الفصل 2 | من 4 فصل

رواية أبلة كشر الفصل الثاني 2 - بقلم ميرنا ناصر

المشاهدات
24
كلمة
1,755
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

تعرّض الطفل لاختناق شديد بالدخان. ودخل في غيبوبة تنفسية. الكلمة وقعت عليّ كأنها حجر. "غيبوبة؟ يعني لا سامع، ولا حاسس… يعني معلّق بين النفس والعدم؟ سألت الدكتور، وصوتي بالكاد مسموع: "وضعه إيه؟ "وضعه حرج. حطيناه على أكسجين عالي التركيز. فيه التهاب حاد بالرئة نتيجة استنشاق الدخان. أول يومين… هما الميزان." "هيعيش، صح؟ أكيد هيعيش… هو ما عملش حاجة تستاهل ده." الدكتور ما قالش نعم. وما قالش لا.

"إحنا بنقوم بواجبنا الطبي كاملًا، لكن النتيجة… دي بتاعت ربنا." البنت كانت واقفة جنبي، ساكتة. عينها في عيني، كأنها بتسلّمني السؤال بدل الإجابة. "هو هيصحى يلعب معايا تاني يا طنط؟ ولا… هيسافر زي ماما؟ السؤال طلع منها هادي، وهدوؤه كان أخطر من العياط. "إن شاء الله هيصحى. وهتلعبوا سوا كتير. ربنا يحفظكم لبعض." سكتُّ ثانية وبصّيت لها: "هي ماما سافرت فين؟ رفعت عينها. كانت مليانة دموع. وما نطقتش.

عم سباعي واقف بعيد، السبحة في إيده بتلف، وشفايفه بتذكر ربنا بصوت واطي. أم عبده قاعدة على الكرسي، وشها مسحوب، كأنها شايفة اللي جاي قبل ما ييجي. أما مالك وصل متأخر. وشّه متكسّر بين غضب وندم. صوت واحد فاق فجأة على كارثة. "حرقتِلي بيتي! عايزة تموّتِلي ابني؟ إنتِ عايزة مني إيه؟ أنا عملت لك إيه؟ حسبي الله ونعم الوكيل… هدمر حياتك، وهوديكي في ستين داهية! بصّيت له بهدوء بارد: "حرقت بيتك؟ إنت فاقد وعيك؟ أنا اللي ولّعت؟

ولا مزاجك هو اللي ولّع البيت؟ اندفع عليّ، مسكني من إيدي، وهزّني بعنف: "هقتلك يا ماريا… أقسم بالله هقتلك! عم سباعي دخل بينا، زقّه بعيد كأنه بيبعد شر. البنت صرخت، عيّطت بهستيريا. حضنتها وضمّيتها ليّ بحب شديد. "متخافيش يا حبيبتي… اهدي. ده هزار. بنمثل، زي المسرحيات اللي بتعملوها في المدرسة." بصّتلي. ما اقتنعتش. بس سكتت. بعد شوية، نامت على رجلي. نَفَسها هادي… كأنها هربت من الحقيقة بالنوم.

عدّى نص ساعة. وتوقعت عم سباهي حكى له كل شيء. ورجع: "أنا آسف يا دكتورة ماريا، بس... قاطعته: "إنت لا تصلح أن تكون أب. عارفة إن التوقيت قاسي، وإن الكلام ده مينفعش يُقال هنا. وابنك بين الحياة والموت… لكن والدي _الله يرحمه _كان بيقول جملة بحبها جدًا: 'الحقيقة لا تنتظر وقتًا مناسبًا، فهي لا تأتي لتُريحنا، بل لتُوقِف الضرر'." قربت خطوة: "بنتك قالت إنهم لعبوا بالفحم، والكبريت، وبقايا سهرتك. سيبتهم وحدهم!!

قفلت عليهم بالمفتاح. ونزلت. إزاي؟ إزاي تفكّر؟ إزاي تسيب أطفال في أدوات خطيرة وسكاكين وغاز وفحم مولّع وكبريت؟ مولّع من إمبارح إزاي إلا لو كنت مغيّب، أو شربت الصبح كمان؟ لو ملحقتهمش؟ ولو النار مسكت في شقتي؟ في العمارة؟ في المطعم اللي تحت؟ كنا بقينا قدّام مجزرة. سكتُّ لحظة: "إنت مش بس مهمل… إنت خطر.. وقبل ما تكون خطر عليا، خطر على عيالك." عم سباعي بصّلي بنظرة تحذير، نظرة الاب لبنته، ونده لأول مرة اسمي من دون ألقاب:

"ماريا… كفاية. مش وقته." مالك بصّ لبنته، الدموع في عينيه، وصوته اتكسر: "أنا مغيّب. والمغيّب ما ينفعش يكون أب... ماشي.. برافو عليكي شكرًا." "وسابنا وجري لأخر الممر الخاص بالعناية." عدّت ساعات. باب العناية اتحرّك. قومت وشيلت البنت. طلعت بيها بجري بيها. خرج ممرض. مش دكتور. ما قالش حاجة. قفل الباب ومشي. رجعت مكاني. الساعة واقفة. نفس الرقم. الزمن معلّق.

افتكرت سور البلكونة. لو رجلي زحلقت، لو إيدي خانتني.. لو فكّرت لحظة زيادة… مش عارفة… أنقذته؟ ولا بس قدّمتُه للقدر قبل معاده؟ باب العناية اتحرّك تاني. نفسي وقف. الدكتور خرج. وقفت. وأبوه بيقرب. الدكتور قال بصوت مهني هادي: "الحمد لله. فيه تحسّن أولي. الولد استجاب للأكسجين، والتنفّس بقى أحسن نسبيًا. لسه الطريق طويل… لكننا تخطّينا المرحلة الأخطر."

الكلمة نزلت علينا أخف من الأولى. الكلام ما فرّحنيش. بس شال حاجة تقيلة من قلبي. فضلنا واقفين. ولا حد عارف يعمل إيه بعد كلمة نسبيًا. مالك قعد على الكرسي، حاطط راسه بين إيديه. مش بيعيّط… بس واضح إنه استسلم. البنت كانت نايمة على رجلي. نَفَسها هادي. كأنها استنفدت كل خوفها ونامت. عم سباعي قرب: = يلا بينا يا ست ماريا.. الحمد لله اطمنا على الواد. _لا ياعم سباعي، أنا هفضل هنا. = وه، هتباتي هنا؟ —آه. "قلت الكلمة من غير تفكير."

= ميصحش، مش واجب عليكِ.. انتِ عملتي الواجب وأكتر. "قالها بهدوء." —عارفة. بس مش همشي... مش هعرف ياعم سباعي... صورة الواد مش بتفارق عيني... مش هعرف أروح سيبني على راحتي. رجعت قعدت قدّام باب العناية. الباب مقفول. ثابت. كأنه بيحرس اللي جوه. الدخان لسه في دماغي. مش في أنفي. في الذاكرة. افتكرت اللحظة اللي نطّيت فيها. مش شايفة اللي عملته بطولة. هو قرار لحظي. يا يطلع صح… يا يخلص كل حاجة.

مالك قرّب خطوتين، وقف على مسافة محسوبة. صوته هادي، رسمي: "دكتور ماريا… اتفضلي روحي. غيري هدومك.. وارتاحي، حضرتك عملتي اللي عليكي بزيادة." _بس أنا عايزة أكون هنا.. أنا هفضل هنا مع البنت.

بصّيت له، وبعدين بصّيت على نفسي. كنت لابسة بيجامة بيت، اللي نطيبت بيها إنها لبس مش مراب ريحة الدخان اللي فيه قوية. نضارة النظر على وشي، مش مخبية حاجة، بس الدنيا من وراها مش ثابتة. شعري ملموم في كعكة مش مظبوطة. والشال… الشال الصوف التقيل اللي لفّيته عليّا، شغل إيد أمي من زمان، مداريني من فوق لتحت، كإنه روب، وكإنه آخر حاجة أعرف أمسك فيها. قلت له بهدوء، من غير انفعال: _لا يا أستاذ مالك. رفع حواجبه: —حضرتك تعبانة. شدّيت

الشال أكتر: —أنا كويسة. لفّيت ناحية أم عبده، من غير ما أسيب مكاني. طلّعت المفتاح من جيب البيجامة ومدّيته لها: —يا أم عبده، لو سمحتي. قامت بسرعة: —نعم يا دكتورة؟ —خدي المفتاح. الصبح بدري تطلعي الشقة. تجيبيلي لبس نضيف… أي حاجة غير اللي أنا لابساه دلوقتي. وتجيبي الموبايل بتاعي من على الكومودينو. ولو البطارية فاضية، اشحنيه. سكتت لحظة، ثم قالت: —حاضر. كمّلت:

—وتجيبي أي لانش بوكس. تحضري فيه ساندوتشات للبنت علشان أول ما تفوق. مالك كان واقف سامع، من غير تعليق. قال بعدها بنفس النبرة الرسمية: "دكتور ماريا، وجودك صدقيني مش ضروري دلوقتي." رفعت عيني له: "وجودي ضروري ليّ. ومش همشي." ما حاولش يناقش. هزّ راسه، ورجع خطوتين ورا. رجعت قعدت. البنت نايمة على رجلي. إيدي على شعرها، حركة آلية. وعيني على باب العناية. الساعة واقفة. مش بتعدّي وقت… بتعدّي نفس... معرفش ليه بعمل كده...

كأني صدقت إني أمهم بجد. صدقت الكدبة، اللي كدبتها على الدكتور. فجأة… الممر اتحرّك. اتنين دخلوا قدّام بعض. لبس رسمي. كارنيهات النيابة واضحة. وراهم عمّي هاشم.... ومعرفش ايه اللي جابه. وقفوا قدّامنا مباشرة. واحد منهم قال بصوت هادي جامد: "دكتورة ماريا؟ قومت. "إحنا من النيابة العامة. فيه بلاغ رسمي مقدَّم ضد حضرتِك." مالك لفّ ناحيتي بسرعة: "بلاغ إيه؟ الراجل فتح الملف:

"هاشم السادات، عم حضرتِك، مبلّغ إنك قصدتي إشعال الحريق بدافع الانتقام." الكلمة وقعت تقيلة. الممر سكت... حسيت من الصدمة، إني بلعت لساني. "وذكر إن في شهود شافوكي قبل الحريق بدقايق طالعة من الشقة." مالك اتجمّد. بصّ لي… وبعدين للنيابة ثم صرخ: "إيه الكلام ده؟ النيابة كمّلت: "مطلوب حضرتِك للتحقيق فورًا." ميلت شلت البنت من على رجلي، ومدّيتها لمالك. أول ما حسّت إن حضني بيبعد… صرخت: "لااا ... متسيبينيش! طنط... طنط لاء"

تشبّثت فيّ بكل قوتها. شدّت الشال. ضوافرها غرست في دراعي... هي اللي دخلت في النار! طنط مش شريرة. الممر كله وقف. مالك كان واقف ماسك البنت… وعينه عليّ. صدمة صافية. ولا كلمة. وكيل النيابة قال بهدوء بارد: "ده هيتثبت في التحقيق." مدّ إيده: "اتفضلي معانا يا دكتورة." بصّيت لمالك. للبنت. لباب العناية المقفول. وفي اللحظة دي تحوّلت من اللي أنقذت… للي مطلوب منها تبرّر ليه كانت هناك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...