الفصل 9 | من 34 فصل

رواية عطر سارة الفصل التاسع 9 - بقلم شيماء سعيد

المشاهدات
25
كلمة
2,150
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

دلف للمنزل وقلبه يخفق بخوف. آخر ما وصل إليه وما استقر عقله على تكراره: "بموت". يعلم أنها ستخرج بخير، ولكن نبرتها الضعيفة المتهدجة. بخطوات سريعة دلف الغرفة ليجدها على الأرض فاقدة للوعي. حملها وضمها لصدره بحماية، يؤكد لنفسه وجودها بين يديه. أخذ نفسًا عميقًا وهو يتأمل ملامح وجهها المرتعبة. قرب وجهه منها ووضعه على وجهها ليزيل حبات العرق من عليها، هامسًا: "أنتِ في أمان معايا."

بعد نصف ساعة، دلف بها لقصر علام. قابلته حنان وهو يصعد بها الدرج. فاقتربت منهما بقلق قائلة: "أنت شايلها وشكلها متبهدل كده ليه؟ عملت فيها إيه يا محمود؟! نظر إليها بطرف عينيه قائلاً بتعجب: "إيه يا أمي؟ هو أنتِ بتكلمي وحش؟ هعمل فيها إيه يعني؟ هي بس تعبانة شوية ومحتاجة ترتاح شوية وهتيجي دكتورة، أبقي دخليها." أكمل طريقه إلى غرفة نومها. أما حنان، فظلت بمكانها وبداخلها شعور بأن ولدها السبب الرئيسي فيما حدث لتلك الصغيرة.

حركت رأسها بتنهيدة قائلة: "ربنا يهديك يا محمود." وضعها بحذر على الفراش، ثم جذب الغطاء ليدثر بها جسدها المرهق. جلس بجوارها ورفع يده ليضع خصلاتها بجانبها على الوسادة.

تأملها بدقة: جميلة، هادئة، جذابة. بها أشياء كثيرة تجذبه إليها. تحكم به قلبه وأعطى له أمرًا حاسمًا، وهو لباه بكل ترحاب. نزل لمستواها وضم شفتيها بقبلة ناعمة مشتاقة، زادت من حرارة جسده. ليقوده الأمر للجنون. وضع يده أسفل عنقها متحكمًا بها أكثر وغاص بنعيمها. أغلق عينيه وتمتع بجنته. دق الباب، فابتعد عنها بضيق وقال بنبرة متحشرجة رغم محاولته بإخراجها طبيعية: "مين؟ أتت إليه صوت الخادمة المتوتر:

"مدام عايدة منهارة وعايزة تشوف حضرتك." "اديها المهدئ وخليها تنام. أنا مش فاضي دلوقتي." عاد للصغيرة ليدق الباب من جديد، فصرخ بغضب: "ده أنا هطلع... فتح على وضع استعداد. أخذ روح من يقف أمامه. كتم غضبه مع رؤيته لحنان ومعها الطبيبة، فقال: "أتفضلوا." *** بغرفة عايدة، صرخت بجنون بعد حديث الخادمة وقالت: "يعني إيه الكلام الفارغ اللي أنتِ بتقوليه ده؟ محمود مستحيل يكون قال حاجة زي دي؟ ابتلعت الأخرى ريقها بخوف من حالة سيدتها،

وقالت بدفاع عن نفسها: "والله العظيم ما بكذب يا مدام عايدة. أنا روحت لحد أوضة نومها وخبطت عليه وقولت له إن حضرتك منهارة، قالي: اديها المهدئ وخليها تنام، أنا مش فاضي دلوقتي. أنا طول عمري خدامتك وتحت رجليكي، إيه بس اللي هيخليني دلوقتي أكذب عليكي؟ لم تسمع عايدة باقي حديثها، فقط عقلها يردد ما قاله محمود. هل مل؟ هل تخلى عنها؟ أم تلك الفتاة الجميلة أخذت عقله وجعلته يسير خلفها مسلوب الإرادة؟

منذ متى ويوجد امرأة تقدر على أخذ مكانتها بقلب محمود؟ انهارت بالبكاء انهيارًا حقيقيًا. أزالت جهاز التنفس عن وجهها وبدأت تصرخ بكل قوتها. لتقترب منها الخادمة مردفة بخوف: "أهدي يا ست هانم. اللي أنتِ بتعمليه ده غلط على صحتك، مش حتة عيلة زي دي اللي هتعمل فيكي كده. محمود بيحبك، بس هي بصراحة حالتها وحشة وما كانش ينفع يسيبها." صرخت بها: "اخرسي!

مش عايزة أسمع لك صوت. اخرسي خالص. عايزكِ تقفي على باب أوضتها زي الضِل. تسمعي دبة النملة اللي بيقولوها، أنتِ فاهمة ولا لأ؟ إياكي ترجعي هنا طول ما محمود معاها في مكان واحد. غوري من وشي." أومأت إليها سريعاً وقالت: "أمرك يا هانم، أمرك." خرجت لتنظر عايدة للفراغ أمامها مردفة بتعب:

"لو باقي في عمري يوم واحد، هتفضل فيه جوزي لوحدي حتى لو أخدت روحها. الدنيا خدت مني كل حاجة ومش هسمح لها تاخدك مني يا محمود. كفاية عليها صحتي اللي راحت، لكن أنت لأ." ***

بصباح يوم جديد. فتحت عينيها بثقل. عضت على شفتيها لتخفيف من ألم رأسها، ثم رفعت يدها لتضغط على خصلاتها بتعب. دارت عينيها بالمكان حولها بتشويش، رؤيتها ضعيفة وذاكرتها شبه معدومة. وصلت بحدقتها لمحمود النائم على المقعد المقابل لها. هنا فقط بدأت تتذكر ما حدث الليلة الماضية. أرتجف جسدها بالكثير والكثير من الخوف. كان بينها وبين الموت خطوة واحدة، ولولا وجوده لكانت رمادًا. خرجت منها شهقة قوية وبكت من أعماق قلبها.

أستيقظ محمود على صوت شهاقاتها، فاقترب إليها بلهفة مردفًا: "مالك؟ فيكي إيه؟ أطلب لك دكتور؟ في حاجة وجعاكي؟ حركت رأسها برفض وزاد بكائها. فاقترب منها أكثر. اتسعت عينيه بذهول بعدما ألقت بنفسها بين أحضانه. تعلقت بعنقه مثل الطفلة الصغيرة التي وجدت أخيرًا والدها وحصلت على أمانها بعد معاناة. أغلق ذراعيه حول ظهرها بقوة وإثبات قوي لقلبه بوجودها حتى يطمئن. تألم من أجلها وكثيرًا، ولكن هذا لا يمنعه من شعوره بمتعة الانتصار.

ها هي الآن بين يديه وبكامل إرادتها. دفن وجهها بعنقه ووضع أنفه بين خصلاتها ليستمتع برائحة عطرها المهلكة لرجولته. همست بأنفاس ساخنة: "أول مرة أحس بالأمان لما اتصل بحد ويلحقني، وأول مرة أشوف في عين حد الخوف عليا، خوف بجد مش مجرد كلام. أنا كنت مرعوبة بس أنت جيت... قطع حديثها بابتعاده عنها. نظر إليها ليجدها تحدق به بامتنان. أزال دموعها بأحد أصابعه وابتع د عنها قليلاً قائلاً بهدوء:

"قولتها لك قبل كده وهقولها لك كتير يا سارة. طول ما أنتِ جنبي وبين إيدي، هتبقي في أمان. أنا أي حد يخصني وتحت حمايتي، ما ينفعش يخاف. اللي بيبعد عني بس هو اللي لازم يخاف." لم تفهم حديثه، أو ربما أقنعت نفسها بعدم فهمه. تنهدت بتعب ثم أراحت جسدها على الفراش. وأمام عينيها كل ما حدث ليلة أمس وكأنه يحدث الآن. ابتلعت ريقها الجاف بخوف ورفعت وجهها إليه قائلة: "أنا ما بعدتش عنك، أنت اللي بعدتني عنك." قام من مكانه

وقال قبل أن يدلف للمرحاض: "من النهارده، لا هبعدك عني ولا هسمح لك تبعدي عني." وضعت رأسها على الوسادة وضمت الوسادة الأخرى لصدرها. ستعطي لنفسها بعض الأمان حتى يعود ويجلس بجانبها من جديد. ابتسمت وقالت: "رغم كل حاجة، جه عشاني. يا بخت مراتك بيك، ويا ريتني أقدر آخد حتة صغيرة ليا. حتة أحسن فيها بشوية حب ودفا عيلة." خرج من المرحاض ببنطلون رياضي وصدر عارٍ وخلف عنقه منشفة صغيرة يسقط عليها ماء شعره. سمعها تقول بشكر:

"شكراً إنك جيت وأنقذتني. أنا كان بيني وبين الموت خطوة واحدة بس." جلس على المقعد المقابل للفراش النائمة عليه، وبدأ يجفف خصلاته المبتلة بالمنشفة. ثم رفع عينيه إليها قائلاً ببساطة: "اللي حصل ده قرصة ودن صغيرة وما كانش مقصود منها موتك." صدمت من بساطة حديثه وصدمتها الأكبر كانت بالمعنى المبطن من بين كلماته. حاولت الاعتدال بالفراش إلا أنها لم تقدر، فابتلعت ريقها الجاف مردفة بتردد:

"أنا مش فاهمة معنى كلامك. أنا اتصلت بيك وأنت جيت أنقذتني من البيت وهو بيولع، لكن معنى كلامك إنك... أومأ إليها مكملاً الجملة بدلاً عنها: "هو اللي في دماغك بالظبط يا سارة. أنا اللي ولعت في البيت وأنا عارف إنك جواه وجيت وطلعتك منه لأني لسه عايزك عايشة." يستحيل أن يكون فعل ذلك، مهما كان جبروته لن يصل به لتلك الدرجة من انعدام الرحمة. حركت رأسها بنفي عدة مرات هامسة: "مستحيل تكون عملت كده؟

لم يكن بحياته قاسٍ على زوجته الأولى، لم يكن قاسٍ على أي شخص يحمل اسم عائلة علام، ولكنها اضطرته لهذا. قام من فوق المقعد ليعطي ظهره إليها قائلاً بقسوة: "لأ عملت. إيه يا سارة؟ جيت لحد عندك وطلبت الرجوع، وقتها استقويتي بحتة بيت أنا اللي كتبته باسمك وقولتي إن بقى لك مكان تعيشي فيه ومش مستنية أي حاجة مني. دلوقتي البيت راح، ناوية ترجعلي ولا هتعيشي الباقي من عمرك في الشارع؟

لأن لا أختك ولا جوزها هيدخلوكي بيتهم تاني، وده بأمر مني." ما هذا؟ ومن هذا؟ كيف أن يكون قاسٍ معدوم الرحمة لتلك الدرجة؟ ماذا فعلت به حتى يضعها تحت قدميه ويضغط عليها بكل قوته؟ تجمدت الدموع بعينيها ورفضت السقوط. لا تعلم أهي جفت دموعها أم حتى البكاء أصبح صعبًا عليها. مرت بعينيها على ملامحه تجده ثابت، جبروت. تركها ووقف أمام المرآيا يكمل تسريح شعره. بارد نعم. تولد بداخلها شعور بالغل تجاهه جعلها تقول: "عملت كل ده ليه؟

عشان أرجع لك مذلولة؟ قال بهدوء: "إحنا مش أعداء يا سارة عشان خاطر أذلك. إحنا كان في بيننا اتفاق وكانت حاجة قصاد حاجة، وعلى ما أعتقد إن الاتفاق ما كانش مربوط بمدة عشان تقوليلي ما أنتِ أخدت خلاص. أنتِ لعبتي في الاتفاق وأنا من حقي آخد حاجة بتاعتي ما استفدتش لما أديتها لك." حركت رأسها عدة مرات في ذهول تام تحاول فقط استيعاب ما يقوله ووصلت لنهاية واحدة فقالت:

"طيب أنت حرقت البيت اللي اديته لي وأخدت مني اللي أنت عايزه وأنا رجعت زي الأول، لا وكمان خسرانة. في حاجة تانية محمود بيه عايزها عشان يحس إن هو مرتاح نفسيًا؟ أومأ إليها ثم قال بعدما ارتدى تيشيرت من اللون الأسود: "عايزك كلك على بعضك. رديتك وحالياً أنتِ مراتي وعايشة معايا في بيتك، أي طلب تطلبيه هيبقى تحت أمرك، بس ما فيش جنيه واحد هيبقى في إيدك." "طيب وماله؟ عايز تقصقص ريشي يعني؟ بس يا ترى بقى مدام عايدة هتقبل بكده؟

واللي هيبقى لها رأي تاني؟ صمت وانتظرها تكمل ما تريده. فتحاملت على نفسها وقامت من فوق الفراش مقتربة منه بخطوات بطيئة حتى وصلت لتقف أمامه، ثم رفعت حاجبها بتفكير مردفة:

"تعرف إن أنا ما بقاش عندي أي حاجة أبكي عليها، ولا ليا عزيز ولا غالي. أبويا وأمي ماتوا وأختي واطية وما فيش حد في قصر علام عزيز عندي. ما أنا ما لحقتش أعرفكم عشان تبقوا غاليين على قلبي. لكن أنت بقى يا محمود بيه عندك حاجات كتير قوي غالية عليك، أولهم المدام وإبنك وشكلك الاجتماعي قدام الناس لما تتفضح والكل يعرف إنك متجوز عيلة قريبة من سن ابنك. من رأيي، اخلص مني يا بالطلاق يا بالموت، عشان أنا من هنا ورايح هبقى عملك الوحش في الدنيا."

جذبها من خصرها حتى يتمكن منها أكثر وقال: "عايزك تسرحي معايا شوية كده وتتخيلي لما خاتم قيمته تعدي الـ 20 مليون جنيه يختفي من دولاب عايدة ويتحط جوه دولابك، هيبقى فيها كم سنة السجن دي؟ لو ما عندكيش اللي تخافي عليه، على الأقل خافي على نفسك. حرام لما بنوتة حلوة وصغيرة زيك كده تعيش باقي حياتها بين أربع حيطان وسط البلطجية والستات الشمال. أنا عن نفسي مستخسرك، بس لو أنتِ مش مستخسرة نفسك، أكيد مش هخاف عليكي أكتر منك."

من هنا فقط وبتلك اللحظة بدأت الحرب الحقيقية بين كبير عائلة علام وأصغر شخص بها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...