أفاقت من إغمائها لتجد شروق جالسة بجانبها على الفراش وهي تربت على رأسها بحنو. رفعت بصرها قائلة: "إيه اللي حصل؟ أنا كنت بحلم صح؟ ده كان كابوس! رمقتها بتعاطف، ولكنها لمحت الغضب المستعر بعيون صديقتها، لتدرك أنه لم يكن حلماً ولا كابوساً أبداً، بل كان واقعاً مازالت تستشعر مرارته بفمها. رمقتها بحزن وهي تقول: "ليه عمل كده؟ ليه يا شروق؟ فهميني ليه؟ أنا عملت إيه عشان يعاقبني ويبعد عني؟ نهرتها شروق بقوة: "يعاقبك إيه يا دارين!
ده يمكن اللي حصل ده استجابة ربنا لدعائنا كلنا إنه يخلصك منه. بطّلي الهبل ده واعرفي إنه ما يستاهلكيش أبداً." ظلّت ترمقها للحظات بصمت قبل أن تنهض بتصميم مغادرة الغرفة، لتلحق بها شروق تلقائياً. لتجدها تخرج من الشقة راكضة، فركضت خلفها بعدما طمأنت والدها أن دارين معها وألا يقلقا. ركضت دارين بالشارع غير آبهة بالنظرات الفضولية حولها، حتى وصلت للبناية في الحي المجاور والتي انتقل إليها أسامة منذ فترة، لتجده خارجاً منها.
تجمد كلاهما ينظران لبعضهما، هو بتساؤل وهي بتوسّل. تتوسل له أن يكون كل ذلك مزحة سخيفة فقط، ليصدمها بقوله: "جبتي الشبكة؟! رمقته بعدم فهم وهي تقول: "ليه؟! فهم سؤالها بطريقة خاطئة فقال بغلظة: "لأنها من حقي وأنا محتاجها، أمّال جاية ليه؟! "ليه سبتني؟ ليه عملت كده فيا؟ طب ليه قربت مني من الأول؟ ليه خطبتني وأوهمتني بحبك وانت هتسيبني؟ ليه يا أسامة؟ ليه تجرحني كده؟ همّ بالحديث لتوقفه قائلة بأمل: "انت ماسبتنيش صح؟
قولي إنك ماسبتنيش، قولي إن كل ده هزار سخيف زي عادتك.. قولي إن... قاطعها بهدوء: "أنا آسف يا دارين، بس أنا فعلاً فسخت الخطوبة.. صدقيني أنا ما أستاهلكيش، انتي تستاهلي واحد أحسن مني وأكيد هتلاقيه، إحنا.... إحنا مش لبعض." ظلّت صامتة ترمقه بصدمة. هل تركها حقاً؟ لقد احتملت من أجله الكثير. أسلوبه الغريب في التعامل معها، تقلب مشاعره تجاهها.
نفذت كل ما طلبه منها دون نقاش. والأهم من هذا كله أنها أحبته كثيراً وأجبرت والدها على الموافقة عليه على الرغم من رفضه له. فلِمَ فعل بها هذا؟ أجفلت على إمساك شروق بذراعها تقودها بعيداً عنه وهي ترمقه بغضب. تعلم صديقتها جيداً وتعلم أنها تتوق للفتك به، ولكن من الواضح أن شامل أوصاها ألا تحتك به أبداً، ولدهشتها وربما للمرة الأولى تنفذ كلامه. عادت إلى المنزل بصمت تحاول أن تفهم لِمَ يحدث معها كل هذا؟
ما الذي أخطأت به ليكون هذا عقابها؟ *** جالسة بالمكتبة التي تعمل بها منذ تخرجها. فبالرغم أن أنس حاول معها لتدرس بالمدرسة القريبة من منزلهم وهو سيتكفل بتعيينها، إلا أنها رفضت، فهي لا تريد التدريس ولا تحبه. تعشق القراءة والكتب، وكانت أكثر وظيفة مناسبة لها هي بالمكتبة التابعة بالنادي، وقد رحب بها الجميع، وبالطبع حصلت وقتها على دعم نضال الكامل لها.
حتى أن أنس شاكسها أنه لو نضال هو من أراد تعيينها بالمدرسة لكانت استجابت له، ولكن هذا هو (ابن البطة السوداء) على حد قوله. شردت تفكر بما يحدث معها في الفترة الأخيرة. وفاة نوال ثم انعزال نضال عدة أشهر ثم عودته للمنزل وهو يتحاشى الانفراد بها منذ عودته! يتحدث معها ويشاكسها بوجود الجميع، ولكن ما إن يجد نفسه بمفرده معها حتى يسارع بالانعزال بغرفته أو ترك المنزل بأكمله، وهي لا تفهم لِمَ يفعل هذا؟ زفرت بضيق ليصلها صوت مألوف:
"الجميلة سرحانة في إيه؟ ابتسمت له برقة وهي تقول: "إزيك يا عمرو عامل إيه؟ جلس أمامها مجيباً: "الحمد لله، انتي عاملة إيه؟ بقالك فترة؟ سألت عليكي بس محدش عارف عنك حاجة وأنا مش معايا رقم تليفونك." "أنا مش مختلطة بحد أوي، يا دوب في حدود الشغل." ابتسم بهدوء وهو يقول: "طب وبالنسبة لرقم تليفونك! زاغت عيناها بارتباك وهي تتلعثم قائلة: "آسفة بس... أعفاها من الإحراج وهو يقول:
"ولا يهمك، أنا توقعت كده برضو عشان كده مارضيتش أتصل بيكي وقولت أصبر على ما تيجي الشغل." عبست بعدم فهم وهي تقول: "هتتصل بيا إزاي مش فاهمة! ابتسم بمرح وهو يقول غامزاً: "معايا رقم البيت بس قولتي إنك هتضايقي لو اتصلت، فمارضيتش." جحظت عيناها وهي تتخيل لو هاتفها ورد عليه نضال، ماذا كان ليحدث؟ بالتأكيد لم يكن الأمر ليمر على خير أبداً. ضحكة خافتة تبعها قوله:
"ماتخافيش مش هتصل بيكي على البيت، مش هتصل بيكي أصلاً حالياً على الأقل." فهمت قصده ولكنها لم تعلق. لا تريد الخوض في علاقة شخصية معه من الأساس، ولا تعلم كيف تمنعه من التقرب منها كما يفعل. فعلى الرغم أنها معجبة به، إلا أنها لا تحبه ولن تفعل. لقد أرغمت نفسها على تقبل وجوده الفترة السابقة في محاولة منها لتنسى نضال وعشقه الساكن بخلاياها، ولكنها لم تستطع أبداً.
عام وأكثر منذ خطوبته، زواجه، ثم وفاة زوجته وانعزاله عنهم، ثم عودته للمنزل معها وتعامله الغريب معها، وهي تحاول جاهدة خلال كل هذه الفترة أن تنساه وتنسى عشقاً تغلغل بمسامها منذ نعومة أظافرها، ولكن للأسف لم تفلح بالتخلص منه، ولا تريد جرح عمرو أيضاً، لذا تحاول تحاشيه، ولكنه مصرّاً على التواصل معها، فماذا تفعل؟ انتفضت على طنين هاتفها فالتقطته مسرعة وفتحت الخط ليصلها صوت أنس: "جوجي خلصتي شغل ولا لسه؟
"لا خلاص فاضل عشر دقايق والدوام يخلص." "طيب حلو أوي، هعدي عليكي أروّحك يا قطة." ابتسمت وهي تومئ له وكأنه يراها، ثم أغلقت الخط والتفتت لترى عمرو مازال جالساً، فشعرت بالإحراج وهي تستأذن منه لأن الدوام قد انتهى، فابتسم لها وهو يقول: "أنا عارف إن ده وقت نهاية الدوام وعشان كده جيتلك." رمقته بتساؤل فتابع بابتسامته الهادئة: "ياللا مش هعطلك، هطلع معاكي على ما نضال يجيلك." أجابته بعفوية: "ده أنس مش نضال."
"غريبة، كان نضال معاكي على طول، إيه اللي حصل وبقى أنس مكانه؟! أجابته بضيق: "هما الاتنين ولاد عمتي، فعادي يعني أي واحد فيهم يجي، هتفرق معاك في حاجة؟! لاحظ ضيقها فابتسم قائلاً: "آسف لو ضايقتك.. مجرد استفسار بس مش أكتر." "عادي." قالتها باقتضاب وهي تلاحظ وصول أنس الذي بادرها: "ها جاهزة يا قطة؟! أومأت بابتسامة ليصلها صوت عمرو: "دكتور أنس ممكن آخد من وقتك شوية؟! رمقه أنس بتركيز ثم التفت لجويرية قائلاً:
"روحي انتي اقعدي في العربية، أنا جاي وراكي." *** دلف إلى الشقة ليجدها جالسة على الأريكة شاردة، شاخصة بنظرها للبعيد. فهرع إليها قلقاً: "شروق مالك ياقلبي قاعدة كده ليه؟! انتبهت على جملته فرفعت بصرها إليه وهي تبتسم بحب، ترى لهفته عليها وقلقه، لتحمد الله أنه رزقها بزوج كشامل، فكلما رأت ما آل إليه حال صديقتها كلما شعرت أن الله أنعم عليها بنِعَم كثيرة. "مفيش ياحبيبي، مرهقة بس شوية." طمأنته ولكنه لم يقتنع فأعاد سؤاله:
"لا فيه يا شوشو، وضع صاحبتك مضايقك صح؟ أومأت موافقة: "أكيد، بس هي بقت أفضل، المعالجة النفسية ساعدتها كتير وإن شاء الله هترجع أحسن من الأول بكتير." ابتسم متفهماً وهو يقول: "إن شاء الله ياحبيبتي. صدقيني ربنا بيحبها، ده واحد مش كويس أبداً وهي تستاهل واحد أفضل منه بكتير.. وعموماً خليها تخرج من حالتها دي وتبقى كويسة وأنا عندي اللي يستاهلها." رمقته بتساؤل: "مين ده؟! زمّ شفتيه: "إيه ده هقولك كده ببلاش ولا إيه؟
لا يا هانم لازم تدفعي مقدماً." ضحكت بمرح وهي تقول: "انت بقيت قليل الأدب ليه ياشامل؟ ماكنتش كده.. إيه اللي حصلك بعد الجواز؟ ضحك عالياً وهو يغمزها قائلاً بعبث: "طب بالله عليكي ينفع أكون مؤدب بعد الجواز؟ ده أنا كنت اتفضح في الحتة كلها." ابتسمت فتابع مقترباً منها دون أن تشعر ليرفعها فجأة، فشهقت متشبثة به بقوة: "إحنا ليلتنا فل ولا إيه؟! زجرته دون أن تختفي ابتسامتها: "اتلم يا شامل ونزّلني."
"مانا هنزلك طبعاً يعني هفضل شايلك طول الليل، اصبري على رزقك بس." قالها وهو يدلف إلى غرفتهما لترمقه بريبة قائلة: "انت جايبني هنا ليه؟! "هنلعب شطرنج.. إيه السؤال العجيب ده يا روحي؟ أنزلها برفق ووضعها على الفراش وهو يتظاهر بالتعب: "إيه يا شروق ده؟ انتي طخنتي يجي عشرة كيلو في الـ كام شهر جواز دول.. ده أنا ضهري اتقطم." شهقت بحدة ترمقه بغضب وهمّت بالحديث ليقاطعها ضاحكاً وهو يجذبها إليه لتقع بحضنه:
"بهزر والله بهزر.. انتي طخنتي يجي عشرة كيلو؟ ده أنا ضهري اتقطم." "بهزر والله بهزر.. انت مابتهزرش يا رمضان؟ اصطنعت الحزن فعقد حاجبيه يرمقها بريبة: "انتي زعلتي بجد ولا إيه؟ كنت بهزر والله." أشاحت بنظرها عنه متابعة افتعال الحزن ليصلها صوته بنبرة جدية: "أصلاً لو طخنتي عشرة كيلو عمري ما هجازف وأشيلك يا حبيبتي.. أنا ناقص يجيلي الديسك ولا حاجة وأنا واحد في عز شبابي لسه." "شامل!
زمجرت بغضب مصطنع فضحك عالياً وهو يجذبها مرة أخرى لحضنه مقبلاً إياها برقة قائلاً: "بموت فيك يا شاويش.. تعال بس أما أقولك كلمتين كده في السريع أصلك واحشني أوي." **** "انت بتقول إيه يا أنس يعني إيه مش موافقة نتجوز! وبسرعة إيه اللي انت بتقول عليها.. انت عارف إننا اتأخرنا عن الخطوة دي كتير أوي." هتف نضال بغضب ممتزجاً بالحزن. صغيرته ترفضه! هل نسيته؟ هل انجذبت لذاك ال عمرو؟
أخفض عينيه بحزن يمنع نفسه من الدخول إليها ومحادثتها. يخشى من نفسه عليها كثيراً، يخشى مشاعره التي لم تعد خافية حتى على والدته، يخشى انفلاتها ولم يعد يطيق الصبر وهذا يصعقه بقوة. طالما تمتع بالصبر والرزانة ولكن مع صغيرته هو نافذ الصبر، مجنون بها وهذا يجعله يتعجل الزواج. ولكنه لن يجبرها أبداً. سيجبر نفسه على الصبر حتى تمنحه موافقتها راضية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!