تحميل رواية «ابالسة الانسال» PDF
بقلم هنا عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنا من دلوقتي هحكيلكم بالتفصيل، وقت ما حصلت الأحداث اللي هقولكم عليها دي كنا سنة 2013، يعني من 10 سنين. كان عندي وقتها 29 أو 30 سنة، مش صغيرة يعني. بس تقدروا تقولوا كده إني طالعة لأهل أبويا شوية، مش لأهل أمي. صحيح، هطلع لأهل أمي ليه؟ إذا كانت أمي نفسها أخدت طبع أبويا اللي عاشت معاه أكتر من 50 سنة. أمي وأبويا كبار، مش صغيرين. وجوازتهم من البداية كانت لهدف معين كده، مش جوازة عادية زي اللي متعودين عليها. لكن أبويا طمع في أمي لما اتجوزها ولقاها حلوة وشقتها عندها وأهلها مرتاحين. بعد كده قدر يخليها تت...
رواية ابالسة الانسال الفصل الأول 1 - بقلم هنا عادل
أنا من دلوقتي هحكيلكم بالتفصيل، وقت ما حصلت الأحداث اللي هقولكم عليها دي كنا سنة 2013، يعني من 10 سنين.
كان عندي وقتها 29 أو 30 سنة، مش صغيرة يعني. بس تقدروا تقولوا كده إني طالعة لأهل أبويا شوية، مش لأهل أمي. صحيح، هطلع لأهل أمي ليه؟ إذا كانت أمي نفسها أخدت طبع أبويا اللي عاشت معاه أكتر من 50 سنة.
أمي وأبويا كبار، مش صغيرين. وجوازتهم من البداية كانت لهدف معين كده، مش جوازة عادية زي اللي متعودين عليها. لكن أبويا طمع في أمي لما اتجوزها ولقاها حلوة وشقتها عندها وأهلها مرتاحين. بعد كده قدر يخليها تتراجع عن فكرة إنها جوازة مؤقتة.
وبكده استمرت أمي مع أبويا، وأختي الكبيرة اللي هي من أمي اضطريت تعيش مع جوز أمها. وطبعًا أنتم عندكم فكرة عن جوز الأم، خاصة لما يبقى بيغير وبيكره أبو البنت دي اللي هو جوز أمي الأولاني. اللي مات.
أمي من الستات اللي بتنام لحد المغرب. ولما تصحى بدري أوي ومن صباحية ربنا، يبقى الصحيان ده بعد الضهر مثلاً. عمرنا ما اتربينا على إن العيد ده عيدية وهدوم جديدة وزيارات. عمرنا ما اتربينا على إن أمي تقوم تطبخلنا وتساعدنا في مذاكرتنا أو... أو... أو أي حاجة الأم بتعملها.
كل اللي كانت بتعمله يا تبقى مع أبويا في أوضتهم وكلنا بره عارفين إيه اللي بيحصل وسامعين، يا أما نايمة، يا أما بتتخانق مع الجيران.
أما بالنسبة للأكل، فـ أبويا هو اللي كان بيعمله، وهو اللي كان يروح السوق، وهو اللي يجيب كل الطلبات. مش عشان هو بيحب يساعد، لالالا. ده عشان هو بخيل بُخل الدنيا وبيحب يصرف على قد القد، وحتى الأكل يعمله بكميات حتى متشبعش عيل صغير. طول عمرنا على كده من صغرنا لحد ما كبرنا وهو على نفس الحال.
اتبهرلنا كتير بسبب البُخل بتاعه واللامبالاة بتاعت أمي في كل حاجة. حتى إيمان، أختي الكبيرة اللي من أمي، شافت على إيد أبويا عذاب ما يعلم بيه غير ربنا. وعلى قد ما يقدر خالي ومرات خالي كانوا بياخدوها عندهم معظم الوقت علشان يبعدوها عن أبويا. بس طبعًا أبويا مكنش بيحبها تكون بره البيت كتير، وهتعرفوا الأسباب مع الأحداث.
أخوالي ياسر ويسري كانوا مش بيحبوا أبويا بسبب غبائه، لكن كانوا بيتجنبوا يقفوا قصاده بسبب أمي اللي كانت بتزعل عليه. لكن معظم الخناقات كانت مع خالي يوسف أبو بسمة، لأنه كان بيزعل على إيمان واللي بيحصل معاها.
وبما إن طفولتي أنا وأخواتي قضيناها كلها جوه البيت مش بره، وشوفنا جفاء متتوصفش من الاتنين، طلعنا إحنا كمان جوانا نفس الجفاء ومفيش عندنا حنية أبدًا.
تعالوا بقى أقولكم إيه اللي حصل نتيجة العُقد اللي اتعملت فينا.
داليا أختي من أبويا وأمي اتجوزت واطلقت. وإيمان أختي الكبيرة كمان اتجوزت واطلقت. وبرغم جمالها وأدبها واحترامها، إلا إن جوزها وبرغم عشقه ليها خانها. خانها كتير وحاولت تتحمل كتير عشان مترجعش بيت أمي وأبويا تاني، لكن هو زاد فيها. ومقدرتش تتحمل أكتر، خاصة بعد ما جالها السكر بسبب الزعل والضغط.
إخواتي الشباب، كل واحد فيهم في شغلانة. لكن لما قامت الثورة، أصحاب المصانع سرحوا عمال كتير بسبب وقف الحال، وعشان كده اضطروا يدوروا على أشغال تانية. لكن فلوسهم على نفسهم وبس، محدش بيساعد حد.
بالنسبة لإيمان، نزلت اشتغلت عشان أبويا مستحيل يأكلها لقمة من جيبه. وفي نفس الوقت هي بتتحرج جدًا ومش بتحب تكون تقيلة على حد، عشان كده رفضت إن خالي يساعدها.
أما داليا بقى، فدي كانت قادرة جدًا. قادرة لدرجة إنها كانت بتروج لبيع المخدرات على النت. وفعلاً قدرت تعمل فلوس تصرف بيها على أبويا وتخليه ميفكرش ينطق معاها بنص كلمة، على عكس ما بيعمل معايا أنا وأخواتي. وحبه للفلوس خلاه يقبل منها أي حاجة وهو راضي وساكت.
كل ده يخص الناس اللي أنا عايشة معاهم. كان لازم أقوله عشان تعرفوا أساس كل حاجة.
أما أنا بقى... مش عارفة ألاقي كلمة أوصف بيها نفسي. اتعلمت وخلصت دراستي، لكن منزلتش شغلانة إلا لما رسمت على صاحب المكان اللي بشتغل فيه، أو حد من زمايلي مثلاً، أو حتى أصحابي في الكلية، أو أي واحد كنت أتعامل معاه لازم أرسم عليه. نرتبط شوية وقت، وأنفضله أول ما يظهر قدامي حد جديد. مبحبش حد ولا بيفرق معايا حد. ودايمًا مقتنعة إني الصح قصاد كل الغلط اللي بواجهه. برغم إني مش صح بالمرة في ولا حاجة بتحصل معايا ولا بعملها.
جوايا غل وسواد وكره ناحية أخواتي رهيب. نفس الغل والحقد اللي جوة أبويا وأمي ناحية كل اللي حواليهم. تقريبًا إحنا كلنا كده.
بسمة بنت خالي كانت تعرف عني كل حاجة. هي الوحيدة اللي كنت بتكلم معاها في كل حاجة بعملها، لأنها مش هتعمل زي أختي وتعايرني في أي خناقة بأي حاجة أنا قولتلها عليها. كانت بتنصحني كتير الحقيقة، لكن أنا مبسمعش لحد. أنا فيا عقل وأنا الكبيرة وأنا اللي تعليمي عالي، مينفعش أسمع للي أصغر مني. هتفهم إيه هي أكتر مني أصلاً؟ ولا حتى غيرها. وعشان كده كنت بعمل الغلط اللي ييجي على مزاجي وأنا مرتاحة.
وعلى النقيض، أنا بصلي... ومش بسيب فرض. وبحضر دروس في المسجد. وللعلم... أمي مش بتسيب المصحف من إيديها. ومتقدرش يعدي يوم من غير ما تصلي الفجر حاضر، وكل فروضها بتصليها، حتى لو فاتها حاجة لازم تصليها.
أما أبويا بقى، فهو من وقت ما وعيت على الدنيا وهو مش بيفوت ركعة. من أول صلاة الفجر لحد قيام الليل. وبرغم كده، إحنا مفيش ولا حد فينا قلبه سليم. إحنا بنمثل... بنمثل إننا عيلة تعرف ربنا. لكن من جوانا مليانين شر وحقد وغل وحرام وغلط.
وصلت بينا لدرجة الأسحار والأعمال كمان. الحقيقة أنا بحب الحاجات دي جدًا، وعندي فضول ناحيتها جدًا جدًا. ولأكتر من مرة اتعاملت مع الناس اللي بتدعي إنهم بيعالجوا بالقرآن، أو الناس اللي بتعمل أعمال. بس للأسف، ولا حد منهم لقيته مؤذي أو بيعرف فعلاً في الشغلانة دي. كان عندي فضول، بس مش عارفة أرديه.
لحد ما جه الرضا للفضول ده لحد عندي، لحد أوضتي، لحد سريري... ولحد روحي. والبداية كانت لما أبويا قرر يحارب أخوالي ويطفشهم من البيت بمساعدة أمي.
أمي اللي كانت متعرفش اللي هيحصل. كانت عارفة إن أبويا بيكره كل الناس تقريبًا، لكن متخيلتش إن نتيجة كرهه هتوصله للجوء للشر والخبث ده. برغم إنه بيورينا وبيوري كل خلق الله إنه قريب من ربنا، إلا إنه شاف إن هما اللي هيساعدوه في هدفه. هما اللي هيحققوا رغبته في إن البيت ده كله يكون ملك أمي. ومعنى إنه بقى ملك أمي، يبقى ملك أبويا. حتى لو هيضطر بعدها يرمي أمي في الشارع، مش مشكلة بالنسباله. ولا حتى بالنسبالنا. إحنا شياطين، إحنا أبعد ما يكون عن البني آدمين.
وبدأ أبويا ياخد الخطوة... لكن لما حاول يعمل ده، اللي حضرت اختارتني أنا عشان ألزمها في اللي جاي. ماهي لازم هتستخدم حد من الموجودين يكون سهل عليها تحركه في اللي جاية عشان كده. ولأنها واحدة اللي حضرت، مكانش ينفع تستخدم أبويا أو واحد من أخواتي. ولأن أنا أكتر واحدة جوايا غلط، برغم إن داليا بتبيع مخدرات، إلا إن الغلط اللي بعمله تخطى داليا بكتيرررررر.
فوقع اختيار (ناعووودي) عليا أنا. ومظهرتش لحد غيري أنا بعد اتفاقها مع أبويا على إنها هكون أنا الجسم اللي هتستخدمه في تنفيذ طلباته بعد ما وصلوا لأتمام الميثاق بينهم.
وكده أنا شرحت ليكم البداية كلها. أما الأحداث فهي جاية جاية، متستعجلوش. أنا عارفة كده كده آرائكم فينا كعيلة ومستعدة ليها. وعشان كده هخلي الأحداث لبكرة، عشان بصراحة أنا من النوع اللي بيستمتع باستفزاز اللي حواليا. وحاسة باللي كتبته ده إني هستفز جزء كبير منكم، ومستنية أشوف رد الفعل عشان أزود استفزازي ليكم أكتر وأكتر.
رواية ابالسة الانسال الفصل الثاني 2 - بقلم هنا عادل
إلهام، بقولك إيه، عايز طريقة أطفشهم بيها من البيت، غلبت كل السنين دي أحاول ومفيش حاجة جايبة نتيجة، عايز بقى آخد حق قاعدتي في وسطهم العمر ده كله.
إلهام: طريقة! أوى يكون قصدك اللي في بالي يا مجدي.
مجدي: وميجيش في بالي ليه طيب يا إلهام؟ أنا لو سبت الولية دي هيبقى ماليش مكان، يبقى أنا استحملتها كل ده على الفاضي، عايزك تساعديني، انتي عارفة أخواتك كل واحد فيهم له بيته ومعاه اللي مكفيه، حتى أخوكي سيد اتجوز في بيت أمك يعني مش هلقى مكان ليا لو الولية جرالها حاجة، أخواتها هيرموني في الشارع.
إلهام بتحذير: بس خلي بالك يا مجدي، السكة بتاعتهم زي ما هتحققي عن طريقها اللي انت عايزه، هيبقى فيه حاجات لازم تقدمهالهم، انت مستعد لكده؟
مجدي: يعني انتي قدمتي لما اشتغلتي معاهم يا إلهام؟
إلهام: أومال العز اللي أنا فيه ده كله منين؟ ماهو بسبب رضاهم عليا بعد ما قدمت كل فروض الطاعة ليهم.
مجدي: وأنا معنديش اللي أخاف عليه منهم، أنا مستعد أعمل أي حاجة بس أخلص منهم.
إلهام: نفسي أفهم سبب كرهك ليهم؟
مجدي بغيظ: مش عارف يا إلهام، حاسس إنهم كلهم أحسن مني، حاسس إنهم كلهم بيستقلوا بيا.
قاطعت إلهام كلام أخوها وهي بتقوله: بس أنا مشوفتش منهم كده من ناحيتك أبدًا يا مجدي، أنت على فكرة اللي من جواك حاسس إن خيرهم عليك، عشان بيشيلوا عنك كتير من اللي المفروض تكون أنت اللي شايله. وده من وقت ما دخلت وسطهم.
مجدي بأنفعال: بقولك إيه يا إلهام، أنتِ ياختي هتساعديني ولا لاء؟ أهو بكرههم كده من غير سبب، عايز أبقى صاحب ملك زيهم ودلوقتي، أنا قربت أموت من غير ما أحس إني خدت حقي منهم.
ضحكت إلهام: مالكش حقوق عندهم يا أخويا، أنت عايز تأذيهم وأنا هساعدك عشان أنت أخويا، لكن لو جينا للحق الناس دي محدش منهم جه عليك في حاجة.
مجدي بأستهزاء: بقولك إيه يا إلهام، متبقيش ياختي فاتحة بيتك من فلوس الأسحار والأعمال اللي انتي شغالة فيها دي وتعملي عليا أنا شيخة.
قاطعت إلهام مجدي وهي بتقوله: أنا مش بروح أجيب حد يا مجدي، هما اللي بييجوا لحد عندي، وأنت ياخويا ليك عليا النصيحة، واللي بعد كده أنت تتحمل نتيجته لوحدك.
مجدي: ماشي، لما تلاقيني بولع في نار جهنم متبقييش تيجي تولعي جنبي، ها بقى إيه اللي هيتم؟
إلهام: هتيجي الليلة بعد الساعة 1، وتجيب معاك أطُر لكل عيل من عيالك، وعايزة صورة لمراتك.
مجدي: والعيال مالهم؟
إلهام: خايف عليهم؟ أنت مش قلت مش فارق معاك.
مجدي: ياستي مقلتش فارق، أنا عايز أفهم السبب بس.
إلهام: بليل، هتفهم بليل لما تيجي.
مجدي: ماشي، لما نشوف هتطلعي بتفهمي بصحيح ولا سيط على الفاضي.
قام مجدي ومشي وساب أخته تستعد لجلسة بليل.
إلهام دي تبقى عمتي، جوزها سابها من زمان بسبب شغلها في السحر والأعمال وكان خير إنه مخلفش منه وده كان كلامه، ليها سيط واسع في المنطقة كلها وبتجيلها ناس كمان من محافظات وعلشان كده هي عايشة ملكة في بيتها من غير عيل ولا راجل، أخواتها لأن كل واحد فيهم مريح دماغه من إنها تطلب منه حاجة أو تستنى مساعدته ليها في حاجة، فمكبرين دماغهم منها على الآخر، أصل أهل أبويا كلهم تقريبًا جواهم نفس الغباء اللي احنا ورثناه ده مش أبويا لوحده، أما أبويا لجأ للفكرة دي اللي مقدرش يلجأ ليها من زمان لأنه مش مصدقها بسبب الجلطة اللي جت لأمي من فترة كده، قلق أبويا وفكر إن أمي كده خلاص بتموت ولو ده حصل أخوالي هيمشوه من البيت ويبقى في الشارع، برغم إن أمي بعد التعب ده رجعت كويسة يعني ومفيش حاجة تخوف، غير إن الأعمار دي بتنتهي من غير ما يكون فيه تعب أو أي حاجة تدل على إن الإنسان بيموت، ده وقت وميعاد متحدد ومش شرط يكون فيه إنذار سابق، لكن أبويا تخيل إن دي إشارة عشان يلحق يأمن نفسه، مع إن برضه أهل أمي محدش فيهم كان هيعمل كده لو فعلاً حصل حاجة لأمي، لو مش عشان هي موجودة، فكان ده هيبقى عشان خاطرنا إحنا، ودي شقة أمي وحقها ومحدش يقدر يرمي عيالها براها، لكن نعمل إيه بقى في الطمع والغل والكراهية؟ أنا عارفة أنتم بتسألوا أنا عرفت منين كل اللي دار بين أبويا وعمتي ده؟ طبعًا عرفته من (ناعووووودي) اللي كان لازم تحكيلي كل حاجة عشان أستسلم لأوامرها وأكون مطيعة ليها عشان تقدر تنفذ مهمتها بسهولة، في الليلة دي راح أبويا لعمتي بعد ما أخد صور لأمي مع أخواتها، وصور ليا أنا وأخواتي وهدوم من هدومنا، وأول ما وصل عند عمتي قالها:
– جيبتلك هدومهم وصورهم، عشان لو هدومهم مش هتقضي الغرض صورهم تحل محلها، أصل العيال ساعات بيلبسوا هدوم بعض.
عمتي برغم إن قلبها جامد إلا إنها كانت مستغربة إن أبويا مش فارق معاه ولاده للدرجة دي، لكن هي في النهاية مش هتخاف علينا أكتر منه يعني، حطيت الصور بتاعتنا قدامها وصورة أمي. ومسكت إيد أبويا بعد ما طفيت النور وولعت نور أزرق، مسكت موس وقربته من كف أبويا اللي قلق في البداية، غضبت عمتي وقالتله:
– مجدي. اثبت كده عشان ده مش لعبة، أي غلطة ممكن تقلب اللي بنعمله ده علينا ونولع وإحنا قاعدين، متخافش تعويرة صغيرة خالص عشان لازم دم لفتح الطريق.
رد أبويا وقالها: ماشي يا إلهام، أنتِ بس مش مرسياني على اللي هيدور عشان كده اتفاجئت.
عمتي: شايف الورقة اللي تحت إيدك دي؟
بص أبويا على الترابيزة اللي بينه هو وعمته وقالها: آه، مالها؟
عمتي: دمك هو اللي هيكتب عليها، اسكت بقى عشان نخلص قبل الفجر.
سكت أبويا وساب عمتي تتصرف، فعلاً جرحت إيد أبويا جرح صغير وابتدى الدم ينزل على الورقة اللي تحت إيديه، وابتدأ الكلام يظهر عليها، كلام مش مفهوم، الحروف عربي لكن مرسومة بطريقة غريبة، شوفتها لما ورتهالي (ناعوووودي)، كلها كلام باللون الأحمر كتير جدًا لدرجة إنه يزغلل العين، مشبّك في بعضه ومفيش فواصل إلا اسمها. اسم اللي كانت عمتي بتحاول تطلب حضورها، الورقة مكتوبة بالطريقة دي.
(مشتبغبغشسخهثبعاناااااااااااااعووووودي نتمنبتلنلهسيبابليسيلاعبذنااااااااعوووووودي)
كان نفس الكلام ده مالي الورقة كلها، والاسم متكرر أكتر من عشر مرات، أول ما بطلت عمتي تضغط على إيد أبويا والدم وقف وقفت كتابة الكلام على الورقة، وفي اللحظة دي انطفأ النور الأزرق اللي كان والع واترفعت الورقة لفوق ولما عين أبويا اترفعت للورقة شافها قدامه وصرخ من الرعب.
كانت عمتي إلهام بس العضم برز من وشها وعنيها كلها اتحولت للبياض وصوتها اتغير بصوت غريب غير صوتها واتقال لأبويا:
– أنت قد الشر اللي هيطول الكل؟
أبويا كان مرعوب ويرتجف، مكانش متخيل إن ده اللي هيحصل، لكن اتكلمت تاني بتحذير وقالت:
– جاوب وبسرعة، أنت قد الشر اللي هيطول الكل؟
هز أبويا رأسه بخوف وقال بصوت مهزوز: ااااا… أي.. أيوة.
ردت وقالت: حد من القرابين هيكون سبيل لوجودي ما بينكم.
أبويا مكانش فاهم وسأل: ييي.. يي. يعني… يعني.. ااايه؟ يعني… إيه قراب… قرابين؟
ردت هي وقالت له: كل اللي قدامي دول قرابين، وحد منهم هيكون الجسم اللي هتحرك من خلاله.
بص أبويا للمكان اللي شاورت فيه وشاف إنها تقصد الصور بتاعتنا، كملت وقالت: مفيش ندم، مفيش رجوع، اللي بدأ لازم ينتهي، وإياك الصلاح والإحساس يدخل يسكن كيان حد من القرابين، وإلا أنت اللي هتدفع التمن.
رد أبويا وقال: لالا… لالا، مفيش حححح… حد بيحس منهم، كككُلهُم حالهُم مااااي… يل.
ردت وهي بتقول: يبقى أول حاجة تتخلى عنها أنت واللي في بيتك… الصلاة.
يتبع.
رواية ابالسة الانسال الفصل الثالث 3 - بقلم هنا عادل
رد أبويا بخوف من الموقف:
– ودي أعملها إزاي؟ مش هينفع أروح أقولهم يعملوا كده.
قالتله بصيغة الأمر:
– أنت أولهم، مش عايزة حد له علاقة بالدين في بيتك، أيًا كانت ديانتكم إيه..
والورقة اللي تحت إيديك دي تحطها في مياه وتردد عليها (سمنار، لعناتنا وودي، مرضنا وودي).
– وكل اللي في بيتك يشرب منها بعد ما تشيل الورقة من المياه، وتتحط المياه على أي حاجة علشان لونها يختفي.. ومش عايزة أسمع ردود أو أسئلة تانية.
قالت الجملة الأخيرة وابتديت عمتي ترجع لطبيعتها تاني بهدوء، ارتجفت لحظة وعنيها رجعت زي ما كانت وصوتها كمان رجع طبيعي، لكن مقدرتش تسأل أبويا على حرف واحد من اللي اتقال، بس هو اللي سألها:
– إنتي إيه اللي عملتيه……
قاطعته وقالتله:
– مش أنا ومش عايزة أعرف إيه اللي دار بينكم، أنت طلبت حاجة وأنا ساعدتك فيها، اللي جاي أتحمل نتيجته لوحدك، امشي يا مجدي.
أبويا كان عنده كلام كتير لكن عمتي اتكلمت بحدة:
– قولتلك امشي دلوقتي، ومتقلقش لو حسيت إنك مش لوحدك.
كان لسه هيتكلم وشاورتله عمتي على باب الشقة علشان يخرج من غير ما تتكلم تاني بعد ما مديت إيديها بالورقة اللي أخدها من غير ما يقول كلمة تانية، خرج فعلاً من البيت وهو حاسس بخوف، لكن لسانه تقيل مش قادر يذكر أي آية تطمنه أو حتى يستعين بيها تساعده ويريح قلبه من الخوف اللي فيه، أنا مش فاهمة هو خايف من إيه؟ ولا حتى على إيه؟ ده جاحد…
كان ماشي أبويا في الشارع ولأن الوقت متأخر كان الطريق والشوارع هادية، لكن صوت الخطوات اللي وراه خلاه مش مطمن، كان كل شوية يبص وراه لكن هي مش باينة قدامه، رجع على البيت وكان من جواه مرعوب، كانت أمي صاحية وأول ما شافته سألته لأنه مش متعود يتأخر كده:
– كنت فين لحد دلوقتي؟ مش عادتك يعني!
رد أبويا:
– كنت عند إلهام بطمن عليها.
ضحكت أمي بتريقة لأن ده كمان مش الطبيعي:
– لأ فيك الخير، وصاحي ولا هتنام؟
أبويا:
– هنام.
أمي:
– خلاص، هصحيك على الفجر بقى.
أبويا:
– لأ، عايز أنام لأني تعبان، متصحنيش ومش عايز دوشة، اسمعي التليفزيون على قد ودنك.
كانت أمي لسه هتتكلم لكن أبويا سابها ودخل غير هدومه ورمى جسمه على السرير، كان مش حاسس بـ إنه مرتاح ولحد ما غمض عينه فصل عقله عن الدنيا وابتدا يدخل معاها في الأحلام، شافها قدامه مخيفة ومرعبة بعيون بيضا ميتة وملامح مقبضة وهي بتقوله:
– نفذ المطلوب، علشان تنول المرغوب.
وفي الحلم قدرت تمثل لبابا الطريقة اللي هيشربنا بيها السحر اللي اتعمل، وكأن اللي عملته كان منبه لأبويا اللي قام من نومه وبيتحرك زي الإنسان الآلي، وبرغم إن أذان الفجر كان بيأذن إلا إنه مش صاحي عشان يصلي، كنا كلنا فعلاً قاعدين اليوم ده بره في الصالة بنتفرج على التليفزيون، ما أنا قولتلكم إحنا نهارنا ليلنا والليل عندنا نهار، دخل أبويا على المطبخ علطول واحنا باصين ومستغربين إنه مدخلش على الحمام يتوضا، أمي قالت:
– تلاقي المياه جنبه خلصت داخل يشرب.
كبرنا دماغنا وكملنا اللي بنتفرج عليه لحد ما لقيناه خارج بعد شوية ومعاه صنية عليها عصير…. غريبة، غريبة جدا، أنتم فاهمين يعني إيه أبويا يدخل بنفسه يعمل عصير لينا كلنا؟ عارفين ده يوجع قلبه إزاي على الموارد اللي استخدمها؟ كنا كلنا متنحين للصنية ونسينا الفيلم وداليا قالتله:
– في إيه يا بابا إنت عيان ولا إيه؟ لمين العصير ده؟
ردت أمي وقالت بتريقة:
– إنت هتسمنا ياراجل إنت ولا إيه؟ مش مرتحالك.
رد أخويا وقاله:
– منتهي الصلاحية ده يا بابا؟
كان قبل ما أتكلم أنا ولا أخويا التاني رد أبويا وقال:
– اشربوا بلوا ريقكم، واخلصوا بدل ما أشيله من قدامكم أرميه في الحوض.
طبعًا لأن إحنا مش متعودين على كده، ولأن فرصة إن الواحد يشرب في البيت ده حاجة تبل الريق، فكانت فرصة بالنسبالنا تقريبًا كلنا شربناه مرة واحدة عشان ميرجعش في كلامه ويفوق لنفسه، كان في منتهى الهدوء والغرابة لكن طبعًا ده كان له تفسير عندنا قولناه لبعض بعد ما أخد الصنية من قدامنا دخل غسل الكوبايات اللي فيها وزي ما خرج من أوضته زي ما رجعلها وقفل وراه الباب وكمل نومه من تاني، قالت أمي:
– الراجل بيحلم، ده لو عرف لما يصحى اللي عمله ده مش بعيد يروح فيها.
ضحكت داليا:
– متبقيش مفترية يا ولية إنتي، إنتي مش عاجبك حاجة؟
رديت وأنا مستغربة:
– غريبة أصلها يا داليا، أبوكي يصحى من نومه عشان يعملنا عصيرررررررررررررررررررر!! ده حتى مش شاي ولا مياه سخنة، عصيررررر يابنتي.
قالت أمي:
– محدش يفكره بقى لما يطلع النهار أحسن يطلع العصير ده علينا، يلا لما أقوم أصلي بقى، صحيح لما هو صحى إيه اللي خلاه ميصليش؟
داليا:
– سيبيه بقى ينام أحسن، بدل ما يفتكر اللي حصل ده ويطلع كان فاكره حلم وتبقى حفلة.
ضحكت أمي ودخلت تتوضا، وطلعت دخلت على أوضتها ومطلعتش منها غير تاني يوم، قعدت مع داليا وإخواتي سحبوا نفسهم واحد ورا التاني لحد ما طلع النهار، أنا كمان مش عارفة إيه اللي منعني أقوم أصلي، وفاتت الليلة دي عادية، أغرب ما فيها اللي عمله أبويا، تاني يوم صحينا كل واحد مشي يومه زي ما بيمشي كل يوم، محدش فينا ركع ركعة واحدة حتى والغريبة إن محدش فينا علق على ده، اتعاملنا وكأن ده الطبيعي، ودي كانت الليلة اللي نزلت سهرت فيها مع بسمة، ودي الليلة اللي أمي نزلت زعقتلي فيها، وطلعت لقيتها نايمة جنبي، ومن هنا جت كل الأحداث بقى، صحيت وحصل اللي حصل وعرفت من أبويا إن أمي مقامتش من السرير، دخلت على غير العادة نامت بدري ومصحيتش غير تاني يوم، في الوقت ده حسيت من جوايا إن فيه حاجة غلط، أنا مش معقول بيتهيألي.. بيتهيألي إيه بالظبط؟؟؟؟ إنها نزلت زعقتلي، ولا إنها كانت في سريري؟ ولا إنها نامت جنبي لحد ما أنا نفسي نمت؟ كنت عايزة أتكلم وأقول إني متأكدة من اللي بقوله، لكن مرضيتش أقاوح عشان مش عايزة عكننة على الصبح، قولتها لنفسي عشان أقنع نفسي أسكت:
– يلا يمكن كنت بحلم بقى، ما علينا.
دخلت الحمام وأخدت دش بس مكنتش حاسة إني لوحدي في الحمام، الحمام بارد جدًا على غير العادة، حاسة إن فيه عيون مرقباني لكن أنا مش شايفاها، مجرد إحساس أول مرة أحس بيه الصراحة، برغم إني بحب الأفلام الرعب وعالم الروحانيات بخيره وشره إلا إني أول مرة أحس بكده، برغم محاولاتي في إني أوصل لحاجة خاصة بيهم إلا إني دايماً بفشل، ويمكن بسبب رغبتي في الوصول ليه من الأساس مكنتش حاسة بخوف من تخيلاتي دي، اتعاملت عادي جدًا وطلعت دخلت أوضتي مسكت تليفوني وابتديت أكلم صحابي بقى ويبدأ يومي كالعادة، طبعًا داليا مبتشغلش بالها بحد غير نفسها، إلا لو بس حابة توقع الدنيا في بعضها دي الحاجة اللي تخليها تتكلم مع اللي حواليها، إيمان كانت قاعدة عند خالي مش بايتة معانا في البيت، وأنا قاعدة بتكلم جه لداليا تليفون وسمعتها بتقول:
– خلاص تمام، هنزل أنا أقابلك، المهم حضرلي حاجة كويسة.
عرفت إن داليا نازلة، وطبعًا أمي نزلت تقعد مع مرات خالي شوية.. أصل الخير كله عند خالي تحت وتقريبًا هو زي البيت الكبير كده كله بيتجمع فيه، لقيت نفسي قاعدة في البيت لوحدي بعد ما كله نزل وأخيرًا مبحسش بالهدوء غير وأنا لوحدي، وفي اللحظة دي انطفى النور في أوضتي بس وطلعت وقفت قصادي:
– كنتي بتدوري علينا كتير.
اتخضيت ولزقت في الحيطة من الخوف وأنا بحاول أستعيذ بالله لقيتها قالت بتحذير:
– دورتي ليه لما إنتي بتخافي؟
كنت بتنفض حرفيًا، فكرة إن حد يظهرلي فجأة كده بالملامح المرعبة دي بالصوت المخيف ده، حاجة مش طبيعية ولا ينفع البني آدم يتعامل معاها على إنها طبيعية، ضحكت بصوت عالي جدًا مش عارفة إزاي محدش سمعه ولقيتها بتقولي:
– إنتي أنسب سبيل ليا، إنتي جواكي أكبر طاقة غل وحقد وكره ناحية كل اللي حواليكي، وعشان كده إنتي سبيلي.
كنت بحاول أفرك عيني، بحاول أسلك وداني يمكن أنا سامعة وشايفة حاجة مش حقيقة، لكن هي واقفة بتتفرج عليا، وأنا مش قادرة أقول حاجة، لكن هي قالت:
– أنا ناعوووودي، خادمة العالم السفلي، وجاية هنا في مهمة إنتي هتكوني تابع ليا فيها.
كنت عايزة أتكلم لكن هي قالتلي:
– خلاص، أنا هخليكي تتكلمي.
وفي أقل من لحظة لقيت شكلها اتحول وفي وسط بخار أسود ظهر واختفى فجأة كانت هي بتتحول من الصورة المخيفة دي لصورة… لصورة داليا أختي… آه اللي كانت واقفة قدامي في اللحظة دي داليا أختي مش هي، أخدت نفسي بصعوبة وأنا بقولها بتوتر:
– داليا!! إنتي اتجننتي؟ إنتي إزاي عملتي…
قاطعتني وقالت:
– نااااعووودي، كده تقدري متحسيش بالخوف وتتكلمي وتسمعي عشان نعرف الخطوات الجاية، شئتي أم أبيتي إنتي السبيل ليا في العالم بتاعكم.
هزيت رأسي بالموافقة على أساس أسمعها لكن صوتي مش طالع، اتكلمت هي وابتديت تحكيلي كل اللي حصل وقوته ليكوا في البداية، قالتلي إن هي اللي كانت بايتة جنبي الليلة اللي فاتت وقالتلي في النهاية:
– الشر اللي جواكي اللي بتقدري تداريه بمظهرك وكدبك هما اللي هينهوا المهمة بسرعة، إنتي واللي جواكي أسوأ من كل اللي حواليكي، وعشان كده لقيت إن إنتي أسهل طريق.
حاولت أنفي وأقول:
– شررر… أنااا جووو… جووواي.. ااااا.. شرر؟؟ لا..لللالا.
قاطعتني وقالت:
– جواكي، وإنتي عارفة، إنتي خدّاعة، وخاينة، ومذنبة، وحتى الكبائر مش بتمر من تحت إيديكي، يبقى أنا هحتاج مين غيرك يساعدني في عالم البشر ما دمتي بتجمعي كل الصفات اللي بحتاج ليها؟
كلامها استفزني على قد ما أنا خايفة لكن حاولت أهاجمها وأعارضها في اللي بتقوله، أول ما اتحركت وبعدت من عند الحيطة عشان أستعد لمواجهتها حسيت بقوة دفعتني لمكاني تاني دماغي اتخبطت في الحيط محسيتش نفسي غير وهي…..
رواية ابالسة الانسال الفصل الرابع 4 - بقلم هنا عادل
لمحتُها واقفة أمامي تمامًا، تنزل من بين شفتيها مادة لزجة تلعقها بلسانها الطويل الغريب. قالت بفحيح:
– من دلوقتي أنا وأنتِ واحد.
وفجأة تحولت لبخار أسود. مع صرختي، شعرتُ أنني اختنقت، وامتلأ صدري نارًا، كأن أحدهم يقلب بداخلي ماءً نارًا يشوهني ويقتلني ببطء. تجمدتُ مكاني، غير قادرة على الحركة، لا أعرف كم مر من الوقت. أشعر بألم في صدري يقتلني، لكن لا أستطيع التعبير أو إخراج ما بداخلي بأي شكل.
في هذه الحالة، سمعتُ نفسي أتكلم بصوت تخين غير صوتي:
– هنبدأ باللي في البيت هنا الأول، عشان نقدر نخلص من كل الباقيين.
أنا أسمع الصوت، وشفتاي هي التي تتحرك، ولا يوجد أحد معي في الغرفة، لكنني لا أشعر أنني أنا من يتكلم. فجأة، شعرتُ أنني استنشقتُ. ورغم أنني استنشقتُ رائحة شياط ودخان غريب، ماله وجود إلا بداخلي أنا فقط، إلا أنني كنتُ شبه من شرب شيشة حتى خرجت من عينه، وكأن الفحم كان يشتعل بداخلي. وشعرتُ بسخونة غريبة في عيني.
تحركتُ من مكاني وكأنني أتحرك بقوة دفع. وقفتُ أمام المرآة ورأيتُ عيني لونها يعكس ما بين العسلي والأبيض. آه، أنا عيني عسلي. كان منظرها مخيفًا، ورغم ذلك ابتسمتُ. ابتسامة غريبة عليّ، لم تكن ابتسامتي، لكن من داخلي هناك طاقة تحتاج أن تخرج. أشعر أنني فجأة امتلأتُ نشاطًا، عكس ما عندي في العادة. حركتي خفيفة جدًا، وكأنني لست أنا من يمشي.
ذهبتُ، وقفتُ أمام دولابي، فتحته، ونظرتُ إليه بقرف وعدم رضا. أخرجتُ ملابس وغيرتُ. وجدتُ نفسي خارجة من الغرفة، أشيل كل السور القرآنية أو أي مصحف، وحتى سجادات الصلاة. شيلتها، وجبتُ كيسًا كبيرًا ووضعتُ فيه كل هذه الأشياء. ونزلتُ حتى مدخل البيت. وضعتُهم في برميل الزبالة الذي على باب الشارع. بالتأكيد، في الوضع الطبيعي، كان مستحيلًا أن أفعل ذلك. مهما كان القرف الذي بداخلي، بالتأكيد لن يصل بي الحال إلى هذه الدرجة. لكنني من هذا اليوم، كنتُ أتحرك كإنسان آلي. الذي تقوده "ناعووودي" تريدني أن أتحرك تجاهه، هو هذا الذي يحدث مني.
بعد أن وصلتُ إلى باب الشارع، سمعتُ همسًا في أذني يقول:
– يلا عشان نلحق ندفن السحر.
مشيتُ دون أن أعرف إلى أين ذاهبة. وصلتُ إلى مكان ليس بعيدًا عن منطقتنا، لكنه كان مثل الخرابة، فارغًا ومليئًا بالزبالة والكلاب. رغم أنني لا أحب الكلاب وأقلق منهم، إلا أنني دخلتُ وسط هذه الخرابة. وعلى كوم من الزبالة، وجدتُ نفسي أجلس، وشفتاي تتحرك. لا أعرف ولا أفهم ما يُقال، لكنني أسمع صوتي وهو يردد كلامًا غريبًا غير مفهوم بصوت يقشعر الجسم من الخوف.
في وقت ترديد الكلام، شعرتُ أن شيئًا يسيل على وجهي. لمسته بيدي، ووضعتُ يدي أمامي، لكنني لم أرَ يدي أصلًا. مع ترديد الكلام، وجدتُ الأرض أمامي تُحفر. لا أعرف كيف كنتُ أرى الأرض وهي تُحفر لوحدها، ولا أرى يدي. وفجأة، خرج من تحت الأرض شيء غريب جدًا. كان مثل قطعة كبدة نيئة، لسة خارجة من بطن حيوان.
مددتُ يدي، أمسكتُها، وكانت ساخنة بشكل غريب. ووضعتها بين شفتي، وكأنني أنهشها. وبعد أن عضضتها، فتحتُ فيها فتحة بأسناني. وخرج من بين هدومي ورقة، ووضعتها في الفتحة هذه. ونظرتُ إليها بعد أن انتهيتُ. وبنظرتي إليها، عادت سليمة كما كانت، والفاتحة اختفت.
وضعتها بيدي على الأرض مرة أخرى، وشفتاي تحركت من جديد، تردد تقريبًا نفس الذي قيل. دُفنت الحاجة التي كانت معي هذه، وكأنها لم يكن لها أثر. قمتُ، ومشيتُ من مكاني. وأول ما خرجتُ من الخرابة هذه، كنتُ أنظر حولي، وأشعر أن هناك شيئًا لا يزال ساخنًا على وجهي.
مددتُ يدي مرة أخرى على وجهي، مسحتُ ما عليه، وبنظري إلى يدي، وجدتُ تحت عيني مثل سيل دم أحمر. استغربتُ، تخيلتُ أن هذا قد يكون من الذي حصل داخل المكان هذا. مسحتُ يدي في هدومي، وعدتُ مسحتُ بها وجهي مرة أخرى، ووجدتُ نفس اللون ونفس المادة التي مسحتها. آه، عيني كانت تنزف دمًا. خوفتُ، لكنها قالت لي في أذني:
– اتعودي، دي لحظات حضوري على جسمك.
أنا لا أعرف كيف أرد أصلًا عليها. أنا أستقبل فقط، هي التي تعمل، وهي التي تقول، وهي التي تتحرك، وأنا مجرد آلة هي التي تتحكم فيها. رجعتُ البيت، وطلعتُ على فوق. وكان باب خالي مفتوحًا طبعًا.
رأتني بسمة وأنا طالعة، ونادت عليّ. نظرتُ إليها، ومن داخلي فجأة شعرتُ بنار تشتعل بداخلي. صوت "ناعووودي" رن في أذني وهي تقول لي:
– مش بتحبك، بتتمنى لك الأذى، عايزاكي حزينة ومكسورة طول عمرك.
في نفس اللحظة التي قالت لي فيها ذلك، طلعت لي بسمة على الباب:
– انتي كنتي فين يا بنتي؟ ونزلتي إمتى؟ معدتيش علينا ليه؟ دي عمتو جوة.
رددتُ عليها، وكانت أول مرة أسمع صوتي من وقت الذي حصل:
– نزلت شوية، كنت بشحن تليفوني.
بسمة:
– طيب ادخلي، أنا بحضر الغدا، تعالي بقى اتغدي معانا.
دخلتُ فعلًا، سلمتُ عليهم كلهم، ومن داخلي أشعر أنهم كلهم بداخلم لي كره غريب. تركتُهم يكملون كلامهم، ودخلتُ، وقفتُ مع بسمة، التي بدأت تعمل الأكل، وهي تقول لي:
– إيه الجديد؟
رددتُ وقلتُ لها:
– مفيش، انتي إيه الجديد عندك؟
قالت لي:
– مفيش. أحمد كلم بابا وعايز ييجي يتقدملي، بس بابا لسه ما أخذش قرار.
قلتُ لها بغيظ:
– عايز ييجي يخطبك؟ بجد؟ غريبة يعني!!
لقيتها بصت لي وقالت لي:
– ليه يا هند غريبة؟ أومال هو بيحبني عشان يصاحبني بس ولا إيه؟ ما هو طبيعي كان لازم ييجي الوقت ده.
لقيت نفسي بتغاظ أكتر:
– يا بنتي بس انتي لسه صغيرة، وبعدين ده عايز يتحكم فيكي، متكلميش دي ومتقابليش دي، ده كاتم على نفسك وانتِ في بيتك وبيت أبوكي، أومال لما يبقى خطيبك بقى هيعمل معاكي إيه؟
ردت بسمة وقالت:
– لأ، مش أوي كده يا هند. هو بس له نظرة في البنات اللي بتعامل معاهم، مش بيقولي ابعدي عن واحدة منهم إلا لو كان شاف منها حاجة. وبعدين إحنا متربيين سوا يعني وحافظين بعض، مش هيوصل بيه للي انتي بتتكلمي فيه ده.
اقتناع بسمة بأنها تتخطب لأحمد جارنا اللي بيحبها من وهي عيلة، غاظني. إزاي هي تتخطب وتاخد اللي بتحبه وأنا وإخواتي قاعدين كده محدش بيعبرنا؟ لأ، وكمان اللي اتجوزوا اتطلقوا!! مش عارفة ده غل جوايا ليها، ولا ده بسبب "ناعووودي". لقيت نفسي بقولها:
– طيب برضه لو أبوكي سألك، استني لحد ما نعمله اختبار كده. مش يمكن يكون بيمثل عليكي إنه مش مع حد غيرك، وتلاقيها ماشي مع نص أصحابك اللي بيقولك عليهم لأ دول؟
سابت بسمة اللي في إيديها، وبصيت لي بتركيز، وقالت لي بتوتر:
– لأ يا هند، مستحيل يا شيخة، أحمد محترم ومش بتاع الكلام ده، ودائمًا حاططني أنا وأخته قدام عينه قبل أي حاجة.
قلت لها بوسوسة شيطان:
– طيب خلينا نخلص الغدا، وأنا هقولك هنتأكد إزاي. بس لو طلعت أنا صح، يبقى هتقطعي علاقتك بيه نهائي، وإلا أنا اللي هقول لخالي على إنكم بتتكلموا مع بعض.
ردت بسمة باستغراب:
– مالك يا هند؟ انتي ليه متحاملة عليه أوي كده؟ ده انتي مكنتيش بتقولي كده لما كنا بنتكلم عادي من غير ما حد يعرف ولا الموضوع ياخد خطوة رسمية!! إيه اللي اتغير؟
كان لازم أرد عليها من غير تفكير:
– يا بنتي كل البنات بتصاحب وبتمشي، وأنا قلت انتي بتتسلي لحد ما تلاقي حد كويس ويستاهلك. لكن مدام الموضوع دخل في الجد... لازم نتأكد إن ده اللي ينفع تفضلي معاه.
بسمة رجعت تكمل اللي بتعمله، وهي بتقول لي:
– كلامك كأنك متعرفنيش يا هند. هو أنا من إمتى كنت من الناس اللي بتسلي نفسها بالكلام مع الرجالة؟ أحمد ده لو مش من زمان واحنا عارفين إننا هنكون لبعض، أكيد مكنتش اتكلمت معاه كل ده. هو لا كلم بنات ولا يعرف غيري، وأنا كمان زيه، وانتِ أكتر واحدة عارفة ده. مش عارفة إزاي بتقولي عني كده؟
حسيت إنها بترمي عليا بالكلام، أو اللي جوايا أقنعني بكده:
– انتي قصدك إيه بأنك مش من الناس اللي بتسلي نفسها بالرجالة؟ انتي بترمي الكلام عليا يا بسمة؟ عمومًا انتي حرة، بس أنا لو مش متأكدة إن أحمد ده خاربها من وراكي، مكنتش قلت كده، وانتي حرة.
سبتها وخرجت، وأنا عارفة إن كلامي ده هيشتغل في دماغها ويقلقها، خاصة إني قلبت عليها، وهي عارفة إني مش بقلب كده إلا لو زعلتها. وكان لازم أعمل ده عشان أخليها تيجي تصالحني وتقول:
– عندك حق يا هند، خلاص شوفي إيه الصح وأنا معاكي فيه.
برغم إنها عارفة إني مش صح في حياتي، لكن عندها ثقة تامة في إني مش بتمنالها غير الخير. وأنا أصلًا قلبي مفيش فيه ذرة خير لأي حد من قبل "ناعووودي" حتى. وكانت بسمة أول أهدافي برة باب شقتنا.
رواية ابالسة الانسال الفصل الخامس 5 - بقلم هنا عادل
خلصنا الغدا وكانت طول الوقت بتتكلم بسمة في كلام كتير، تقريبا مكنتش سامعاه. كنت مركزة في اللي جاي وهي بتقولي في ودني:
– متقلقيش، هيحصل.
مكنتش فاهمة تقصد إيه بالظبط. هل هتتخطب؟ ولا تقصد هيحصل اللي أنا عايزاه وتبوظ فكرة الخطوبة؟
لكن وأنا واقفة بفكر، شوفتها… أو شوفته، مش عارفة بالظبط. كان خيال واقف ورا بسمة بالظبط، اللي كانت واقفة قصادي. مش عارفة هل هو اللي أسود ولا لابس حاجة سودا. كل اللي خدت بالي منه إن وشه مش باين منه غير عيون سودة مخيفة جدا، وجزء من وشه لكن مش باين منه أي ملامح تانية أو علامات. اتخضيت للحظة لكن تماسكت عشان مألفتش انتباه بسمة. كان واقف ثابت وعنيه مركزة مع بسمة، اللي فجأة من غير مقدمات فار الزيت اللي كان على النار بعد ما أخدت منه البطاطس اللي كانت فيه، وطار من الطاسة على وشها وإيديها وهدومها. أنا مش عارفة ده حصل إزاي، ولا كان فيه فرصة أفكر، لأن صريخ بسمة لم علينا كل اللي في البيت. الزيت كان والعة نار طبعًا وعملها حروق كتير في وشها وفي إيديها وفي جسمها. طبعًا كلهم مخضوضين وأنا كمان معاهم. اتلمينا عليها وكل واحد فينا حاول يفتي بأي حاجة تهدي نار الزيت اللي على جسمها ووشها، لحد ما لقيت نفسي بسرعة طالعة على الشقة عندنا فوق من الأدوية اللي عندنا، سحبت نوع معين. أنا ولا فاهمة ولا عارفة بعمل إيه. لكن نزلت بيه بسرعة وقولتلهم:
– تقريبًا ده كويس.
مرات خالي بخوف وثقة فيا للأسف، أخدته مني بسرعة وبدأت تدهن بيه مكان الحروق. طبعًا كانت بتصرخ بسمة من الألم. لحد ما اتكلمت إيمان وقالت:
– لازم نروح على أي مستشفى، بدل ما نحط حاجة تعمل التهاب.
مرات خالي بخوف ودموع:
– هلبس عبايتي، حطي عليها عباية يا هند بسرعة.
إحنا بينا عشم الحقيقة وبنتعامل في شقتهم زي شقتنا، ويمكن أريح كمان. فعلًا جبت عبايتها وإيمان أختي لبست، وأمي منفعتش تنزل عشان البيت ميبقاش فاضي عندنا وعندهم، لأن مفيش حد موجود. نزلنا نجري على المستشفى. وفي طريقنا شوفته… أحمد، اللي عايز يخطب بسمة. كأني أول مرة أشوفه. مش عارفة إيه اللي شدني ليه بالشكل ده. وأول ما عينه جت علينا، جه يجري وهو بيقول لمرات خالي اللي عارفة موضوعهم:
– خير يا طنط؟ في إيه؟ رايحين فين؟ مالها…
قاطعته إيمان وقالتله:
– الزيت اتقلب عليها ورايحين على المستشفى.
بسرعة قال وهو سايبنا وبيجري:
– استنوا، هجيب عربية وأجي أوديكم.
سابنا وقبل ما نوصل لأول الشارع، لقيناه داخل علينا بعربية باباه. ركبت مرات خالي جنبه علطول، وأنا وإيمان قعدنا جنب بسمة اللي موجوعة وعمالة تعيط، وكل ما دموعها تنزل على وشها الجرح يألمها أكتر. كان سايق بينا كأنه راكب طيارة، محسيتش الطريق أخد وقت قد إيه. دخلنا على المستشفى والدكتور شاف الحالة. وأول ما عرف إني حطيتلها على وشها الدوا اللي أنا حطيته، انفعل وقال بصوت عالي:
– إنتوا إزاي تتصرفوا كده؟ ده يزود التهاب الجروح، وحتى المسكن مش هيعمل معاها مفعول.
مرات خالي بعياط:
– يعني إيه؟ يعني وش البنت باظ؟
الدكتور بأنفعال:
– يا جماعة مليون مرة ننصح، بلاش أي أدوية قدامنا وخلاص. مش فكرة باظ يا مدام. الفكرة إن الموضوع هياخد وقت أكبر من اللي كان ممكن ياخده في العادي.
رديت ومن جوايا سعادة رهيبة:
– يعني هيسيب أثر في وشها؟
الدكتور:
– مش هيروح بسرعة، هياخد وقت.
طبعًا ابتدى الدكتور ينضف الحروق وهي بتتألم وبتعيط. ومرات خالي طبعًا دموعها موقفتش. حتى إيمان كانت زعلانة. وأنا من برة زعلانة، لكن من جوايا برقص من الفرحة. أحمد كان معانا وزعله عليها غاظني أكتر. طلعت من الأوضة أنا وإيمان وأحمد، واستنيت مرات خالي مع بسمة. وقفت وقولت قدام أحمد بقصد:
– وشها باظ كده؟ الحروق هتسيب علامات. أنا مش عارفة إزاي ده حصل.
إيمان بزعل:
– بس بقى، بلاش تقولي كده. هيخف أكيد يعني مع الوقت.
أحمد بزعل:
– الحمد لله إنها جت على قد كده. وبعدين دلوقتي كل حاجة ميؤوس منها بقوا يلاقولها حلول. إن شاء الله ميبقاش فيه أثر.
رديت وأنا متضايقة من التفاؤل اللي عنده:
– دي حروق يا أحمد. وبعدين وشها وجسمها. حتى لو مسابتش أثر كبير، كفايا إنها هتعمل بقع مكان الحروق.
كنت بحاول أوصله إن المنظر بتاع الحروق هيكون شكله مش لطيف. لكن هو وإيمان كانوا بيحاولوا يبسطوا الموضوع. طلعت مرات خالي مع بسمة والاتنين لسه بيعيطوا. محاولات إيمان وأحمد في إنهم يهدوا كانت بتزود حقدي عليهم. لكن من جوايا مبسوطة إن بسمة اتشوهت. حتى لو بصورة مؤقتة، لكن على الأقل وشها اتشوه لفترة والعلامات هتكون ظاهرة فيه. رجعنا على البيت، وطبعًا القلق عليها كان باين على الكل. أبويا رجع، فكان لازم نطلع بقى البيت. دخلنا الشقة واستغربت أمي أول ما دخلت وقالت:
– إيه ده؟ راح فين البرواز اللي كان هنا؟
قالتها وهي بتشاور على مكان برواز لآية قرآنية كان في الصالة. رديت أنا وقولتلها:
– لما صحيت وقبل ما أنزلكم، سمعت حاجة هبدت جامد. الإزاز كله اتكسر، لميته ورميته، بقى ماهو أكيد مش هيتصلح.
أمي بتضرب كف على كف:
– مش عارفة إيه اللي جرى أنا. الواحد حاله مقلوب. أنا مركعتهاش من امبارح.
أبويا:
– طب تعالي اقفي جنبي في المطبخ، عايزك في موضوع.
ده مش الطبيعي بتاع أبويا، لكن تقريبًا عمل كده عشان يلهي أمي عن الكلام عن الصلاة. ولأني عارفة إيه الحكاية، أنا كمان لهيتها لما اتكلمت في موضوع بسمة من تاني وفضلت متأثرة وبتأخد وتدي في الكلام، لحد ما أبويا قالها:
– خلونا بقى واقفين نرغي وخلاص ومنتغداش. يلا ياست تعالي ساعديني.
دخلت أمي المطبخ وروحت أنا على أوضتي ووقفت قصاد المرايا بضحك، ضحكة مخيفة، وفجأة لقيت طيف بيخرج من جسمي… متخيلين المنظر؟ آه، جسمي زي اللي خرج منه جسم تاني. كانت هي اللي وقفت تبتسم جنبي في المرايا وهي بصالي وبتقولي:
– مش قولتلك هيحصل؟ طول ما إنتي الكره اللي جواكي بيزيد، كل ما هساعدك في اللي إنتي عايزاه. كرهك للي حواليكي هيساعدني.
ابتسمت وأنا بقولها:
– مش عايزاها تفرح.
ردت وقالتلي:
– ولا أي حد هيشوف الفرح بعد دخولي هنا. خليكي معايا وكل اللي إنتي عايزاه هيحصل.
قولتلها:
– بس أنا بحس أوقات بخوف كده.
ردت ناعوووودي وعنيها بتتحول من البياض المميت ده للسواد المخيف وقالتلي:
– لازم تتعودي على وجودي. كل اللي هتشوفيه معايا جديد. لكن طول ما إنتي معايا، متخافيش. شيلي الخوف من عقلك. لأنك هتشوفيني كتير، وبأشكال كتير.
ابتسمت وقولتلها:
– هتطفشي أحمد إزاي؟
قالتلي وهي بتضحك:
– عايزاه يطفش إزاي؟
قولتلها:
– سمعتها… عايزاه يشك في سلوكها ويبعد عنها بسبب ده.
ضحكت وقالتلي:
– حااااااضر.
وفجأة مشيت من جنبي، وفي المرايا شوفتها من ضهرها وهي خارجة من أوضتي بهيئة جسم بسمة… الموضوع رهيب جدًا. آه، اللي خرجت من الأوضة دلوقتي كانت بسمة مش ناعووودي. مش عارفة هي رايحة فين ولا هتعمل إيه. لكن اللي عرفته إنها اتجسدت في هيئة بسمة… لأيه بالظبط لسه هعرف. طلعت من أوضتي على صوت أبويا اللي قال:
– تعالي يا هانم، الأكل جهز.
قعدت على الترابيزة مع أبويا وأمي، وكان أخويا خالد وصل. طبعًا المكرونة والبطاطس المقلية، وجبتنا الأساسية. كان قاعد أبويا بيراقبنا تقريبًا، وأنا عيني معاه وعارفة اللي بيدور جواه. هو أكيد مستني يحس أو يشوف نتيجة للي عمله وبدأ فيه. قعدنا ناكل ولسه أخويا خالد هيسمي قبل ما ياكل، لقيت نفسي من غير تفكير بهبد بإيدي على الترابيزة لدرجة إن الأطباق اترفت من على الترابيزة واتقلب منها الأكل… وقولت بعصبية:
– أنا ززززهقت بقى.
كلهم بصوا ليا واستغربوا جدًا. خالد اتكلم بأنفعال:
– إنتي اتهبلتي ولا إيه يا هند؟ إيه اللي إنتي…
قاطعه أبويا وقال:
– إنتي بتقلبي الأكل يا بت الكل… بتغوري اللقمة من وشنا. طيب إيه رأيك بقى، إنتي مش هتطف…
برقت لأبويا وصوتي كان عالي وأنا بقوله:
– زهقت وعايزة أشتغل. أنا مش هفضل قاعدة كده مستنية اللي يديني منكم جنيه.
أمي باستغراب:
– وإنتي حد قالك متشتغليش ياختي؟ وبعدين إنتي إيه اللي بتعمليه ده يا هند؟ إنتي بتكبري وتخيبي؟ اللي زيك كان زمانها أم دلوقتي.
أبويا:
– إنتي اللي فاشلة ياختي، مبتفلحيش…
قاطعته تاني وأنا ببص له بنظرة هو مش فاهمها:
– لأ، بفلح… بفلح أوي كمان وهتشوف. إنت بالذات يا بابا هتشوف إني بعرف أفلح… حتى اسأل عمتي إلهام.
في اللحظة دي عينه كانت هتخرج من مكانها والأكل وقف في زوره وهو بيقولي:
– إل… إلهام؟ عمتك!! أسألها على…
قاطعته وأنا بضحك وبقعد في مكاني بهدوء:
– مالك بس يا بابا؟ اتخضيت كده ليه؟ ده أنا بقولك عمتي، مش بجيبلك سيرة العفاريت يعني… ههههههه.
ضحكت وقعدت آكل الأكل اللي وقع على الترابيزة، وأمي وخالد بيبصوا ليا باستغراب، وأبويا عينه متعلقة معايا ومستني يسمع مني أي كلمة تانية. انفعاله اختفى وفضل ساكت. وأنا قعدت آكل ومسمحتش لحد يتكلم بكلمة تانية في اللي عملته. وكلهم أكلوا من غير ما يسموا حتى، وده اللي كنت عايزاه من البداية.
رواية ابالسة الانسال الفصل السادس 6 - بقلم هنا عادل
ولأني اتكلمت كتير في حاجات كان ممكن تكون مختصرة عن كده، خلوني أقولكم اللي حصل على طول.
كان البيت عندنا كله تقريبًا من غير أسباب بطلوا يصلوا، وحتى محدش كان بيعلق على الموضوع ده.
لكن أبويا بعد اللي حصل على الأكل، كان الفضول قاتله.
وعلشان كده نده عليا في الأوضة بتاعته وقال لي:
– إنتي كنتي قصدك إيه على الأكل؟
ابتسمت وقولت له:
– قصدي اللي إنت عارفه. ماهو اللي إنت عملته مش هيحصل غير عن طريقي…
قاطعني وقال لي:
– اللي هو إيه؟ وعن طريقك…
قاطعته أنا كمان وقولت له:
– اللي روحت لإلهام تعمله ليك، وعن طريقي لأني بنتك، لأني زيك، لأني بكره كل اللي حواليا… وحتى بكرهك إنت كمان.
قولتها وضحكت بخبث وهو عينه كانت بتطلع نار من كلامي اللي مش متعود عليه مني.
قبل ما أطلع قولت له:
– خلي بالك، جسمي ده مبقاش بتاعي لوحدي. أوعى تفكر تضايقني لأنك هتبقى بتضايقها هي كمان.
سبته وخرجت من الأوضة قعدت جنب أمي على الكنبة وبتفرج على التليفزيون.
كانت هي من وقت ما خرجت في هيئة بسمة مرجعتش تاني.
وأول ما رجعت وأنا قاعدة جنب أمي حسيت بكهربا في جسمي وصوتها رن في ودني وهي بتقولي:
– استعدي للفضيحة.
ابتسمت وأنا عارفة قصدها، لكن هي كملت وقالت لي:
– عايزاكي تغوي خالد أخوكي.
تنحت من الكلمة، لقيت نفسي مش عارفة أبقى على راحتي بسبب أمي اللي قاعدة جنبي.
قمت سيبتها ودخلت أوضتي، قفلت الباب.
وكالعادة داليا مش موجودة معظم الوقت.
وقفت قدام المرايا وطيفها خرج من جسمي وهي بتبتسم، وأنا على وشي علامات استغراب من اللي قالته.
مهتمتش هي بده وقالت لي:
– إيه؟ مش هتعرفي تغويه؟ هي أول مرة يعني؟
رديت وأنا بقولها بصوت واطي:
– أغوي أخويا إزاي؟ آه مش أول مرة، لكن مش أخويا أكيد يعني. هغلط مع أخويا إزاي؟
ابتسمت وقالت لي:
– حرام؟
فهمت قصد استهزائها، ورديت عليها ببجاحة وقولت:
– مش عشان حرام، عشان مش هقدر ومش هعرف وممكن يفضحني.
قالت لي وعنيها بتتحول من السواد للبياض بطريقة في العادي والطبيعي ترعب أي بني آدم:
– مش هتتفضحي، متقلقيش. اعملي بس اللي طلبته وأنا هخليه ميعرفش إنك إنتي أصلًا.
الموضوع صعب طبعًا، في الطبيعي حرام وذنب مفيش فيه نقاش ولا خلاف.
لكن أنا خوفي كله كان من الفضيحة مش أكتر.
لكن في العادي أنا لا بيفرق معايا صح من غلط ولا حلال من حرام.
وابتديت أفكر هعمل إيه مع خالد.
طلعت من الأوضة وقولت لماما:
– أنا هنزل أطمن على بسمة. مش هتنزلي؟
ردت وقالت لي:
– أخلص التمثيلية وأنزلهم. انزلي إنتي.
سيبتها ونزلت أطمن عليها وكانت مهمومة وزعلانة هي وأمها جدًا على اللي حاصل.
طبعًا الحرق لسه في أوله وده كان سبب في إن شكل وشها صعب.
وجسمها كمان الحروق اللي فيه مش عايزة هدوم تلزق فيه علشان كده لابسة هدوم كبيرة جدًا عليها من بتاعت أمها علشان تبقى واسعة.
كان شكلها وحش وحش يعني.
قعدت معاهم نتكلم وأواسيها ونحاول نخفف عنها وكل ده أنا مستنية أمي تنزل.
شوية فعلًا ونزلت أمي وبعد ما ابتدوا يفتحوا مواضيع قولتلهم:
– هطلع آخد دش وأنزلكم تاني.
طلعت البيت كان أبويا في أوضته وده أنا مشغلتش بالي بيه أصلًا.
خلاص بقى معايا اللي يخاف منه.
دخلت أوضتي غيرت هدومي وحطيت برفان ووقفت قدام المرايا وقولتلها:
– أنا هروح أوضة خالد قبل محمد ما يرجع.
ومن غير تردد روحت أوضته وفتحت الباب.
كان نايم على السرير وماسك التليفون بيلعب عليه.
بص ناحية الباب وقال لي باستغراب:
– إيه ده؟ إنتي إيه اللي طلعك؟ وإزاي أصلًا تفتحي الباب كده من غير ما تخبطي؟
رديت وقولت له وأنا بقعد جنبه على حرف السرير:
– وفيها إيه يعني؟ هو أنا غريبة؟ ولا أنا لازم أستأذن؟ أخويا وداخلة أوضته، عادي يعني.
قام اتنفض على السرير وهو بيقولي باستغراب:
– إنتي مالك؟ بتتكلمي كده ليه؟ في إيه يابت؟
مسكت إيديه حطيتها على رجلي وأنا بقوله:
– مفيش حاجة. قولت أجي أطمن عليك، بس كان المفروض إنت اللي تطمن عليا.
بص ليا بذهول وسحب إيديه، قال لي بانفعال:
– إنتي مجنونة يا بسمة ولا إيه؟ قومي اطلعي بدل ما أديلك على وشك بالقلم.
بسمة؟ بسمة إزاي؟ أنا هند…
تنحت لخالد لحظة لكن اتكلمت من غير ما أكون أنا نفسي اللي بتكلم:
– عمتي تحت، ومحدش حاسس بينا، خلينا نقعد مع بعض شوية.
ابتديت أتصرف تصرفات غريبة ومش مظبوطة.
خالد كان مذهول مني لكن أنا وهو لوحدنا… والشيطانة تالتنا… يبقى إيه اللي هيحصل غير إن الشيطان يغلبنا.
إحنا أصلًا أضعف من إننا نقاوم الشيطان ورغباته.
ما بالكم بقى بأني قررت أطيع الشيطانة وأنفذ أوامرها.
قضيت وقت مع خالد… قضيته مع أخويا اللي كان شايفني ومتأكد من إني بنت خاله.
بنت خاله اللي مفيش بينه وبينها أي حاجة غير القرابة وبس.
خالد:
– إنتي إزاي كده؟ إيه الجرأة دي؟ أنا مصدوم…
قاطعته وأنا بحط إيدي على شفايفه:
– وفيها إيه لما أكون جريئة معاك إنت بس؟ هو إنت يعني هتروح تحكي لحد اللي حصل بيني وبينك؟
خالد بتوتر:
– لا.. لأ، أكيد مش هحكي لحد حاجة. لكن برضو أنا عمري ما شوفتك غير أختي، يعني زيك زي داليا وإيمان وهند… مكانش ممكن ييجي في بالي إن يبقى بيني وبينك حاجة.
مسكت تليفونه وقولت له بضحكة خبيثة:
– خلينا نتصور سوا، علشان لما تشوف الصورة تشتاق لي.
واتصورت أنا وهو وكانت الصورة مش كويسة خالص.
سبته في حالة الذهول اللي كان لسه فيها برغم اللي حصل وطلعت من الأوضة.
ولأني قفلت الباب ورايا دخلت على أوضتي على طول.
غيرت هدومي ونزلت على تحت من غير ما حد يحس بيا.
ومحاولتش أتكلم معاها لحد ما أطلع بليل من عند خالي علشان خالد لو طلع من أوضته يلاقي إن فعلاً مفيش حد موجود.
كملت قاعدة معاهم، واتفتحت سيرة أحمد وابتديت مرات خالي تقول:
– بصراحة الولد مسابناش، محترم وابن ناس، كتر خيره.
إيمان:
– هو بيحبها يا مرات خالي من وهما عيال، ربنا يكملهم على خير ويكونوا من نصيب بعض.
بسمة بحزن:
– نصيب إيه بس يا أبلة إيمان؟ إنتي مش شايفة وشي باظ إزاي؟ هياخد واحدة متشوهة يعني؟
إيمان:
– متشوهة إيه يا هبلة إنتي؟ كل اللي في وشك ده هيروح، وبعدين هو إنتي يعني هتتجوزي ولا هتتخطبي بكرة الصبح؟ ادعي بس خالي يوافق.
أمي:
– الواد حيلة أبوه وأمه، يعني خيرهم ده كله هيكون له. الدلع اللي أمه متدلعاه ده هتبقى إنتي فيه يا بت يا بسمة.
بسمة:
– والله يا عمتو أنا باللي حصل ليا ده شايفة إن الموضوع باظ أصلًا، هتكسف حتى أبص في وشه تاني بالحروق اللي هتسيب في وشي علامات دي.
مرات خالي:
– اهدي يا بسمة، الدكتور قال هتروح مع الوقت.
كل الكلام كان كده، بيحاولوا يدوها أمل، وبيتكلموا عن مميزات أحمد.
أما أنا كارهاهم كلهم.
وإحنا قاعدين رجعت داليا من برة وطلعنا معاها علشان كانت جايبة معاها عشا.
قضينا الليلة زي كل ليلة وخالد مطلعش من أوضته أصلًا.
محمد رجع من برة اتعشى هو كمان ودخل ينام وقعدت أمي قدام التليفزيون وداليا قدام اللاب توب تشوف شغلها.
ودخلت أنا الحمام.
وأول ما دخلت ونورت النور رجع انطفى تاني وظهرت قدامي بشكلها المرعب وهي بتقولي:
– دي الفضيحة اللي هتمشي أول واحد منهم من البيت، لسه الباقي.
وطيت صوتي وأنا بقولها:
– بس أحسن حد يسمعنا.
ضحكت بصوت عالي جدًا وقالت لي:
– محدش بيسمعني غيرك…
قولتلها:
– بس بسمة لسه بتتكلم عن موضوع أحمد، وكلهم مستنيين إنه يحصل.
ردت وقالت لي:
– مش هيحصل، ومش هي اللي هتبعد، هو اللي هيبعد عنها… بس إنتي مطلوب منك طلبات تانية.
رديت وقولتلها:
– إيه المطلوب؟
قالت لي:
– هتاخدي مخطوط هتلاقيه تحت مخدتك تحطيه في الحمام والمياه مجرد لونها ما يلون تاخدي منها وترشيها على أعتاب الشقق اللي فوقكم.
قولتلها باستفسار:
– إزاي يعني؟
شاورت لي على الحمام وقالت لي:
– المياه اللي موجودة هنا دي، ترمي فيها الورقة اللي بقولك عليها ولما اللون يتغير هتاخدي منها وتحطيها على الأعتاب.
بصيت بقرف وأنا مشمئزة من الطلب اللي قالت له.
ابتسمت وهي بتقولي:
– لو عايزة اختيار تاني… نخلي المياه دم.
قرفت أكتر وقولتلها:
– لالا… مياه كويسة. أعمل كده إمتى؟
قالت لي:
– قبل شروق الشمس، وقبل الفجر.
كان لازم أوافق على الكلام وأنفذ كل اللي قالته.
وفعلًا لما دخلت الأوضة وحطيت إيدي تحت المخدة لقيت فيه ورقة ملمسها خشن وغريب.
مقدرتش أطلعها من تحت المخدة لأن داليا قاعدة على السرير جنبي.
كان لازم أفضل مستنية علشان متحسش بحاجة.
وبعد وقت طويل قامت داليا تتكلم في التليفون وسحبت أنا الورقة ودخلت بيها جري على الحمام بعد ما أخدت إزازة صغيرة من المطبخ.
وأنا داخلة لقيتها بتقولي:
– اقري المكتوب فيها.
وقفت فتحت الورقة في الضلمة اللي… وبرغم إن الورقة لونها أسود إلا إن الكتابة اللي باللون الأزرق اللي فيها كانت واضحة وكأنها نيون.
وابتديت أردد:
– هللللعخوووف.صد. ناعوووودي…كرهنارفراقمرض
وخلصت ورميت الورقة في الحمام.
وأول ما عملت كده وضح في المياه وش مخيف أسود كثيف الشعر بأنياب غريبة وعيون جاحظة…
ارتجفت لكن الوش اختفى في لحظة ولون المياه اتغير لدرجة إنها كانت واضحة في الضلمة إن لونها بقى أسود.
مديت إيدي ومليت الإزازة وأنا حاسة بقرفة وخوف وتوتر من كل حاجة حواليا لحد ما قدرت أنفذ أول جزء من اللي طلبته مني.
مش باقي غير إني أرشهم على أعتاب شقق أخوالي.
دخلت أوضتي وحطيت الإزازة في هدومي لحد ما دخلت السرير وشيلتها بالراحة حطيتها جنب مخدتي عشان محدش ياخد باله منها.
داريتها بالمخدة وحاولت أنام لكن مش عارفة.
أول ما غمضت عيني لقيت نفسي في قفص زي قفص الحيوانات وكائنات غريبة بتصوب عليا سهام نار.
كنت بصرخ زي الكلاب ما بتعوي مش صرخة بني آدمين.
كل السهام اللي كانت بتتصوب ناحيتي كانت بترشق في جسمي تولعني.
مكنتش بموت لكن حاسة بالألم وبعوي من شدته.
لحد ما ظهرت نااااعووودي قدامي وأنا في القفص جوة وهي برة وقالتلي:
– افتكري النعيم اللي هعيشك فيه. افتكري إنك إنتي الخزنة بتاعتي.
كانت بتقولي كده عشان تلهيني عن الألم اللي حاسة بيه وهما مستمرين في تصويبهم عليا لما جسمي كله اترشق بسهام النار.
ومحسيتش بنفسي غير وفيه صويت في البيت وصوت جايب آخر الشارع.
فتحت عيني شفت النهار طالع.
قمت أجري من السرير عشان أشوف مصدر الصريخ ده ولقيت الصوت جاي من تحت.
الشقة عند خالي.
رواية ابالسة الانسال الفصل السابع 7 - بقلم هنا عادل
كنت هجري على تحت لكن هي قالتلي بهمس مخيف:
– متنسيش المطلوب.
وقفت وأنا حتى لسة مفوقتش وافتكرت الإزازة اللي جنب مخدتي. أخدتها معايا ولأن مفيش أي حد، كانت فرصة قدامي إني أطلع الشقق فوق. وفعلاً بمنتهى السهولة قدرت أرش قدام أعتاب شقق أخوالي ونزلت أجري بقى على تحت.
كان خالي واقف بالحزام وبسمة واقفة ورا مرات خالي وأحمد واقف عينه بتطلع نار من الغضب وأمي وإيمان وحتى إخواتي كانوا واقفين بيحاولوا يمنعوا خالي إنه يضربها. مكنتش فاهمة في إيه. لكن خالي قال:
– فضحتيني يا بت الـ… انتي تعملي فيا أنا كده؟ عمري كله عايشه رافع رأسي. انتي تحطي راسي في الطين. هقتلك يا بسمة. أنا هقتلك.
كنت واقفة مش فاهمة ولا فيه مجال أسأل. كان أحمد واقف قربت منه وهمست بصوت واطي:
– هو في إيه يا أحمد؟
أحمد بص ليا وكل حزن الدنيا في عينه ومتكلمش، لكن وجه ليا شاشة تليفونه وشوفت اللي مكنتش أتخيل أشوفه. كانت بسمة لابسة هدوم مكشوفة جداً وفي سرير واحد جارنا والمنظر كان صعب حد يتحمله. اتصدمت من الصورة. معقول بسمة تعمل كده؟
ردت على سؤالي فكرتني:
– لأ.. مش معقول. مش هي اللي عملت. أنا وإنتي اللي عملنا… ههههههه.
برقت عيني من الصدمة. أنا عارفة اللي حصل مع خالد، لكن عمرو؟ ده مفيش علاقة بينه وبين أي حد عندنا في العيلة أصلاً. ده بتاع مخدرات ومجرم مش شبه أي حد عندنا. غير إن في العادي بسمة علاقاتها محدودة بالجيران وأصحابها البنات. معقول هتعرف عمرو المجرم ده؟ قالتلي ناعودي:
– قولتلك إحنا اللي عملنا كده.
افتكرت اليوم اللي سابتني وخرجت في هيئة بسمة. افتكرت وكنت مصدومة. معقول لما اتجسدت في هيئة بسمة راحت عملت كده؟ كنت أنا في دوامة تانية بعيد عن المعركة اللي دايرة في البيت عند خالي. بسمة منهارة. الحروق اللي في جسمها ابتديت تجيب دم لأن خالي كان ضاربها من قبل ما يحاولوا يبعدوه عنها. حتى الحروق اللي في وشها كانت بتجيب دم ومع الدموع تقريباً كان الألم بيزيد عليها. ناعوودي بتضحك في ودني. وأنا الحقيقة مش مستوعبة إن اللي جوايا من ناحيتها يوصل بأني أعمل فيها كل ده.
جه صوت خالد وهو متوتر وبيقول:
– طيب فهمنا يا خالي. في إيه؟ هي عملت إيه؟
كان واضح إن خالد قلقان يكون حد عرف اللي حصل بينه وبينها. لكن رد خالي وقاله وهو الغضب بيطلع من دماغه وعنيه:
– الفاجرة دي فضحتنا. متصورة في سرير الواد عمرو بتاع البرشام. متصورة عريانة. بنتي كسرت رقبتي وفضحتني.
قال كده وهو بيضرب بالحزام اللي علم على جسم مرات خالي وبسمة اللي واقفة وراها. خالد وقف مبرق ومصدوم ومش مستوعب اللي سمعه. مكنتش عارفة إيه اللي داير في دماغه، لكن كل اللي هاممني إن اللي بيحصل ده ينتهي.
كان محمد أخويا واقف هو كمان محروق دمه، لكن قال لخالي:
– طيب نفرج علينا الناس أكتر يا خالي علشان الفضيحة تكمل. ولا نفهم الأول إيه اللي حصل؟
خالي كان لسة هيتكلم، لكن أحمد رد بانكسار:
– هو لسه فيه حاجة يا محمد عايزة تتفهم؟ إنت شوفت الصور؟ شوفت بنت خالك؟ شوفت المحترمة اللي من صغري مستني أقدر أفتح بيت بيها؟ في إيه محتاج يتفهم؟ كسرتني زي ما كسرتكم. محدش في المنطقة كلها ميعدرفش إنها هتبقى مراتي. تعمل فيا كده؟
محمد:
– بقولك إيه يا أحمد. بنتنا إحنا هنعرف نحاسبها على اللي حصل. لكن إنت كل اللي ليك عندنا كلمة القسمة والنصيب. وإن شاء الله ربنا يكتبلك نصيب في الأحسن. عملت اللي عليك كتر خيرك. سيبنا إحنا بقى نحل مشكلتنا بنفسنا.
أحمد بغضب:
– لأ. عايز أتفرج عليها وهي بتتوجع يا محمد. مع إن ده مش كفايا عليا. الصور اللي على تليفوني دي أكيد مش على تليفوني لوحدي. إنت عارف…
أمي اتكلمت:
– خلاص بقى يا أحمد. عرفنا يابني الحكاية. هي لا على اسمك ولا حتى فيه حاجة حصلت رسمي بينكم. بنتنا إحنا هنعرف إزاي نربيها. روح إنت بقى متزودش المشكلة.
خرج أحمد وهو بيقول:
– الأحسن تمشوا من هنا خالص. لأن أنا من الناس اللي مش هتسيبها في حالها.
كان جواه غل وحزن وكسرة كنت حاسة بيهم. بيحبها من زمان أوي من وهما صغيرين. معرفش حد غيرها ولا هي عرفت أو كلمت حد غيره. البيت كان شبه حلبة المصارعة. مكتفاش خالي باللي بيعمله. وصل كمان خالي ياسر اللي من غير ما يفهم ومجرد ما سمع مني اللي حصل دخل جاب بسمة من شعرها وكانوا حرفياً بيموتوها. أنا واقفة بتفرج ومشلولة. لا عارفة أشمت فيها ولا عارفة أزعل عليها.
لكن مقدرتش غير إني أقول بصوت واطي:
– كفايا. كده اتفضحت. كفايا خليهم يسيبوها.
ضحكت ناعوودي وقالتلي:
– عايزة أتفرج عليهم شوية كمان. مش عايزاها تموت.
اتخضيت من الكلمة:
– لالا.. لاء تموت لاء.
ضحكت وقالتلي:
– طيبة إنتي… هتفرج شوية وبعدين أخليهم يسيبوها.
خالد بعد ما كان بيحاول يحوش خالي بقى واقف يتفرج زيي. أنا وهو متكلمناش لأن إحنا في العادي علاقتنا مش قوية يعني مش بنتكلم كتير مع بعض. وبعد اللي حصل على الأكل هو مش بيتكلم معايا أساساً. هدوم بسمة كلها دم. دماغها بتنزف ووشها الدم ماليه. مرات خالي بتصوت وبدموع رميت نفسها فوق بنتها وبقيت تتضرب معاها. البيت قايد نار وأنا واقفة أتفرج لحد ما وصل خالي يسري في الوقت المناسب ودخل بقى يحوش عن بسمة مع محمد من غير ما يسمع ولا يفهم. فعلاً قدروا يبعدوهم عنها وسحبت بسمة من تحت إيديهم إيمان ومرات خالي ودخلوها على الأوضة وقفلوا عليها الباب. وابتدوا بقى يتكلموا ويتقال إيه اللي حصل.
وخالي اللي بدأ الكلام وعيونه بتدمع وبيقول بكسرة نفس:
– بنتي.. اللي قولت عليها بقيت عروسة ومشرفاني يا يسري. بنتي أنا تعمل كده؟ الراجل اللي طالبها مني ييجي يوريني الصور اللي مبعوتاله ليها في سرير واحد؟ ليه؟ قصرت معاها في إيه؟ عملت إيه علشان تعمل فينا كده؟
خالي فعلاً طول عمره سمعته بين الناس كويسة. وتربيته بيتحلف بيها. وبسمة محترمة دي حقيقة. علشان كده صدمته كبيرة. رد خالي وقال:
– ادبحها. اللي زي ده تتدبح.
ردت مرات خالي بقهرة:
– تتدبح؟ لو بنتك هتدبحها يا ياسر؟
رد خالي بأنفعال:
– تربيتك يا سِت. تتدبح وتتدبحي معاها علشان إنتي معرفتيش تحافظي على بنتك.
ردت مرات خالي:
– أنا لو شوفت بنتي بعنيا بتعمل كده. هكدب عيني. بنتي أنا عارفاها وحافظاها. متعملش كده لو هتموت.
طبعاً الكلام كان كتير. في وسط الكلام دخلت إيمان لبسّمة وبعد أقل من لحظة كانت بتصرخ من الأوضة. بسمة مرمية على الأرض سايحة في دمها ومش حاطة منطق. بقيت مرات خالي تصرخ وخالي واقف يتفرج عليها، لكن محمد شالها من على الأرض وقال وهو بيجري:
– نروح المستشفى بسرعة.
أمها جريت وراها بجلابية البيت وأمي كمان معاهم. إيمان دخلت لبست عبايتها ونزلت تجري وراهم. خالي يسري كمان نزل. لكن أبوها كل اللي عمله إنه حط رأسه في الأرض ودخل على أوضته.
خالي ياسر وقف وقال لخالد:
– دي جابت لنا العار. ياريتها تموت قبل ما يوصلوا بيها على المستشفى. لأنها لو مماتتش أنا اللي هقتلها.
سابنا وطلع على شقته وأنا وخالد واقفين متسمرين. خالد عارف إنها أكيد عملت كده. لأن هي عملت نفس اللي حصل ده معاه. بس اتصدم لأنه أصلاً مكانش متخيل منها تعمل ده معاه هو ابن عمتها. يبقى إزاي تقدر تعمل ده مع واحد مجرم زي عمرو؟
من غير ما يتكلم سابني وطلع على البيت ودخل أوضته على طول. أنا واقفة في مكاني متحركتش. لكن على باب أوضة خالي المقفول وبرغم النور والنهار انعكست صورتها. صورة الشيطان. ناعودي اللي ظهرلي خيالها الأسود اللزج بقرونه الطويلة وأنيابه الواضحة جداً على الباب. واتكلمت بصوت مسموع ليا وقالتلي:
– أنا جوة. هشوف شغلي. وإنتي اطلعي فوق شوفي شغلك.
مكنتش عارفة المفروض أعمل إيه. قولتلها:
– شغل إيه تاني؟
لقيت عينيها اللي مش واضح لها معالم لأنها خيال أسود اتحولت للون الأحمر على الباب وقالتلي بغضب:
– نفذي… نفذي وبس.
لا عارفة أنفذ إيه ولا عارفة تقصد إيه. لكن بقوة الدفع اتحركت على البيت فوق. دخلت على خالد في أوضته وكان حاطط رأسه بين إيديه وباصص على الأرض. قولتله:
– مصدوم إنت كمان صح؟
وهو بنفس الوضع قاللي:
– مصدوم آه. عمري ما فكرت فيها كده. عمري ما تخيلت إن العيلة الصغيرة دي تكون فاجرة بالشكل ده.
قولت من غير ما أكون عايزة أقول:
– أنا كنت عارفة يا خالد. كنت عارفة بس مقدرتش أتكلم.
خالد بص ليا بصدمة:
– كنتي عارفة إيه؟ كنتي عارفة إن سكتها شمال يا هند؟
أنا الكلام خارج من بين شفايفي من غير إرادة:
– آه عارفة. ومش ده بس. ده وغيره كمان. لكن مكنتش أقدر أتكلم. حاولت أنصحها لكن هي مفيش فايدة فيها. ومعرفتش أتكلم عشان مبقاش أنا سبب مصيبة في البيت.
خالد بضيق:
– مصيبة؟
دي فضيحة، فضيحة هتمشينا كلنا راسنا في الأرض.
قولت من غير تردد:
– واحنا مالنا؟ هي لا اسمها على اسمنا ولا تعرنا في حاجة. في الأول والآخر بنت خالك، انت تقول الكلام ده لو هي بنت عمك وشايلين نفس الاسم.
قولت كده وسيبته وطلعت من الأوضة على أوضتنا، وكانت داليا لسه نايمة. مش عايزة أقولكم إن من اليوم ده البيت كله واقع في بعضه، وعال نار. فوق خالي صوته عالي مع مراته، اللي أول ما حصل اللي حصل وطلعلها فوق عايرته ببنت أخوه اللي كانوا بيتباهوا بيها. أما خالي تحت، فسمعاه بيكسر في البيت كله، وكأن ناعودي قدرت تشحنه غضب أضعاف غضبه. أما أنا من جوايا، برغم فرحتي من بوظان موضوعها وفضيحتها، إلا إني متضايقة من اللي حصل فيها. لكن ناعودي مش هتسمح بأني أحس بتأنيب ضمير.
وعلشان كده، وقبل ما ألوم نفسي، لقيت تليفوني بيرن برقم واحد من اللي كنت أعرفهم، من الأشخاص المميزة بالنسبالي. ولأنه تقيل ومش الطبيعي بتاعه يتصل بحد، فرحت واتنططت ورديت عليه واتكلمنا وقت طويل. نسيت فيه بسمة، ونسيت كل اللي حاصل في البيت. لحد ما لقيت أمي داخلة من باب الشقة وبتقول:
– اتفضحنا، الصور على تليفونات شباب الشارع كلهم.
ومن اليوم ده، كانت أول خطوة في طريق أبويا ابتدا فيه، وخالي كان قراره إنه يمشي من الشارع كله.
رواية ابالسة الانسال الفصل الثامن 8 - بقلم هنا عادل
حالة بسمة عرفت إنها صعبة جدًا، وحتى احتمال إن أثر الحروق يروح ده مبقاش موجود. الضرب والنزيف مع الدوا اللي عطيتهولها أول ما حصل اللي حصل، كلهم قضوا على احتمالية إن الحروق متسيبش أثر.
اتحبست في البيت وفي أوضتها، محدش كان بيشوفها أصلًا. لا حد يدخل يتكلم معاها ولا تتكلم مع حد، كانت منبوذة، مقهورة لأنها مظلومة. بطلت تاكل، لما خست النص في كام يوم.
في الكام يوم دول كانت ناعودي ابتدت تشتغل على خالي ياسر وخالي يسري. ومن بعد حوار بسمة، مفيش كلام داير في شقق البيت غير الحوار ده. كل يوم بليل أسمع صوت خالي ومراته فوق من الشباك بتاع أوضتي وهما بيتخانقوا:
"انت جاي تقولي عدلي نفسك وتصرفاتك؟ روح اتشطر على بنت أخوك بتاعت الرجالة."
خالي بانفعال:
"كلمة تانية في الموضوع ده يا سهام وهطلقك، خليكي في بيتك وفي نفسك."
سهام:
"هههههه، ماهو ده بيتي، وده حالي، مش سُمعتها السودة دي تبوظ سُمعة كل اللي في البيت، لاء وايه بترفض أخويا أنا… الحمد لله ده ربنا نجده، كان هيتدبس فيها."
سمعت صوت رنة إيد خالي على وشها وهو بيقولها:
"غوري في ستين داهية وانتي طالق، إحنا ياست عيلة شمال وحريمنا كلهم كده، غوري بقى وشوفي لك واحد عيلة محترمة."
طبعًا صوتهم عالي جدًا وكالعادة كل اللي في البيت يجري، لكن أبويا الوحيد اللي مبيتحركش من مكانه، بيتفرج على المصايب وفرحان. وأنا كمان مبقيتش عارفة أنا فرحانة ولا لأ.
قبل ما أطلع على شقة خالي زي الباقي، لقيتها ظهرتلي:
"روحي أوضة أخوكي، قاعد لواحده، عايزاه ينسى الدنيا وهو معاكي."
رجعت بضهري خطوة لورا لأنها ظهرتلي فجأة، لكن لما سمعت اللي قالته قولتلها:
"طيب ليه تاني؟ ما خلاص، خالي هيسيب شقته وبينقل في شقة جديدة."
قالتلي بغضب وعنيها بتتحول من الأبيض للأسود:
"انتي تنفذي وبس، وإلا كل حاجة عملتيها هتتكشف قدام الكل."
طبعًا كانت هتبقى كارثة لو أخوالي بالذات عرفوا إن بسمة بريئة وأنا ورا كل اللي حصل ده، مش بعيد كانوا قتلوني فعلًا. علشان كده كان لازم أروح لخالد وأنا مش عارفة هو هيتصرف معايا إزاي.
اتحركت ناحية أوضته وأنا قلقانة. أول ما فتحت الباب ودخلت ابتسم عادي جدًا واتعامل معايا كأنه كان مستني وصولي أوضته. استغربت إنه معلقش على حاجة، استغربت إنه مستفسرش عن كل اللي فات واللي حصل، استغربت إنه اتعامل معايا من غير ما يتكلم ولا ينطق بكلمة. استغربت لدرجة إني حاولت أفتح معاه كلام، لكن هو حط إيديه على شفايفي ومنعني أتكلم خالص.
ونسينا إننا في البيت وممكن حد يدخل علينا أي وقت، لكن هي بتبقى عاملة حساب كل حاجة، ومهتمة جدًا إن محدش يقفشني لحد دلوقتي. خلصت أنا وخالد وعلى صوت الدوشة على السلم، بعدني عنه وطلعت أجري من أوضته وأنا بلم في هدومي. دخلت أوضتي على طول لبست وعملت نفسي نايمة.
أنا أه بعك الدنيا على طول، لكن فيه نقطة معينة كده مش بتخطاها في علاقاتي بأي حد بتعامل معاه. بعمل كل حاجة، لكن المهم إن يوم ما يجيلي عريس وأدخل في مراحل الجواز أبقى أنا زي ما أنا محدش يمسك عليا حاجة.
كنت سامعة أمي وهي عمالة تتكلم مع داليا:
"البيت كأنه دخله شيطان، ما فيه بيت من بيت أخوالك إلا وفيه مشاكل، مش عارفة إيه اللي جرى."
داليا بتقصير:
"مفيش بيت مفيهوش مشاكل."
أمي:
"بصي أبوكي حتى ما يطلع يقول إيه، كأنه مش عايش معانا."
داليا:
"مش جديد يا ماما، أبويا وهما مش بيحبوا بعض، سيبك منه بقى وخليكي في أخواتك."
أمي:
"واحد هيطفش من البيت والحتة كلها، والتاني خرب بيته وطلق مراته، وإحنا حتى الصلاة بطلناه."
داليا:
"يبقى الشيطان جه بسبب إنكم قطعتوا الصلاة، ارجعوا صلوا تاني بقى."
أمي:
"أما أدخل أشوف أبوكي ده هيقوم يعمل طفح نطفحه ولا لأ كمان."
دخلت أمي لأبويا ودخلت داليا الأوضة. كنت عاملة نايمة عشان محدش يستغرب إني مطلعتش. داليا ابتدت تتكلم في التليفون زي عادتها، وفي الوقت ده عملت نفسي صحيت وقومت دخلت الحمام. كنت حاسة جسمي كله واجعني ومكسر، لكن لازم أنفذ من غير مناقشة.
الأيام بتعدي وأنا مستمرة في الغلط مع خالد. ووقف الغلط ده بمجرد ما خالي ساب البيت ومشي. نقل في شقة تانية ومنطقة تانية خالص بعد الفضيحة ما كانت على كل لسان في الشارع. وخالي طلق مراته وسابت البيت ومشيت بعد ما أخدت كل حاجة فيه بالقائمة بتاعتها وبقى على البلاط.
من بعد اللي حصل، خالي كمان سافر ونقل شغله في فرع الشركة اللي في الإمارات. وبعد اللي حصل ده كله، خالي بعت لأخوه وسافر اشتغل معاه في الإمارات. بس ده أخد مراته معاه وكلهم سابوا البيت.
خالد من وقت اللي كان بيحصل بيني وبينه… أو بينه وبين بسمة، وهو حاله متغير. طول الوقت ساكت وسرحان، وأوقات ألاقيه في حالة مش طبيعية، مبرق عينيه وبيقفّل على إيديه جامد جدًا لدرجة إني بحس إن ضوافره هتدخل جوة اللحم.
طبعًا أبويا كان طاير من الفرحة. البيت بقى فاضي، كلهم طفشوا. وراح لإلهام:
"ده انتي طلعتي مالكيش حل يا إلهام، ده انتي كنز."
ابتسمت إلهام وقالتله:
"حصل اللي كنت عايزاه؟ البيت فضالك.."
قال أبويا:
"آه طفشوا كلهم، بس بفضيحة بجلاجل، لكن لسه برضه البيت مبقاش بتاعي."
إلهام:
"انت عرفت اللي حصل عشان يطفشوا يا مجدي؟"
بابا:
"لأ عرفت، ولا عايز أعرف، المهم إني خلصت منهم، وعقبال ما أخلص من أختهم بقى."
إلهام:
"وهتخلص من عيالك؟؟؟"
أبويا بتفكير:
"وليه أخلص منهم؟ ما هم قاعدين في أراضينا أهو. البنات حالهم مايل، واحدة عنست والتانية اتطلقت، والشباب شغلهم على روحهم وبيكفيهم بالعافية، مش عارف أطلع منهم بأي حاجة."
إلهام:
"ماهو البيت عشان يكون ملكك… هتخسر أكتر من اللي خسرته."
رد أبويا:
"بس أنا مخسرتش حاجة، قاعد في أوضتي بتفرج وبسمع وأنا سلطان زماني."
إلهام وهي بتضحك:
"بيتهيألك، مش بينفذوا طلب غير لما بياخدوا تمنه… وتمنه بيكون غالي جدًا."
أبويا بأستهتار:
"مش مهم… المهم إني أوصل للي أنا عايزه."
ضحكت إلهام:
"وماله يا مجدي، أوصل يا خويا."
طبعًا كل الكلام ده أنا سامعاه زي صدى صوت، لأن ناعوودي بتسمعه من خلالي. أنا كده كده مش بحب أبويا أصلًا، لكن مش فاهمة هو إزاي بايعنا جدًا كده؟
البيت بقى فاضي علينا. محمد أخويا فجأة تعب من غير سبب، مبقاش بيقدر ياكل أي حاجة ومعدته مش قابلة أي أكل. مش عارفة ليه هي مقدرتش تغوي محمد زي خالد؟ لكن خالد اللي كان متحول لدرجة إنه ساب شغله كمان وبقى قاعد في البيت وفي أوضته على طول.
حاولت كتير أطمن على بسمة لكن مكنتش بعرف أوصل لأي حاجة. بالكتير جدًا إيمان تقولي:
"على حالها يا هند، مفيش تغيير، محدش بيكلمها في البيت وهي كمان بقت شبه الموميا."
قولتلها:
"طيب أجي أشوفها؟"
إيمان:
"مش هتشوفيها، خالي مش بيخلي حد يتكلم معاها."
بعد المكالمة دي قعدت مع نفسي في الأوضة وبتكلم بصوت قاصدة إن ناعووودي تسمعه:
"هي كانت تستاهل كل ده؟"
مجاليش رد منها. سألت تاني:
"طيب هو أنا هوصل لإيه بعد كل اللي حصل ده."
هنا ظهرت قدامي بصورتها المرعبة وبتضحك وبتقولي:
"توصلي لإيه؟؟؟ عايزة توصلي لإيه يا هند؟ كل الغلط اللي بتحبيه خليتك تعمليه براحتك، ومن غير ما حد يحس بيكي."
سألتها:
"طيب ماهو أنا مش عايزة أفضل بغلط وبس، عايزة يبقى ليا حياة."
ضحكت وقالتلي:
"حياة إزاي؟"
رديت:
"حياة، أنجح في أي حاجة، أنا بفشل في كل حاجة بعملها إلا الغلط."
ردت ناعودي:
"ودي الحاجة اللي أنا أقدر أساعدك فيها بكل الطرق، الغلط… الغلط بس هو اللي أقدر أنجحك فيه، شوفي إيه الغلط اللي عايزة تعمليه وهخليكي تنتجحي فيه نجاح محدش حققه غيرك."
أنا أه بحب الغلط، لكن برضه مش عايزة عمري يخلص وأنا قاعدة على السرير اللي جنب داليا، أو حتى واحدة بتعمل الغلط مع اللي ييجي على مزاجها والسلام، ولا حتى أبقى ماليش شغلة ولا مشغلة. وجودي مع أبويا حاجة مش أمان أصلًا بالنسبالي. علشان كده قولتلها:
"بس أنا عايزة أنجح في إني يكون ليا حياة لوحدي، أبويا ممكن يرميني."
ضحكت وقالتلي:
"أكيد هيرميكي، شوفي واحد من أصحابك وعيشي معاه، هساعدك على ده."
قولتلها:
"أتزوجه يعني؟"
قالتلي بغضب:
"أنا قولت تعيشي معاه، مقولتش تتجوزوا، أساعدك في إنه أخليه يقبل إنك تعيشي معاه… ولما يزهق ده لو زهق، أو لو انتي اللي زهقتي… هخليكي تعيشي مع غيره."
اتضايقت:
"يعني أخواتي يبقوا اتجوزوا واتطلقوا، وأنا اللي أفضل أعيش مع كل واحد شوية في الحرام وبس؟"
ردت:
"وهو انتي بتعملي حاجة غير الحرام؟ ده طريقك من البداية، وده الطريق اللي مينفعش اسمحلك تمشي فيه غيره."
اتضايقت جدًا:
"بس أنا مش عايزة أفضل بغلط وبس."
هنا حسيت بهوا سخن لدرجة إنه لسعني في جسمي لما لمسني، وقالتلي بغضب رهيب:
"انتي مالكيش سكة تانية، ومتحاوليش عشان مش هتخرجي من تحت سلطاني عليكي."
رديت بتحدي:
"بس أنا هدور على سكة تانية… وهمشي فيها."
رواية ابالسة الانسال الفصل التاسع 9 - بقلم هنا عادل
ضحكت بصوت عالي جداً. صوتها خلاني أسد ودني من شدته وقوته.
كانت قدامي بيسيل من بين شفايفها المفتوحة على آخرها من شدة الضحك مادة سوداء لزجة بتسيل بطريقة تخوف.
نزلت على الأرض بكميات وهي مستمرة في الضحك وأنا مش قادرة أشيل إيدي من على وداني.
المادة كانت كتير جداً لدرجة إنها وصلت تحت رجلي، كانت شبه بركة مياه وأنا واقفة فيها.
لكن الفرق إن المادة كانت سخنة جداً وابتدى منسوبها يزيد ويعلى وأغرس فيه أكتر.
مكنتش عارفة إيه اللي بيحصل ولا فاهماه.
وصلت المادة دي لحد تحت ركبتي واتحولت لسيل طلع على رجلي من غير ما أتحرك من مكاني.
إحساس النار اللي كانت عاملاه المادة دي في جسمي خلاني أصوت.
"آآآه" كنت بصرخ من الوجع وهنا دخلت أمي على صوتي وهي واقفة مستغربة:
"يوه، مالك يا هند واقفة كده ليه؟ بتصرخي ليه؟"
كنت لسه حاطة إيدي على وداني، ناعوودي لسه قدامي، لكن جنبها أمي.
فجأة اتحركت من مكانها وبقيت واقفة ورا أمي بالظبط ورفعت إيديها الاثنين لفوق وكأنها عايزة تدفن أمي بإيديها.
صرخت أكتر راحت أمي مقربة عليا:
"يا بت مالك في إيه انطقي، أوعي تكوني عملتي مصيبة من مصايبك تاني، روحتي لمين المرة دي يا هند؟"
اترميت في حضنها وأنا برتعش وهي حضنتني جامد وابتديت تسمي الله.
جسمي اتنفض أكتر وكنت أنا اللي حاسة بالألم.
وناعوودي بتقولي بصوت أنا بس اللي سمعاه لكن عالي:
"خليها تسكت، خليها تتكتم… هحرقها… هدفنها."
خوفت على أمي، لأول مرة أخاف على حد.
أو من كل اللي هي عملته عرفت إنها تقدر تأذي بأبشع الطرق وده كان سبب خوفي.
قلت لماما:
"اسكتي يا ماما، اسكتي واحضنيني وبس."
ماما وهي حضناني:
"يا بنتي انتي عايزة شيخ يرقيكي، كُتر العرّافين اللي بتدوري عليهم ده يا هند هيأذيكي."
لقيت نفسي علشان أسكتها بتكلم عن بسمة:
"متعرفيش يا ماما أحمد مش ناوي يرجع لبسمة ولا لأ؟"
أمي باستغراب:
"انتي في إيه ولا في إيه يا هند؟ خليكي في نفسك يا حبيبتي، اهدي كده وتعالي اقعدي في الصالة برة وأنا هبعت أجيب لك إزازة حاجة ساقعة تبل ريقك."
سحبتني وطلعت بيا من الأوضة وهي بتقولي:
"مش عارفة بس إيه اللي جرالكم يا عيالي؟ الأ ما فيكم حد ناصفني."
طلع أبويا من الأوضة على صوت أمي وشافني وأنا في الحالة دي.
بص ليا وقال لأمي:
"مالها دي في إيه؟"
أمي:
"أعصابها تعبانة بسبب كل اللي بيحصل حواليها يا مجدي، ما انت شايف محمد واللي هو فيه، الواحد لف بيه على الدكاترة ومحدش عارفله حاجة، وخالد…"
قاطعها أبويا:
"أيييه يا ولية، انتي ما بتصدقي تفتحي في الكلام، سألتك ردي على قد السؤال، جاتكم الهم… أنا نازل."
فعلاً أبويا نزل وأمي بعتت حد يجيب لي حاجة ساقعة.
لكن أنا من جوايا عارفة إن فرحتي بالبداية هي اللي هتكون سبب في نهايتي، ويمكن نهاية اللي حواليا.
وقررت إني أتكلم مع أمي.
وفجأة وقبل ما أنطق بكلمة حسيت بنار… نار طالعة من جوفي وكأني شربت مياه نار.
منعتني أتكلم، منعتني أنطق.
أمي جت وحطيت لي الحاجة الساقعة وشربتها كلها علشان أهدى من اللي حاسة بيه ده لكن مفيش فايدة.
في اللحظة دي وعلشان تشد انتباه أمي وتبعدها عني سمعنا صوت هبدة جامدة جداً في أوضة خالد.
جريت أمي وأنا مربوطة في الكنبة لما لقيتها قدامي بتقولي:
"قلت لك انتي تحت سلطاني، طريقك من يوم ما بقيتي طريقي أنا اللي أرسمه."
هي بتتكلم وأمي بتصرخ من الأوضة وبتقول:
"ابني، يالهوووووي، الحقوووني."
وطالعة تجري أمي من الأوضة على باب الشقة نزلت الشارع وأنا مش عارفة في إيه.
كل ما أجي أقوم تكتفني أكتر لحد ما قولتلها:
"أخويا… أخويا عملتي في إيه؟"
ضحكت وقالتلي:
"أرواحكم تمن للمطلوب، ضحى بيكم، واحنا قبلناكم قرابين."
صرخت وقولتلها:
"سيبيني أنزل أشوف أمي، سيبني أشوف أخويا."
فعلاً سابتني وهي بتضحك وبتقول:
"إخترتيني من البداية، متندميش… ههههههه."
نزلت جري على الشارع لقيت خالد مرمي على الأرض سايح في دمه والناس ملمومة حواليه واللي بيقول:
"طلبنا الإسعاف."
"لا حول ولا قوة إلا بالله، حصل إيه بس يا حاجة يخليه يعمل كده؟"
"ده خالد عاقل يا إخوانا، إزاي يخسر دنيته ودينه؟"
هنا صرخت أمي فيهم:
"بس… بسسسس بقى، ابني عايش، لالالالا هو مرماش نفسه ده أكيد وقع."
بتعيط وبتصرخ باسمه وأنا قعدت جنبه مسكت إيديه ومش عارفة حتى أعيط.
ودني اتسدت عن أي كلمة حد بيقولها من اللي حواليا، حتى طبطبة الستات في الشارع مش حاسة بيها.
الإسعاف جت وأمي ركبت معاه وأنا قاعدة مكاني زي ما أنا، مش قادرة ولا عارفة أتحرك، مشلولة.
أنا اللي اديتها الفرصة لكل ده، أنا اللي خليتها تستخدمني، أنا اللي خليتها تأذيهم عن طريقي.
يمكن لو كنت رفضت من البداية مكانتش لقيت حد منهم يناسبها إنها تتجسد فيه.
آه جوايا شر، وكُره، وحقد، وغيرة من كل اللي حواليا، لكن اللي اتعمل في كل الناس دي مؤذي أبعد كتير من الأذى اللي كان ممكن ييجي في بالي.
آه أنا بالكتير جداً أوقع أو أنقل كلام بخباثة، أتكلم مع واحدة من مراتات أخوالي الصغيرين إن جوزها مش بيحبها، أو بيعرف غيرها.
يعني اللي هو أعمل أي نكد وخلاص.
غيرة بقى من إنهم من سني وأصغر مني واتجوزوا وعايشين مرتاحين.
لكن بسمة واللي حصل فيها، وبيت خالي يسري اللي اتخرب وساب البلد وطَفَش.
حتى خالي ياسر اللي أخد مراته وهرب بيها من الفضيحة اللي حصلت بعد ما بقى مش عارف يرفع عينه في عين حد بسبب صور بسمة اللي على تليفونات كل المنطقة.
إخواتي والأذى اللي هما فيه، اللي حصل أكبر بكتير من اللي تخيلته.
أيادي الجيران سندتني وقوّمتني من على الأرض وساعدوني أطلع البيت.
أول ما دخلت البيت اللي كان بابه مفتوح واحدة من اللي كانوا ساندني شهقت وقالت:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله…"
ارتجفت واتنفضت جامد بين إيديها.
واحدة من الجيران اتكلمت:
"في إيه يا أم مروان؟ مالك ياختي؟"
اتكلمت أم مروان:
"مفيش.. مفيششش، يلا انزلوا أنا هقعد معاها، اللي فيكم تقدر تلحق أم محمد علشان متبقاش لوحدها مع الرجالة هناك."
فعلاً الجيران نزلوا يروحوا لأمي المستشفى، وأم مروان قعدت جنبي وهي بتقول بصوت مسموع:
"الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم."
حسيت عيني هتخرج من مكانها.
اتكلمت أم مروان:
"من إمتى يابنتي على الحال ده؟ من إمتى وهما محاوطين البيت؟"
كنت موجوعة ودماغي هتنفجر.
لقيت نفسي بألم عايزة أتكلم لكن مش قادرة.
رددت الآية مرة تانية وقالت لي:
"اتكلمي، كلام ربنا بيسلسلهم."
عيني ودماغي هينفجروا، لكن قولتلها:
"مين؟؟ هما مين؟ مين قالك؟"
ردت وهي بتحط إيديها على راسي:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، اللي مسيطرين عليكي وعلى اللي في البيت يا هند؟ أعوذ بالله من خبثهم وشرهم، حسيت بيهم يابنتي، دي بصيرة ربنا بينعم بيها على عباده."
كنت خايفة، لكن إيديها اللي على راسي كانت زي المسكّن للصداع.
مش عارفة المفروض أقول إيه بس هي اللي قالت:
"قوليلي يابنتي، يمكن ربنا ساقني علشان يساعدكم عن طريقي، قوليلي هما السبب في كل اللي جرى في البيت ده؟ قولي اللي تعرفيه."
رديت بتردد:
"نااا… نااااعووو…"
شهقت أم مروان:
"ناعووودي؟!!!!"
بصيت لها باستغراب.
اتكلمت هي وقالت:
"هي؟!"
هزيت رأسي بأه ومن جوايا مستنية مصيبة جديدة تحصل.
اتكلمت أم مروان وقالت لي:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إيه اللي ساقها ليكم دي يابنتي؟ دي مش بتحضر غير بالطلب والتوسل، مين قدم مطالبهم علشان يأذيكم بالشكل ده؟"
كنت لسه هتكلم وأقولها لما لقيتها عارفة هي بتتكلم في إيه، لكن لقيت أبويا رجع من برة.
وأول ما دخل من الباب وشافني قال باستغراب:
"وبعدين بقى؟! في إيه تاني؟"
قالت أم مروان لما حسيت إني ارتجفت لما شفته:
"السلام عليكم يا أبو محمد، معلش هي بس مصدومة من اللي حصل."
أبويا باستياء:
"وإيه اللي حصل يا حاجة؟ هو أنا لحقت أنزل وأرجع علشان تبقى حصلت مصيبة جديدة؟"
أم مروان:
"لا حول ولا قوة…"
أبويا بأنفعال:
"من غير حول ومن غير قوة، إيه اللي جرى؟"
الست استغربت جداً من اللي أبويا قاله، لكن ردت باختصار:
"خالد ابنك في المستشفى، وقع من البلكونة."
رد أبويا كان سبب في إن أم مروان تعرف إنه هو اللي ورا كل حاجة، خاصة لما قال ببرود:
"طيب ده قد الباب، مش هيجراله حاجة، دلوقتي تلاقيه راجع زي الحمار على رجليه."
من صدمة الست وشها بقى لونه أحمر، وقالت بغضب:
"أعوذ بالله من لسانك، ده ابنك يا أخي، ده كلمة تقوله عن ابنك."
أبويا بقلة ذوق:
"يلا يا حاجة كتر خيرك، تعبناكي معانا، روحي انتي بيتك ارتاحي وأنا معاها اهو."
خوفت من أبويا جداً، للحظات حسيته مش أبويا وحسيت إنه هي… ناعوودي.
رواية ابالسة الانسال الفصل العاشر 10 - بقلم هنا عادل
وقفت أم مروان قصاد أبويا وقالت بجدية رهيبة:
– لاء أنا مش هروح على بيتي يا أبو محمد، أنا هاخد هند ونروح المستشفى علشان نبقى مع أم محمد ومنسيبهاش لواحدها، يلا يا هند…
أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.
قالتها وهي بتبص ناحيتي بنظرات حادة وأنا حاسة إن الصداع رجع يفرتك دماغي وعيني من تاني.
قمت من مكاني لكن أبويا قالها:
– خليها هنا يا حاجة وأنا اللي هروح لأمها، أخوها جوه عيان ومش واعي للدنيا.
ردت أم مروان وقالت:
– أمها لو مشافتهاش قصادها هتفكر إن جرالها حاجة من اللي شافته، والست مش متحملة تبقى مشغولة بالواد ولا البت، استهدى بالله والبت هترجعلك تاني.
سحبتني من إيدي ومشيت من جنب أبويا وهي عمالة تردد:
– وجعلنا من بين إيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون.
هي بتردد وأنا دموعي نازلة لوحدها.
طلعت من جنب أبويا من غير حتى ما يلف يبص جنبه.
أول ما طلعت من باب الشقة وقفتني قدامها وحطيت إيديها على رأسي وقالتلي:
– خلاص مش هقرأ تاني دلوقتي علشان متتعبيش، بس اصبري اطلع أجيبلك عباية من عندي وأجيب فلوس علشان يمكن نحتاج مصاريف.
وفعلاً في لمح البصر كانت أم مروان، برغم سنها اللي تخطى الخمسين ووزنها الزايد إلا إنها كانت طلعت بيتها في الدور الرابع ونزلت بالعباية والفلوس وكمان غيرت هدومها.
وقالتلي:
– يلا بينا يا هند، بس يا حبيبتي عايزاكي تكوني هادية كده وجواكي ثقة في الله، علشان اللي جاي مش سهل.
مكنتش بتكلم ولا قادرة، تعبانة وموجوعة وجسمي كأن حد بيغرس فيه إبر.
مشيت معاها وأنا ساكتة وهي مسكت إيدي، مجرد ما عملت كده حسيت إن ألم الشوك اللي في جسمي ده بيهدا شوية.
أه الألم مختفاش، لكن هدا شوية.
هي كانت عمالة تردد حاجة وأنا مش سامعة ولا فاهمة، لكن كل اللي حصل إننا ما روحناش المستشفى، إحنا روحنا لإلهام… روحنا بيت عمتي.
– إحنا جينا هنا ليه؟
أم مروان:
– علشان هنا طرف الخيط يابنتي، لو مش هي اللي الأذى من وراها، يبقى هي اللي هتعرف تدينا خيط التعامل مع الملعونة دي.
مسألتش وطلعت معاها.
وأول ما اتفتح باب الشقة وشافتني عمتي قصادها قالت:
– لا تأذينا ولا نأذيكي.
دخلت بيا أم مروان وهي بتخبط على كتف عمتي وبتقول:
– حسيتي بريحها يا إلهام، عندك علم يعني؟
دخلت عمتي ورانا بعد ما قفلت الباب وكانت أم مروان بتتعامل وكأنها صاحبة بيت.
قعدت وقعدتني جنبها.
وجت عمتي قعدت قصادنا وهي بتقول:
– في إيه يا أم مروان؟ خطوة عزيزة الأول.
أم مروان:
– يعز مقدارك يا إلهام، قوليلي من غير ما نلف وندور، انتي ورا اللي بيحصل في بيت عيلة مرات أخوكي؟
بصت عمتي ليا بتركيز وبصت لأم مروان:
– في إيه؟ فهميني انتي قصدك إيه؟
أم مروان:
– البيت هناك فيه ريح أبَالسة يا إلهام، ومش أي أبَالسة دي الملعونة اللي مش بتحضر غير بالطلب وتقديم القرابين، انتي اللي ورا تحضيرها يا إلهام؟ انتي اللي فضحتي البت بسمة؟ انتي اللي طفشتي ياسر وأخوه وخربتي بيوتهم، انتي اللي ورا انتحار ابن أخوكي…..
قاطعتها عمتي بصدمة:
– ابن أخويا مين ده اللي انتحر؟ أخوكي يا هند جراله حاجة؟
أم مروان ردت بجدية:
– خالد يا إلهام، الواد رمى نفسه من البلكونة، والتاني راقد في الفرشة مش بيتحرك ولا حاسس ولا داري باللي حواليه، أما دي بقى فمأذية لأنها ممسوسة بالريح مش مجرد تسليط.
عمتي بخوف:
– معملتش حاجة يا أم مروان، انتي عارفاني أنا مبسعى لجر الشر، لكن اللي بيتطلب مني بعمله.
أم مروان:
– يعني انتي ورا حضورها؟
عمتي حطيت عينيها في الأرض:
– أيوه.
– طلبها منك قريب ولا غريب يا إلهام؟
قبل عمتي ما ترد كنت أنا حسيت إن فيه سكاكين بتقطع في معدتي، ترجيع سواد وكتل غريبة فيها حشرات صغيرة بتتحرك لكن مش عارفة هي عبارة عن إيه.
صرخت أم مروان وعمتي جريت عليا وهي بتقول:
– مش ذنبي، مش أنا اللي كنت عايزة..
أم مروان حطيت إيديها على بطني وايد تانية على دماغي وابتديت تقول:
– احفظها يا حفيظ، لجّم الشر عنها، احميها من شر الخناس، عينها على الصبر ونور بصيرتها.
كانت بتقول كل ده وأنا روحي بتطلع تقريبًا.
عمتي بتعيط قدامي ومش عارفة تعملي حاجة وبتبص للي بيحصل بذهول.
لحد ما تكرار دعوات أم مروان ورا بعض ابتديت أهدأ، لكن الأرض كلها حواليّا سواد وحشرات غريبة.
أول ما ابتديت أتنفس ودموعي نازلة عمتي قالت:
– زي ما طلبت حضورها هصرفها، هصرفها حتى لو كان اللي هيروح فيها ابن أمي وأبويا.
أم مروان بصدمة وحزن:
– كنت حاسة، بس متخيلتش إنه يتحمل يشوف ولاده في اللي هما فيه ده ويقف يتفرج.
عمتي:
– حذرته.. حذرته وقولتله، وهو الطمع والحقد عاميينه.
أم مروان وهي بتساعدني أقف علشان تدخل بيا الحمام وعمتي معاها:
– مش كفايا تحذيرك، انتي بمطاوعتك له دمرتي عالم مالهاش دخل بالشر اللي جواكم، ناس مالهاش أي دعوة بالسكك المعوجة بتاعتكم، الواد انتحر ولو مات هيبقى مات خسران دنيته ودينه، والتانية اللي اتفضحت سُمعتها واتكسرت نفسها ونفس أهلها، واللي اتطلقت من تحت راس اللي جرى، واللي واللي واللي…. جالك قلب تأذيهم؟
عمتي وهي بتغسلي وشي على الحوض:
– أبوهم جاله قلب يأذيهم، هخاف عليهم أنا أكتر منه؟
أم مروان:
– آه يا إلهام، لو طرحت الشجرة بلحة بايظة مش لازم كل البلح يبوظ، نقطع البايظ من وسط الشجرة علشان نحافظ على الباقي، وأخوكي بايظ من جواه ومن برا، يبقى تمنعيه حتى لو هتخسريه، مش تضيعي ببُوظانه كل اللي اتدمروا بسببه دول.
خدوني وطلعوا بيا وقعدوني في أوضة عمتي وقعدوا قصاد بعض على السرير جنبي من الناحيتين.
وقالت إلهام:
– أم مروان، انتي ست بتاعت ربنا وعارفة وفاهمة في الحاجات دي أكتر مني بكتير، وعارفة إن دول مش بيستخدموا غير اللي جواهم شر وسواد، أنا عارفة إني غلطانة، لكن هي لو خدت هند طريق ليها…. يبقى هند جواها نفس اللي جوة أبوها.
أم مروان:
– شوفي يا إلهام، هتجيبي أخوكي هنا، وهبعت أجيب الشيخ كارم… واللّي حضرت دي لازم تنصرف، تنصرف بعد ما كل اللي جرى من وراها يتصلح… وأولهم سُمعة وشرف البت الغلبانة… ماهي ناااعووودي نجسة واللي حصل ده هي اللي وراه وأنا دلوقتي متأكدة من كده مش شاكة بس.
عمتي بخوف:
– ممكن يأذوني يا أم مروان لو أذيتها، انتي عارفة إنّي بشتغل معاهم من سنين لا أذيتهم ولا أذوني، أنا أخاف ياختي نهايتي تكون على إيديهم.
أم مروان:
– صرفتيها ولا لاء هتكون نهايتك على إيديهم، انتي فاكرة دخولك للعالم بتاعهم ولعبك معاهم ده هيخلص على خير، دول شياطين مش ملايكة يا إلهام… اسمعي اللي قولت عليه.. كفايا إننا مش عارفين العيل اللي في المستشفى ده لسه عايش ولا روحه طلعت للي خالقها؟
إلهام:
– طيب بصي، خلينا الأول نروح نطمن على خالد، وبعدين نطلع على البيت عند مجدي، هو مش هيرضى يجيلي لو حس بحاجة، وبعدين هي محاوطة هناك ولازم نصرفها من هناك.
كل ده كنت أنا ساكتة ومش بتكلم، بسمعهم وبس.
دموعي نازلة وأنا عارفة إن عمتي عندها حق، أنا جوايا سواد زي أبويا، أنا بكره كل الناس وبكره نفسي كمان ودي النتيجة.
بصيت أم مروان ليا وقالتلي وكأنها فهمت اللي جوايا وحسيت بيه:
– إحنا مش ملايكة يابنتي، إحنا بشر، وزي ما فينا خير… فينا شر برضو، بس يمكن ربنا بيدينا فرصة علشان نقدر نرجعله ونخلص من الشر اللي جوانا، ويابخت اللي يعرف يستغل الفرصة ويعرف ينصف الخير اللي جواه عن الشر والغضب والحقد والغيرة… هديتي نروح نطمن على أخوكي.
هزيت رأسي بضعف وألم وقولتلها:
– أيوه.
عمتي:
– هلبس عبايتي وننزل، هطلعلك حاجة من عندي تلبسيها يا هند بدل هدومك دي.
فعلاً أنا هدومي محتاجة كلها تتغير، وعمتي غيرتلي هدومي ولميت كل القرف اللي كان برة ده واستحميت بسرعة ونزلنا.
روحنا على المستشفى كان فيه جيران كتير مع أمي، وخالي ومرات خالي كمان وإيمان كانوا معاها، وداليا كمان اللي كانت برة اتصلوا بيها على الموبايل وراحتلهم على هناك.
حتى أعمامي لما سمعوا الخبر كانوا في المستشفى، لكن أبويا…. لاء.
أمي أول ما شافتني وأنا عيني فجأة حاوطها السواد، ووشي بقى أصفر وأتحولت 360 درجة عن ما كانت شايفاني من ساعتين تلاتة مثلا.
جريت عليا وهي بتقولي:
– انتي فيكي إيه انتي كمان؟ مالك؟ أخوكي فيه حاجة؟
ردت أم مروان:
– مفيش الفجعة بس مستحملتهاش على أخوها، محمد في البيت على حاله متقلقيش، طمنينا على خالد بس.
أمي بعياط:
– نزيف في المخ يا حاجة، نزيف وبيحاولوا يوقفوه، ادعيله.
كانت إلهام واقفة بعيد مكسوفة من نفسها، حاسة إن الكل عارف باللي هي عملته، لكن محدش كان عرف غيري أنا وأم مروان.
ابتديت أم مروان تقول لكل اللي واقفين:
– اقروا آية الكرسي، رددوها كتير، رددوها خلي الدكتور يطلع لنا ببركة ربنا يطمنا عليه.
كلهم فعلاً عملوا اللي هي قالته.
مشيت ناحية مرات خالي وهي بتقرأ الآية وأول ما خلصت قراءتها أول مرة اتكلمت معاها أم مروان:
– البت بسمة عاملة إيه؟
مرات خالي عيونها لمعت بالدموع وحطيت رأسها في الأرض:
– مكسورة يا حاجة، مكسورة ومذلولة، وكلنا اتكسر ضهرنا من بعد اللي جرى.
أم مروان بتطبطب على مرات خالي وبصيت لخالي اللي واقف جنبها قلقان:
– بنتك اتأذيت واتظلمت، ربك هيظهر الحق، وابقى قولوا أم مروان قالت.
استغرب خالي الكلام وبص لأم مروان اللي ابتسمت وسابتهم وجت وقفت جنب أمي وابتديت تقرأ آية الكرسي.
حاولت لكن لقيت نفسي لا قادرة ولا فاكرة وكأن عقلي ولساني مربوطين.
استمرينا على الحال ده ساعة تقريبًا لحد ما طلع الدكتور من الأوضة وكلنا تقريبًا جرينا عليه وقالنا أول ما اتجمعنا حواليه بجدية: