الفصل 21 | من 58 فصل

رواية عذرا لقد نفذ رصيدكم الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم فاطمه طه

المشاهدات
18
كلمة
8,644
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

تصدع كلمات الأغنية في السيارة الخاصة بـ جابر، صديق زهران المقرب. أو وفقًا لمقولته هو، صاحب عمره. يقوم بتشغيل أغاني مطربه المفضل من الهاتف بعدما قام بتوصيله في السيارة. بعدما تم عقد القرآن الخاص بـ سلامة وجهاد، سلمى ونضال؛ أخذ زهران صديقه وهرب بعدما أخبره سلامة بأنهم ذاهبون للعشاء في الخارج بسبب تلك المناسبة. هبط خلفه دياب، الذي كان يعلم بأنه سوف ينال من بطش وغضب نضال.

الغريب بأنه ذهب مع زهران وجابر بعدما نادى عليه الاثنان بسرعة، وكأنهم يتخفون في إحدى المهمات السرية. من دون مقدمات أصبح جابر يجلس بجوار زهران. في الخلف يجلس دياب. في طريق إسكندرية الصحراوي، بعدما اقترح زهران بأن يعزمهم على العشاء "أكلة سمك". تمتم جابر وهو يقود السيارة: "أنتَ تحب كاظم الساهر حقًا يا صديق عمري؟ رد عليه زهران بنبرة عذبة ورومانسية:

"إلا بحبه يا جبورة؛ ده أنا كنت بغني أغانيه لأم العيال وحب عمري. خد بالك ده من أيام الثمانينات والتسعينات، قديم أوي. والاغنية دي مش قديمة أوي بس بموت فيها. تعرف أنها قصيدة لنزار قباني بس كان كلامها شمال شوية عن كده وهو ظبطها." هتف جابر بنبرة هادئة وهو يقود السيارة: "وكيف كانت قبل التعديل؟ أخبرني فقد أثرت اهتمامي وفضولي معًا." أستدار زهران للخلف ناظرًا إلى دياب وغمغم بجدية:

"لا، لما نكون لوحدنا هقولك يا صاحبي، أصل معانا عيل صغير، نخاف على حيائه." تمتم جابر ساخرًا وهو يلوح بإحدى يديه: "كل ده وصغير، اومال لو كان كبير بقى كان هيبقى عامل إزاي؟ هتف دياب بنبرة جادة وهو يحاول أن يستوعب أنه رحل معهما: "أنا مش عارف أنا جيت معاكم إزاي بجد وطاوعتكم، لا وكلمت أمي وبعدين قفلت الموبايل." رد زهران عليه بنبرة هادئة إلى أقصى حد:

"ده أنا هعيشك ليلة ولا ألف ليلة وليلة وهأكلك أحلى أكلة سمك. هتقضي يوم معايا ملهوش حل. وبعدين لو كنا قعدنا كان نضال مسك فينا، ما أنتَ عارفه." تمتم دياب بسخرية لاذعة: "وهو أحنا هنسافر العمر كله ولا مهاجرين؟ ده احنا رايحين اسكندرية صد رد نأكل سمك وراجعين وساعتها مش هيحلنا برضه." هتف زهران بغضب: "بقولك إيه، متوجعش دماغي أنا مبحبش النكد وعايز أصفي دماغي، وبعدين أنا كمان قافل موبايلي يعني…" رد جابر بعده:

"وأنا أيضًا لقد أغلقت هاتفي المحمول." قال دياب هنا ساخرًا ولم يتحمل أكثر من هذا: "طب أحنا وقافلينه علشان اللي هببناه، أنتَ قافله معانا ليه يا عم أنتَ؟ صاح جابر باستنكار كبير: "عمك دبب." أسترسل حديثه بنبرة جادة: "قفلته علشان لقيت صديقي قفل موبايله فقولت لازمًا ولابد أشاركه هروبه، مع إني مش عارف بهرب من إيه بس مش مشكلة، أي حاجة مع زهورة أنا راضي وموافق عليها بصدر رحب." تمتم دياب وهو لا يصدق فعلته حقًا:

"أنا إيه اللي راكبني معاكم يارب؟ أنا قولت هتروحوا أي حتة قريبة مش ألاقي نفسي على طريق اسكندرية مع واحد اسمه جبورة وواحد اسمه زهورة." صاح زهران بجنون وهو يشير إلى جابر: "اقف في أي حتة نزلي الواد ده على الصحراوي نسيبه في الطل كده مع نفسه، علشان يحترم نفسه." ضحك دياب هازئًا، هو مجرد تهديد من يقف على هذا الطريق؟!!! لكن ما حدث كان عكس ذلك. لم يحاول جابر أن يثنيه عما يريده بل توقف في إحدى الجوانب هاتفًا:

"يلا ياض أنتَ انزل من عربيتي حالًا بالًا، أنتَ خنقتنا وقرفتنا وأنا جبت آخري منك خلاص، ده أنا أول مرة أسافر مع صديق عمري مش عايزين وجع دماغ ووش." بدأ دياب يتأكد فعلًا أنه يسير مع شخصين قد هربا من مستشفى الأمراض العقلية، وهو ينظر على الطريق السريع ووقوفه مرة واحدة، وهنا غمغم دياب بتردد: "خلاص كمل أنا غلطان." ضحك جابر بكبرياء شديد وغرور وهو يعود ليقود سيارته مرة أخرى، وأثناء قيادته تحدث بعنجهية:

"الناس مبقتش تيجي إلا بالعين الحمراء يا زهران ياخويا والله." تمتم زهران مؤيدًا حديثه: "معاك حق يا جابر، الجيل ده كله كده." تحدث جابر بنبرة مرحة: "طب وريني كده عينك أشوفها حمراء اللون أم لا؟ أستدار بالفعل ينظر ناحية زهران لرؤية عينه، هنا صاح دياب بعدم تصديق: "انتم شاربين إيه؟! ولا مجانين ولا إيه حكايتكم؟ ركز في الطريق يا عم ركز عايز أوصل لأمي سليم، تشوف عين إيه بس." تمتم جابر بغضب كبير وهو ينظر إلى الطريق:

"أنتَ نداب ليه ياض، إحنا غلطانين أننا خدناك معانا." هتف زهران بجدية هو الآخر: "والله معاك حق يا جابر." هتف جابر مهددًا: "والله لو مسكتش وحطيت لسانك جوه بُقك لا أسيب زهورة عليك، اديني عرفتك أهو." قال دياب بمكر كبير: "يعني إيه تسيبه؟ قصدك أن عم زهران إيه؟ تحدث زهران بنبرة هادئة: "صاحبي وعلى قلبي زي العسل، أطلع أنتَ منها يا بوتجاز لأن عمري ما أسخن عليه." ثم قال:

"ياريت تنقطنا بسُكاتك بقا مش عايزين نسمع صوتك لغايت ما نوصل." رد عليهما دياب بغيظ من نفسه قبل أن يكن منهما بأنه قد رحل معهما: "اديني اتخرست اهو." *** هل سوف يذهب زهران ويهرب قبل أن يقضي مهمته الأخيرة؟ بالطبع لا. هو لا يكتفي بفعل واحد قد يذهب بعقل نضال، بل يحاول جعله مجموعة أفعال ليأخذ جائزة كبرى عليها. يخطر في عقولكم الآن ما الذي فعله زهران؟ قام بجعله يقضي أمسية هو وسلمى مع "سلامة وجهاد" في الخارج.

يجلس نضال وبجواره سلمى، كلاهما يعقد ساعديه، ينظر في أي مكان دون النظر إلى الآخر، وأحيانًا يذهب نظرهم ناحية سلامة وجهاد عنوة يراقبون أفعالهم، لم يكن تطفلًا واضحًا بل هما يجلسون أمامهم وعلى نفس الطاولة لكنهما في عالم مختلف تمامًا. الطعام موضوع على الطاولة لكن كل شخص يحمل هم مختلف، ولم يمد أي شخص يده على الطعام حتى الآن. تمتم سلامة وهو بين يديه يد جهاد يضغط عليها برفق واحتواء في الوقت ذاته:

"أخيرًا يا جهاد، والله ما مصدق نفسي." ابتسمت له جهاد متمتمة بنبرة هادئة: "ولا أنا كمان مصدقة نفسي يا سلامة." هتف نضال رغمًا عنه: "والله ولا إحنا مصدقينكم، مش يلا نأكل بدل جو حديقة الأورمان ده." نظر له سلامة بنظرة غاضبة ثم تحدث بانزعاج جلي: "هو أنتَ ورايا ورايا؟! يعني يوم كتب كتابي قاعد معايا وعلى نفس الترابيزة مش مديني فرصة أنطق، واقف ليا زي اللقمة في الزور." تمتم نضال ببساطة شديدة وهو يشير له:

"قوم أقعد في أي حتة تانية لو أنا مضايقك أو امشي خالص." أردف سلامة باستنكار: "مفيش خصوصية فعلا في مصر." رد نضال عليه ساخرًا: "خصوصية إيه؟! هو أحنا داخلين عليكم شقتكم، ده أنتَ قاعد معانا على نفس الترابيزة." بدأت سلمى في تناول الطعام تحاول أن تشغل نفسها قدر المستطاع دون أن تنتظر أي شخص. هنا نهض سلامة وكانت جهاد على وشك أن تخرج يدها من يده لكنها منعها هاتفًا:

"أنا هنادي حد يحط لينا أكلنا ونقعد بعيد عن المراقبة دي، مش كفايا أنتم اتجوزتوا بسرعة لكن أنا قعدت في مرحلة الشبكة رايحة جاية في السبت عشرين سنة." هتف نضال وهو يكز على أسنانه: "في ظرف عشر ثواني يا سلامة تكون أخذتها واخدت أكلك ومتخلنيش أشوفك." تمتمت جهاد بنبرة جادة وهي ترفع سبابتها في وجهه:

"والله أنا ساكتة ليك بس علشان أنتَ دلوقتي في مقام أخويا الكبير مدام بقيت جوز اختي، لكن لو كنت أخو جوزي بس كان هيكون ليا تصرف تاني." رحل سلامة وجهاد ثم جلسا على طاولة أخرى بعيدة نوعًا ما عنهما. نظر نضال على سلمى التي تتناول الطعام بشهية، أو على الأغلب تنتقم من نفسها. هي لم تتناول الطعام بتلك الطريقة السريعة طوال حياتها، فهي لا تنتظر أحد ولا ترغب في قول كلمة. مازالت لا تصدق حتى ما حدث! الأمر بمثابة حلم غريب! تحدي مثير!

لا تعلم ماذا فعلت حقًا في نفسها. أردف نضال رغمًا عنه معلقًا بعفوية: "كويس أنك بتأكلي لأني مش حابب نكرر الموضوع تاني والاقيكي بيغمى عليكي من قلة الأكل ونمشي وأنا شايلك." توقف الطعام في حلقها وأخذت تسعل بقوة، مد يده لها بسرعة وهو يحمل كوب المياه هاتفًا: "اشربي طيب."

تناولت منه ثم هدأت قليلًا، لا تدري الأمر مختلف تمامًا حينما ذكره هو، لكنها حاولت بدلًا من أن تشعر بالخجل أو أن يستمر طويلًا أن تخرج أشواكها وتتحدث بنبرة غاضبة نوعًا ما: "متقلقش لو حصلت تاني ابقى سيبني وبلاش تتعب نفسك." رد عليها بنبرة هادئة وصلبة رغم ما يقوله: "لا متقلقيش من الناحية دي، أنا هحب أتعب نفسي بس ياريت تكوني فايقة." جحظت عيناها وكادت أن تتفوه بكلمة لكن جاء النادل وكان على وشك أن يضع طبق ما، فأردف نضال

بنبرة هادئة وهو يشير له: "لا ده مش تعبنا، هناك عندهم." ابتسم له النادل ثم رحل ليضع الطلب عند طاولة جهاد وسلامة. بدأ نضال يتناول الطعام بهدوء وثبات مُريب، كلاهما كان يحاول إشغال نفسه بتناول الطعام وحينما شعرا بأنه لم يعد هناك مكان بداخلهما توقفت سلمى أولًا ثم توقف نضال وأمامهما أطباق شبه فارغة. سألها نضال رغمًا عنه: "غريبة يعني أنك وافقتي يا سلمى." تحدثت سلمى وهي تضيق عيناها ناظرة له تلك المرة لا

ترغب في إبعاد أنظارها عنه: "غريبة أنك أنتَ وأهلك بتاخدوا الخطوة ولما سلمى توافق تسألها وافقتي ليه؟ وأنه غريبة إني أوافق، زي ما قولت في الخطوبة برضو." صمتت لبرهة ثم سألته باستنكار طفيف ونبرتها ارتفعت قليلًا: "هو المفروض مكنتش أوافق يعني؟ على العموم أحنا لسه فيها يعني محصلش حاجة." أردف نضال وهو يكز على أسنانه ناظرًا لها نظرة أصابتها بالتوتر بعض الشيء: "ياريت تبطلي تعلي صوتك وتتكلمي بصوت واطي وبلاش طريقتك في الكلام دي."

تحدثت سلمى بنبرة غاضبة: "مالها طريقتي يعني؟ أنا زي ما أنا على فكرة، ودي نبرة صوتي وبعدين يعني لو فاكر أن كتب الكتاب يحق ليك تتكلم معايا كده لا يبقى أنتَ متعرفنيش كويس." نظر لها نضال بعدم فهم، هي تدافع عن ذاتها وتنثر أشواكها، مخرجة أنيابها لكنه في الحقيقة لم يتحدث بشيء يستدعي هذا كله ومع ذلك رد عليها بهدوء:

"من ناحية يحق ليا اه بيديني الحقوق دي، ثانيًا اتعلمي تتكلمي عدل واتعلمي تكوني هادية؛ مفيش حاجة اسمها نبرة صوتي كده ولو هي كده غيريها لكن متتكلميش معايا بالأسلوب ده ولأني معملتش حاجة أصلا ولا قولت حاجة." يفرض هيمنته وسيطرته عليها. بشكل أزعجها، أربكها. كانت غبية عند الموافقة. تحدي غير مقبول وهي خاسرة إلى حدٍ كبير سوف تفقد نفسها معه حتمًا. لأنه سيصبح هو السلطان. المتحكم بها. تمتم نضال بنبرة جادة حينما أخذت

تحلق ببصرها فيه وتنظر له: "حلو ده معناه أنك بدأتي تفهمي كلامي وبدأ يكون في مساحة أنك تسمعي اللي قدامك متسمعيش نفسك وتتكلمي أنتِ وبس." أبعدت بصرها عنه ثم نظرت أمامها على المقاعد الفارغة عاقدة ساعديها متمتمة بجفاء: "أنا عايزة أشرب قهوة فرنساوي وعايزة أروح." على طاولة أخرى. كانت جهاد انتهت من تناول طعامها لكنها تراقب سلمى ونضال، من الواضح جدًا من صوتهما الذي يصل لها، نظراتهما وحركاتهم بأن هناك شجار بينهما.

"سلامة ألحق شكلهم بيتخانقوا." قبل سلامة كف يدها في عالم أخر لتسحب يدها من بين يديه هاتفة: "سلامة ركز بقولك بيتخانقوا." تمتم سلامة بنبرة هادئة: "وأنا مالي يا ستي ما يتخانقوا، وبعدين ده رياكشن وشهم الطبيعي أنهم مش طايقين نفسهم ولا طايقين حد سيبك منهم وركزي معايا أنا وبس." هتفت جهاد بسخرية: "بقولك إيه أنتَ مش عاجبني النهاردة فوق كده وبلاش جو أسامة منير ده والمشاعر الفياضة دي."

خرجت ضحكة ساخرة من فهمه وهو يعقب لطيفة نوعًا ما: "ده هو ده الوقت المناسب اللي المفروض أطلع فيه مشاعري، أنتِ عبيطة؟! ده النهاردة كتب كتابنا، والفرح قدامه أقل من أسبوع." قالت جهاد بتردد: "برضو مش مبرر." تجاهل سلامة كلماتها وألتقط كف يدها يضعه بين كفيه متمتمًا: "مقولتليش عايزة نسافر فين؟! كادت أن تتحدث لكنه سبقها مسترسلًا حديثه:

"خلينا في الحتت القريبة علشان أنا مش عايز نضيع من الأيام يوم كامل في السفر يوم رايح ويوم جاي." تمتمت جهاد بطاعة: "اللي تشوفه مش فارقة يعني اللي أنتَ شايفه مناسب." وعلى العكس بعدما كانت هي تردعه وتجعله يتوقف عن إخراج عاطفته القوية هي من قالت بضحكة رقيقة: "أي معاك بالنسبالي هيكون شهر عسل زي كل أيامي معاك." قاطع هذا الحديث المعسول والجميل رنين الهاتف وهو يعلن اتصال من سلمى، فأجابت عليها جهاد وهي تخبرها:

"أنا هروح، لو عايزة تقعدي أنتِ اقعدي، أنا همشي." تمتم نضال بنبرة هادئة وهو يجلس بجوارها: "خليهم براحتهم أنا هوصلك." *** في الطريق إلى الإسكندرية. كان زهران يقوم بتغيير الأغاني وطال الصمت بينهما وهنا حاول زهران الحديث إلى جابر: "صحيح يا جابر مالك كده." رد عليه جابر بعدم فهم: "مالي؟؟! كيف أبدو لك يا صديقي؟ هتف زهران موضحًا: "شكلك مهموم كده ومش عاجبني، إيه اللي مضايقك بس قولي؛ هتخبي على صاحب عمرك؟ تمتم جابر رافضًا

هذا الظن: "أنا لا يمكن أخبي عليك حاجة يا زهورة بس أنتَ شايف عيالي، حالهم لا يسر عدو ولا حبيب ولا خطبوا زي اللي خطبوا ولا اتجوزوا مع اللي بيتجوزوا، هيفضلوا سنجل كده ومحدش هيفرحني منهم." لم يدعه زهران يستكمل حديثه مما جعله يهتف معاتبًا: "اهو كله من ابنك والقرف اللي كان لابسة وقف سوقه بيه لابس ليا بمبي وابنك التاني بيكشر زي إيموشن الواتساب الأحمر اللي بنبعته لبعض." أسترسل جابر يقص له ما يزعجه بنبرة

درامية من الدرجة الأولى: "ولا آسر آسورة الصايع اللي جايبنا دايما ورا وسمعة العيلة هتبوظ على إيده، قولتلك أنا صحيح أنه بيشرب سجاير ولا مقولتلكش؟ أنا نسيت مخي مش دفتر." شهق زهران مستنكرًا وهو يغمغم: "بيشرب سجاير؟! هي الدنيا اتقل خيرها من شوية، اومال عمل نفسه محترم ليه لما عزمت عليه بكريمة؟ تمتم جابر بطريقة درامية وهو يهز إحدى كتفيه: "يدعي المثالية أمامك يا صديق عمري." لوى زهران شفتيه بتهكم ثم صاح:

"أنا برضو مدخلش عليا، أصل خد بالك أنا فيا شيء لله ودايما بقفش اللي قدامي وأنا مش مرتاح له من أول ما شوفته صايع كده زي دياب صاحب ابني نضال، يا خوفي يفسدوا أخلاق عيالنا." أقترب دياب برأسه لهما وتحدث بجانب زهران هاتفًا: "أقدم ليك الصايع بنفسه يا عم زهران." شهق جابر وزهران في الوقت ذاته، ليتحدث جابر بخوف طفيف: "بسم الله الرحمن الرحيم…. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم." ثم استرسل حديثه باستنكار:

"هما بيطلعوا امته دول أنا كنت نسيتك أساسًا مش تعمل حس كده تفكرنا انك موجود يا بني." رد دياب عليه ساخرًا: "هو فعلا واضح أنكم نسيتوني لأنكم ارتحتوا في الكلام زيادة وكل واحد خرج اللي في قلبه تحديدًا عم زهران." ابتلع زهران ريقه ثم حاول تخفيف ما قاله: "أنا يا ابني بس خايف على صحتك لا أكتر ولا أقل، وبعدين ده أنتَ ابني التالت." ثم وجه حديثه صوب جابر بنبرة ذات معنى:

"مش أنا دايما يا واد يا جابر بقولك أنا لو كان عندي بنت كنت جوزتها الواد دياب؟ رد جابر عليه وهو يقود السيارة بعفوية شديدة: "لا عمرك ما قولتلي كده." تمتم زهران بنبرة هادئة تحت ضحكات دياب: "اهو شوفت يا دياب؟ دايما كده بجيب سيرتك في الخير." تذكر جابر شيئًا مما جعله يقاطعهما: "أنا افتكرت حاجة يا زهران." زهران عليه باهتمام وإنصات: "إيه؟ عقب جابر ببساطة شديدة وكأنه لا يقول شيئًا: "أنا معيش المحفظة." تمتم

زهران بغباء وعدم تركيز: "وده معناه إيه يا صاحب عمري؟! لو على الفلوس متشغلش بالك الليلة كلها على حسابي." هتف جابر ساخرًا: "ياريتها فلوس يا زهران ده فيها البطاقة ورخصتي ورخصة العربية بتاعتي." خرج لفظ اعتراضي من فم دياب لم يستطع كبحه وهو يقول صارخًا: "مسفرنا اسكندرية ومعكش رخص ولا بطاقة؟

لا نزلوني في الطريق نزلوني أنا اللي غلطان، نزلوني في الصحراء، أنا عايز أقف في الطل وفي عز الثلج أحسن ما نتمسك في كمين، نزلوني وإلا هقول أنكم خاطفيني لو وقفنا كمين." هتف جابر بنبرة جادة وهو مستمر في القيادة: "ياض ميبقاش قلبك خفيف كده، وبعدين أنا صديقي بس مش صديق عمري زهران لا، صديقي عادي وحما بنتي محامي؛ أبو الواد الحيوان اللي قولتلك عليه يا زهران اللي متجوز بنتي البسكوتة." تمتم زهران بنبرة هادئة:

"أيوة فاكره يا صاحبي." عقب جابر بنبرة جادة إلى أقصى درجة: "يارب يوقفنا كمين ده هيكون اختبار لخالد وابنه الحيوان لو مطلعونيش منها زي الشعرة من العجينة أنا هطلق بنتي منه." أخرج دياب الهاتف من جيبه هاتفًا: "أنا يا هتصل بنضال يجي ياخدني حتى لو هيدفني في الصحراء هنا، يا هصل بالبوليس." صاح زهران مستنكرًا وهو يستدير له برأسه: "ولا بطل وش وصداع بقا إحنا قربنا نوصل أساسًا أهمد بقا وان شاء الله مش هيقابلنا حاجة." ***

فتحت سلمى باب المنزل ثم سارت بخطوات سريعة متوجهة صوب غرفتها دون قول كلمة واحدة. خلفها ولجت جهاد وأغلقت الباب، رغم إصرار سلمى ونضال عليها بألا تفسد أمسيتها من أجلها إلا أنها عادت معها. كانت يسرا جالسة على الأريكة وشاهدت هذا المشهد، مما جعلها تسأل جهاد باستغراب: "في إيه أختك مالها؟ اقتربت جهاد من والدتها ثم جلست بجوارها على الأريكة متمتمة بنبرة خافتة:

"الظاهر كده الله أعلم، بنتك بدأت الخناق هي ونضال بدري بدري، يعني اتخانقوا." تمتمت يسرا بقلق وارتياب: "اتخانقوا على إيه بس؟ ردت عليها جهاد وهي تخلع حجابها: "والله معرفش اتخانقوا على إيه هي مقالتش حاجة ولا هو قال حاجة." سألتها يسرا ساخرة: "ومدام محدش قالك حاجة بتقولي اتخانقوا وتوجعي بطني ليه؟ قالت جهاد مفسرة الأمر إلى والدتها:

"يعني باين على وشها والله أنا خايفة أدخل الأوضة، وبعدين أنا مش عارفة أقولك تفاصيل أصل إحنا كنا قاعدين على ترابيزة وهما قاعدين على ترابيزة تانية بس يعمني من طريقة كلامهم وأنا شايفاهم واضح أنهم اتخانقوا وكانت بتشوح ليه بإيديها." سمعت يسرا حديث ابنتها وهي تحاول التفكير ثم تحدثت بتعجب كبير:

"والله أنا مستغربة لغاية دلوقتي أنها وافقت، يعني بعد ما مشيتوا خالك قالي رايح يعمل كذا مشوار وممكن يبات مع واحد صاحبه، فضلت أسأله أنتَ خليتها توافق إزاي؟! لأني عارفة بنتي قالي عادي هي وافقت ومرضيش يقولي حاجة." غمغمت جهاد وهي تعقد ساعديها: "والله هي حاجة غريبة فعلا." بداخل الحجرة…. خلعت سلمى خمارها، وسترتها الثقيلة، أخذت تنظر إلى ذاتها في المرآة بشرود كبير، تحاول التفكير في كل ما حدث. تفكر في تلك الليلة العجيبة. ***

قبل ساعات… "أنا مش موافقة مفيش حاجة تجبرنا نكتب الكتاب بالسرعة دي." هذا ما قالته سلمى في الرواق وهي تقف مع خالها، لكنه عقب بنبرة هادئة: "بما أن الأوضة عندكم زحمة، تعالي نتكلم في أوضة أمك لوحدنا شوية." بالفعل ذهبت معه سلمى. ولجت معه إلى حجرة والدتها ثم جلست على الفراش، أما هو أغلق الباب خلفهما ثم جلس بجوارها على الفراش هاتفًا: "أنتِ عايزة تسيبي نضال بعد فرح اختك صح؟ تمتمت سلمى بوضوح:

"أيوة هسيبه، أنا مش عايزة أكمل وده اللي قولته ليك أساسًا إني اتحرجت بعد ما قولت قدام أهل بابا إني مخطوبة، وجهاد وصلت الكلام برضه في ساعتها والدنيا اتعكت بشكل مش مفهوم." سألها خالها بنبرة واضحة مختصرًا هذا الحديث لأنه لا يرغب فيه ويعرفه كله، حافظًا إياه عن ظهر قلب: "نضال هو الشاب اللي حكيتي عنه وكنتي معجبة بيه من كام سنة؛ بس موضحتيش هو مين." تلون وجه سلمى تمامًا. كيف عرف؟

حسب ما تتذكر هي لم تخبره بأي تفاصيل وقتها عن هوية الشاب لأنها كانت تعرف بعلاقة جهاد وسلامة، لذلك لم تخبره بهويته. حاولت سلمى الإنكار قدر المستطاع: "لا مش هو، أنا كنت معجبة بحد تاني وبعدين كان مجرد إعجاب من طرفي وبس."

علاقة سلمى بخالها علاقة فريدة من نوعها. هو كان الأب الروحي لها. بالرغم من المسافة هو يحرص أن يحدثها يوميًا أكثر من شقيقته حتى. الغريب أن سلمى تخبره بمشاعرها، أفكارها، حتى عقدها كما يطلق عليها البعض، تخبره بما لا تتفوه به أمام أي شخص. هتف خالها بتأكيد تحديدًا وهو يرى نظراتها تذهب بها بعيدًا عنه لا ترغب في تواصل بصري مباشر بينهما:

"أنا متأكد أنه هو الشاب اللي كنتي بتقولي عليه نفس مواصفاته تقريبًا، غير كده أنا متأكد بأن رغم كل اللي حصل وكل الأسباب اللي حصلت واللي قولتيها للكل مش حقيقية، أنتِ ميهمكيش جواز جهاد بالشكل ده اللي يخليكي تتخلي عن تفكيرك وتربطي نفسك بواحد إلا لو كان هو نفس الشخص اللي اتكلمتي عنه ومن بعد خطوبة جهاد بطلتي تتكلمي عنه خالص." تنهدت سلمى وهي تضع وجهها بين كفيها متحدثة بخجل رهيب: "مش هو صدقني واحد غيره."

"أنا أكتر حد بيفهمك يا سلمى، أنتِ بنتي الكبيرة زي ما بقول لكل الناس بفهمك أكتر ما بفهم عيالي حتى." رفعت سلمى بصرها له بتردد كبير، ليأخذ كف يدها بين كفيه الدافئتين بحنان كبير: "متتكسفيش مني يا سلمى؛ دي مش حاجة تتكسفي منها، أنتِ عمرك ما عملتي حاجة ممكن تخلي حد من أهلك يتكسر بسببها أو يحس بالحرج." ثم تحدث خالها سائلاً إياها للمرة الأخيرة: "هو نفس الشخص اللي اتكلمتي عنه؟

هزت سلمى رأسها تلك المرة بإيجاب لم تستطع أن تدعي العكس أبدًا، هو عبث بها وزلزل كيانها حطم الهالة الصلبة التي تضع نفسها فيها. هتف خالها وهو يرفع يده ويحاوط وجهها بها بعدما ترك كفها: "أنا عايزك تكتبي كتب الكتاب يا سلمى وتوافقي." ردت سلمى عليه برفض كبير: "لا مينفعش أنا أصلا هسيبه." غمغم خالها بتفهم كبير ومرونة لا تتواجد بداخل الجميع:

"لأول مرة جت ليكي الفرصة تاخدي قرار بقلبك ومشاعرك، تبطلي تاخدي قرار وتتصرفي تصرفات على أساس اللي فات؛ لأول مرة اهزمي كل خوفك ووافقي واتبعي قلبك، ده الشاب الوحيد اللي اتكلمتي عنه في عمرك كله." هبطت دمعة من عين سلمى متحدثة بتردد كبير: "بس هو مش حاسس بحاجة ناحيتي الموضوع كله غريب أساسًا ومش حاسة أنه كان عايز يخطبني بإرادته."

"يمكن دي أوهام في دماغك أنتِ بس، مدام قاعد لغاية دلوقتي برا يبقى حاسس دي مخاوفك اللي بتقولك كده." كانت تخبره بصوت خافت وكأنها طفلة صغيرة، كأنها ليست سلمى التي يعرفها الجميع: "افرض سابني، أفرض أنا وافقت دلوقتي ومكملناش وبقيت مطلقة." هز خالها كتفه بلا مبالاة: "إيه المشكلة؟!

اعتبريها تجربة، امشي ورا احساسك لمرة واحدة، واللي يحصل يحصل بعد كده، وحتى لو اطلقتي مش مشكلة علاقة وفشلت، محدش عارف بكرا مخبي إيه، ياما ناس اتجوزت بعد قصص حب مهولة واطلقت بعد أسابيع والعكس." *** عودة إلى الوقت الحاضر.

انتفضت مرة واحدة بعدما طال شرودها وتذكرها ما حدث، ثم أخذت تبحث في خزانتها عن ملابس منزلية مريحة لتغير ملابسها، يبدو أنه الأمر لن يحدث. لن تستطع حتى لو كانت تكن له مشاعر لم تشعر بها تجاه أي شخص. لن تستطع التعايش. لن تقبل بأن تكون نسخة أخرى من والدتها وتتحمل مرارة ما تحملت هي. هي لا تستطيع أن تكون تحت رحمة رجل. أخطأت ربما حينما اتبعت كلمات خالها. في النهاية اللقاء كان كارثي. ***

"أنا مش مسامح، ومش هسامح أنك بوظت ليلة كتب كتابي أنتَ والبت اللي مكشرة زيك طول الوقت دي، روحنا بسببكم." كان سلامة مستلقي على الأريكة ولم يبدل ملابسه بعد، يتحدث والهاتف بين يديه يراسل جهاد أو بالمسمى الجديد لها زوجته. ظن أن نضال مازال يجلس على المقعد لكن إذا كان ذلك صحيحًا لما حتى الآن لم يتلقى دفعة لا بأس بها من غضبه حتى الآن؟

اعتدل وجلس على الأريكة ليجد المكان فارغًا. فجأة لم تمر سوى ثواني من اعتداله وسمع تكسير زجاج يأتي من الخارج. نهض سلامة وتوجه صوب باب الشقة الذي كان مفتوحًا على مصراعيه، ليجد زجاج متواجد على الأرض وعرف ما هو الشيء الذي تم تكسيره. سأله سلامة بتردد: "أنتَ كويس يا نضال؟ تمتم نضال بنبرة هادئة وابتسامة واسعة: "أنا دلوقتي حاسس إني مرتاح ومبسوط جدًا الحمدلله."

ثم ولج إلى الشقة ليأخذ حمامه ويغير ملابسه، جلس في النهاية منتظرًا أن يأتي والده لن يتأخر أكثر من هذا على الأغلب. فعل سلامة المثل وجلس الاثنان ينتظرا إتيان والدهما، الذي فتح باب المنزل وولج منه في الثانية بعد منتصف الليل بوجه شاحب نهض سلامة ووقف أمامه، تحدث زهران بصوت يكاد يخرج منه: "هي إيه اللي مكسورة برا يا سلامة دي؟! قول أنها أي حاجة غير اللي في بالي ابوس إيدك يا ابني." رد سلامة عليه متأسفًا:

"للأسف يا بابا هي كريمة، نضال كسرها." لم يصدق زهران ما يسمعه حتى فقد وعيه وسقط أرضًا وكان آخر كلمات خرجت منه: "الحق أبوك يا سلامة، آه قلبي وقف هموت." *** اليوم التالي. تجلس ياسمين على الأريكة في الفيلا الخاصة بزوجها "ابن خالتها" ووالدته، تستمع إلى أحاديث شقيقها التي أغضبتها وهي في فترة الحداد على والدتها، مازالت ترتدي ملابسها السوداء ولم تجف دموعها وهو يرغب منها أن تقف في زواجه.

تمتمت ياسمين بنبرة منزعجة وغاضبة إلى حدٍ كبير: "أنتَ بتهزر يا حمزة، جواز إيه ده اللي بتفكر فيه بالسرعة دي؟ رد حمزة عليها وهو واقفًا أمامها يناظرها بارتباك طفيف: "وإيه المشكلة يعني؟! دي سُنة الحياة ولا عايزاني أفضل لوحدي زي قرد قطع قاعد؟! ناقصني أنا إيه علشان متجوزش." هتفت ياسمين بانزعاج جلي وهي تخبره محاولة السيطرة على أعصابها قدر المستطاع ولكنها على ما يبدو تفشل: "هو إيه اللي ناقصك إيه؟

إيه الكلام الغريب اللي بتقوله ده؟ ولا أنتَ مش لاقي حاجة تقولها فبتقول أي كلام يجي في بالك وخلاص؟ ابتلعت ريقها ثم أخبرته بضيقٍ كبير: "التوقيت مينفعش خالص، أنتَ إزاي هتفرح وتتجوز وماما لسه مدفونة من كام يوم، وأساسًا مين دي اللي قبلت تتجوزك بالسرعة دي؟ أردف حمزة ببساطة وهو يكرر الأمر: "واضح أنك مكنتيش مركزة في اللي أنا بقوله يا ياسمين، قولتلك هي ساسو أو سامية اللي جت عملت ليكي الميكب يوم فرحك." هتفت ياسمين بنبرة جادة:

"ماشي يا حمزة براحتك اختار اللي تختارها لكن أنا مش هحضر ليك حاجة، إلا لما يعدي فترة مناسبة على وفاة ماما وده اللي عندي، وكده أكون كويسة معاك لأن مفروض اللي زيي متحضرش ليك حاجة أصلا." تمتم حمزة بنبرة جهورية وواضحة: "ياسمين هتيجي معايا يعني هتيجي معايا، مهما حصل إحنا اخوات والمفروض علاقتنا عمرها ما تتأثر ولا تتغير تحت أي ظرف إحنا ملناش إلا بعض، هتيجي معايا وهتقنعي خالتو تيجي معايا وإلا أنتِ عارفة أنا هعمل إيه."

قالت ياسمين ساخرة وهي تنهض من مكانها لتقف قبالته: "يعني أنتَ بتهددني يا حمزة؟ قال حمزة بنبرة هادئة وهو يخاطبها بهدوء شديد: "مش بهددك يا ياسمين بلاش كل حاجة تاخديها بالمعنى ده يا حبيبتي." ثم وضع يده على كتفها هاتفًا بنبرة جادة:

"إحنا ملناش إلا بعض يا ياسمين؛ أنا اخوكي الوحيد وأنتِ اختي الوحيدة، وحتى لو بأخد قرار أنتِ شايفاه غلط اقفي جنبي لغاية ما أشوف أنه غلط بنفسي، أنا مش هعمل فرح طبعا هو هيكون كتب كتاب بسيط بينا وبينهم لا أكتر ولا أقل اقفي جنب اخوكي يا ياسمين بلاش تخليني لوحدي." بعد نصف ساعة. كان يتواجد في سيارته يقودها متوجهًا صوب المقهى الخاص به، يضع السماعة في أذنيه ويتحدث مع سامية يخبرها بآخر التطورات بالنسبة إليه، ليأتيه صوتها:

"يعني هتيجي معاك هي وخالتك ولا لا؟ أجابها حمزة بثقة كبيرة: "هتيجي طبعًا." جاءه صوتها مندهش: "مش حاسس أنك واثق زيادة فيهم رغم أنك قولت بنفسك أن في مشاكل ما بينكم غير طبعًا وفاة والدتك مأثرة عليهم طبعًا." تمتم حمزة بنبرة هادئة وهو مستمر في القيادة على الطريق السريع:

"واثق في اختي، وواثق أن مهما كان في خلافات ما بينا أنها مش هتصغرني وهتقنع خالتو وهيجوا هما الاتنين معايا، وجوزها أنا كلمته وقالي هيجي يعني الأمور كلها تمام أهم حاجة تظبطي الدنيا عندك أنتِ بس." لم يجد منها ردًا فعاد يتحدث: "سامية أنتِ سمعاني؟ ردت عليه بنبرة مترددة: "تعرف يا حمزة أنك الوحيد اللي حبيته يناديني باسمي." اتسعت ابتسامته ولكنها لم تدوم طويلًا وهو يهتف:

"المهم يعني سيبك من اللي أنا بقوله، بصراحة الدنيا عندي مش أحسن حاجة ماما وعمو منشفين دماغهم أوي." صمت حمزة لعدة ثواني ثم تحدث بنبرة كئيبة: "مش قولتي اتكلمتي مع خالك؟ ردت عليه سامية موضحة: "أنا كلمت خالو فعلا وهو مقالش حاجة قالي لما يقعد معاك وأهلك ساعتها يقدر يتكلم لكن دلوقتي ميقدرش يتكلم في حاجة بس يعني أنا متعشمة فيه خير أنه إن شاء الله بعد مقابلة أهلك الوضع هيكون أحسن وأنه يقدر يخليهم يغيروا رأيهم." تمتم حمزة

محاولا بث الطمأنينة فيها: "ماشي يا حبيبتي أهم حاجة متقلقيش أنتِ بس وكل حاجة هتكون كويسة أنا هقفل دلوقتي علشان هبعتلك صور الشقة تشوفيها لو حابة تغيري فيها أي حاجة ألحق أعملها من دلوقتي، وطبعا نغير أوضة النوم وأي حاجة تانية تشوفيها مش عجباكي." ردت عليه سامية بحرج: "تمام، يلا على مهلك لما توصل الكافية ابعتلي ماسدج طمني عليك." "تمام يا حبيبتي سلام." "سلام." ***

لم يكن الطريق متعب بالنسبة إلى إيناس بقدر السير وسط الحشود والآلاف من الناس، حقًا تعبت غير أطفالها؛ لو كانت بمفردها كان الأمر هين. هي تمسك بأطفالها بصعوبة تحديدًا جواد الذي يرغب دومًا في الركض غير رغبته في اللعب بالكتب التي يراها مرصوصة باحترافية.

قامت بشراء بعض الكتب الخاصة بالأطفال والأنشطة الخاصة بهما مثل التلوين وغيره، قصص قصيرة لعلها تقوم بالقراءة لهما. هي واقفة في أحد الأماكن المخصصة للانتظار. تنتظر أن تأتي هدير وحور بعد ذهابهما لمقابلة أحد الكتاب. على باب القاعة. وقفت حور بوجه غاضب وحزين جدًا، فغمغمت هدير بنبرة ساخرة: "خلاص يا حور بلاش التكشيرة دي." هتفت حور بانزعاج كبير:

"أنا بجد مضايقة أوي، كان نفسي أشوفه هو الوحيد اللي اشتريت له كتابه، وأجي ألاقيه مشي أصلًا." تمتمت هدير بنبرة متهكمة رغمًا عنها: "والله شكل ما حد بيتابعه غيرك أصلا، ده أنا بخش ألاقي الحاجات اللي عماله تعمليلها شير مش عليها خمسة لايك حتى، وأنتِ عماله تمجدي فيه وخلاص." ردت حور دفاعًا عن نفسها:

"يا ستي أنا جمهوره الوحيد ودايما بشوف بوستاته وهو قلقان أن محدش هيجي معايا إني متأكدة بجد أنه في يوم من الأيام هيكون حاجة كبيرة صدقيني أنا بحب مقالاته وكتاباته أوي ودي أول رواية ليه." هتفت هدير بعدها تركتها وتوجهت صوب القاعة: "لا أصدقك ولا مصدقكيش، دي أختك إيناس هتعجنا بسبب التأخير ده." سارت خلفها حور حتى وصلا إلى المكان التي تتواجد فيه إيناس التي هتفت متأففة بمجرد أن رأتهم: "أنتِ فين أنتِ وهي كل ده؟

رفعت حور يدها بالكتاب الوحيد الذي يتواجد معها: "كنت بجيب دي، وبعدين ما طبيعي نتأخر أنتِ شايفة المسافة بين كل صالة والتانية قد إيه." صاحت إيناس مستنكرة وهي تشعر بالدوران: "آخرسي كانت شورة مهببة ده أنا دوخت وصدعت ومفيش شبكة ومش عارفة أتصل بيكي تليفونك مش مجمع، أنا حاسة من كتر التعب مش هقدر أخرج لغاية البوابة برا علشان نركب ونروح." تمتمت هدير مقترحة وهي تشير لها على بعض المقاعد المزدحمة ولكنها ربما تحاول إيجاد مكان لها:

"ده أكيد علشان مأكلتيش الصبح ولا فطرتي معانا، إيه رأيك تقعدي شوية كده نروح نجيب مياه وعصير وباتيه لازم تأكلي حاجة." فقدت إيناس الكثير من الوزن بسبب حالتها النفسية السيئة والمجهود الجسدي التي تقوم به يوميًا وهي من ترغم نفسها عليه، مثل تنظيف المنزل بطريقة مريبة، وكأنها تجبر نفسها على الانشغال حتى تجد عمل مناسب.

أردفت إيناس مترددة وبرفض كبير رغم شعورها بالاعياء وهي مازالت ممسكة بيد أطفالها، يد تمسك بها كف جواد واليد الأخرى تمسك بها كف جنى. "البت حور قالت أن كل حاجة هنا غالية طاق طاقين حتى إزازة المياه ياريتنا كنا جبنا سندوتشات أو حاجة معانا." ردت عليها هدير كاذبة بابتسامة واسعة: "لا دي بتفتي كالعادة هي أغلى جنية أو اتنين جنية بالكتير أوي، تعالي بس نقعدك ونروح نجيب حاجات من الكافتيريا اللي هناك دي."

وجدت إيناس مكان بصعوبة، جلست بين العديد من النساء. كادت حور أن ترحل برفقة إيناس لكن قبل رحيلها ترك جواد يد والدته هاتفًا: "هور خديني معاكي." مازال ينطق حرف الحاء بصعوبة قليلًا، ومن دون تفكير وقبل أن يعقب أي شخص تركت جنى يد والدتها هي الأخرى: "وأنا كمان." صاحت إيناس مستنكرة: "لا هتقعدوا أنتم الاتنين معايا الدنيا زحمة هتجروا منها." قالت حور بنبرة حنونة وعطوفة وهي تنظر إليهما:

"همسكهم والله متقلقيش وهدير معانا أهي، اقعدي أنتِ ريحي خمسة من غيرهم كده." في ذات الصالة. لكن في جزء آخر منها كان جواد يقف يختار الكتب بعناية من أجل شقيقته التي تتواجد بجانبه، وخلفهما تقف منيرة.

نسمة تعشق القراءة، القراءة بالنسبة لها هي العالم التي لا تستطيع أن تعيش فيه بحرية، هي المنفذ الوحيد لها. المواساة الرائعة لها في جميع الأوقات، هي تقضي وقتها في القراءة أكثر مما تفعل في أي شيء آخر، ويحاول جواد بقدر المستطاع الاختيار معها كتب وروايات غير معقدة، بسيطة نوعًا ما. هو يحب القراءة أيضًا يبدو أنه اكتسب تلك الصفة أيضًا من والده، لكن يومه ونمط حياته الروتيني المزدحم دومًا بالعمليات والجراحات لا تسمح له بممارسة تلك الهواية إلا قليلًا في بعض الليالي قبل النوم إذا لم يغلبه التعب والإرهاق.

هتفت منيرة بنبرة هادئة: "مش ترتاحوا شوية بقا عمالين تلفوا طول اليوم." كان مقصدها وصل إلى أذن جواد الذي هتف بنبرة هادئة: "ممكن نطلع نقعد في أي حتة، وبعدين أنا حاسس إني محتاج أشرب قهوة وعطشان جدًا." ردت عليه نسمة بعفوية وكلمات متقطعة: "طيب روح وهاتلي عصير معاك. أنا ومنيرة هنكمل. ولسه عايزة أروح تاني عند الدار اللي كنا فيها." غمغم جواد بنبرة هادئة: "طب تعالوا نقعد برا نشرب حاجة ونرجع." قالت نسمة بعفوية:

"لا لو طلعنا برا. محدش فيكم هيدخلني تاني وهتكسلوا." أردفت منيرة حتى تنهي هذا الجدال: "خلاص روح هاتلنا يا ابني حاجة نشربها واشرب قهوة وتعالى تاني، وبعدين أحنا هنحاسب هنا وهوديها مكان ما هي عاوزة." تمتم جواد بنبرة جادة: "ماشي بس ركزي مع موبايلك شوية ولو اتأخرت عليكم أو معرفتوش توصلوا ليا بسبب الشبكة اطلعوا برا وكلموني تمام؟ هزت نسمة رأسها بنبرة هادئة وهي تهتف: "تمام."

رحل جواد وخرج من القاعة في المنطقة الخاصة بالاستراحة "البلازا" وكان على وشك أن يخرج تمامًا من القاعة لكنه شعر بالقلق من تركهما هذا الوقت. لذلك بحث بعينه في المكان الذي يقف فيه، وجد مكان صغير هنا، من الممكن أن يحصل على قهوته منه لذلك كان هذا هو الحل المثالي. اقترب جواد منه ووقف ينتظر الأشخاص التي تقف أمامه وقبله أن تنتهي من شراء ما تريده. تقف هدير بجوار حور وكلًا منهما يمسك يد الصغار خوفًا وقلقًا من كلمات إيناس.

هتفت حور برفض واضح: "لا هو يا الشيبسي يا العصير مع الباتيه اختار حاجة يا جواد يا حبيبي مش فرح هو." قالت هدير بحسن نية: "خلصينا يا حور بقا قولتلك هدفع أنا وخلاص هتفرجي الناس علينا." تمتمت حور بعدما تركت يده ورفعتها في وجه هدير: "لا مفيش حاجة تدفعي أنتِ، هو النص بالنص، والمفروض ميجيبش كل اللي هو عايزه. إيه ده هو راح فين." أستدارت لتجده يمسك الحلويات والمقرمشات واقفًا بجوار جواد الذي انحنى له هاتفًا وهو يصافحه:

"ازيك يا جواد؟ رد عليه جواد الصغير بابتسامة هادئة: "كويس، أنتَ عامل إيه؟ ابتسم جواد له هاتفًا: "أنا تمام وكويس جدًا إني شوفتك مش مصدق الصدفة الحلوة دي وبعدين أنتَ تايه تاني ولا إيه؟ ثم رفع رأسه وهو ينتظر أن تأتي تلك الأم التي تصرخ وتذعر بشكل مخيف لكنه وجد حور وهدير يقتربان منه وبين يديهم فتاة صغيرة في عمر جواد. نهض جواد وهو ينظر لهما، وكان الشبه واضح وكبير بين حور وبين تلك المرأة التي لا يعرف اسمها.

أردفت حور وهي تجذبه بلطفٍ رغم كل شيء متحدثة بنبرة أكدت إليه انطباعه عن تلك المرأة: "سيبت ايدي ومشيت؟ ده أمك محلفاني لو مكنتش لقيتك كانت هتقتلنا." قال جواد بنبرة جادة: "واضح أن جواد متعود يقلقكم عليه دايما." تحدثت حور بعدم فهم وهي تنظر له بعدما حملت الصغيرة وهدير امسكت بيد جواد جيدًا: "هو حضرتك تعرفه منين؟ وعارف اسمه هو لحق يقولك؟ ضحك جواد وابتسم قليلًا وهو يخبرها: "يعني معرفة قديمة شوية." قاطع حديثهما صوت

الشاب الذي يعمل في المكان: "يا آنسة هتحاسبوا على الحاجة ولا لا؟ كان يشير صوب الأشياء التي يحملها الصغار أثناء حديثه وهنا أردف جواد بنبرة هادئة وهو يذهب ناحيته، يخرج بطاقته الائتمانية وأخذها الرجل منه أولا قبل أن تخرج هدير النقود من محفظتها: "اتفضل شوف كام أنا هحاسب." جاءت حور هاتفة: "لا مينفعش طبعًا احنا هندفع." تمتم جواد بنبرة هادئة ولطيفة نوعًا ما: "دي حاجة بسيطة عشان جواد أنا مبسوط جدًا إني شوفته."

ثم أشار إلى الصغيرة وكأنه يسأل عن هويتها فأجابته الصغيرة بطلاقة عن شقيقها: "أنا وجواد توينز." أثناء حديثهما كان الرجل يقوم بوضع المياه والعصائر في كيس بلاستيكي، وأعطاهم إياه. أردفت هدير هنا: "مش يلا؟ تمتمت حور بتردد كبير: "يلا إيه بس." ثم وجهت حديثها صوب جواد هاتفة وهي بين يديها النقود: "حضرتك مينفعش تدفع لو سمحت، والله إيناس لو عرفت مش هترحمنا." تحدث جواد بنبرة خفيفة: "هي مربية ليكم الرعب؟ دي حاجة بسيطة لجواد و…"

"اسمك إيه؟ كان هذا السؤال الذي طرحه جواد على الصغيرة التي أجابته مبتسمة: "اسمي جنى." بعد وقت من المحاولات ومن رفض جواد الصريح أن يأخذ نقود منهما ذهبت حور وهدير برفقة الصغار إلى إيناس. بمجرد أن أخبرتها حور بالأمر صرخت في وجهها رافضة قبولها الأمر كان يجب عليها ألا تأخذ شيئًا وأصرت أن تذهب نحو المكان لعلها تجده لكن عند ذهابها إلى هناك كان هو قد رحل من هذا المكان منذ وقت. في الأتوبيس.

تجلس حور وهدير على المقعد وخلفها تجلس إيناس وأطفالها، كانت مازالت غاضبة إلى حدٍ كبير بعد جلوسها وقت أكثر مما تريد لعلها تصادفه لكنها لم تصادفه مرة أخرى، هنا تحدث حور بانزعاج: "ما خلاص بقا يا إيناس ارحميني، خلاص غلطت مدام أنتِ شايفة إني غلطت، بس الراجل حب العيال وحب يجيب ليهم حاجة اعمل إيه أنا يعني؟ ثم أسترسلت حديثها بنبرة حالمة وشاعرية نوعًا ما:

"وبعدين عينه العسلي اللي منورة من تحت النضارة والساعة اللي لابسها مخلتنيش أعرف أتكلم." ضربتها إيناس على كتفها لتتأوه حور مما جعل الأولى تصيح: "اخرسي يا مهزقة، واحترمي نفسك." هنا تحدثت هدير بنبرة عقلانية نوعًا ما: "هي بس بتهزر لكنها والله عرضت عليه كتير وأنا كمان عرضت والراجل كان مُصر واسلوبه بصراحة بيخليه تسكتي كده والعيال خدوا منه الحاجة مرضيوش يسيبوها."

صدع صوت هاتف حور لتخرجه من حقيبتها الجلدية، وجدت إحدى صديقاتها أو زميلاتها الغير مقربة منها تتصل بها وكان هذا شيء عجيب فأجابت: "ألو." *** في شقة بهية. استيقظت ريناد من النوم أخيرًا، منذ أن أخذت إجازة منتصف العام وهي أصبحت تنام في الصباح وتستيقظ قرب أذان المغرب.

امسكت بهاتفها أول شيء وهي مازالت مستلقية على الفراش، هي تغلق الإشعارات الخاصة بالتطبيق "التيك توك" كونها تنزعج من صوت الإشعارات الخاصة به، انشغلت الأيام الماضية بعدما كانت بتنزيل مقاطعها هي وحور. فتحت التطبيق لتجد كم هائل من الإشعارات لم يسبق لها أن رأته من قبل، فتحت المقاطع لتجد إحدى مقاطعها مع حور قد تخطى الثلاثة مليون مشاهدة، كم غير منطقي من المشاركات والإعجابات والتعليقات.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...