ذكروا الله. دعواتكم لأهلكم في فلسطين والسودان وسوريا ولبنان وجميع البلاد العربية. بداية القصة دومًا ما تصف علاقة البطل والبطلة أو حتى مشهد قد يثير الفضول بداخلك لمعرفة الحكاية، لكن البداية هنا مختلفة سوف نبدأ بالتحضير إلى الهجرة...
إيطاليا.. هي الوجهة التي سوف يتجه لها طارق البالغ من العمر سبعة عشر عامًا عن طريق الهجرة الغير شرعية، أصبحت كل الطرق أمامه مسدودة، ويريد أن ينفق على عائلته بعد وفاة والده، لذلك حاول تدبير ما تحتاجه تلك السفرية من نقود والآن يجلس في وسط أصدقائه المقربين جدًا، بعدما قام نضال بدعوتهما على العشاء في أحد المطاعم توديعًا له، رغم انزعاجه الشديد هو ودياب من أمر سفر طارق لكنه كان مصممًا ولم يستطع أحد أن يفرض عليه رأيه؛ هو أعلم بظروفه واحتياجاته في النهاية، طارق، دياب ونضال في المرحلة العمرية نفسها، يسكنون في المنطقة ذاتها، طارق ونضال في نفس الشارع
-شارع خطاب -أما دياب يقطن في شارع آخر لكن في المنطقة نفسها. تمتم طارق بعدما انتهى من تناول الطعام كحال دياب ونضال: -إيه التكشيرة دي؟! أردف دياب بنبرة جادة مصرحًا بمخاوفه: -علشان مش موافقينك على اللي بتعمله ده وأنتَ عارف من الأول السفر بالطريقة دي غلط، كام مركب غرقت يا طارق؟!!! بلاش أقولك على اللي هيحصل بعد كده من بهدلة ليك. صمت حل على الجميع حاول طارق القضاء عليه وهو يهتف بنبرة حاسمة:
-اللي هيحصل هنا بهدلة وهناك بهدلة ومحدش ضامن عمره يا دياب أهم حاجة إني أعرف أصرف على أمي وإخواتي مكنش قاعد جنبهم حاسس بالعجز. قال نضال أخيرًا وهو يشعر بأن المحادثة قد تتخذ منحنى غير جيد: -خلاص مبقاش يفيد الكلام في حاجة طارق خلاص مسافر بكرا، إن شاء الله يوصل بالسلامة ويطمنا عليه. عقب دياب على حديث نضال بنبرة هادئة: -يارب. أردف طارق بنبرة هادئة وهو ينظر لهما بحب حقيقي وتقدير؛ هما ليسوا أصدقاء فقط بل أشقاء:
-أول ما أوصل إن شاء الله هطمنكم عليا وان شاء الله هكون معاكم على تواصل علطول أنا عمري ما هتخلى عنكم أنتم حياة طارق وصحبته وعشرته الحلوة. ابتلع ريقه ثم تحدث بحسرة وهو يتذكر شقيقه الأكبر: -أنا كمان سايب عيلتي أمانة ليكم أحلام وأسراء وأمي هنا وأنا مش قلقان عليهم علشان أنتم هتكونوا في ظهرهم مكاني، أنتم عارفين أخويا أشرف مع أنه الكبير بس إيده والقبر ملهوش دعوة بأي حاجة مراته مخليانا نشوفه في المناسبات والحياة وخداه.
رد نضال عليه بهدوء: -أمك وإخواتك في عيونا يا طارق متقلقش ولا تشغل بالك أهم حاجة تخلي بالك أنتَ على نفسك. تحدث طارق بنبرة متألمة لم يفهم أو يستشعر أحد ألمها أو يعرف سببه غيره هو، ولكنه قالها وهو يمرح معهما: -إن شاء الله بس تفضلوا قاعدين مستنيني لغاية ما أعرف أنزل إجازات وأحضر فرحكم وبلاش يا نضال تستعجل ما أنا عارف أول واحد هتجوز فينا والعروسة موجودة. تمتم نضال بنبرة عادية: -يا عم لسه بدري على الكلام ده وبعدين..
قاطع دياب هذا الحوار ساخرًا: -آه نقعد فوق الثلاثة عشر سنة علشان نتجوز ساعتها نكون هنركب طقم سنان نضال عايز يستنى يستنى أنا هتجوز أول واحد فيكم أخلص بس الدبلوم الفقري ده وأعمل المعادلة وأدخل الجامعة ويحلها الحلال ساعتها....... تم توديع مسافر ومرت سنوات....
وطارق في غربته لكن كما وعد الثلاثة بعضهم لم تنقطع العلاقات أبدًا، وظل على تواصل معهم يوميًا، كانوا هم الونيس له في رحلته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وظل طارق يعمل كل شيء تخيله أو لم يتخيله من أجل أن ينفق على عائلته، كحال دياب لكنه لم يجد السفر حلًا بأن يجلس بعيدًا عن عائلته وما جعله يتأكد من أن اختياره كان صحيحًا حينما توفت والدة طارق ولم يستطع أن يهبط لتوديعها والسير في جنازتها بسبب سفره هربًا وسفره قبل قضاء الخدمة العسكرية.....
في صباح يوم جديد...
بعد صلاة الظهر ولج إلى محل الجزارة رغم أنه أصبح مسؤولًا عن المطعم المختص بالمشاوي "وحلويات الجزارة" الذي يُسمى خطاب والذي افتتحه قبل عامين فقط، إلا أنه يأتي إلى الجزارة أولًا يقوم بتجهيز المحل مع الصبيان التي تعمل معه مثل إخراج وتنظيف السكاكين اللذان يعملان بها، ويخرج اللحوم من الثلاجات معلقًا إياها بالخارج، نضال يبلغ الآن من العمر سبعة وعشرون عامًا، تخرج من كلية الحقوق لكنه لم يعمل بها، يمكث في المنزل الخاص به وعائلته، يجلس في شقة مع شقيقه الأصغر سلامة الذي يبلغ من العمر أربعة وعشرون عامًا، ويجلس والده مع زوجته التي ينسى عددها في شقة، وشقة أخرى تجلس فيها ابنة عمه سامية برفقة والدتها انتصار.
ما أن انتهى من تلك التجهيزات وقع بصره على سامية التي هبطت من البناية، لاحت شبح ابتسامة على وجهه ولم يفكر أو ينتظر أكثر مهرولًا نحوها، ملتهمًا المسافة بينهم ملقيًا على مسامعها تحية الصباح وهو يجدها تحمل حقيبتها الكبيرة التي تخص عملها ولا تفارقها: -صباح الخير يا سامية.. وقفت مبتسمة له بسمة صفراء معلقة على الاسم الأخير: -اسمي ساسو مش زفت سامية هقولهالك كام مرة؟؟ امتعضت ملامحه من أسلوبها الجاف قائلًا:
-هعتبر نفسي مسمعتش كلامك ولسانك الطويل اللي عايز قصة ده وقوليلي رايحة فين على الصبح كدة. قال الأخيرة متفحصًا هيئتها وزينتها البسيطة ردت بهزل مستهزءة به: -رايحة ألعب وبعدين أنتَ مالك أصلًا؟! تمالك أعصابه وغضبه بصعوبة بالغة مغمغمًا: -أنا مالي؟! هو أنتِ مبتعرفيش تكلمي زي البني آدمين؟ -لا مبعرفش ووسع بقى هتاخر على الشغل. تحدثت بصرامة تزامنًا مع صوت عمها زهران الذي كان يهبط في الوقت نفسه من المنزل وقاطع الحديث
وهو يحثها على الاقتراب: -فيه إيه يا ولاد على الصبح؟! الواد ده بيضايقك ولا إيه يا سامية؟! ابتسمت مجبرة واقتربت منه على مضض بينما ابتسم نضال؛ فمهما فعلت ستظل بنظرهم سامية وليست "ساسو". كاد نضال أن ينفي لولا اندفاع سامية تتحدث بغضب: -آه يا عمي أنا متأخرة لوحدي على الشغل وهو موقفني يعطلني زيادة وعمال يستجوبني. اقتحم نضال الحوار وهو يدافع عن نفسه: -بعطلك إيه ده أنا لسه كنت هعرض عليكي إني أوصلك. قالت سامية بعصبية:
-شكرًا مستغنية عن خدماتك. نظر لهما زهران بغضب حتى ينهي هذا الجدال: -خلاص يا سامية متبقيش حماقة كدة ويلا الحقي شغلك في أمان الله يا بنتي وعايزين نشوف حوار العربية ده بدل ما تركبي مواصلات وتتبهدلي أخدك وأختار ليكي أحسن عربية واللي تشاوري عليه. ابتسمت له بسعادة بالغة ثم تركت قبلة على وجنتيه متمتمة: -ربنا يخليك ليا يا أحلى عمو في الدنيا كلها. ثم قامت بتوديعه مغادرة المكان تاركة الآخر يشتعل، متحدثًا بنبرة منزعجة:
-هو أنتَ بتنصرها عليا يعني؟! رد عليه زهران بعقلانية: -البت مش هتيجي بالطريقة دي الستات بتحب اللي يأخذها على قد عقلها مش يقعد يستجوبها ويتخانق معاها في الرايحة واللي جاية أسالني أنا ما أنتَ عارف أبوك خبرة يا واد. أنهى حديثه وهو يبتسم ويغمز له يريد أن ينسيه ما حدث، ثم رفع زهران صوته وهو يشير إلى أحد الصبيان بنبرة متحفزة: -مش قايلكم نازل؟! محدش جهز الشيشة ليه؟! أما على الطرف الآخر...
خلعت سامية حجابها عن رأسها واستقلت سيارة أجرة بعدما ابتعدت مسافة مناسبة عن الشارع، وبعد نصف ساعة كانت تهبط منها، لتسير على قدميها قليلًا وعيناها تبحث عن المنزل المنشود والتي آتت كي تزين صاحبته من أجل زفافها الذي سيقوم الليلة؛ فهي تعمل خبيرة تجميل ولديها عدد كبير من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي.. انتشلها من شرودها وهي تتأمل الفيلا المقام بها حفل الزفاف، صوت الحارس مرددًا: -حضرتك مين؟!
-أنا الميكب ارتست مش هنا فرح ياسمين عادل؟ -أيوه اتفضلي، دقيقة هبعت حد لحضرتك يشيل الشنطة. هبط سلامة من المنزل ثم سار بضعة خطوات حتى توجه صوب البناية التي تسكن بها خطيبته جهاد برفقة عائلتها المكونة من والدتها يسرا وشقيقتها الكبرى سلمى، الجدير بالذكر بأن سلامة وجهاد تخرجا من الكلية نفسها، ويعمل الاثنان معًا في شركة خاصة بالسياحة؛ وفي الغالب يذهب الاثنان معًا إلا إذا حدث تغيير في "الشيفت"....
كان سلامة يسير معها كعادة كل يوم وهو يتحدث معها عن زوجة والده الجديدة أو السابعة، التي تختلف عن أي زوجة تزوجها بل هي أصغرهم.. كان رد جهاد خطيبته عليه لامباليًا: -هي أول مرة يا سلامة ابوك يتجوز، ده أنا من ساعة ما اتخطبنا ودي ثالث ست ابوك يتجوزها في أقل من سنتين، إيه اللي جد يعني؟! ده ابوك بيغيرهم ولا كأنه بيغير سكاكين الجزارة بتاعته اللي بتعمر معاه عن كده. تحدث سلامة بانزعاج واضح وسخطٍ:
-هو أنتِ لازم تاخدي الموضوع تريقة وخلاص أنا غلطان أني بحكيلك حاجة هبقى أشوف حد غريب أحكي ليه إيه اللي خانقني. وقفت جهاد لتتحدث بغضبٍ: -أنتَ صاحي تقول شكل للبيع ومش كفايا أنك نزلت بوست وقولت لشاهندة كل سنة وهي طيبة امبارح. صاح هو الآخر بغضبٍ: -دي زميلة لينا عادي ماجرمتش وبعدين آه بقول شكل للبيع ومتعليش صوتك عليا وأنتِ بتكلميني أنتِ سامعة؟!! هتفت جهاد بانفعالٍ:
-لا هعلي صوتي براحتي، تصدق أنا هروح الشغل لوحدي، هي أصلًا خطوبة مش نافعة. -وأنا بقول برضو أننا مش نافعين. رمقته بغيظٍ ثم أخذت تسير بسرعة شديدة ويتبعها هو الآخر، فلم يكن هناك سبب للمشكلة ولكنها حدثت بالنهاية ككل مرة..
قامت انتصار بعمل فنجان القهوة إلى المعلم زهران شقيق زوجها الراحل منذ سنوات، وهي تقطن في البناية في شقتها هي وزوجها برفقة ابنتها سامية، أتى للحديث معها في أمر سامية ونضال وباب الشقة كان مفتوحًا لأنها تجلس بمفردها..... -أنا طلعت علشان أتكلم معاكي في موضوع سامية ونضال بصراحة أنا مش عاجبني حالهم، وأنتِ عارفة نضال بيحبها وبنتك منشفاها معاه خالص وقافلة دماغها حاولي تعقليها يا انتصار محدش هيحبها ويحافظ عليها زي ابن عمها.
قالت انتصار بصدقٍ: -والله يا معلم زهران أنا أمنية حياتي البت تلين دماغها، ده نضال وسلامة دول تربية ايدي يعني، وأنا عارفة أن نضال بيحبها. تحدث زهران بنبرة ذات معنى وهو ينظر لها: -بنتِك مش عاجباني يا انتصار بعيدًا عن حوار نضال من ساعة ما اشتغلت كوافيرة ولا ميكب ارتست الاسم الجديد اللي مطلعينه ده مش عاجبني وحاسس أنها اتغيرت ونظريتها للأمور اختلفت وكأنها مستعرة من عيشتها أو من أصلها...
تلون وجه انتصار ولا تعلم ما الذي ترد به عليه هو محق ابنتها تغيرت بالفعل لكنها حاولت الحديث بنبرة متوترة: -أنتَ عارف البنات والشباب في السن ده بيحاولوا يعرفوا الدنيا ويجربوا لكن البت مفيهاش حاجة وبعدين برضو نضال مش عارف يجاريها ولا يقولها كلمتين حلوين دايما واقف ليها على الواحدة والبت عنادية. أخذ زهران رشفة من فنجان القهوة هاتفًا ببساطة:
-أنا بقولك اللي شايفه في النهاية دي بنت اخويا حتى لو ملهاش نصيب مع ابني هي بنتي وتحت حمايتي وعلشان متفتكرش إني بتكلم علشان اقنعها بنضال مع ان نضال ابني ألف واحدة تتمناه هي بس اللي سايقة العوق ومش عارفة قيمته، كلمي بنتك وعقليها أنها تهدى وتقلل من الفيديوهات اللي بتعملها أربعة وعشرين ساعة دي، هو احنا محتاجين فلوس أصلا لشغلها ده؟! -الموضوع مش موضوع فلوس يا معلم. هتف زهران بجدية وهو ينهض بعدما أنهى قهوته
ووضع الفنجان على الطاولة: -أنا جيت وقولتلك اللي أنا حاسه أنتِ امها واكتر حد المفروض تسمع كلامه، عقليها كده وخليها تهدى وتتعدل من تاني وبلغيها أني أول الشهر هاخدها تنقي العربية اللي تعجبها هي والواد سلامة. -حاضر يا حج.
بعد انتهاء دوامه غادر وهو يشعر بالغضب يتمكن منه فقد أدرك منذ لحظات بأنها قد غادرت عقب انتهاء عملها ولم تنتظره، بالطبع لن تترك تلك الفرصة كي تخلق شجار بينهم، أخرج هاتفه وهو يوقف سيارة أجرة وحاول الاتصال عليها لم تجيبه في البداية لكن بعد محاولتين منه ردت في الثالثة وكأنها لم تفعل شيء: -أيوه... تحدث سلامة منفعلًا: -أيوة في عينك، أنتِ من امتى بتمشي من غيري؟
خلاص بقيتي تعشقي الخناق والنكد زي عينيكي، مفيش يوم يعدي علينا حلوين لازم كل يوم خناق. رفعت حاجبيها واتسعت عيناها مذهولة من اتهامه إياها بما يفعله هو قائلة بعصبية: -بجد والله أنا اللي بعمل كل ده وأنتَ بقى الملاك اللي بجناحين صح؟؟ لو حضرتك ناسي يا أستاذ سلامة أحب أفكرك انك أنتَ اللي بدأت خناق وأنتَ اللي غلطان. -ده أنتِ اتلككتي بحوار البوست اللي نزلته لـ شاهندة وكبرتي الموضوع مع أنك أنتِ كمان نزلتيلها بعدي.. قاطعته
جهاد بغضب وغيرة واضحة: -نزلته مجبرة ما هو مش معقول خطيبي ينزلها وأنا لا يعني وبعدين متقلبش التربيزة عليا عشان خلاص حفظت الشويتين دول. -لا معلش بقى الشويتين دول أنتِ اللي بتعمليهم. ثم وجه حديثه إلى السائق هاتفًا بغضبٍ: -على جنب يسطا... دفع الأجرة ثم هبط من السيارة وتحدث بانفعال وهو يتذكر نظرات السائق له المتابع للحوار: -عارفة يا جهاد لو مشيتي من غيري تاني هعمل فيكي إيه؟!
ردت ساخرة ثائرة وهي تخلع خاتم الخطبة من يديها تضعه في علبة الشبكة الحمراء: -مش هتلحق عشان خلاص خلصت، واتفضل دلوقتي تعالى تحت الشباك عشان انزلك شبكتك. -يا سلام وماله أنا أصلًا طقهت منك ومبقتش عايزك ولا مستحمل نكدك. انتشلت (السبت) واضعه بداخله الشبكة وتحركت نحو الشرفة تنظر بالاتجاه الذي يأتي منه لمحته يقترب فصاحت به على الهاتف وهي تقوم بأنزال الحبل المتصل بـ (السبت)
-اتفضل ادي شبكتك اهي، ابقى روح أخطب شاهندة ومتخافش هنزلكم بوست أبارك لكم فيه يا أبو عين زايغة ميملهاش إلا التراب. نظر لأعلى مراقبًا هبوط السبت وما أن وصل إليه حتى انتشل الشبكة من داخله قائلًا لها بالهاتف وعيناه تناظر وجهها بالأعلى: -مش هتلحقي هكون بلتك من أساسه.
تحرك "دياب" الذي يعمل بذلك المقهى الراقي الذي عمل فيه بصعوبة بالغة؛ وها هو يذهب قاصدًا إحدى الطاولات التي يجلس عليها مجموعة من الفتيات المدللات والتي يظهر هذا بوضوح على هيئتهم التي تشبه كل من يأتي هنا... وقف دياب أمامهم وتحدث بتهذيب مرحبًا بهم واضعًا أمام كل واحدة منهم القائمة الخاصة بالمقهى: -أهلًا بيكم يا فندم نورتونا.
انتهى من إعطاء كل واحدة القائمة ثم وقف جوارهم منتظرًا طلبهم، انزعجت واحدة منهم ورفعت عيناها الواسعة ذات الأهداب الكثيفة مردفة بتهكم شديد: -أنت هتفضل واقف كدة ولا إيه؟؟ ما تيجي تقعد جمبنا أحسن. لم يستوعب بالبداية أنها تحدثه هو، فقبض حاجبيه وأشار نحو نفسه: -حضرتك بتكلميني أنا يا فندم؟! -أكيد بكلمك أنتَ مش شايفة حد غريب غيرك واقف. -أنا مستني طلبات حضراتكم. تمتمت ريناد بانزعاج واضح متأففة كعادتها:
-طيب تقدر تمشي ولما نطلب أكيد هننادي على حضرتك المفروض تدينا وقت لو مش هنضايق جنابك. حافظ على تعبيرات وجهه وابتسم لها مجبرًا ثم تحرك مبتعدًا عنهم كي يتركهم بمفردهم مثلما طلبت مقررًا العودة إليهم بعد دقائق.. نظرت إحدى الفتيات نحو "ريناد" وتحدثت معاتبة إياها: -حرام عليكي يا ريناد الولد وشه جاب ألوان وبعدين هو بيشوف شغله. حركت كتفيها بلامبالاة قائلة: -وأنا عملتله إيه يعني ؟؟
أي مكان المفروض يدينا المنيو ويسيبنا نفكر وبعدين فكك فكك يلا شوفي هناخد إيه مش معقول هنفضل نتكلم عن حاجة ملهاش لازمة زي دي. مرت دقائق جاء خلالها من جديد كي يدون طلبهم ويأتي به، أملت عليه الفتيات طلباتهم ولم يرفع عيناه بأحدهم ثم غادر بانصياع وهو فقط يؤدي عمله. حضر بعد دقائق ومعه طلباتهم ووضع أول كأس أمامها وكاد يضع الثاني حتى وجدها تصرخ بوجهه بفظاظة من جديد: -هو مش سموزي ولا إيه؟؟ استنكر كلماتها وقال بانفعال رغمًا
عنه: -لا يا فندم سموزي زي ما حضرتك طلبتي. احتجت ريناد البالغة من العمر واحد وعشرون عامًا هاتفة وهي تهب من جلستها: -أنا كدابة يعني ولا إيه؟؟ أنا طالبة سموزي مش عصير عادي وبعدين المفروض أقولك في مشكلة تغير ليا الأوردر علطول مش تقعد تجادلني، إيه ده أنا أول مرة أشوف كدة بجد، قلة ذوق مش طبيعية. استغفر ربه في سره ثم انتشله من أمامها على مضض: -هجيب لحضرتك غيره. وضع باقي الطلبات الباردة أمام البقية فعلقت
ريناد على حديثه بوقاحة: -أنتَ بتاخدني على قد عقلي ولا أيه؟! فين المسؤول هنا اللي مشغل حمير مبيفهموش وأغبية وانتَ قليل الذوق وأهلك معرفوش يربوك. علقت إحدى صديقاتها على حديثها بحرجٍ: -خلاص يا ريناد مهوا قالك هيجيب غيره في إيه؟! شهقة خرجت منها ومن صديقاتها حينما رفع دياب الكأس وألقى بمحتواه في وجهها دون ترتيب أو ذرة تفكير لم يتحمل الإهانة أكثر من ذلك وتحدث بثورة:
-ودي بقا علشان تكوني كملتي شكوتك وتكون محبوكة بالملي واهلي ربوني أكتر من أهلك اللي كسلوا يعلموكي الأدب.... تحول المكان إلى صرخات هستيرية وتجمع الجميع حولهما، وكانت ريناد في حالة هياج غير طبيعية تسبه وتلعنه، تصرخ مخبرة إياه بأنها لن تتركه..
-مش عايزاه، لو آخر راجل في الدنيا مش عايزاه واديتوه شبكته ونهينا الموضوع والمرة دي الكلام بجد وحقيقي؛ أنا مش عايزة سلامة يا ماما لو حد كلمك قوليلهم اللي بقوله ده أن خلاص موضوعنا خلص، ده لو حد أتكلم أساسًا ده لما صدق أخد الشبكة وطار. تتحدث بنبرة جنونية ومنفعلة؛ تظن بأنها تبدو طبيعية لكن والدتها تنظر لها بقلق، وجاءت من الداخل سلمى التي تبلغ من العمر خمسة وعشرون عامًا..
غيرت ملابسها وأخذت حمامها، وأتت من عملها منذ قليل وولجت إلى المطبخ تعبث في الأواني لتعرف ماذا صنعت والدتها لتغمغم بنبرة غاضبة هي الأخرى: -إيه يا ماما الدهن ده كله، وايه الزيت ده كله، طاجن اللحمة هينفجر من الدهون اللي جواه.. ردت عليها والدتها يسرا بغضب واضح: -هو ده اللي عندي أكل العيانين بتاعك ده أنا مبحبهوش، اللحمة لو مش ملبسة كده متدخلش ذمتي ببصلة مش عاجبك ابقي اعملي أكل لنفسك. هتفت سلمى وهي تعقد ساعديها باختناق:
-والله؟! كل ده علشان بقول نقلل دهون شوية علشان صحتنا، لازم الكوليسترول يضرب في السماء وضغطنا يعلى.. قاطعت جهاد حوارهما بانزعاج جلي وهي تنظر لهما بغضب وغيظٍ: -أنتم عمالين تتكلموا في الزيت واللحمة وسايبين مشكلتي؟! سألتها سلمى بغضب فهي أتت لتوهها من صالة الألعاب الرياضية التي تعمل فبها كمدربة؛ وتبذل بها مجهود شاقٍ جدًا وهي تشعر بالجوع الشديد وتعلم بأن مشاكل شقيقتها بالنسبة لها تبدو تافهة: -مشكلة إيه دي بقا ان شاء الله؟!
غمغمت جهاد بغضب وبكت رغمًا عنها وهي تجيبها: -أنا وسلامة سيبنا بعض خلاص. ضحكت سلمى مستهزئة وغاضبة: -والله الأكل أهم دلوقتي، وبعدين يعني بتعيطي ليه أنتِ لسه محفظتيش ولا فهمتي علاقتكم؟! ده أنتم بتسيبوا بعض يوم الاتنين بترجعوا لبعض الخميس، ده أنا لو مسمعتش أنكم متخانقين في أسبوع بحس أن في حاجة غلط، يومين كده وهتلاقيه جاي هو وابوه يرجعلك الشبكة. رغم صحة حديث سلمى إلا أن جهاد لم تتقبله وهي تهتف باختناق:
-أنتِ علطول كده معندكيش دم وبتتريقي على اللي بقوله على العموم براحتك وكلوا واشبعوا أنتم أنا مش هاكل ومحدش يدخل اوضتي ولا يجي ورايا عايزة أكون لوحدي. أنهت حديثها ورحلت وفعلت ما أخبرتهما به، وهنا تحدثت سلمى بنبرة جادة: -على فكرة أنا من بكرا هشتري اللحمة اللي أنا عايزاها صافية مفيهاش دهون وهطبخ لنفسي وهريحك مني. هتفت يسرا بنبرة ساخرة:
-ريحيني يا حبيبتي عقبال ما اختك هي كمان ميعجبهاش اكلي وتطبخوا وتغسلوا غسيلكم وتعملوا كل حاجة لنفسكم مدام لسانكم طويل كده، وبعدين خفي على اختك شوية حتى لو اللي قولتيه هو الحقيقة اسمعيها وخلاص بتفضفض بكلمتين. تمتمت سلمى وهي تجلس بجانب والدتها متحدثة بنبرة واضحة:
-أصلي زهقت كل أسبوع تقلب الدنيا مناحة وتشتم فيه وتنشر غسيلهم قدامنا وتصالحه بعدها، مينوبناش غير أننا بنشيل منه، وبعدين كل خناقتهم عبيطة علشان هما عيال صغيرة، وعمالين زي ناقر ونقير كأنهم توأم. -الحب كده يا بنتي، أنتِ بس اللي منشفة دماغك وقلبك. قالت سلمى بلا مبالاة: -الحب مش كده ولا غيره ولو كده مش عايزاه وبعدين أنا عايزة أكل بعد المجهود ده لازم اكل بروتين مش اروح واكلة طاجن لحمة بالبصل يخليني أضرب.
ردت والدتها عليها وهي تلكزها بضيقٍ: -من ساعة ما الدبلومة دي بدأت واحنا في النازل وبقيتي تدخلي في الأكل وتغيري طريقة أكلك وأنا مبحبش كده اللي اعمله يتأكل انتِ سامعة؟ أنا مش باجي من الشغل علشان اطبخ اكل وميتأكلش. -خلاص ياستي حاضر هاكلها، مفيش أي أخبار من خالو بخصوص سفري؟! تحدثت يسرا بنبرة واضحة: -أنا مش موافقة على اللي بتقوليه ده ازاي يا بنتي تتغربي وتبعدي عني؟!
حتى لو هتكوني مع خالك ومراته برضو أنا مش هكون مطمنة عليكي غير وأنتِ قصاد عيني. ردت سلمى عليها بطريقةٍ منطقية: -الفلوس هناك هتكون أحسن، انا عماله ادرس يا امي واشوف كذا مجال علشان نحسن من مستوانا وكده كده بنتك هتتجوز هبقى ابعتلك تجيلي وخلاص. غمغمت يسرا بنبرة عاطفية: -أنا ولا أقدر ابعد عنك ولا ابعد عن اختك، أنا قولت لخالك يبطل يدورلك ودبيت معاه خناقة الصبح.. قاطعتها سلمى بـلومٍ: -ليه يا امي عملتي كده؟!
هو في حد واقف جنبنا من ساعة ما جوزك سابنا غير خالو؟! ده لولاه ما كنا درسنا ولا عملنا أي حاجة، حتى هو اللي بيبعت كل شوية فلوس علشان جهاز جهاد تروحي متخانقة معاه لأنه عايز يساعدني؟! هو أحنا لازم نعيش عمرنا كله عالة عليه، هو برضو ظروفه مش احسن حاجة لكن بيحاول على قد ما يقدر. رغم أن كلمات سلمى أوجعتها وبشدة وجعلتها تتذكر أشياء لا ترغب في تذكرها:
-خالك فاهم أنا بتخانق معاه علشان خايفة عليكي ومش عايزة تبعدي عني، وبعدين ما أنتِ بتشتغلي هنا الفلوس اللي هتاخديها هناك هتكون العيشة أصعب وهتدفعيها في حاجات تانية، أنا مش موافقة ولو عايزة تكسري كلمتي براحتك انتِ مبقتيش قاصر. وكيف لها أن تفعل؟!
رغم أن علاقتها بوالدتها تشبه علاقة الأشقاء وطوال الوقت في جدال دائم على كثير من الأمور، إلا أنها لا تستطيع الاستمرار في شيء لا يعجبها ولا تريده، لا ترضى عنه مهما بلغت إرادتها به.. يسير دياب بانفعال وضيقٍ شديد؛ وهو ناقم من تلك الأيام والظروف، هل كان ينقصه ترك العمل؟! هل كان ينقصه فتاة مثله؟ هو لديه الكثير من الأقساط...
أمسك بهاتفه وقرر محادثة حبيبته وخطيبته ليلى لعلها تهدأ قلبه الثائر والقلق مما هو قادم، جلس على الرصيف لقد تعب من السير، لتجيبه بعد ثواني فهي طوال الوقت تحمل الهاتف بين يدها.. في البداية أخذ يسألها عن يومها كيف مر في جامعتها، حتى أخذ يتلو عليها ما حدث متوقعًا منه أن تسانده، أو تواسيه لكن ما حدث كان العكس تمامًا وهي تهتف بنبرة ساخرة: -يعني مش قادر تمسك نفسك يا دياب ما كنت سيبتها تقول اللي تقوله يعني.
صاح دياب بنبرة متشنجة: -بقولك شتمتني بأهلي ومسحت بكرامتي الأرض دي أقل حاجة كان ممكن أعملها معاها أصلًا. أردفت ليلي بغضب واضح: -أديك اترفضت، هو كانت الشتيمة بتلزق يعني، ده أحنا داخلين في ثلاث سنين مخطوبين يا دياب أنا تعبت ده ماما كل ما تشوف حد اتخطب أو اتجوز تسم بدني بسبب أنك مش عارف تخلص الشقة ده امي هتطين عيشتي لو قولتلها أنك سيبت الشغل. ردد دياب ساخرًا ومندهشًا مما تقوله فهي لم تفعل شيئًا لتقوم
بتهدئته بل زادت من غضبه: -جرا إيه يا ليلي ما تهمدي وبراحة شوية يعني أنا بكلمك علشان أشكي لك همي وتهديني تقومي تردحيلي، بدل ما تطبطبي خاطري بكلمتين، بتشيليني الهم. حاولت ليلي تصليح موقفها متحدثة: -أنا مش قصدي حاجة و.. قاطعها دياب بنبرة صارمة وغاضبة فهي خذلته: -خلاص ولا قصدك ولا مقصودكيش سلام دلوقتي لما أروق هبقى أكلمك.
أغلق المكالمة ولم ينتظر ردها ثم أغلق الهاتف بأكمله عليه أن يفكر فيما يفعل الفترة القادمة، وكيف يجد عمل بتلك السرعة... انتهى يوم العزاء الثالث، عاد إلى منزله، الشقة الذي يقطن فيها مع ابن عمه وزوجته، وهو مرهق ومنهك إلى حدٍ كبير، يشعر بأنه أصبح عاريًا منذ وفاة والده وكأنه هو من كان يغطيه، يشعر بالبرد وكأنه هو من كان يبث فيه الحرارة، خائفًا لأنه كان هو من يبث فيه الطمأنينة... ترك شقيقته الصغرى (حالات داون)
في الفيلا الخاصة بعائلته ومعها المربية الخاصة بها ومعها شقيقها الآخر... يحاول أن يفكر في أي شيء يريد الابتعاد لمدة يوم واحد يحاول أن يعيد فيه تنظيم حياته وفقًا لمسؤولياته الجديدة، حتى أنفاس والده الأخيرة كان يخبره بألا يترك شقيقته، يضعها أمانة له....
جواد هو الابن الأكبر للدكتور والجراح الكبير عز الدين منصور وهو خليفته في المهنة؛ يليه ابنه الأصغر الذي يعمل في مجال الهندسة الكهربائية في الصين، متزوج ولديه ثلاثة أطفال ويعيش في الصين برفقة أسرته وأتى اليوم من السفر، لم يستطع أن يأتي فور سماعه بالخبر بسبب ترتيبات السفر وسيعود بعد عدة أيام، ويجلس في الفيلا مع شقيقته الصغرى نسمة التي ولدت حالة من حالات داون، تبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، كانت أكثر حظًا قليلًا من الأشخاص الذين يعانون من حالتها، هي استطاعت أن تستكمل دراستها بعد مجهود كبير بذلته والدها ووالدتها، وتتمتع بذكاء كبير، رغم بعض الانتكاسات الصحية التي تصاب بها...
كان والده يعطيه وصيته وهي الاهتمام بشقيقته لأنه يعلم بأن ابنه الآخر قد انتهت حياته هنا وأصبحت له حياة مختلفة، لذلك كان يجب عليه وضعها أمانة إلى جواد... جاءت رانيا من الخارج بعدما أخذت حمامًا دافئًا تمسح به عناء الأيام الماضية في المستشفى وبعدها وجودها في منزل لا تحب التواجد فيه كثيرًا غير أنه هناك جانب منها حزين جدًا على وفاة عمها لن تنكر...
رانيا تبلغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا، لديها علامة تجارية محلية خاصة بالملابس النسائية ولكنها مشهورة نوعًا ما، بدأتها منذ ثمانية أعوام بدعم زوجها وعمها... -جواد مش يلا علشان نتعشى؟! أنا جهزت العشاء. رد عليها ردًا باهتًا وهو مازال يرتدي ملابسه لم يبدلها بملابس منزلية: -مش جعان مليش نفس كلي أنتِ. جاءت رانيا وجلست بجانبه:
-أنا عارفة اللي أنتَ حاسس بيه، وأنا أكتر واحدة ممكن أحس بوجعك لأني مريت بيه قبل كده، بس الحياة بتستمر وعمرها ما وقفت على حد، بنفضل شايلين الوجع في قلوبنا ومكملين... هتف جواد وهو يهز رأسه بهدوء: -معاكي حق؛ وعلشان كده أنا قاعد بفكر هعمل إيه الفترة الجاية في حياتي وهرتب دماغي إزاي. ردت عليه رانيا بثقة وبنبرة جادة:
-إدارة المستشفيات أنتَ قدها وقدود يا حبيبي وأنا متأكدة من ده، ومعاك الدكتور إسماعيل عمو كان بيثق فيه أوي، وعلشان كده أنا عايزة تطمن أنك قد المسؤولية اللي أنتَ محطوط فيها. نظر لها نظرات لم تفهمها ليغمغم بتوضيح: -اللي أنا بتكلم فيه يا رانيا أكيد مش المستشفيات وبس، أكيد ده حمل تاني بس اللي بتكلم فيه هو نسمة أختي. بهتت هنا ملامح رانيا تمامًا وهي تسمعه يستكمل حديثه:
-أنا كنت عمومًا ناوي نتكلم في الموضوع ده الصبح بس مدام الكلام جاب بعضه، أحنا هنروح نقعد في الفيلا مع نسمة. عقبت رانيا باستنكار شديد: -إيه اللي بتقوله ده يا جواد؟! -بقول اللي سمعته مش محتاج تفسير، دي أمانة بابا ليا، ولازم أراعيها وأكون قد الأمانة زي ما حضرتك فكرتي في المستشفى كان أولى تفكري في اختي اللي هي بنت عمك مش غريبة عنك. لوت فمها في تهكم وهي تجيب عليه بغضب مكتوم:
-اللي عايز يراعي حد يزوره، يبات معاه يومين في الأسبوع يعدي عليه ساعة بعد شغله لكن مش يروح هو ومراته يقعدوا معاه، أنا مش موافقة أسيب بيتي وأمشي يا جواد، إيه اللي يخليني أقلب حياتي كلها؟! واحنا في إيدينا نهتم بيها من غير كل ده.. قاطعها جواد بنبرة ساخرة:
-على أساس أنك كنتي معتبراها عايشة معانا أصلاً ولا كنتي مهتمة بيها علشان تعملي كده دلوقتي، وبعدين يا رانيا أنا بخلص شغلي وش الفجر وساعات بيكون عندي عمليات بقعد لتاني يوم في المستشفى غير العيادة يعني يدوبك لما أخلص شغلي أروح أشوفها مش هيكون عندي وقت إني لسه أمشي من هناك وأجيلك البيت. هتفت رانيا برفض قاطع: -قسم الأسبوع بيني وبينها اقعد مع أختك وأعمل واجبك وأنا هكون راضية لكن أنا مش هقعد هناك. صرخ جواد في
وجهها كما لم يفعل من قبل: -رانيا متنرفزنيش، اللي بقوله هيتعمل عجبك عاجبك مش عاجبك أنتِ حرة أنا هقعد مع أختي عايزة يكون ليكي مكان معانا أهلًا وسهلًا مش عايزة خليكي هنا لوحدك، معرفش أنتِ إيه الجحود ده، كل ده علشان عمتك.. قاطعته رانيا بنبرة جامدة: -آه أنا مبتحملش أعيش مع حد مصاب بالموضوع ده لا جسديًا ولا نفسيًا وأنتَ عارف. تمتم جواد بنبرة حاول أن يكون بها هادئًا قدر المستطاع:
-حالة عمتو نورا الله يرحمها غير حالة نسمة تمامًا وبابا عمل معاها مجهود جبار وكان عنده الوعي الكافي هو وماما لده علشان كده بلاش كلام ملهوش لازمة علشان قراري أنا مش هغيره كفايا أوي لحد كده أنا سكت ليكي كتير. -سكت ليا على إيه فهمني؟! قالتها بغضب ولم تجد منه إجابة فقط أشاح بوجهه إلى الناحية الأخرى لتتحدث رانيا بنبرة مرتجفة:
-كل ده علشان موضوع الخلفه إني مرضتش أخلف أحسن يجي لينا عيل زي عمتو أو زي أختك، وأهو اتعاقبت إني عمري ما هخلف يا جواد، نظراتك ليا طول الوقت بتقول لي الكلام ده وبيها وعلشان تبقى عارف أنا مش ندمانة على إحساسي ساعتها ولو رجع بيا الزمن هاخد نفس القرار ومش هعوز أخلف، وأنا متعاقبتش ده كان نصيب وبس. حك مؤخرة رأسه متمتمًا بنبرة جامدة:
-رانيا أنا مش عايز أفتح مواضيع قديمة ولا فيا حيل لكل ده قدري اللي أنا فيه، وبمجرد ما أخويا عماد يسافر أحنا هنروح نقعد في الفيلا مع نسمة والكلام خلص، أنتِ محدش هيطلب منك حاجة، ولا تعملي حاجة أزيد من اللي بتعمليه هنا في اللي بيخدم اختي وبيشوف طلباتها وأنا اللي مسؤول عنها، لكن مش هسيب أختي.
زيجة غير مفهومة، كان بينهما قبول إلى حدٍ كبير وكانت رغبة والده في المقام الأول بألا يترك ابنة شقيقته وليكون لها نصيب من إرثه بزواجها من ابنه كون أن شقيقه لم يكن ميسور الحال وحتى ميراثه من والده قد أضاعه في بضعة مشاريع فاشلة لم تعطيه النتيجة المرجوة، وبعد الزواج بدأت المشاكل في التزايد بعدما أتت رغبة جواد في الإنجاب وكذلك رغبة عز الدين، وقتها كانت ترفض الموضوع رفضًا قاطعًا تخشى أن تنجب طفلًا كـ عمتها أو شقيقته..
حاول جواد إقناعها بكل الطرق وكذلك عمها، ذهبت معه إلى أكثر من طبيب يؤكد لها بأنه ليس من الضرورة أن تنجب طفلًا كهذا، نعم هناك احتمال كأي احتمال في أي جنين ولكنه ليس شيء مؤكد، لم تقتنع أن تأتي بطفل به احتمال أن يكون مصابًا وهي لن تقدر على رعايته..
نصح وقتها عز الدين ابنه جواد بالتريث وأنها مع الوقت سوف تقتنع وتلح عليها عاطفة الأمومة والغريزة الطبيعية لأي أنثى لكن مرت سنوات وهي تزداد تشبثًا بوجهة نظرها إلا أن اضطرت بسبب حالة طبية طارئة إزالة الرحم، كانت تقنع الجميع بأنها سعيدة وهكذا ذهبت كل مخاوفها وإن كان جواد يريد الزواج للانجاب هي ليس لديها مانع أبدًا وظل الحال بينهما هكذا دون الوصول إلى حل أو نتيجة...... راجع ليه من تاني عايز إيه؟!
انساني اللي بتتكلم عنه ماضي وعدى وزمن أهو راح حب ده إيه بكفاية حبك مات جوايا ونسيت قلبك ونسيتك وخلاص منك قلبي ارتاح.. انت اخترت طريق ومشيته بعت هوايا وقلبي نسيته واما خسرت في بعدي رجعلي بتفكرني بحب زمان هو انت بتكذب وتصدق كان من امتى بتعرف تعشق ابعد عني خلاص وياريتك لو تتعود عالحرمان...
أنا ضحيت بالدنيا عشانك ولا يوم قلبي باعك ولا خانك ضحيت انتَ بإيه علشاني بعت غرامي وفيّا جرحت ويّاك ضاع العمر عليا عمري ما شفت معاك حنية يبقى عايزني إزاي أرجعلك ولاّ أسامحك مهما عملت... تصدع كلمات الأغنية بقوة من التلفاز الذي قام سلامة بتوصيله به وهو يجلس على الأريكة يكرر كلمات الأغنية بمشاعر قوية جدًا؛ يجلس في الشقة التي يمكث بها مع شقيقه عند زواج والدهما لتركه مع زوجته في شقة منفصلة لهما...
جاء نضال شقيقه الأكبر من الغرفة مستنكرًا هذا الصوت المرتفع: -فيه إيه يا عم سلامة عاشور، عايز أتخمد. تمتم سلامة بحسرة: -سيبني بقا هو الواحد ميعرفش يعمل موف أون؟! اطلع اقعد في شقتي أحسن مدام مفيهاش جواز وأخد راحتي بدل ما أنتَ طالعلي زي عفريت العلبة كده. صاح نضال مستنكرًا وهو يغلق التلفاز بواسطة لوحة المفاتيح:
-موف أون إيه اللي بتعمله كل يومين ده تشغلنا ذكريات كدابة، وهيجيلي موجوع وانت اخترت، وتيجي في نهاية الأسبوع تشغليني خليني في حضنك يا حبيبي، وماله لو ليلة توهنا بعيد، أنا زهقت من العلاقة دي، وبعدين أنتم مش لسه متصالحين يوم الأحد... هتف سلامة وهو يعتدل في جلسته باقتضاب: -وادينا فركشنا تاني وخلاص الموضوع انتهى وأديتني الشبكة من البلكونة.
-الشبكة الشارع كله حفظها من كتر ما هي طالعة نازلة في السبت لغايت ما خسّت جرامات من الطلوع والنزول، كلها يومين وهتتصالحوا... قال سلامة منزعجًا: -بقولك المرة دي خلاص أنا قفلت منها المرة دي مختلفة. -أنتَ كل مرة بتقول نفس البوقين دول، أنا هدخل أعملي حاجة هشربها بدل وجع القلب ده وأياك تشغل أغاني عايز تسمع ادخل اوضتك ياخويا أو حط سماعة في ودنك مش ناقص قرف أنا وصداع على آخر الليل.
وقبل أن يتحرك نضال من مكانه وجد باب الشقة يُفتح بواسطة إحدى المفاتيح والتي بالتأكيد تخص والدهما ليدخل إلى الشقة بعدما انحنى وحمل أرجيلته متحدثًا وهو يأمرهما: -حد يروح يقفل الباب. ولج إلى الداخل وجلس على المقعد واضعًا قدم فوق الأخرى ويسحب نفس من أرجيلته متحدثًا: -إيه صوت الأغاني وريحة السجاير دي؟! تحدث سلامة باستغراب: -الأغاني أنا كنت مشغلها وريحة السجاير دي شميتها منين؟! -أنا أعرف؟!
أنا اللي طالع أسألكم يا بهوات ريحة السجاير جاية منين في بيتنا إلا من عندكم طبعًا، كنت واقف في المطبخ بولعلي على الفحم علشان الشيشة شميتها قولت اطلع أشوف مين فيكم اللي بيشرب. ضحك نضال ولم يتمالك نفسه ثم تحدث وهو يجلس بجانب شقيقه على الكنبة: -ريحة السجاير لفتت نظرك بس ريحة الشيشة دي عادي؟! -أنا أشرب آه لكن أنتم لا لازم تخافوا على صحتكم، الريحة دي لو جاية منكم قولوا بالذوق. هتف سلامة بنبرة مقتضبة:
-يعني إحنا بقينا شُحطة لو بنشرب هنخاف يعني؟! هتلاقيها جاية من أي حتة. رد زهران عليه منفعلًا: -ومالك يا شملول مش طايق نفسك وبترد عليا من تحت ضرسك كده ليه؟! -سيبه يا بابا بقا، سلامة محقق سكور رهيب مفشكل هو وجهاد الشهر ده فوق العشرين مرة. ضحك زهران متحدثًا وهو ينظر إلى سلامة: -هي الحكاية كده بقا، يلا هتتصالحوا مش مشكلة، أنا عمومًا طالع علشان أقولكم تنزلوا تناموا معايا من النهاردة بقا. تحدث نضال بفضول:
-ليه يا حج أنتَ كمان فركشت زي ابنك ولا إيه؟ -لا أنا بطلق على طول أنتَ عارفني وهي خدت هدومها ودهبها وحاجتها وخلاص بكرة هروح لها بيت أخوها علشان المأذون هيجي ونخلص الموضوع. تمتم نضال بنبرة ساخرة: -يا بابا أنتَ مكملتش خمس شهور معاها. سحب زهران نفس من أرجيلته متحدثًا ببساطة: -مهوا دماغنا مكنتش شبه بعض وبرضو هي صغيرة عليا. كان سلامة يأخذ دور المستمع بينما نضال يخاطب أبيه: -يعني أنتَ لسه فاكر دلوقتي الكلام ده؟!
ببساطة شديدة كان زهران يتحدث بنبرة عادية: -طبعًا مش أنا اتجوز وبعدين أشوف هي هتنفع ولا لا، أجرب وبعدين أشوف، وبعدين يعني هي مطلعتش خسرانة هي كانت تحلم؟! دي واخدة دهب يكفيها عمرها كله، وهي كانت داخلة تقلبني وأنا كنت فاهمها وبديها برضو بمزاجي ولا هي أول واحدة ولا آخر واحدة. زيجات قصيرة الأمد أطول زيجة فيهم استمرت أربع سنوات، والأخيرة لم تستكمل خمسة أشهر... هتف نضال بتهكم:
-الحمد لله أبويا بيتجوز وبيطلق فجأة واخويا بيفشكل كل اتنين وخميس. تمتم زهران بهدوء يسبق العاصفة أو اختيار العروس الجديدة: -لا اخوك دول لعب عيال بس ملكوش دعوة بيا ولا بحياتي أنا غيركم، والاسبوع الجاي نروح نصالح جهاد وسلامة إن شاء الله. رد سلامة منزعجًا: -مش هصالحها لو اتشقلبت المرة دي. هتف زهران متهكمًا وهو ينظر إلى نضال:
-ابقى سجله وصوره صوت وصورة يا نضال بعد يومين لما يجي يقولي علشان خاطري يا بابا تعالى معايا صالحنا على بعض علشان يشوف نفسه. تحدث سلامة بغضب: -يوووه أنا داخل أنام أحسن بدل ما أكون التسلية بتاعتكم. رحل سلامة إلى غرفته ليعقب زهران باندهاش: -قوله ينامش علشان تنزلوا تناموا معايا بقا بدل ما أنام في الشقة لوحدي. عقب نضال على حديث أبيه بحكمة:
-لا يا بابا الشقة دي بتاعت العزاب مدام بقيت سنجل أنتِ اللي تنام معانا هنا، ولغايت ما تلاقي لك صيدة جديدة ابقى انزل. سحب زهران نفس من أرجيلته متحدثًا: -والله معاك حق يا واد يا نضال بتقول حكم، بقولك إيه ما تقوم كده تشوحلنا كبدة على سجق أنا جعان أوي هطلب الحاج إبراهيم يبعتلنا فينو كده طازة تعملنا سندوتشات... -حاضر، واضح أن نفسك بتتفتح على الطلاق...
-الساعة داخلة على اتناشر يا سامية، هو أنتِ ميكب ارتست ولا رقاصة بروح أمك أنتِ فين يابت؟!! كانت انتصار تتحدث مع ابنتها في الهاتف، لكن توقفت عن الحديث وأغلقت المكالمة بعدما سمعت رنين الجرس؛ فتحت الباب لتجد نضال أمامها، ابتلعت انتصار وابتسمت بتوتر قائلة: -أهلًا يا بني. نطق لسانه مستفسرًا عنها: -هي سامية لسه مرجعتش لغايت دلوقتي؟! قالت انتصار محاولة أن تبرر تأخيرها:
-متخافش هي بلغتني أنها هتتاخر، أصل العروسة طلبت منها تفضل معاها لحد الآخر، عشان كل شوية بتغيرلها المكياج وكل شوية تغير الفستان، وقال إيه عايزة تغير معاه الميكب..... كز على أسنانه ولم يهتم بتلك الترهات التي تلقيها زوجة عمه عليه، فقد ينشغل قلبه عليها وخُيل له العديد والعديد من الأفكار... -تعرفي الزفت الفرح ده فين؟؟؟ -لا والله ما أعرف.
تفاقم غضبه وأراد الطيح بكل شيء أمامه، لم يتحمل الوقوف أو البقاء وهبط لأسفل كي ينتظرها ويستنشق هواء نقي لعله يبرد نيرانه.. مضت ساعة ولم تأتي بعد، كاد يجن ويفقد عقله، سار مثل المجنون ذهابًا وإيابًا؛ حتى سقط بصره على إحدى السيارات وترجلها منها مهندمة حجابها التي يتضح بأنها لم تكن ترتديه. جحظت عيناه، ولم يشعر بذاته إلا وهو يقطع المسافة الفاصلة بينهم وقسماته توحي بالشر....
غادرت السيارة وهندمت حجابها ورفعت عيناها كي تصل إلى بنايتها، لكن تيبست في مكانها وهي تراه يقترب منها ويقبض على معصمها متمتمًا من بين أسنانه يتوعد لها: -نهار أبوك مش معدي النهاردة... يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!