جلست جهاد على الأريكة تستمع إلى كلمات الأغنية على الهاتف وهي تبكي بغزارة، متأثرة إلى أقصى درجة. جاءت والدتها من الداخل بعدما تركت الطنجرة على الموقد حتى تعطي الطعام وقته حتى يصبح ناضجًا. هتفت يسرا بنبرة هادئة وهي تجلس على المقعد: "ما خلاص يا جهاد بقى، هتفضلي تعيطي لغاية امته؟ من وسط بكائها ردت عليها جهاد بقهرٍ: "لغاية ما الخرم يتسد علشان هو يرتاح ويكلمني." ضحكت يسرا رغمًا عنها متحدثة بسخرية:
"وهو الخرم يتسد إزاي والحلق فيه؟ بطلي عبط، وبعدين أنتِ غلطتي." صاحت جهاد باستنكار: "غلطت ليه إن شاء الله بقا؟ إيه يا ماما، هتتكلمي زيه بدل ما تنصريني عليه وتقولي له بنتي مغلطتش؟ هتفت يسرا بعقلانية وهي تنظر لها:
"يا جهاد، أنا مليش دعوة بيه وبرايه. أنا بقول غلطتي أنك مأخدتيش رأيي ورأي اختك حتى، روحتي عملتي لنفسك من غير ما تعرفينا. حتى لو هو قرار شخصي وحرية شخصية زي ما بتقولي، بس على الأقل كنتي أخدتي رأي اللي حواليكي أو عرفتي وجهة نظرهم، يمكن يقولوا حاجة أنتِ مش شايفة." ابتلعت يسرا ريقها ثم تحدثت مسترسلة حديثها السابق:
"الحاجات اللي بتسيب أثر على مدى طويل في جسمك لازم تهدي في أي قرار هتأخديه فيها، لأن عقلية الإنسان يا حبيبتي بتتغير على مدار السنين. يعني ممكن تكوني مبسوطة بيه دلوقتي، بعد كام سنة هتزهقي وهتحسي أنه مبقاش مناسب مع فكرك، ساعتها هتعملي إيه؟ هتفت جهاد بجدية شديدة: "أنا عايزاه يتسد دلوقتي علشان أستاذ سلامة يرتاح. مش هيتجوزني إلا لما الخرم يتسد، أموت نفسي علشان يرتاح طيب؟ قالت يسرا بابتسامة صافية:
"أنتم الاتنين لسه صغيرين ودماغكم صغيرة، لا أنتِ بتعرفي تكبري دماغك ولا هو كمان. كأنكم عيال في الحضانة، وبعدين الشباب بيكون ليهم فكر ودماغ مختلفة شوية، سبيه وهو هيصفى لوحده." صاحت جهاد بنبرة ساخرة من حالها: "كتب الكتاب فاضله كام يوم وأحنا متخانقين أهو، مهوا يا هو يصفى لوحده يا الخرم يتسد. مع أن شكل البيرسينج قمر، الله يسد نفسك يا سلامة." جاءت سلمى من الداخل وهي تدندن مشيرة نحو جهاد:
"لا فاش كيري، لا فاش كيري بتغذيني، الفايدة كبيرة في الطعم خطيرة لا فاش كيري." تمتمت جهاد بغيظ حقيقي وهي تشير بسبابتها نحو سلمى: "خلي بنتك تلم نفسها." هتفت سلمى وهي تأتي وتجلس بجوارها على الأريكة وتترك قبلة على وجنتيها: "مالك بس يا أستاذة لا فاش كيري، هو حد داسلك على طرف؟ تعرفي يا جهاد، رغم أن اللي أنتِ عملتيه ده حاجة ضد قناعاتي، بس عاجبني. عارفة ليه؟ سألتها جهاد ساخرة: "ليه يا سلمى؟ تحدثت سلمى ببساطة:
"علشان زي ما قولتلك، بقيتي زي البقرة شكلاً وموضوعًا، يعني أنا كنت مكتشفة الموضوع ده من زمان، بس أنتِ أكدتيه." كادت جهاد أن تبكي أكثر كالطفلة الصغيرة هاتفة: "بس يا سلمى بقا، مضايقنيش." هتفت يسرا موجهة حديثها صوب سلمى وهي تنظر لها نظرة ذات معنى: "احترمي نفسك يا سلمى بقا ومضايقيش أختك." ثم نظرت ناحية جهاد هاتفة: "وبعدين ملكيش دعوة بكلام حد، زي ما عملتي نفسك فتوة وروحتي عملتيه، ملكيش دعوة بكلام اللي حواليكي."
عقدت جهاد ساعديها بانزعاج صامتة. ثم تحدثت يسرا بنبرة جادة: "عايزين نعزم نضال يا سلمى." هتفت سلمى بانزعاج جلي: "ونعزمه ليه ده كمان؟ تمتمت يسرا متهكمة: "هو إيه اللي نعزمه ليه دي؟ هو الأصول أنه يكون له عزومة عندنا حلوة كده بعد الخطوبة، وأحنا اتلهينا في تعبك. لازم نكلمه ونعزمه يجي، قومي كلميه." ***
يقف زهران وخرطوم الأرجيلة بين يديه، وأحد الصبيان يحمل الأرجيلة له. كان يقف أمام باب الجزارة الذي أغلقه نضال خلفه بعدما أخذ هذا الشاب في الداخل وأخرج الجميع. تمتم أحد الشباب: "ما تزعق يا عم زهران، يمكن يسمع كلامك. أنا خايف يكون عمل فيه حاجة، ده مفيش صوت ولا أي حاجة." أردف زهران بعدما سحب نفس من الأرجيلة: "أزعق إيه، أنا لسه مفطرتش." ثم أسترسل حديثه قائلاً بقلق طفيف:
"وبعدين متقلقنيش بقى، إن شاء الله ميكنش عمل فيه حاجة." رفع زهران صوته هاتفًا وهو يضرب بكف يده الخالي على الباب: "افتح يا ابني، افتح متوديش نفسك في داهية. هي لسه خطيبتك، لو كانت مراتك كان الموضوع هيكون أسوأ يا حبيبي، افتح بقا." ثم وجه زهران حديثه للصبي الذي يحمل الأرجيلة له: "روح شوفلنا حد يفتح لنا الباب عقبال ما أخلص الحجر، وروح هات لي حاجة أفطر بيها علشان أقدر أتصرف." بينما في الداخل…
كان نضال يقوم بسن السكاكين أمام عين الشاب الذي ازدرد ريقه بخوف شديد، ويداه مربوطة بقطع حديدية التي يقوم بتثبيت اللحم من خلالها، وهناك قطعة حديدية أخرى مربوطة في مكان ما في الحائط حتى لا يستطيع الحركة. هتف الشاب محاولاً الدفاع عن نفسه: "والله ما أعرف أنها مخطوبة، أنا كل يوم كنت بشوفها في الموقف وكنت هسأل عليها من بدري كمان، بس عملت حادثة وكنت في البيت بقالي شهر وشوية." رد نضال عليه بهدوء مميت:
"آه مكنتش تعرف، وده يعني يديك الحق أنك تصور بنات الناس وهي ماشية في الشارع؟ غمغم الشاب بتوتر كبير وهو يراقب السكاكين التي في يده: "مكنتش نيتي وحشة والله، أنا حتى سألت السوبر ماركت وسألت كمان…" تمتم نضال مقاطعًا حديثه بابتسامة تحمل من الشر ما يكفي: "يعني أنتَ لفيت المنطقة كلها بالصورة؟! رد الشاب مسرعًا وهو يحاول أن ينجي بروحه بأي شكل كان، فهو وقع تحت يد شخص مجنون على الأغلب:
"والله مش قصدي، واهو الموبايل أخذته مني، امسح كل اللي عليه، متزعلش نفسك." في تلك اللحظة، فُتح الباب بواسطة أحد المفاتيح الذي كان أحد العاملين يحمل معه نسخة أعطاها له زهران وأتى بها من المنزل. هتف زهران بذعر وهو يتناول شطيرة الفول: "الحمد لله، الواد لسه عايش، وقعت قلبي. والله خلاص سيبه يا ابني، عيل وغلط، مكنش يقصد. روحوا فكوه يا شباب." قال زهران كلماته الأخيرة وهو يوجهها صوب الشباب. فصاح نضال بغضب واضح:
"لا محدش يفكه، أنا لازم أعلم عليه علامة تخليه بعد كده لما يشوف واحدة في الشارع، لو واقف ماسك موبايله عادي يحطه في جيبه ويلف وشه." هتف زهران بجدية أثناء ذلك كان نضال يحمل الهاتف بعدما عرف كلمة السر وكام بمسح كل ما يتواجد على الهاتف تقريبًا: "خلاص يا ابني، متوقعش نفسك في غلط ولا تودي نفسك في داهية أكتر من كده. وقعت قلبي، حاسس إن هيجرى حاجة ليا بسببك وبسبب عمايلك وتهورك." تمتم نضال باستهجان شديد:
"هيجرى ليك حاجة إيه، ده أنتَ ممشي الواد وراك بالشيشة وبتأكلي فول." بعد مرور نصف ساعة… حاول زهران والشباب فيها فك قيود الشاب. قد تركه نضال بصعوبة بالغة بعد إلحاح الجميع، بعدما مسح كل ما يتواجد في هاتف الشاب تقريبًا، وبعدما رأى الخوف الحقيقي في وجهه. هتف زهران وهو يتناول أرجيلته جالسًا أمام الجزارة: "خلاص بقا يا ابني، اهدى مش كده. دمك حامي أوي، الواد كان شوية وهيعملها على روحه بسببك." هتف نضال وهو يحدث نفسه:
"كل يوم جايلها عريس وهي مش عايزة تتجوز." تمتم زهران بابتسامة وكبرياء واضح: "علشان تعرف أنا مش بنقي لك أي حاجة، البت عليها الطلب." تمتم نضال بنبرة ساخرة: "كتر خيرك وكفاية كده، كمل الحجر بتاعك وسيبني في حالي." رحل نضال متوجهًا صوب المنزل. وفي الوقت نفسه كان يصدع صوت هاتفه معلنًا عن اتصال من سلمى. أجاب نضال في سرعة من أمره بنبرة غاضبة بحق: "ألو." تمتمت سلمى بنبرة هادئة: "إزيك يا نضال، عامل إيه؟ غمغم نضال بنبرة منفعلة:
"كويس." صوته وطريقته لا تتوافق تمامًا مع إجابته، لكنها غمغمت: "دايماً يارب. ماما كانت عايزة تعزمك على الغداء يوم الخميس لو فاضي ومناسب معاك." رد نضال عليها: "ماشي." ردوده غريبة وطريقته عجيبة، مما جعلها تسأله رغمًا عنها: "في حاجة يا نضال؟ قال نضال بنبرة جادة: "أيوه في، ياريت تاخدي بالك وأنتِ ماشية في الشارع." لم تفهم سلمى الأمر، فعقبت بعدم فهم: "أخلي بالي من إيه؟ مش فاهمة قصدك إيه؟! صاح نضال باستنكار رهيب تحت
مراقبة زهران له بعينيه: "في واحد صورك عند الموقف وجه هنا يسأل عليكِ، عايز يتقدم لكِ يا هانم." حاولت سلمى فهم الأمر، ولكنها صاحت هي الأخرى: "إزاي حد يتجرأ ويصورني من غير ما أعرف، والله كنت اتصلت بيا وجيت اديته بالشبشب." ثم لا تعلم لما شعرت باتهام في حديثه، لذلك استرسلت حديثها بغضب واضح: "وبعدين أنا مالي، حد صورني من غير ما آخد بالي، إيه غلطي أنا؟ هو أنا همشي أراقب الناس علشان تكلمني بالطريقة دي؟
"كده علشان متعصب، وبعدين مش محتاجة تيجي تديه بالشبشب، متقلقيش، مش قرطاس جوافة أنا." هتفت سلمى بنبرة جادة: "مش من حقك تتعصب عليا علشان حاجة مليش ذنب فيها، ده أنا كنت بقول على أخوك دماغه مريحاه، طلعت أنتَ أصعب." تمتم نضال بانزعاج شديد: "وأنتِ كمان بتغلطي في أخويا؟ غمغمت سلمى بنبرة مقتضبة: "أنا مغلطتش في حد، متغلطنيش بالعافية. وبعدين لو أنا مش عاجباك هبقى أخلي جهاد تحط شبكتي مع شبكتها ونبعتهم سلام."
ثم أنهت المكالمة، ليستشاط غضبًا ويلج إلى بوابة المنزل. وهنا كان زهران يضحك رغم أنه يجهل حقًا الأمر كليًا أو الحوار الذي يدور، كما لا يعرف ما يحدث تمامًا، لكنه يرى الشرارة التي تحدث وهذا ما أسعده. هو على وشك أن يذهب ويجد هذا الشاب ويشكره. وعلى ذكر الشرارة، سقط الفحم المشتعل من الصبي ليهتف زهران منزعجًا: "أهو الواحد يكون في أمان الله رايق، العكننة تجيله من حيث لا يعلم." ثم ابتسم هاتفًا:
"إلا صحيح، الواد جابر صاحب عمري واحشني، أما أكلمه أشوف أخباره إيه." *** استيقظت سامية منذ الصباح الباكر بسبب اتصال حمزة، حينما أخبرها بأنه يريد أن يتحدث معها، كم يريد رؤيتها. اندهشت أكثر حينما أرسل لها موقعًا يعود إلى مقابر عائلته وأنه يرغب في رؤيتها هناك.
جمعت حقائب عملها حتى تظهر أمام والدتها بأنها ذاهبة إلى عروس اليوم لتجهيزها، وكانت ذريعة قوية وليست غريبة حتى تثير شكوك والدتها، فهي أغلب عملها يكون في الصباح الباكر. ذهبت بسيارتها صوب الموقع لتجده أمام قبر والدته جالسًا بهيئة أفضل قليلًا من الهيئة التي كان عليها في المنزل حينما ذهبت عنده. قرأت له الفاتحة كما طلب منها، وأخذ يتحدث وكأنه يتحدث مع والدته.
"كنت عايز أعرفها عليكي يا حبيبتي، بس مجتش فرصة. بس أنا متأكد أنك شايفانا يا حبيبتي وحاسة بينا، ومتأكد كمان أنك حبتيها." أخذ يتحدث ويتحدث، لتشعر سامية تجاهه بالتأثر الشديد. هي مشفقة عليه وتعلم شعوره جيدًا، فهي فقدت والدها من قبل. صدقًا هي تتألم من أجله، لذلك حاولت أن تأخذه وذهبت معه لتناول الفطور في أي مكان، واستجاب لها، وبعد مرور نصف ساعة تقريبًا كان يجلس في مقعد بجوار مقعدها.
في الوقت التي كانت تنتظر معه النادل أن يأتي بالفطور، تحدثت سامية بنبرة هادئة وهي تنظر له بعطف: "ها، حاسس نفسك أحسن دلوقتي؟ رد عليها حمزة بنبرة فاترة نوعًا ما: "الحمد لله أحسن." ثم نظر لها متحدثًا بنبرة عاطفية: "أحسن علشان أنتِ معايا. أنا أصلاً مش عارف، لولا أنك في حياتي الفترة دي، أنا كنت هعمل إيه؟ ولا هتخطى الفترة دي إزاي؟ ابتسمت له بخجل طفيف ثم قالت بهدوء:
"ربنا يقويك، وإن شاء الله هتعدي من الفترة دي. هي محطات في حياتنا بتكون صعبة، بس الحياة بتكمل وبتمشي." قال حمزة بتمني حقيقي: "يارب." ثم أسترسل حديثه وهو يعتدل في جلسته ويقوم بالتعديل من وضع مقعده حتى يناظرها. "أنا حابب أعتذر لكِ." نظرت له سامية متحدثة باستغراب: "تعتذر على إيه؟ رد عليها حمزة ببساطة وهو يخبرها:
"علشان حضنتك يوم ما جيتي الفيلا، أنا خايف تكوني فهمتيني غلط، وخايف تكوني زعلتي من جواكي. وبصراحة كنت محرج، ومن أول ما شوفتك عايز أقولك الكلام ده، بس كنت مقلق أفتح الموضوع معاكي، بس مكنش ينفع مقولهوش، وممكن تكوني مضايقة مني من جواكي." للحق يقال، أنها كانت تشعر بالدهشة والاستغراب، لكنها حاولت بشتى الطرق تفسير ما فعله، وأنه لم يقصد فعلها بل كان نابعًا منه بطريقة عفوية وتلقائية، هو ليس شخصًا معتادًا على هذا!!
أغلقت كفيها على بعضهما ولم تجد ردًا مناسبًا على اعتذاره الذي أصابها بالخجل، فهي لم تكن ترغب في ذكر تلك النقطة أبدًا. وهذا ما قالته وهي تتحدث بنبرة مقتضبة: "ممكن منتكلمش في الموضوع ده لو سمحت." تفهم خجلها وارتباكها، لذلك قرر أن يدخل إلى صلب الموضوع هاتفًا: "أنا عايز اتجوزك، والمرة دي أنا عايز اتجوزك في أقرب فرصة، أنا محتاجك جنبي ومش قادر أبعد عنك. لولا اللي حصل مكنش موضوعنا أتأجل." ردت عليه سامية بتردد:
"ماشي، مفيش مشكلة بالنسبالي، وأنا اتفهمت رغم احراجي قدامهم في البيت بسبب اللي حصل، لكن أنا قدرت موقفك لما عرفت اللي حصل. ممكن تعدي فترة مناسبة وتكلم عمو وتيجي." غمغم حمزة بنبرة جادة: "إيه هي الفترة المناسبة، يعني؟
احنا في أكتر فترة مناسبة. أنا مش عايز حاجة غيرك يا سامية وغير أننا نتجوز ونكون مع بعض. أنا شقتي جاهزة، وكل حاجة تمام. هاجي أتكلم مع عمك ولو وافق نتجوز علطول. ممكن منعرفش نعمل فرح بسبب الظروف، بس الفرح مش كل حاجة، كفاية أننا نكون مع بعض." صمت لعدة ثوانٍ ثم قال بنبرة متألمة: "أنا لوحدي يا سامية." كيف من الممكن أن تتزوج من دون حفل زفاف؟!! كل عروس تعمل معها ترى ذاتها فيها يومًا ما. فردت عليه سامية بحرج وعدم فهم:
"طب وليه السرعة دي؟ أحنا نستنى شوية، وبعدين لوحدك إزاي؟ هتف حمزة بتوضيح بسيط لظروفه: "هنستنى إيه؟ مش هينفع نستنى أقل من سنة علشان لو عايزة تعملي فرح، وأنا مش هقدر استنى سنة وأنتِ بعيدة عني، حتى لو اتخطبنا مش هعرف أشوفك براحتي ولا هعرف أقابلك. وبحسك دايماً قلقانة وأنتِ معايا، حد يشوفك." ابتسم لها ثم تحدث بنبرة عاطفية:
"المهم الإنسان اللي هتعيشي معاه وتشاركيه حياتك واللي بتحبيه، أنكم تكونوا مع بعض. الفرح دي شكليات، مش كل اللي عملوا فرح عايشين في سعادة." شعرت بتأثيره عليها، لكنها كابرت وهي تسأله: "أنا برضو مفهمتش، إيه الشقة اللي بتتكلم عنها وإزاي لوحدك، ولما روحت عندكم كانت خالتك واختك وجوزها موجودين." وضح لها حمزة الصورة:
"الفيلا دي اللي هي نفسها الفيلا اللي جيتي فيها يوم فرح ياسمين، دي الفيلا بتاعت جوزها اللي بالمناسبة هو ابن خالتي. طبيعي أنهم يكونوا مع بعض، أنا اللي قاعد معاهم ومش مرتاح، في بيني وبينهم مشاكل كتير مش حابب أقولها وأشغلك بيها. وأصلاً من النهاردة هروح أقعد مع واحد صاحبي شوية، علشان كده أنا عايزك جنبي وعايز نتجوز في أقرب فرصة." ردت عليه سامية بتردد شديد:
"أهلي مش هيوافقوا اتجوز بالسرعة دي ومن غير فرح ومن غير حاجة، حتى لو أنا وافقت." قال حمزة وهو ينظر لها نظرة ذات معنى: "لو أنتِ وافقتي وعايزاني وشارياني زي ما بيقولوا، أنا متأكد أنك وقتها هتقنعيهم وهتعملي المستحيل علشاني." ابتلع ريقه ثم تحدث:
"وأنا مش عايزك تقولي لحد، فكري مع نفسك بس في اللي قولته، وأنا لما أقعد معاهم هوضح لهم ظروفي. أنا عايزك تفكري مع نفسك، وتحسبيها براحتك، واليوم اللي هتقولي فيه أنا موافقة يا حمزة، أنا مش هتصل بعمك، لا أنا هاجي لغاية عندكم في نفس اليوم." *** في اليوم التالي…
تجلس جهاد على المقعد تراقبه من بعيد طوال اليوم، بسبب شجارهم كل شخص فيهما يأتي بمفرده، وهو يتجاهلها وكأنها ليست موجودة في المكان. كانت تنتظر الوقت المناسب حينما تبدأ فترة الاستراحة القصيرة الخاصة بهم حتى تتحدث معه، إذا كان يرغب في إنهاء علاقتهما ليفعل، بدلًا من كونها لا تعرف ما الذي ينويه، وما الذي سوف يحدث بينهما؟
بعد أيام قليلة جدًا عقد قرانهما، حتى أنه بدأ العد التنازلي. إذا كان لن يتزوجها ليخبرها حتى تقتله وتقتل نفسها بكل هدوء. أتى الوقت المخصص للاستراحة، فنهض هو متوجهًا صوب الكافتيريا، على ما يبدو هو لا يرغب في إعطائها فرصة للحديث. لكنها لن تصمت. ذهبت خلفه هي الأخرى ووصلت إليه وهو يتناول قهوته، مغمغمة بانزعاج شديد: "لو سمحت، عرفني نهايتنا إيه، علشان لو مش عايز تكمل معايا، ابعت لك شبكتك." رد عليها سلامة مستنكرًا
وهو يرفع بصره لينظر لها: "في حاجات أكبر من الشبكة، لو مش واخدة بالك، حاجتك بقت في شقتي والشقة شبه اتفرشت. هدوري على الحاجة ولا الشبكة؟ غمغمت جهاد باستنكار واضح: "مش مهم، المهم أننا هنخلص وكل واحد يأخد حاجته. أنا حرة يا سلامة، مش علشان عملت حاجة زي دي تقعد كده مخاصمني ومش معبرني." تحدث سلامة وهو ينهض مغمغمًا بنبرة مقتضبة: "أتذكر مرة حلقت شعري كله، مكنتيش عايزة تكملي معايا علشان مأخدتش رأيك." تمتمت جهاد بتردد،
فهي بدأت تشعر بضعف موقفها: "لو سمحت، لما نكون بنتكلم في حاجة، متتكلمش في حاجة تانية قديمة وخلصت. أنا بتكلم في الموقف اللي أحنا فيه ده، عيب لما قصة الحب الأفلاطونية دي تبوظ علشان مناخيري اتخرمت." قال سلامة بضيقٍ حقيقي وعيناه تذهب إلى أنفها: "شكله ملفت وزفت، معرفش إيه القرف اللي عملتيه ده من غير ما تأخدي رأي حد." حاولت جهاد التحكم في نفسها، متمتمة بانزعاج:
"واديني عملته يا سلامة، عملته واتنيلت عملته. شايفة صح ولا غلط، شايفة حلو ولا لا، عملته، وأكيد مش هيتسد لأنه عاجبني، وحتى لو اتسد هيأخد مدة ومش هغامر بيها دلوقتي. هتعمل إيه علشان أكون عارفة، هنتنيل نتجوز ولا نفضها سيرة؟ ولما أرجع البيت أحضر حاجتك وأخد حاجتي." هتف سلامة بنبرة جادة للغاية: "دي آخر مرة يا جهاد تعملي حاجة وتفاجئيني بيها بالشكل ده." ثم نظر إلى الهاتف ليرى الساعة:
"البريك خلاص بيخلص، هنتكلم واحنا مروحين. هستناكي لما تخلصي الساعة دي لأن الشيفت بتاعي هيخلص قبلك." قالت جهاد بنبرة مسالمة: "ماشي." ثم هتفت بنبرة صادقة وهي تنظر له: "متزعلش مني يا سلامة، حتى لو مكنتش غلطانة، مش عايزة نشيل من بعض."
للحق يقال، أنه مغتاظ وغاضب إلى أقصى حد ولا يعجبه الأمر إلى حد كبير، لكنه لا يستطيع أن يخاطر بخسارتها… لأنه يحبها ويريدها. يحاول تهدئة نفسه خلال الأيام الماضية، كان يبتعد عنها من أجل تهدئة نفسه. بدأ يشعر باللين قليلًا، أو على الأقل يحاول التفكير من أكثر من جهة عوضًا عن أفكاره السابقة، يحاول أن يفكر بطريقة مرنة. قال سلامة بنبرة هادئة: "هنتكلم يا جهاد واحنا مروحين." ***
تجلس ريناد في الشرفة التي أصبحت ملجأ لها، رغم أنها طوال الوقت تغلق الستار كما أن المنظر ليس جيدًا للنظر، سواء أمامها أو حتى لما يتواجد في الأسفل، لكنها تحب الجلوس بها رغم كل شيء.
أخذت تقوم برؤية المقاطع التي تتواجد في هاتفها، رأت تلك المقاطع التي التقطتها مع حور منذ مدة، أعجبتها كثيرًا وحاولت التفكير لماذا لم تحاول أن تقوم بتنزيلهم على حسابها. هي متأكدة من أنها سوف تنال إعجاب متابعينها، على الأقل تقوم بتسلية نفسها وملء حسابها بالمقاطع إلى أن تظهر النتيجة الخاصة بالفصل الدراسي الأول.
المقاطع كلها رائعة، لذلك اختارت أفضل ثلاثة منهم وقامت بتنزيلهم. بعدها وقفت لتنظر إلى الأسفل لتجد سيارة والدها ودياب يقف بجوار السيارة ويشير له من ناحية النافذة. صاحت ريناد بشكل مخيف: "كنت عارفة، كنت عارفة أن الفتان ده هيقوله. والله كنت حاسة، أعمل إيه دلوقتي ياربي؟ ابتلعت ريقها ثم شهقت وهي تضع هاتفها في جيبها وتخرج كالمجنونة حتى تهبط وتمنعه من قول أي شيء إلى والدها. بينما في الأسفل… "أيوة خلاص، أعدل العجل على كده."
هز محمد رأسه بهدوء وفعل ما أراده، ثم توقف في المكان الذي كان يحاول دياب أن يجعله يقف فيه بعد أن أزاح الحجارة له. توقف محمد ثم اصطف بالسيارة وهبط منها مغمغمًا: "شكرًا جدًا يا دياب، تعبتك معايا." تمتم دياب بهدوء: "لا مفيش تعب ولا حاجة، عن إذنك بقا علشان رايح الشغل." هز محمد رأسه بتفهم ثم غادر دياب. وبعد مغادرته مباشرًا كانت ريناد تأتي من الداخل متمتمة: "بابا، والله أنا مش قصدي، ده بيقول كلام مش حقيقي."
أردف محمد بعدم فهم: "قال إيه؟ مش فاهم أنتِ بتقولي إيه؟ ونازلة حافية كمان؟ في إيه؟ نظرت ريناد إلى قدميها، وهنا أدركت حماقتها وهبوطها حتى دون أن ترتدي حذاء. هتفت ريناد وهي تسأله بتردد حقيقي: "هو مقالش أي حاجة عني خالص؟ تحدث محمد بشك: "وهو إيه اللي ممكن هو يقوله عنك؟ مش فاهم؟ في إيه يا ريناد؟ صاح في كلماته الأخيرة وسؤاله، فتوترت ريناد وبدأت تشعر من ملامح والدها بأنه لا يعرف شيء، فحاولت ريناد قول أي شيء خطر على ذهنها:
"افتكرت أنه قالك إني السبب في أنه يسيب شغله." تمتم محمد بعدم استيعاب: "يعني إيه أنتِ السبب؟ وإيه علاقتك بيه أساسًا؟ "هفهم حضرتك." *** تقف انتصار مع هدير تقوم بمساعدتها في ترتيب ملابسها في الخزانة بعدما قاموا بتجهيز الشقة لها بمساعدة إيناس لها، لكنها رحلت منذ قليل بسبب أطفالها ومشاغبتهم. نظرت هدير لها بحرج كبير، تحديدًا أنها لم تكن تمتلك علاقة قوية بها، فأردفت: "تعبت حضرتك معايا بجد، أنا مش عارفة أقولك إيه."
تمتمت انتصار بنبرة حنونة وهي تنظر لها: "أنتِ زي سامية عندي بالظبط، ومفيش تعب ولا حاجة يا بنتي؛ خلاص الشنطة فضيناها اهو، أنا هسيبك بقا علشان أروح أحضر الغداء، ولازم تيجي تأكلي معانا أنتِ سامعة؟ تمتمت هدير بتوتر وهي تتذكر استقبال سامية الخالي من الترحيب تمامًا في الصباح: "ملهوش لزوم، أنا مش عايزة ا…" قاطعت انتصار هذا الحديث متمتمة:
"مفيش حاجة اسمها ملهوش لزوم، ده حتى أنا عاملة شوية محاشي هتأكلي صوابعك وراهم. أنا هنا في مقام والدتك يا حبيبتي؛ أنتِ مش غريبة ووسط أهلك. أي حاجة تعوزيها في أي وقت مهما كانت هي إيه، رني عليا بس، أنا أغلب الوقت بكون لوحدي، سامية بتكون في الشغل، واهو نونس بعض." هتفت هدير بحرج شديد: "تسلمي يا طنط، والله ربنا يخليكي بجد." تمتمت انتصار بنبرة هادئة:
"ويخليكي يا حبيبتي. أنا صحيح معرفش إيه اللي حصل بالظبط بينك وبين أختك، بس مهما كان، اوعي تسمحي لنفسك تضايقي ولا تنكسري ولا تزعلي لأي سبب من الأسباب، وركزي في مذاكرتك وفي حياتك يا بنتي، أنتِ في سنة مهمة، إن شاء الله نفرح بنتيجتك قريب." قالت هدير بتمني حقيقي رغم أن معنوياتها صفر: "إن شاء الله، بس صدقيني أنا هكون مرتاحة كده، أنا محتاجة آخد على الشقة." هتفت انتصار بتفهم تلك المرة:
"خلاص براحتك، بلاش تأكلي معانا النهاردة، بس أنا هجيب لك الأكل لغاية عندك هنا، لازم تدوقي أكلي." ابتسمت لها هدير، فسارت انتصار بضعة خطوات وتوجهت صوب الطاولة التي تركت عليها المفاتيح هاتفة بهدوء وهي تمد يدها بالمفاتيح: "دول الخمس مفاتيح بتوع الكالون الجديد اللي نضال ركبه النهاردة قدامك قبل ما يمشي، المفاتيح كلها معاكي أهي، شيلي الباقيين في حتة، وحطي واحد في الميدالية بتاعتك."
نضال هو من فعل هذا الأمر حتى تشعر الفتاة بالراحة أكثر، فقام بالأمر أمامها. هتفت هدير وهي تأخذ مفتاحًا منهم وتعطيه إليها: "خلي واحد مع حضرتك علشان لو نسيته في مرة أو حاجة، وهحط واحد معايا وهشيل الباقي." "تمام زي ما تحبي يا حبيبتي." *** يوم الخميس. ارتدى نضال ملابسه وتجهز للذهاب ثم خرج من الغرفة ليجد سلامة ووالده يجلسون على الأريكة. كان سلامة مازال بملابسه المنزلية، وهنا تحدث نضال مستنكرًا:
"أنتَ لسه ملبستش لغاية دلوقتي؟ وضع سلامة قدم فوق الأخرى هاتفًا بتعالي: "أجي ليه؟ أنا مش معزوم، هما عازمين نسيبي الجديد، أنا مالي؟ استشاط نضال غضبًا وتغيرت ملامحه، وهنا تحدث زهران وهو يجلس متأهبًا منتظر أن يشتعل الفحم الذي وضعه في المطبخ حتى يتناول أرجيلته. "يا ابني قوم خلص، بلاش تناكة ملهاش لازمة، ما إحنا عارفين أنه عمل مشكلة مع البت وعايز حد يروح معاه." قال سلامة بغرور يناسبه:
"والله علشان تعرفوا أن سلامة نسمة، أنا حقيقي نسمة، أنا معملتش مشاكل وأنا مكملتش شهر خاطب، لكن ابنك بدأها بدري أوي." تمتم نضال بانزعاج: "هتقوم تيجي معايا ولا اتنيل أروح لوحدي؟ هتف سلامة بنبرة جادة وهو ينهض من مكانه، على ما يبدو يرغب في تجربة حظه إلى آخر لحظة. "شوف الدنيا قلابة إزاي؟
اهو زي ما كنت بحايل عليك علشان تيجي معايا لما اتخانق ومترضاش، اهو الزمن اتعكس، بس أنا مش زيك، مش هقولك خد مرات عمك وروح علشان أنا قلبي طيب، هاجي معاك." أنهى سلامة حديثه ورحل حتى يغير ملابسه في عجلة من أمره حتى لا يبتلعه نضال. وبعد رحيله تحدث زهران معلقًا: "جرى إيه يا نضال، هو أنتَ هتروح عند الناس إيدك فاضية كده؟ تمتم نضال بنبرة هادئة وجادة: "لا هروح ***** أجيب حلويات وحاجات، أكيد مش كل مرة هروح هطلع بلحمة."
قال زهران منزعجًا وهو ينظر له: "لحمة إيه وحلويات إيه؟ هو شباب اليومين دول مشاعرهم بايظة كده ليه؟ هتف نضال بتهكم طفيف واختناق واضح: "اومال المفروض أعمل إيه يا شباب اليومين اللي فاتوا؟ تمتم زهران بغضب كبير: "لا ياريت بلاش عبط وغلط وقلة أدب." عقب نضال على حديثه بعدم فهم: "وهو إيه اللي عملته دلوقتي ولا الغلط اللي غلطته؟ قال زهران بنبرة واضحة:
"أنا شباب اليومين اللي فاتوا واليومين دول واليومين اللي جايين كمان، بس عمومًا ده مش موضوعنا، أنتَ تروح تشتري ورد وتروح تشتري شوكولاتة، كده حاجات من اللي بتحبها البنات، هو أنتَ رايح تقابل واحد صاحبك؟ هتف نضال برفض واضح: "وأنا أجيب ورد ليه إن شاء الله؟ تمتم زهران ساخرًا: "يعني لو مجبتش ورد لخطيبتك هتجيبه ليا أنا يعني؟ ومتجيبش ورد ليه؟
على رأي فيلم أرحم دموعي بيقولي في الجواب تحياتي واشواقي مقالش وقبلاتي، أما قليل الذوق بصحيح." ابتلع زهران ريقه ثم أسترسل حديثه بانزعاج واضح: "أنتَ مشاعرك مش شغالة ليه يا ابني؟ ليه مش طالع زيي؟ أروح أكشف ليك عند دكتور مشاعر لو ينفع؟ يمكن يلاقي لينا حل." أردف نضال بسخرية شديدة: "مش يمكن علشان أنتَ مدبسني من البداية؟ عقب زهران بلا مبالاة أغضبت نضال:
"روح، أنتم متخانقين يا حبيبي، هات شبكتك وتعالى، متزعلش نفسك ولا تجيب ورد ولا غيره، وش فقر أنتَ. أنا قايم أشوف الفحم ولع ولا لسه، أحسن." ***
تجلس مع إحدى صديقاتها.. والتي عددهن قليل… تتحدث معها دومًا على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن بسبب ظروف الحياة لا تسمح لهم دومًا بقضاء يوم معها. في الواقع السنوات التي تجمعهم ليست كثيرة، هي تكبرها بخمس سنوات تقريبًا وتعمل خبيرة تجميل مثلها، وتعرفت عليها منذ ثلاث سنوات تقريبًا بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي، ومن وقتها توطدت علاقتهما.
أخذت سامية تخبرها آخر التطورات، وتحديدًا علاقتها بحمزة وطلبه للزواج منها بتلك السرعة، والغريب بأنها وجدت تأييدًا شديدًا من صديقتها التي قالت: "وإيه المشكلة؟ ما بتقولي مستواه حلو وشغله حلو وعنده شقة، إيه المانع؟ هو أنتِ مش صغيرة أنك تقعدي تستني واحد يكون نفسه من الأول، والأهم بقا أنك ميتة في دباديبه وبتحبيه." تحدثت سامية وهي تحاول شرح نفسها:
"أنا معاكي في كل ده، وأهم حاجة إني بحبه وبحبه أوي كمان، بس الفكرة أنا دول عمري، بحلم بأني أعمل خطوبة كبيرة وفرح كبير وحنة، وعمري ما اتخيلت إني ممكن معملش فرح ليا تحت أي سبب من الأسباب." أخذت صديقتها رشفة من المشروب الذي يتواجد أمامها ثم قهقهت ساخرة وهي تشير إلى ذاتها: "ياختي، وهما اللي عملوا فرح خدوا جائزة؟
مهوا أنا قدامك عملت في الجوازتين فرحين، واديني اتطلقت مرتين، وفي كل مرة كنت أبهرج وأعمل فرح أحسن من اللي قبله وأعزم الناس كلها، اخدت إيه؟ إلا خازوق في الآخر. الأفراح تكلفة وتعب وقرف على الفاضي، خليه يسفرك برا وتعملوا أحلى شهر عسل." تحدثت سامية بتردد شديد رغم حبها له ورغبتها الشديدة في الوقوف بجواره في تلك المحنة: "أيوة بس برضو ده ذكرى ويوم مش هيتكرر." قالت صديقتها مستنكرة:
"اه بتكون ذكرى فعلاً، أنا كل ما أشوف الصور أتحسر على نفسي. على الأقل لو اتطلقتي منه بعد الشر، متلاقيش لا صور ولا ذكريات تضايقك." تمتمت سامية بانزعاج من فكرة الطلاق تلك وكونها تتحدث عنها بأريحية كبيرة: "يا بنتي لمي لسانك." ضحكت صديقتها ثم غمغمت بجدية:
"بهزر معاكي، اضحكي كده. أنا عايزاني تفرحي مع اللي بتحبيه. وبعدين ممكن تلبسي فستان فرح بسيط كده برضو وتعملوا سيشن رايق وتسافروا تعملوا شهر عسل، فكك من حوار الزيطة اللي مالوش لازمة وفلوس بتدفع على الأرض علشان كام ساعة، واقفي جنب اللي بتحبيه." هتفت سامية بعدم استيعاب كونها تقتنع بحديثها إلى حد كبير: "والله محدش غيرك بيريحني." بعدما استكانت ملامحها وهدأت، عادت مرة أخرى تخشب ملامحها هاتفة بتردد كبير وخوف:
"بقالي كام يوم بفكر وبدأت أقتنع، بس أنا هقنع عمي إزاي؟ ولا أقنع أمي اللي نفسها تفرح بيا إزاي كده؟ قالت صديقتها بنبرة هادئة:
"عمك هيقتنع وهيفهم أن رأيك اللي هيمشي في النهاية، دي حياتك أنتِ. أما أمك كلمتين حلوين كده ليها هتلين، وبرضو هو حمزة لازم يقنعها بنفسه ويطمنها من ناحيته، وكل حاجة هتمشي. توكلي على الله، مفيش أجمل من أنك تتجوزي الراجل اللي بتحبيه، غير كده بتكون عيشتك غم، لا بيكون هو طايقك ولا أنتِ طايقاه، وده عن تجربة." أردفت سامية بعد تنهيدة خرجت منها وهي تعقد ساعديها: "ربنا يسترها، وإن شاء الله خير." هتفت صديقتها مشجعة إياها:
"أنتِ عرفيه أنك موافقة، بلاش تتجاهليه أكتر من كده، هو أكيد عايز يستقر معاكي، وصدقيني هو في فترة صعبة محتاج حد يقف جنبه، خصوصًا أنك بتقولي أنه في مشاكل مع أخته." ابتلعت ريقها ثم غمغمت مسترسلة حديثها: "والراجل بعد وفاة أمه بيكون عايز اللي تطبطب عليه، وصدقيني هو مش هينسى أبدًا وقفتك جنبه دي، أهم من إنك تفضلي سنة بالميت عقبال ما تعرفوا تعملوا فرح." ***
يقف نضال أمام شقة يسرا وبناتها، وبجواره سلامة الذي يحمل بضعة صناديق كرتونية بها حلوى على الأغلب، وعلبة من الشيكولاتة الفاخرة. ترك سلامة العلب على الدرج وأخرج هاتفه، وهنا تحدث نضال بعدم فهم: "بتعمل إيه؟ جعل سلامة الهاتف في وضعية التصوير هاتفًا وهو يلتقط له صورًا عشوائية: "هكون بعمل إيه يعني؟ بصورك علشان أبعتها لابوك، ده هيفرح بيك أوي وأنتَ شايل الورد كده. إيه؟
كاظم الساهر ياخواتي على رأي أبوك، ده شوية تقولنا غاليتي، أنتِ غاليتي، لا أدري كيف رماني الموج على قدميكي." أخذ نضال ينتعه بكل الألفاظ البذيئة وهو يقوم بتصويره، لكن يحافظ على نبرته المنخفضة. بعدما انتهى سلامة مما يفعله هتف نضال بتردد وحرج كبير: "أنا قولت لك نختار حاجة حلوة، أنا حاسس أننا جبنا كل الورد اللي عند الراجل، مبالغة زيادة بصراحة وشكلي زي الزفت."
ناظره سلامة وهو يحمل باقة من الزهور الوردية بـ اختلاف درجاتها ووسطها زهور بيضاء وملفوفة بعناية وأناقة كبيرة. هتف سلامة بإعجاب وهو يقرع الجرس بلا مقدمات: "لا شكلك فل، أحلى راجل شفته شايل ورد." كان يحدثه وهو يرسل الصورة إلى والدها الذي رآها في وقتها وأرسل له رسالة صوتية سمعها سلامة ونضال. "قوله أنك ابني فعلاً، الراجل الرومانسي ده من صُلبي، ناقص بس يفرد وشه، هو مش رايح جابه بمزاجه، يبقى ليه قلبة الوش دي؟
كاد نضال أن يتحدث لولا جهاد التي فتحت لهما الباب واتسعت ابتسامتها هاتفة وهي تنظر إلى سلامة: "أهلاً وسهلاً، اتفضلوا." أردف سلامة بابتسامة صافية وعيناه على وشك أن يخرج قلوبًا منها: "أهلاً بالقمر اللي طل علينا ده، مساء النور والسرور والهنا." تمتم نضال ساخرًا: "خلاص كفايا أوفور في الأداء." دافعت جهاد عنهما متمتمة بجدية: "جرى إيه يا نضال، مالك؟ إيه الكلام اللي مش لايق على الورد اللي ماسكه ده؟ ولا حلو ليك ووحش لينا؟
بعد مرور بضعة دقائق… كانت يسرا قد صافحت الشباب وألقت التحية عليهما ثم ذهبت لتستكمل تحضيرها الطعام، بينما نضال كان مازال يضع الورد على فخذيه تحت نظرات جهاد التي لكزت سلامة حتى يتحدث بدل هذا الصمت الغريب. "جرا إيه يا نضال، مش هتديها الورد ولا إحنا جايبينه زينة وهنروح بيه يعني ولا إيه؟ ابتسم نضال بسبب مرح شقيقه على الرغم من أنه كان يرغب في قتله. أردف نضال وهو ينهض ثم مد يده بالباقة ناحية سلمى: "اتفضلي يا سلمى."
أخذت منه سلمى الباقة بعفوية وأسترسل نضال حديثه وهو يجلس مرة أخرى: "أسف بسبب المكالمة اللي حصلت ما بينا، مكنش قصدي يعني اتكلمت كلام غريب فيها." تمتمت سلمى بهدوء: "حصل خير." سألها نضال مستفسرًا: "يعني مش زعلانة؟ هزت سلمى رأسها نافية هاتفة: "لا مش زعلانة خلاص، أنا برضو يعني ردودي مكنتش كويسة." رفع نضال بصره بعدما ابتسم لها لينظر ناحية سلامة وجهاد اللذان يتناولان قطع الشيكولاتة ليهتف بحنق: "أنتم بتعملوا إيه؟
سحبت جهاد منديلًا ورقيًا ومسحت فمها ووجهها هاتفة بانزعاج: "وليه الإحراج ده؟ وبعدين سلمى مبتأكلش الشيكولاتة." ردت سلمى عليها بنبرة ساخرة وعناد: "افرضي كنت عايزة أكلها المرة دي؟ تمتم سلامة بنبرة جادة: "خلاص يعني أحنا مخلصنهاش، بلاش تكبير مواضيع، دا أنتم فولة واتقسمت نصين." وجه حديثه إلى سلمى مغمغمة: "إلا صحيح يا سلمى، أنا هدخلك موسوعة جينيسيس." ردت سلمى عليه باستفهام يحمل بداخله سخرية نوعًا ما: "ليه يا أستاذ سلامة؟
عقب سلامة بمرح مما جعل جهاد تضحك على كلماته بمفردها، فقط بينما نضال كان ينظر له نظرات غاضبة جدًا: "لأنك أكتر واحدة شوفتها في حياتي بيجي لها عرسان، عريسين كل أسبوع باين، ده أنتِ واخدة حظ عشر بنات معاكي." جاءت يسرا من الداخل متمتمة وهي تنقذه من بين يد نضال وسلمى لو كان الحوار استمر: "فضي السفرة يا جهاد وتعالي يا سلمى معايا جوا عايزاكي." *** "أنا موافقة يا حمزة" تلك الرسالة التي تلقاها منها اليوم ليجيب على الفور.
"أنا أقل من ساعة وهكون عند عمك." تلك الرسالة هي التي جعلتها تقف طوال اليوم في الشرفة تنظر ناحية الجزارة، حيث يجلس زهران، تراقب الرائح والغادي من خلف الستار تحاول ألا تظهر حتى لا يلمحها عمها. تنتظر أن تراه على أحر من الجمر. حتى تنفست بصورة طبيعية وهي تجده اصطف بسيارته قبل الجزارة وهبط منها وهو يقترب من مقعد زهران، فهي أخبرته بأن عمها يجلس مع أرجيلته أمام الجزارة. أقترب حمزة من زهران هاتفًا: "حضرتك الحاج زهران؟
رد زهران عليه منزعجًا، على ما يبدو هو لا يعرفه، ومدام لا يعرفه هو ليس رجلًا أتى من أجل شراء اللحم، وهنا تحدث بنبرة مترددة: "إيه جاي تطلب إيد سلمى أنتَ كمان في ليلتك دي؟ لم يفهم حمزة عما يتحدث الرجل، لكنه حاول الحديث شارحًا له الأمر ومعرفًا إياه على هويته: "لا، أنا حمزة اللي سامية كلمت حضرتك عني من فترة، وحابب أتكلم مع حضرتك شوية لو ينفع."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!