الأريكة بجوار زهران الذي يجلس بينه وبين سلامة. كان نضال يحاول أن يستوعب ما يحدث. من عمق الصدمة الذي تملكه وحلّت عليه، لم يجد كلمات مناسبة قد يتفوه بها. تحدث زهران بنبرة هادئة وابتسامة لم ولن تختفي: "عايزين نخلي الفرحة فرحتين بقا، نفرح بـ نضال وسلمى مع سلامة وجهاد." أردف مدحت بضيقٍ وهو يضع قدم فوق الأخرى: "والله أنتَ فاجئتنا بالموضوع ده."

غمغم سلامة بنبرة غير مسموعة إلا لوالده تقريبًا: "والله إحنا اللي متفاجئين بيك أنتَ أساسًا." قال زهران ببساطة: "المهم أن المفاجأة حلوة، واحنا يشرفنا ننسابكم تونس وتكون سلمى بنتي التانية ومرات ابني إن شاء الله، ونخلي الفرحة فرحتين." زهران يبتسم، ولكن هناك من يجلس بجانبه وعلى وشك أن يتصاعد الدخان منه، كان هذا نضال الذي لا يعرف ما الذي عليه فعله. يريد أن يصرخ ويخبر أبيه: "ما الذي تفعله؟!

لكن لم يخرج منه شيء؛ كأن لسانه قد انعقد. أما سلامة، خائفًا من تصاعد الأحداث. رد مدحت مختصرًا حتى يُنهي هذه الجلسة: "والله إحنا معندناش رد دلوقتي، ممكن نفكر ونرد عليكم إن شاء الله." رُبما الشيء الوحيد الجيد في زهران هو أنه يستطيع تحمل جميع الأنواع من البشر وألا يجعل أعصابه تثار بسهولة لأنه يجدها أهم من الكثيرون. غمغمت يسرا بحرج كبير وانفعال تحاول كبته بسبب ما يحدث تحديدًا وجود هذا الرجل:

"هو موضوع نضال وسلمى محتاجين نفكر فيه ونأخذ رأي العروسة، وبالنسبة لسلامة وجهاد أنا مش هقدر أقول أي حاجة قبل ما نكلم خالها ونعرف إجازته هتكون امتى، لكن هينزل قريب إن شاء الله." قالت يسرا كلماتها الأخيرة بخصوص شقيقها، توجه حديثها إلى مدحت ليعلم بأن الأمر لن يستمر وشقيقها أتى. تمتم زهران بنبرة هادئة ومسالمة معقبًا على حديثها: "ماشي، نقوم نمشي إحنا بقا علشان طولنا أوي ونبقى إكلمك ونعرف الرد."

قاطع مدحت حديثه وهو ينهض من مكانه، مما جعل زهران ينهض هو الآخر كما فعل الجميع: "الكلام مع راجل البيت." ضحك زهران رغمًا عنه وهو يخرج هاتفه من جيب جلبابه البيضاء متحدثًا بنبرة هادئة: "طيب يا راجل البيت، اديني رقمك علشان لما أعوز أعرف ردهم في البيت أكلمك." أخذ زهران رقمه بالفعل. وبعدها هبط بعدما ألقى التحية على الجميع في عجلة من أمره. سار بسرعة ذهبت منذ أن كان شابًا تقريبًا.

حتى أنه لم ينتظر أولاده الذين فعلوا مثله، ألقوا التحية وهبطوا، لكنه كان الأسرع. ومجرد أن خرج من البناية وجد "توكتوك" يمر من أمامه، أشار له. "استنى يا ابني خدني معاك." وقف (التوكتوك) وركبه زهران، فتحدث السائق: "رايح فين يا معلم زهران؟ كان الشاب يعرفه، يقطن هنا في المنطقة، فأردف زهران: "مش عارف، امشي بس بسرعة دلوقتي وديني الجزارة، أخذ أمانتي، الشيشة بتاعتي من هناك وعلى حسب تساهيل ربنا."

سار "التوكتوك" تزامنًا مع خروج سلامة من البناية وخلفه نضال. وكان سلامة ينادي والده متحدثًا: "كنت خدني معاك طيب." وضع نضال يده على كتف سلامة يحاول أن يتجاوز صدمته. هو لم ينطق حرف في الأعلى حتى الآن، يعيش آثار الصدمة الغريبة. غمغم سلامة متوسلًا: "والله يا نضال ما كنت أعرف أننا هنوصل لهنا، كل حاجة حصلت مرة واحدة، أبوك كان راسم يطلب إيد أمها، لقاها محجوزة وملقاش حاجة يقولها غير كده." هتف نضال بنبرة

غاضبة وهو يكز على أسنانه: "أنتَ عارف أنا هعمل فيك إيه؟ تحدث سلامة بجدية: "لا مش عارف ومش حابب أعرف." ثم تحدث وهو يشير إلى أحد الأماكن: "ألحق الواد دياب، في واحدة ست بتشرشح له، واقف بالتوكتوك هنا أهو." أستدار نضال ونظر ناحية ما يشير إليه وهتف وهو يحاول النظر جيدًا وقد انطلت عليه الخدعة: "فين ده؟ أستدار مرة أخرى ليجد شقيقه قد ركض من جانبه. حقًا، على وشك أن يصاب بجلطة بسبب ما يفعلونه به. هرب الاثنان.

يحاول التفكير فيما حدث. كيف يفعل والده هذا به؟ هو وسلمى؟ لا. *** بالأعلى. خرجت سلمى من الغرفة وهي ترتدي ملابسها التي كانت نائمة بها. هي لم تبدل ملابسها عند عودتها من الخارج. فحاولت ضبطتها تحسبًا إن كان يتواجد سلامة ووالده هنا. كان سبب خروجها هو صوت صرخات والدتها وهي تهتف بجنون: "إيه اللي جابك تاني؟ وإيه القرف والحاجات اللي بتعملها دي قدام الناس؟

أنا عيشت سنين محافظة على نفسي وعلى عيالي، ومش هسمح إنك تطلعني كدابة قدام الناس العمر ده كله." الحق يُقال، سلمى كانت نائمة هروبًا مما يحدث ولم تكن تشعر أو تعرف حتى بأن والدها قد أتى. هي تعلم بأن سلامة ووالده هنا من أجل تحديد موعد زفاف شقيقتها. تمتم مدحت بنبرة قوية لا تناسب وضعه الحقيقي: "أومال عايزاني أسيبك أنتِ وعيالك على حل شعركم؟ لازم الناس تعرف أن ليكم راجل، لو بتفهمي هتعرفي أن ده الصح ليكم."

غمغمت سلمى تلك المرة وهي تأتي من الرواق هاتفة بسخرية: "معلش هي مش مستوعبة، أصلك اتأخرت أوي إنك تعمل راجل." "طب والله ما أنا سايبك." كاد أن يصفعها لولا والدتها وقفت أمامها وكذلك جهاد. فتحدث هنا مدحت بجنون: "هي دي تربيتك يا ست هانم؟ أنا جيت يا ست سلمى، هوريكي أنا الرجولة اللي على حق وهربيكي من أول وجديد." تحدثت يسرا بانفعال كبير:

"متعليش صوتك في بيتي ولا ليك دعوة ببناتي، أنتَ سامع، واطلع برا، وياريت متوريناش وشك تاني لغاية ما أخويا يجي من السفر." غمغم مدحت بنبرة غاضبة: "لا مش فاهم، وأنا حر في بناتي، أيكش أقتلهم، وخدي بالك البيت ده مش هيفضل من غير حاكم، شغل السبهللة اللي أنتم فيه ده مش هيكمل كتير وهاجي وهقعد في بيتي معاكم غصب عنك؛ أنا بس سايبكم تتقبلوا الفكرة لغاية ما أجي واظبط أموري، وأدينا مستنيين المحروس أخوكي." ثم استرسل

حديثه بعنجهية واضحة: "ولعلمكم بكرة جاي عريس لسلمى، وعلشان كده أنا مش موافق على اللي اسمه نضال ده وهقولهم طلبهم مرفوض." صاحت سلمى في وجهه بعدم فهم: "نضال مين وعريس مين؟ وهو في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة، هو بيقول إيه ده؟ قالت جهاد موضحة: "عم زهران هو ونضال وسلامة لسه نازلين، ونضال طالب يتجوزك." بدأت تتضح الرؤية قليلاً وهي تشعر بالبلاهة. أما والدها استرسل حديثه متشبثًا:

"أيوه بس أنا مش مقتنع بيه ولا مرتاح ليهم، أنا عاجبني العريس اللي جاي بكرة ومقتنع بيه، وللعلم أنتِ تعرفيه." صاحت سلمى ساخرة من الجرأة التي يتحدث بها: "أنا مش فاهمة أنتَ بأي حق جاي بعد السنين دي كلها واحنا منعرفش عندك حاجة، تقول ده ينفع وده مينفعش، ورايح جاي على بيتنا معرفش ليه؟ أنتَ جايب البجاحة دي منين بجد؟ غمغم مدحت وهو يكز على أسنانه ويده تحاول أن تصل لها لكن يمنعه جسد جهاد ويسرا:

"متخلنيش أتغابى عليكي، أنا لغاية دلوقتي مقدر غيابي اللي عندي تبريرات ليه أكيد." أردفت جهاد بنبرة متوترة: "وإيه اللي عندك تقوله؟ توتر مدحت وحاول قول أي شيء غير الحقيقة بأنه سافر وتزوج بامرأة أخرى ثم عاد خالي الوفاض بعدما أخذت كل ما جمعه: "كنت بشتغل وبحاول أعمل مستقبل علشانكم، لكن... ضحكت سلمى مستهزئة وهي تقول: "فعلاً بصراحة غرقتنا بفلوسك اللي عوضتنا عن غيابك، تعرف إيه أنتَ عننا؟ تعرف إيه؟

إحنا بعنا عفش بيتنا كله زمان علشان نأكل ونشرب، مكناش لاقيين حاجة نتغطى بيها لولا خالو، جاي أنتَ تقول وتتكلم في إيه؟ علشان تيجي تقولي هتتجوزي مين ومش هتتجوزي مين، وبعدين أصلاً عريس مين ده اللي أنا أعرفه." الحقيقة أن مدحت تجاهل النصف الذي لم يعجبه من حديثها، وكان هذا النصف الأول، وحاول الإجابة على النصف الثاني متحدثًا بتوضيح: "أخو صاحبتك تعب ودور على أخواتي وهما وصلوه بيا علشان يتقدم ليكي." "نعم!!

ويدور عليك بتاع إيه أصلاً؟ أنا أساسًا رفضته والموضوع منتهي ومقفول، والعريس اللي بتكلم عنه ده ومقتنع بيه اتجوزه أنت." اشتعل وجه مدحت من جرأتها وقوة ردها، كاد يرفع يده ويصفعها ولكنه تمالك نفسه باللحظة الأخيرة، صارخًا بعنف عليها، ما يجعله يتراجع عن ضربها بيس فقط جهاد ويسرا الحاجز بينهما، لكن هو لا يريد الأمور أن تكون سيئة أكثر من هذا ليجد مكان يمكث فيه بدلًا من التنقل والذل الذي يعيش فيه وحرجه من المعارف:

"احترمي نفسك واتكلمي عدل، متنسيش إني أبوكي، عيب على لبسك وأدبك اللي الناس بتتكلم عنه، هي دي تربيتك يا يسرا؟ اتفرجي بنتك المحترمة بتقول إيه." سبقت سلمى والدتها معلقة على حديثه: "أنا متربية غصباً عن عين التخين، وآه بصي يا ماما على تربيتك وافتخري، أنا عمري ما هنسى اللي أنتَ عملته، أنا حتى مش طايقة أقعد معاك في مكان واحد، نفسي بيضيق." ضحك بسخرية وعقب وهو يتحرك نحو الأريكة يجلس فوقها واضعًا قدم فوق الأخرى:

"لا ما انتِ اتعودي بقى من هنا ورايح علشان أنا مش قريب أوي هكون هنا، وبالنسبة لـ نضال ف ده مرفوض وكلامي أنا اللي هيمشي، البيت ده خلاص بقى ليه راجل وكلمتي هي اللي هتمشي." وبذات القوة ردت سلمى بتحدي ارتسم على ملامح وجهها قبل نبرة صوتها: "على جثتي التهريج ده يحصل." أنهت حديثها ورحلت في ظرف ثواني من المنزل، حتى أنها خرجت بحذائها المنزلي.

كادت جهاد أن تخرج خلفها لكنها لم تكن ترتدي أي شيء في قدمها، حتى أنها هبطت عدة درجات وهي تناديها. ولكن توقفت حينما شعرت بالحماقة تلك وعادت مرة أخرى حتى ترتدي الحذاء، لكنها سمعت والدها يهتف: "الحقي يا جهاد، أمك اغمى عليها." *** خرجت من المنزل وأغلقت هاتفها، لا تعلم ما هذا الضعف المريب الذي تشعر به. لم تذهب في أحلك أوقات حياتهم من المنزل. لم تترك والدتها ولا شقيقتها. لكنها فعلت الآن.

لم تكن لديها هدف حقيقي أو مكان تذهب إليه. وجدت نفسها تذهب نحو الشارع الذي يتواجد فيه المنزل التي تقطن فيه بهية في عمارة رقم "أربعة عشر". لم يكن معها لا الحقيبة ولا نقود ولا أي شيء تستطيع التصرف بهما. كان هذا المكان الوحيد الذي فكرت فيه. لتصعد إليها في عجلة من أمرها.

فتحت لها بهية الباب ودون مقدمات بكت سلمى بمجرد أن رأت بهية وألقت نفسها في أحضانها، ومن الباب وحتى الأريكة التي تجلس فوقها الأن وهي في أحضان بهية؛ التي تشعر بالقلق الكبير، لكنها بالرغم من ذلك تحضنها وتحتويها، وهذا ما كانت سلمى تحتاجه، ورُبما هذا الذي ما جعل قدمها تأتي بها إلى هنا. "فهميني يا بنتي مالك بس؟ هتفت سلمى بتردد وهي تبتعد من بين أحضانها حتى خمارها قد تبلل من دموعها هاتفة بانزعاج جلي:

"أنا مش هطول عمومًا ولا هزعجك شوية بس و... قاطعتها بهية بنبرة غاضبة ومنزعجة إلى حدٍ كبير: "يعني أنا عايزة أفهم مالك، تقوليلي مش هزعجك؟ البيت بيتك يا بنتي، أنا بس حابة أعرف حصل إيه علشان قلبي يطمن شوية." أردفت سلمى بصدقٍ ونبرة مرتجفة في الوقت نفسه التي جاءت ريناد فيه بعدما فتحت الباب بالمفتاح التي أعطته إياها بهية في الصباح: "أنا مش حابة أتكلم أو أقول حاجة دلوقتي، بس هقولك لما أحس إني كويسة."

تحدثت ريناد بحرج فهي أتت من جامعتها حديثًا: "أسفة دخلت كده، معرفش أن عندك ضيوف." قالت بهية بنبرة هادئة: "ضيوف إيه دي سلمى زي بنتي وأكتر، تعالي لما أعرفكم على بعض." بعد وقت من التعارف وأخبرتهم سلمى بما يحدث معها وهي تهتف مؤكدة للمرة التي لا تعرف عددها: "لو سمحتم أنا بأكد عليكم تاني اهو، محدش يعرف إني هنا لغاية ما أحس أني كويسة وأقدر أرجع البيت." ردت ريناد عليها بترفع:

"والله أنا معنديش مشكلة ولا في مني خوف، في النهاية أنا معرفش أي حد هنا، بروح الجامعة وبرجع من الجامعة لا أكثر ولا أقل." تحدثت بهية وهي تنصحها مرة أخرى: "زي ما أنتِ عايزة يا بنتي، بس برضو حطي في حسابك أمك واختك، ليه تقلقيهم عليكي بسببه هو؟ كان حديثها صحيحًا إلى حدٍ كبير. *** "والله أنا قولت في مصيبة يا شيخ، وقال تكملني تقولي لما تخلص الشغل وتدي التوكتوك لصاحبه تعالي، وفي الآخر يطلع ده الحوار."

قال دياب تلك الكلمات وهو يجلس على الأريكة في منزل صديقه نضال وبين يديه كيس المقرمشات الذي قام بشرائه منذ الصباح تقريبًا ولم يكن لديه شهية لتناوله. تمتم نضال بنبرة ساخرة: "هو أنتَ بجد شايف الموضوع عادي؟ ده أنا هيجرالي بيا حاجة من الصبح، والاتنين مختفيين ومش بيردوا عليا، ولا عارف أجيب حد منهم، سابوني مع نفسي أغلي وخلاص." تحدث دياب وهو ينظر له بعدم فهم: "هو يا ابني أنتَ في حاجة في دماغك؟ إيه المشكلة يعني؟

هم ضربوك بالنار؟ غمغم نضال وهو يكز على أسنانه: "متستفزنيش يا دياب أنتَ كمان." أردف دياب بنبرة جادة وهو يناظره ولا يحيد بنظره عنه: "أنا ولا بستفزك ولا غيره، أنا بتكلم بجد، شوف يا أخي أنا أعرفك من امتى، وأول مرة أبوك ياخد قرار يعجبني ويدخل مزاجي." كان نضال يحدثه وهو يسير ذهابًا وأيابًا، لا يستطيع أن يجلس أو يقف في موضع سكون. "لا والله؟ رد دياب عليه بنبرة باردة وهادئة جدًا في نظر نضال المشتعل:

"آه والله، هو أنتَ تطول تتجوز واحدة زي سلمى دي؟ من أكتر الشخصيات والبنات المحترمة اللي شوفتها في حياتي، ولا أنتَ ليك في اللي يكرفلك ويطلع عينك وبس." صاح نضال باسمه مستنكرًا: "ديـــاب…" "هي كلمة الحق بتوجع، وبعدين مالك متفرعن كده ليه؟ هي للدرجاتي البت مش على هواك ولا فكرت فيها في يوم؟ كاد نضال أن يلعنه ويصرخ في وجهه إلا أن دياب تحدث بنبرة هادئة:

"تعالي بس كده أقعد ونتكلم راجل لراجل، بدل ما أنتَ عمال تدور قدامي زي النحلة لغاية ما صدعتني ودوخت منك." جاء نضال وجلس على المقعد ليس لأنه محبًا أن ينفذ الأوامر أو التعليمات التي تلقي عليه، ولكنه على الأقل أدرك بأنه أرهق وعليه أن يجلس لأن ما يفعله لن يأتي بشقيقه أو حتى والده. تحدث دياب بهدوء هنا بعدما ترك كيس المقرمشات على الطاولة: "قولي بقا إيه رأيك فيها؟ صاح نضال في وجهه متشنجًا: "هو أنتَ كل مشكلتك إيه رأيي فيها؟

الكلام ده كنت تقوله لو مثلاً حد اقترح عليا يجيبلي عروسة وكانت هي من ضمن الاقتراحات، ساعتها أه كان ممكن تسألني، لكن مش أكون طالع علشان أبويا هيتجوز وبحاول أسـيطر عليه ألاقي نفسي أنا اللي بدبس." ختم نضال حديثه بنبرة غاضبة إلى أقصى حد: "المشكلة مش فيها طبعًا، أنا مغلول من اللي عملوه فيا." قاطعه دياب بمنطق عجيب: "طب ما تفكر يا أخي، إيه المشكلة يعني؟

مش يمكن دي إشارة تشوف حاجة مش شايفاها يا رجل الإشارات، واللي بتقعد تدي فتوة لما تحصل لي حاجة." "طب نقطني بسُكاتك." انتقل دياب إلى موضوع آخر في ثواني معدودة هاتفًا وهو يضحك على ما يقوله ويتحدث بكلمات منقطعة: "أنا متخيل أخوك سلامة ده بعد عشرين سنة، لو ربنا أداني العمر، قاعد في الشارع ماسك الشيشة وقاعد مع أبوك ولابسين جلاليب زي بعض، سبحان الله، جينات أبوك طافحة فيه بشكل مُريب."

تنهد نضال ومسح وجهه بكفيه متحدثًا وهو ينظر له نظرات جادة تناقض ما يتفوه به: "والله يا دياب حقك عليا إني جيبتك علشان آخد وقتك الثمين كل ده علشان تسمعني قانون مندل للوراثة ومين خد جينات مين، أنا مغلول بقولك ومتنرفز." تحدث دياب بهدوء وهو ينظر له:

"أنتَ بس اللي واخد الموضوع على قلبك كده ومش واخده ببساطة، لو فكرت في سلمى كـ بنت اتقدمت ليها، مهما كانت الطريقة اللي دبسوك بيها، الموضوع هيختلف. وكمان يعني دي حركة متوقعة من أبوك واخوك، الغريب أنك روحت، يعني هو أنتَ اللي كنت هتمنع الجوازة يعني؟ هو أبوك من امتى حد بيمنعه عن حاجة يعوزها." هتف نضال بحسرة ونبرة مختنقة: "الحق عليا، معاك حق، مكنش ينفع أروح وكنت أسيبهم يعملوا اللي يعملوه."

تمتم دياب بنبرة مسالمة ولا يدري متى وصل لها؟! فهو لو كان في موضع نضال أو حتى إذا كان قص نضال عليه الأمر قبل بضعة أشهر وقبل أن يمر بكل ما مر به؛ كان قد رأى الأمر كبيرًا ومزعجًا مثل صديقه، لكن الآن اختلفت المعايير بالنسبة له. "والله أنا شايف تفكر في سلمى كزوجة ليك، وشوف الإنسان اللي زيك وشبهك ويريحك، وتريحها بلا وجع قلب ولا اختيارات غلط توجع قلب الواحد."

كاد نضال أن يرد عليه لكن قاطع هذا حديث أن باب الشقة انفرج ويدخل جسد ما يرتدي قناع الخاص بالأطفال تحديدًا شخصية "سبونج بوب" وهو يحمل إحدى العلب الخاصة بالحلويات. أغلق سلامة الباب خلفه وهو يدندن: "أنا سبونج بوب بوب، أنا سبونج بوب بوب أصفر كموني، سفنجة وده لوني." دخل سلامة وسار بضعة خطوات ورأى نضال ودياب يجلسون على الطاولة مما جعله يهتف وكأنه لم يفعل شيئًا، رُبما لأنه بالفعل لم يكن يعرف ما الذي يخبئه اللقاء حقًا

ويتم ظلمه: "انزل يا جميل في الساحة واتمخطر كده براحة." قالها وهو يضع علبة الحلوى على الطاولة وخلع القناع الذي يتواجد على وجهه ومتحدثًا بنبرة هادئة: "كل سنة وأنتَ طيب يا نضال ياخويا، كل سنة وأنتَ بخير ودايمًا في قلوبنا." لم يستوعب نضال ما الذي يحدث؟! وما هذا الهراء حقًا. كما الحال مع دياب. انحنى سلامة وترك قُبلة على وجنتي شقيقه ثم غمغم:

"عيد ميلادك قرب فقولت نحتفل بيه سوا، والحمد لله أن دياب موجود يشاركنا الاحتفال البسيط ده." غمغم دياب هنا بعدم فهم: "هو اخوك فاقد الذاكرة ولا إيه؟ تمتم نضال بسخرية: "لا مش فاقد الذاكرة ولا حاجة، أنا فعلاً عيد ميلادي قرب." رفع دياب حاجبيه متحدثًا باستنكار واضح: "يا راجل!! رد نضال عليه بسخرية واضحة: "آه قدامه حوالي شهرين ونص، كلام فارغ يعني هانت." شعر سلامة بالخوف وهو يُردف:

"أنا بقول تفتح التورتة كده وتطلعوها عقبال ما أدخل أجيب شوك وأطباق وسكينة." جذبه نضال ليجلس بجانبه مُجبرًا هاتفًا بشر: "لا تروح فين بس؛ دياب هو اللي هيروح يجيبهم، افتح أنتَ التورتة وفرجني." أخذ سلامة يرتعش وهو يفتح الصندوق الكرتوني بأصابع مرتجفة، ونضال يضع يده على كتفه وكادت أظافره أن تخترق ملابسه ثم بعدها جلده.

فتح سلامة العلبة وبدون مقدمات، وضع نضال يده على مؤخرة رأس شقيقه وانحنى بها إلى أن أصبح وجه شقيقه والكعكة شيئًا واحدًا. ثم أبعد يده وهنا هتف نضال ساخرًا تحت ضحكات دياب: "صدقًا، عائلة خطاب هي أكثر أشخاص تصيبه بالضحك تلك الفترة. وأنتَ طيب يا حبيب اخوك، قولي بقا أبوك فين؟ تمتم سلامة وهو يضع يده على وجهه يحاول أن يمسح أي شيء ولكن ليس هناك فائدة، تلطخ وجهه وعنقه بالكامل:

"والله ما أعرف، أنا مشفتهوش من ساعة ما نزلنا من عندهم ولا حتى بيرد عليا، أنا كمان وبعدين هو اللي دبسك مش أنا، أنا مكنتش أعرف أن الأمور هتوصل لكده." ثم تحدث سلامة بنبرة أغضبت نضال حقًا: "وبعدين يعني حد يطول يتجوز واحدة زي سلمى؟ صرخ نضال في وجههما بطريقة جعلت سلامة ينتفض حتى أنه سقط على دياب الذي صاح مستنكرًا: "هو كلكم هتقولولي هو أنتَ تطول؟ ليه شايفين أن مفيش واحدة تقبل بيا يعني؟ ولا حد دافعلكم فلوس؟ مش فاهم مالكم؟

تحدث سلامة بنبرة خائفة: "قطع لسان اللي يقول كده، هو في واحدة تطول تتجوز نضال زهران خطاب ده؟ أمها تكون دعت ليها في ليلة القدر، مش كده يا دياب؟ تحدث دياب بانزعاج وهو يحاول أن يدفع سلامة عنه: "كده أه، بس أبعد عني وقوم الله يخربيتك السويشيرت أبيض ووشك بينزل كريمة وشيكولاته عليه." ثم تحدث بنبرة جادة تناقض ما يحدث: "أنا نفسي أعرف إيه نوع الصنف اللي بتضربه أنتَ وابوك."

نهض سلامة واقترب من نضال هاتفًا بوقاحة وهو يرفع هاتفًا بطريقة جعلت نضال على وشك أن يقتله: "يلا صورة حلوة لينا إحنا التلاتة بمناسبة عيد ميلادك." *** بعدما أخذ سلامة حمام عميق ودافئ من أجل أن تذهب الحلوى والكعك من وجهه ورأسه وعنقه، كان يجلس على الأريكة بعد ذهاب دياب وبقى شقيقه في غرفته في الداخل. ها هو يضع الهاتف على أذنيه يتحدث معها بنبرة غاضبة ولكنه حرص على أن تكون خافتة قدر المُستطاع:

"أنتِ فين يا ست هانم من ساعة ما كنت عندكم مفيش منك لا حس ولا خبر." ردت عليه جهاد بعصبية وصوتٍ اخترق أذنيه: "وهو أنتَ كنت اتصلت بيا ولا عبرتني وأنا مردتش عليك؟ غمغم سلامة بانزعاج كبير: "أنا اللي المفروض أتصل ولا أنتِ؟ اللي المفروض تفهميني إيه اللي حصل ده؟ أبوك امتى ظهر ويعني إيه رادد أمك وأنتِ قولتي مطلقين من زمان وعشان كده كان الاتفاق مع أمك وخالك." تحدثت جهاد بغضب واضح وعصبية مُفرطة، أحداث اليوم كانت صعبة عليها:

"طلعت بكدب عليك تعمل ليا إيه بقا؟ أنا كدابة وكنت بحور عليك أنا وأهلي." صاح سلامة باسمها مستنكرًا وغاضبًا من كلماتها: "جــهــاد متعصبنيش واتكلمي عدل." ردت جهاد عليه بغضب وشراسة لم تدوم طويلًا: "بلا جهاد بلا زفت بقا." لم تستكمل كلماتها بل غرقت في نوبة بكاء مريرة وهذا ما غير المعادلة تمامًا وسلامة يسمعها هاتفًا باختناق: "بتعيطي ليه دلوقتي طيب؟ غمغمت جهاد بألم واضح ونبرة تائهة:

"كده علشان أنا تعبانة ومش عارفة أتكلم ومش عارفة الصح أتكلم معاك ولا لا في أمور مينفعش أقولها." صمت سلامة ولمدة ثواني فقط، شعر بالندم الشديد. لم يكن عليه أن يغضب عليها ويتحدث في بادئ بتلك الطريقة، يبدو أن هناك أشياء كثيرة لا يفهمها، وهو تحدث بطريقةٍ سطحية. "طب اهدي طيب، خلاص أنا مش عايز أعرف حاجة مدام مش حابة تتكلمي، بس اهدي على الأقل وكل حاجة هتتحل." بكت أكثر وهي تغمغم بقلة حيلة: "كل حاجة هتتحل إزاي بس؟

سلمى سابت البيت وقافلة موبايلها كمان ومش عارفة أوصل ليها." ردد سلامة كلماتها بعدم فهم لتجذب أذن نضال الذي ولج إلى المطبخ المفتوح: "يعني إيه سابت البيت وقافلة موبايلها؟ ليه كل ده؟ تحدثت جهاد بانزعاج واضح:

"مش عارفة، أنا خايفة عليها أوي، دبت خناقة مع بابا بعد ما مشيتوا، واللي فهمته أن في واحد أخو صاحبتها كان قايلها أنه عايز يتقدم ليها بس هي معرفتش حد ورفضته من برا برا والواد وصل لعمامي وهما وصلوه لأبويا وهي مش عاجبها كل ده." تمتم سلامة بنبرة مرتفعة يقصدها وهو يشعر بحركة نضال في المطبخ لكن لم يظهر ذلك: "يعني هي موافقة على نضال بس مش موافقة على الراجل التاني؟

"معرفش، هو الخناقة كلها على الواد التاني ده، وبعدين مش هي دي المشكلة بقا، أنا قلقانة عليها ومش عارفة أعمل إيه، وماما ضغطها علي واغمى عليها، بس الحمد لله فاقت يعني وروحنا الصيدلية قيسنا الضغط ورجعنا." هتف سلامة بتردد: "ألف سلامة عليها، وبالنسبة لـ سلمى يمكن راحت عند صحابها يا ستي حبت تفصل شوية ومفيش حاجة، متفكريش بطريقة وحشة." جاءه صوت جهاد وهي تشعر باحباط شديد:

"مش عارفة يا سلامة، إحنا كلمنا صحابها اللي تعرفهم بس هما مش كتير، سلمى معندهاش صحاب كتير، وكلهم قالوا ميعرفوش حاجة، وماما حلفتهم، خافت أحسن يكونوا بيقولوا كلام وخلاص وهي معاهم." تمتم سلامة بقلق هو الآخر بدأ يستشعره: "الساعة لسه تسعة، يمكن جاية ومتقلقيش نفسك على الفاضي، طب أنتِ شاكة في مكان أو حاجة؟ في حاجة أقدر أعملها طيب أجيلكم؟ أنزل أدور عليها." هتفت جهاد بنفاذ صبر وهي تمسح دموعها:

"هتنزل تدور فين بس، هو إحنا عارفين حاجة أصلاً؟! أنا هقفل معاك وهتصل بخالو يمكن يكون كلمته وهو أقرب حد ليها، ولو وصلت لحاجة هكلمك." قال سلامة بجدية: "ماشي، اقفلي وكلميه ولو في أي حاجة اتصلي بيا أي وقت، ماشي؟ "حاضر." "افتكري إني موجود، سلام." "سلام."

هكذا انتهت المكالمة بينهما ليشعر سلامة بالضيق من أجلها، هو لا يتحمل بكائها أبدًا بالرغم من مشاكلهما الكثيرة، لكنها قصيرة الأمد لأنه لا يتحمل فراقها أو الابتعاد عنها أو معرفة أنها حزينة. يعلم أن هناك الكثير من الأشياء مفقودة، فهي قصت الجزء الخاص بسلمي فقط، لكنها لم تخبره شيئًا عن أبيها. ليكون صادقًا، هو كان يريد أن يخرج شحنة من غضبه في المقام الأول، وفي المقام الثاني لأنه يغار.

نعم، يغار من رجل يقطن في منزل خطيبته حتى ولو كان والدها، لأنه ببساطة لم يراه أبدًا، كأنه رجلًا غريبًا. لم يعتاد على وجوده معها. هناك شيء مفقود، وعلى ما يبدو أنها لا ترغب في الحديث في أي شيء، لذلك التزم الصمت ولم يسألها عن أمره كثيرًا. بينما في المطبخ كان نضال يقف ينظر ناحية كوب الشاي الذي أسكبه منذ قليل، يحاول أن يراجع ما سمعه وشعر بالانزعاج الشديد من اختفاء سلمى. ومن العريس الآخر؟ ما الذي يحدث من الأساس.

هو يشعر بألم شديد في رأسه من كثرة الأمور الغريبة الذي يمر بها تلك الأيام. سؤال واحد يأتي في عقله: أين ذهبت تلك الفتاة؟ عليه أن يفكر. *** تجلس ريناد في الشرفة تضع السماعة في أذنيها بعدما تناولت العشاء برفقة المرأة التي تكون قريبة لها ورفقة تلك الفتاة التي لا تعلم من أين ظهرت لها. هل كان ينقصها شخص آخر يدخل إلى تلك الشقة الصغيرة جدًا؟

هي لم تعتاد على بهية قط، لكن انتهت حلولها حينما رفض خالها مساعدتها، بل حاول أن ينصحها بأن تفعل ما يريده والدها وألا تغضبه أكثر من ذلك. هذا جعلها تذاكر طيلة الليل وتحاول أن تفعل أي شيء قد يُنسيها المكان التي تتواجد فيه، كما أن تلك المقاطع التي بدأت بصنعها على غير المتوقع، بدأت بعض الفتيات بمتابعتها وانتظار مقاطعها، وهذا الشيء أسعدها قليلًا وساهم في أن يشغل وقتها.

هي غاضبة إلى أقصى حد، حتى أنها بسبب الصداع الذي يصيبها، خلعت تلك السماعة وبمجرد أن خلعتها ووضعتها على الطاولة، نما إلى سمعها صوت حوار يأتي من الطابق العلوي. من شرفة منزل دياب. "الحمد لله الدكتور طمنا يا دياب، وبإذن الله بعد الجلسات وتعمل المسح الذري هتكون كل حاجة كويسة يا حبيبي." قالت إيناس تلك الكلمات بعدما تركت أطفالها أمام التلفاز وشقيقتها تذاكر في الغرفة، أما والدتها خلدت إلى النوم قليلًا. تمتم دياب

بعدما سحب نفس من سيجارته: "يارب يا إيناس يارب." هتفت إيناس بنبرة هادئة ومتفائلة أو تحاول صنعها بالرغم من قلقها وخوفها الكبير الذي رُبما يفوق الجميع: "إن شاء الله خير يا حبيبي، ربنا مش هيخذلنا أبدًا، هو اختبار وهنعدي منه إن شاء الله." "إن شاء الله." ثم تنهد دياب وتمتم بعدما أطفأ سيجارته: "كام اختبار الواحد هيعدي منه يا إيناس؟

لما أبويا مات قولت ده اختبار، لما سيبت الشغل قولت ده اختبار، لما عرفت اللي حصل لأمك ده اختبار، كل ما أروح في شغلانة متقبلش أقول ده اختبار، سيبت ليلى وقولت ده اختبار، كام اختبار الواحد هيعدي منه؟ أسئلته كانت استنكارية بشكل رهيب، هذا ما جعل إيناس تضع يدها الحنونة على كتفه متحدثة بنبرة قوية:

"إحنا في دار بلاء يا دياب، كل اللي إحنا فيه ده طبيعي، محدش هنا علشان يلاقي السعادة ولا إحنا في الجنة، الحياة يوم حلو ويوم مُر، السعادة الحقيقية والنعيم مش هنا أبدًا، وكل الناس بتمر باختبارات باختلاف حياتهم وظروفهم، وكل ده علشان نأخذ جزاء عليه في الأخرة، أنتَ راجل مؤمن يا دياب، متقولش كده تاني ولا حتى بينك وبين نفسك." انزعج من نفسه أكثر مما انزعجت هي، مما جعله يعقب بنبرة خافتة: "حاضر." سألته إيناس بنبرة جادة:

"أنتَ بطلت تصلي ولا إيه يا دياب؟ أجابها دياب بـ حرجٍ: "بقطع، بحاول أستمر." "ارجع صلي تاني يا حبيبي، وارجع دياب اللي أنا أعرفه اللي مهما دق على رأسه هو واثق أن ربنا مش هيسيبه وهتتحل، متسيبش للشيطان فرصة يدخل ليك منها." هز رأسه بإيجاب وهو ينوي فعلاً بأن يفعل هذا. حاولت إيناس أن تغير الموضوع هاتفًا بعد دقائق من الصمت الذي طال بينهما: "كلمت ليلى من بعد ما فشكلتوا ولا حاجة؟ أردف دياب بتلقائية:

"لا طبعًا، هكلمها أقولها إيه؟ هي بعتتلي عامل إيه على الواتس بس مردتش عليها وبحاول أمنع نفسي من إني أرد عليها." غمغمت إيناس بتردد: "هي كانت بتحبك، أنا متأكدة من ده، بس موضوع شغلك على التوكتوك ده اللي جنن أمها." تحدث دياب بنبرة قوية وهو يشعل سيجارة جديدة:

"مبقاش له لازمة الكلام يا إيناس، وبعدين أنا كان لازم ألاقي حل علشان مصاريف البيت، ربنا يوفقها في حياتها وتلاقي نصيبها، في أمور بتخلي الناس يفشكلوا وأنتِ مش فاهمة ليه يسيبوا بعض مع أنهم بيحبوا بعض، بس اتضح أن كلمة الناس الكبيرة أن الحب لوحده مش كفاية كان عندهم حق." "ربنا يصلح ليك الحال يا دياب، زي ما أنتَ طول عمرك ومن بعد أبوك شايلنا وشايل حملنا، هيجي في يوم والدنيا هتضحك لك إن شاء الله." غمغم دياب بنبرة

مرحة وهو يتذكر كلماتها: "بس أنا عايز أدخل الجنة، مبقتش هماني الدنيا." "بإذن الله ربنا يرزقك بيها، ويصلح حالك في الدنيا ويعلي من شأنك ويعوضك ويكرمك." ضحك دياب بنبرة هادئة: "تعرفي الإنسان امتى بيكبر؟ سألته إيناس بفضول لمعرفة إجابته: "امته؟ تحدث دياب بنبرة عفوية:

"لما بيكون نسخة من امه وابوه، وبيعمل التصرفات اللي كانت بتضايقه منهم، لما كبرت وبقيت بعمل كل حاجة أبوك بيعملها معانا مع حور علشان تذاكر وفي كل تفصيلة في البيت، حتى يوم إجازتي أقعد أفك البيت حتة حتة وأصلحه، لما بشوفك مع عيالك وبتتعاملي معاهم زي ما أمك كانت بتعمل بالظبط، حتى دلوقتي كلامك ودعواتك." كان في الطابق الثالث شقيق يفضي ما في نفسه ويتحدث هو وشقيقته عن أوضاعهم وما يحدث في حياتهما.

بينهما في الطابق الثاني كان هناك فتاة مدللة كما يصفها الجميع، تسمع معاناة حتى ولو بطريقة سطحية غير عميقة، لكنها كانت كفيلة أن تشعر بالغضب من نفسها أنها كانت السبب في أن يترك عمله، ويبدو أنه في حاجة ضرورية وماسة إليه. ارتكبت حماقة كبيرة وسوء في حقه، قامت بأذيته دون أن تدري. كلماتهم ترن في صغاها وتشعر بالاختناق أكثر وأكثر، تحديدًا تلك الفتاة التي لا تعرف هويتها، لكنها قالت كلمات مستها بشكل مخيف. ***

جدول عملياته مزدحم إلى حدٍ كبير. لا يستطيع أن يأتي على الغداء، ولكنه يحرص على الاتصال بهما طوال الوقت. وكان لدى نسمة صديقة مقربة من إحدى الجيران، على الرغم من الحالة الصحية لنسمة واختلافهما في كثير من الأمور، إلا أن صداقتهما لم تنقطع. لكنها في الفترة الماضية كانت خارج البلاد مع والدها، وتزامنًا مع عودتها أصبحت تأتي يوميًا لزيارة نسمة وقضاء بعض الوقت معها في فترة غياب جواد. كان هذا ما يجعله مطمئنًا قليلًا.

مع وجود منيرة طوال الوقت تقريبًا. لأنه لا يستطيع اللحاق بالغداء، يحرص على أن يأتي في وقت العشاء وهي تكون في انتظاره حتى ولو تأخر. وها هو يجلس معها على الطاولة يتناول العشاء معها بلا شهية ولكنه مجبر على التناول. لم يعد له شهية لأي شيء، حياته أصبحت مريبة، تغيرت بين ليلة وضحاها. موت والده جعله يرى الحياة بعين أخرى. لم يعد يرغب في زواج زائف، أو علاقة مؤقتة، أو أن يكذب على نفسه بأنه قد وجد الحب الحقيقي.

أصبح كل شيء في عينه غير حقيقيًا بعد كل ما مر به. فهم أنه كان يحاول أن يوهم ذاته بمشاعر غير موجودة عند الطرف الآخر. فهم بأن كل ما كان يعيش فيه مع زوجته أو مع أحلام كان غير حقيقيًا بالمرة. لذلك لم يرغب في أن يظل متمسكًا بخيوط مقطوعة من الأساس أو حبال دائبة أو علاقات زائفة. من وسط تفكيره فيما مضى وفيما سوف يحدث. قاطعت نسمة هذا الصمت الرهيب ببراءة واضحة وشفافية عالية، كل ما يقع على لسانها تتفوه به دون تفكير:

"أنتَ طلقت رانيا؟ ترك جواد الملعقة التي كانت تتواجد بين أصابعه متحدثًا بنبرة هادئة رغمًا عنه، فهو لا يخرج غضبه أو ضيقه حتى عليها، يحاول أن يفعل ما فعله والده معها: "أنتِ مين اللي قالك يا نسمة؟ أردفت نسمة بتوضيح وكلمات تخرج منها ببطء: "هي جت تلم هدومها مع صاحبتها، أكيد منيرة مرضتش تقول ليك علشان متضايقش." تحدث جواد بنبرة واضحة وهنا خرجت كلماته منه بعصبية وهو يفكر بأنها قامت بالاحتكاك مع نسمة بطريقة أزعجتها:

"كلمتك أو قالتلك حاجة؟ هزت نسمة رأسها نافية ثم غمغمت بنبرة غير سريعة تمامًا تأخذ وقتها بين كل كلمة وأخرى: "لا، كنت قاعدة مع هايدي، أنا قولت أنكم أطلقتوا فهي جت تاخد أي حاجة ليها." رد جواد عليها مختصرًا: "اطلقنا أه." عليه أن يتحدث مع الجميع.

يجب عليهم أن يخبروه بمن يدخل المنزل أو يخرج منه، لكن الخطأ ليس خطأهم، بل كان الخطأ منه هو لأنه لم يخبر أحدًا بأنه تم الطلاق بينهما حتى الآن، لذلك وجد الجميع دخولها المنزل شيئًا طبيعيًا. تحدثت نسمة بلا تردد أو خوف، هي لا تسيطر على كلمتها: "علشاني؟ أصل هي مكنتش بتحبني." صمتت لثواني وهو ينظر لها وانزعاجه من رانيا يتفاقم بشكل مُريب، لكنها ختمته بنبرة عفوية من الدرجة الأولى: "ولا كانت بتحبك." نظر لها جواد بدهشة.

يا ليت جميع البشر يشعرون كشقيقته، ويمتلكون من الشجاعة والجسارة وعدم الخوف من قول مشاعرهم والحقيقة دون تزييفها مثلها. أمسك جواد كف شقيقته الممتلئ والصغير قليلًا تاركًا قُبلة فوقه، محاولًا قول أي شيء غير أن رانيا لا تحب نفسها من الأساس. "مفيش حاجة حصلت علشانك يا نسمة، الموضوع ده من زمان كان المفروض يخلص. إحنا مكناش مناسبين لبعض لا أكثر ولا أقل، متحطيش حاجة في بالك ولا تركزي في حاجة."

ثم ابتسم لها وهو يحاول تغيير الموضوع هاتفًا: "هايدي بعتتلي أنها عايزة تخرج معاكي بكرة، أنتِ إيه رأيك؟ هزت نسمة رأسها بإيجاب متحدثة بلهفة طفل غير مصطنعة: "أيوة عايزة أخرج معاها." "ماشي بس منيرة تروح معاكم علشان أكون مطمئن عليكي." تمتمت نسمة بهدوء: "ماشي."

بعد تناول العشاء ولج جواد إلى الغرفة مع شقيقته ظل جالسًا معها، يتحدث معها إلى أن خلدت إلى النوم ليترك قُبلة على رأسها وبعدها يدثرها بالغطاء ويغلق المصابيح ثم غادر من الغرفة متوجهًا صوب الغرفة. وقبل أن يخلع ملابسه وجد اتصال من شقيقه الأكبر عماد، أجاب: "الو، إزيك يا عماد عامل إيه؟ "الحمد لله بخير، وأنتم عاملين إيه؟ رد جواد عليه بهدوء: "الحمد لله إحنا كويسين." سأله عماد بحذر واضح: "أنتَ طلقت رانيا؟

تحدث جواد ساخرًا وهو يفتح مكبر الصوت حتى يخلع ساعته وهو يحدثه: "ما شاء الله، الخبر تخطى حدود بيتنا ومصر والدول المجاورة ووصل للصين." رد عماد عليه ببساطة: "رانيا منزلة على الفيس ولسه جيهان قايلالي أنها منزلة أنها بقت سنجل." "آه اطلقنا." "ربنا يعوضك بالاحسن، الصراحة أنتم الاتنين مكنتوش نافعين مع بعض، ما علينا دي حياتك وأنتَ حر فيها، المهم أنا كنت متصل علشان حاجة تانية أساسًا." سأله جواد بفضول: "حاجة إيه دي؟

"كنت حابب نسمة تيجي تقعد معانا فترة وتغير جو، حاسسها هتكون فرصة كويسة ليها جدًا وممكن منيرة تيجي معاها وأحجز ليهم هما الاتنين، أنا معرفش في إجراءات معينة ولا لا بخصوص حالة نسمة بس يعني سهلة نسأل ونشوف." تحدث جواد بقلق أب تلك المرة: "بس نسمة عمرها ما سافرت يا عماد، وكمان السفر للصين بيعدي الـ اثنى عشر ساعة."

"مش عارف بس حاسس أنه عادي، نسمة حالتها مش سيئة للدرجة دي، أنا قولت تغيير جو ليها وكنت بفكر آخدها ونسافر أنا وهي والولاد إسبانيا كام يوم، وبعدين أنا لو عليا عايزك أنتَ كمان تيجي معاها بس هتفضل تقولي الالتزامات اللي عندك زي كل مرة." "مش عارف يا عماد خليني أفكر برضو وآخد رأي الدكتورة بتاعتها." "تمام يا جواد شوف وعرفني." بعد دقائق انتهت المكالمة بين جواد وعماد.

وما أن كاد يفتح أزرار قميصه حتى يغير ملابسه وجد اتصال من طبيب يعمل معه في المستشفى تحديدًا في الطوارئ. "الو." "الو يا دكتور؛ أسف لو صحيتك من النوم." رد جواد عليه ببساطة: "أنا مش بنام دلوقتي لسه، في إيه؟ "جواد عز الدين." من أهم الأسامي، كما كان والده في مصر الذي يتم ذكر اسمها، ولذلك عند الحالات الصعبة يتم اللجوء إليه.

"في حالة جت في الطوارئ ولازم تدخل عمليات حالا، في رصاصة في الرئة تقريبًا واعتقد حضرتك لازم تيجي، الوضع صعب ودكتور جورج تعبان وحالته الصحية حرجة." "جهزوا العمليات وجهزوه وأنا جاي حالا." *** "أكل العسل حلو بس النحل بيقرص، شرب الدواء مر بس بيشفى ويخلص، في لحم تأكله، لحم يأكلك." يدندن زهران تلك الكلمات بمزاج رائق بعدما ولج إلى الشقة. الشقة الذي يجلس فيها مع زوجته، ليس شقة نضال وسلامة.

وضع الأرجيلة الخاصة به في إحدى الجوانب وأغلق الباب خلفه، ثم مد يده ليضغط على الزر حتى يتم فتح المصابيح، وما أن فعل حتى خرجت منه شهقة واتسعت عينه بذهول وهو يجد نضال يقف أمامه وينظر له بأعين مخيفة. "بسم الله الرحمن الرحيم." ثم استرسل زهران حديثه وهو يبتلع ريقه محاولًا أن يعود إلى توازنه مرة أخرى: "أنتَ بتعمل إيه هنا؟ وبعدين حرام عليك عايز تقطع لأبوك الخلف يا نضال يا ابني لما تخضني كده؟ تحدث نضال بنبرة منفعلة:

"خلف إيه اللي بتتكلم فيه، أنتَ كنت فين طول اليوم؟ تمتم زهران بنبرة هادئة ولا يدري من أين أتى بها: "كنت واخد البت كريمة في مشوار كده، قولت أغير جو، وبعدين مالك أنتَ؟ أنا اللي أبوك وأسألك روحت فين وجيت منين، مش أنتَ اللي تسألني." الحقيقة هي بأنه كان يخشى العودة إلى المنزل. لذلك عاد في هذا الوقت المتأخر من الليل، قُرب منتصف الليل. حتى يتجنب الشجار مع نضال اليوم أو حتى الحديث معه. غمغم نضال بعدم فهم: "كريمة مين؟

أردف زهران بنبرة جادة وهو ينظر له: "الشيشة." ضيق نضال عيناه وهو يحاول أن يستوعب ما يسمعه تحديدًا ووالده يسترسل حديثه بجدية شديدة: "أصلي قولت برضو إزاي بعد العمر ده كله والأصيلة الغالية الكريمة معايا فيه، بقالها سنين، من ساعة ما الأولى اتكسرت وهي بترافقني في كل مكان، قولت إزاي مسميتهاش لغاية دلوقتي؟ قولت لايق عليها كريمة." سأله نضال بوضوح قاطعًا هذا الهراء كله: "إيه اللي عملته؟ إزاي تعمل كده وتقول كده؟

تمتم زهران بنبرة جادة وهو يعقد ساعديه ويتحدث بأسى شديد: "متفكرنيش يا نضال يا ابني باللي حصل؛ طول اليوم بحاول أنسى وأشرب حجر ورا الثاني، والثالث ورا الثاني، ومفيش حاجة بتقلل الألم اللي أنا فيه." تحدث نضال بنبرة غاضبة إلى أقصى حد ولكن بالرغم من ذلك كان يحاول السيطرة على ذاته بألا يعلى صوته عن صوت أبيه، هو يجاهد لـ يحافظ على نبرته بصعوبة شديدة: "أنتَ مدرك عملت إيه؟ ودبستني في إيه؟

غمغم زهران مدافعًا عن نفسه ببساطة شديدة وهو يتخطاه ويذهب ليجلس على الأريكة: "أومال أنا أعمل إيه؟ وأنا رايح أخطب حب عمري وفاكرها سنجل طلعت متجوزة، شوف اللي حاصل في قلب أبوك قبل ما تدور على نفسك." ثم صرخ في وجهه وهو يجده ممسكًا الأرجيلة بيد واحدة مما جعله ينهض من فوق الأريكة: "سيب كريمة." تمتم نضال ساخرًا: "ولا هسيب كريمة ولا هسيب سماح، أنتَ دبستني ومش هتشوف كريمة تاني." اقترب زهران من ولده هاتفًا:

"كله إلا كريمة، خلاص حقك عليا، وبعدين ذنب كريمة إيه يا ابني؟ مهوا أنتَ اللي جيت وأنا بتكلم، إلا صحيح إيه اللي جابك؟ تحدث نضال بجنون: "جيت بسبب ابنك، هو اللي بعتلي رسالة وقالي أجي علشان ألحق اللي بتعمله." ضحك زهران ثم غمغم بجدية وتشفي: "شوف ربنا، جيت تمنع جوازتي بحب عمري اللي طلعت متجوزة، أنتَ اللي ادبست مهوا اللي حصلك ده مش من شوية، من نيتك السوداء أنتَ واخوك، بلاش تلومني أنا، أنا كل اللي عملته إني بحفظ ماء وجهي."

رفع نضال الأرجيلة إلى أعلى ثم نزل بها إلى أسفل وهي مازالت بين يديه مما جعل زهران يتحدث بملامح خائفة: "قلبي هيقع في رجليا يا ابني، سيب كريمة علشان نعرف نتفاهم." "ده أنا هكسر كريمة وابنك اللي فوق ده مش هسيبه علشان هو السبب الأساسي في الموضوع." تحدث زهران بخوف وهو يجد يد ابنه ارتفعت مرة أخرى: "طب سلامة عادي هو السبب، لكن كريمة مكنتش حاضرة الواقعة، كن منصفًا يا سيدي القاضي." غمغم نضال بنبرة متشنجة:

"إيه يا عم زهران الساهر، هو أنتَ هتغنيلي." أردف زهران بنبرة جادة للغاية: "يكون في علمك بقا كريمة لو حصلها حاجة مش هسامحك لآخر يوم في عمري، وكل يوم والعربيات ماشية بالخرفان والعجول هخليهم يعرفوا المنطقة كلها إني اتبريت منك." ترك نضال الأرجيلة متحدثًا بنبرة هستيرية: "حضرتك قاعد بتهزر، وبجد مش مستوعب إيه اللي أنا عملته؟ تمتم زهران بجدية بالغة:

"أنا مش شايف إني عملت أي حاجة يعني، طول ما البت مطلعتش متجوزة زي حالاتي يبقى إحنا في السليم، وآمالك متحطمتش زي أبوك يبقى الموضوع بخير، وبعدين دي جوازة ليه محسسني إني كنت بقدم لك على طلب الإعدام؟ تحدث نضال بجنون حقيقي وهو يضع يده على مؤخرة رأسه: "كل حاجة عندك سهلة كده." "مهوا مفيش أسهل من الجواز." "اتجوز واحدة لا بحبها ولا... قاطعه زهران وهو يحمل كريمته أو أرجيلته ويضعها بجواره على الأريكة متحدثًا بنبرة شاعرية:

"طب تصدق أنا اتجوزت سميرة جوازتي الرابعة بعد ما شوفتها مرتين بس، في الثالثة كنت بتجوزها، الله يمسيها بالخير إن كانت عايشة ويرحمها إن كانت ميتة." ابتلع ريقه وهو يزيد من اشتعال نضال هاتفًا: "وكانت حب عمري وأسعد جوازتي؛ وبعدين سلمى أدب وأخلاق وجمال تلاقي فين زيها تاني أصلاً؟ لولا أنها كده مكنتش قولت اللي قولته مهما كنت تحت ضغط، أنا أصلاً كنت من فترة هقترح عليك الموضوع، أنا شايفها فعلاً بنت متعوضش." صاح نضال بنبرة ساخرة

وهو يضع يده على الطاولة: "ما كفايا أنتَ وحب عمرك وكريمة علشان أنا على آخري؛ ومش كل ما أكلم حد يحكيلي قد إيه هي متعوضش." تحدث زهران بنبرة دبلوماسية: "أنا عارف إني غلطت بس كنت مضطر، أنا شايف أنك تطلع تهدى وتحاول تنام كده، ونتكلم وقت تاني علشان مش هنوصل لحل وأنتَ بالمنظر ده." كان هذا أكثر شيء منطقيًا خرج من فم والده بعد هذا اليوم العجيب وكان ينفذ ما قاله بعدما استدار وسار بضعة خطوات ليسمع زهران يطلب منه بأدبٍ:

"ما تولعلي على الفحم كده وأنتَ واقف بدل ما أنزل أقعد أقابل عمك أحمد إسماعيل على القهوة من ساعة ما طلقت وهو مش لاقي شغل كنت بشغله أنا." أستدار نضال ينظر له بأعين غاضبة ومتشنجة، مغتاظة إلى حدٍ كبير مما جعل زهران يقترح بتوتر: "لا خلاص يا حبيبي، أطلع أنتَ وأنا هقوم أولع على الفحم أو أنا أصلاً نازل مع ألف سلامة، خلي بالك من نفسك وأنتَ طالع على السلم." *** في منتصف الليل تقريبًا. كان نضال يقف مع دياب، وسلامة أمام شقة بهية.

تحدث سلامة ساخرًا: "والله هطلع شكلنا زي الزفت يا نضال، استحالة تكون سلمى قافلة موبايلها وسايبة البيت علشان تستخبي في الشارع اللي ورانا، هيبقى شكلنا قدام الناس زي الزفت وأحنا جايين ليهم في نص الليل." تمتم دياب هو الآخر بنبرة جادة بعدما اتصل به نضال وأخبره بأنه قادم ولخص له الأمر وشكوكه بأن تكون سلمى هنا:

"والله أنا مكسوف من اللي هقوله ده بس أنا بتفق مع سلامة النهاردة وحاسس أنه بيتكلم صح، اتفقت مع ابوك وسلامة في يوم واحد مش مصدق اللي بيحصل." "ممكن مسمعش صوتكم وتخرسوا شوية." أنهى نضال جملته وضغط على زر الجرس. كانت بهية تنام من بعد العشاء وكذلك ريناد خلدت إلى النوم مبكرًا لديها محاضرات في الثامنة صباحًا.

كانت الوحيدة المستيقظة هي سلمى، فحاولت النظر في تلك الأعين السحرية كما يسمونها الموجودة في الباب لمعرفة الطارق لتجد رؤيتها مشوشة تمامًا فسألت: "مين؟ شعر دياب وسلامة بالبلاهة، كان نضال محقًا، هي هنا. اتضح كل شيء بعدما سمعوا صوتها. لكز نضال يد دياب فغمغم دياب وهو يقلد صوت الصبي الذي يأتي بالمكوجي: "أنا المكوجي جايب حاجات ست أبهال." صمت لثواني يحاول تذكر اسمها: "أقصد ريناد." "أوك ثواني وهفتح دقيقة."

ضحك سلامة رغمًا عنه فوضع نضال كفه على فمه. فتحت سلمى الباب بحسن نية بعدما أرتدت خمارها بشكل غير مهندم لكنه يفي بالغرض. لتجد ثلاثة شباب يقفون أمامها. يتبع…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...