هنا رفعت عينيها من الكتاب ونظرت لها: في إيه؟
_ أنا معنتش قادرة أستحمل أسلوبه ده بقي!
هنا: يا رحمة، خبطت عليه أقل له العشاء، قالي مش جعان. قلت له طب افتح نتكلم، قالي مش قادر يا رحمة والله. جيت أتكلم تاني زعق وقالي إنه مصدع وإنه عايز ينام. معاذ عمره مزعقلي يا هنا، في إيه!
هنا: اهدي يا رحمة، أنا هروح أتكلم معاه.
_ يا هنا لو سمحتي اتكلمي معاه، لأني زهقت من تصرفاته.
هنا: خلاص بقي اهدى، روحي نامي وأنا هكلمه.
تركت هنا الكتاب من يدها وتوجهت لغرفة معاذ وطرقت الباب.
: يا رحمة، مليش نفس أكل خلاص بقي.
هنا: أنا هنا، ممكن تفتحلي.
: هنا، أنا مش قادر أتكلم، خليها لبكرة لو سمحتي.
هنا: معاذ، أنا مش همشي من هنا غير لما نتكلم خلاص.
: ......
هنا: افتح عشان خاطري.
تنهد بقوة وذهب للباب وفتحه، ثم توجه للشرفة ونظر من خلالها بتحسر.
هنا تقف بجانبه: عامل إيه؟
: "بضحكة ساخرة" عامل إيه! اطمني، بحاول أستعد، هسلمها له إزاي، هقول إيه وهحس بإيه وقتها.
هنا: ......
صمت بره وهو ينظر لمرمى نظره، وبدأ يتحدث بحرقة عما بداخله، وتركز هنا عليه لتشعر بوجودها معه.
: تعرفي لما خالتو ماتت، جدتك رمت في حضني وقالت إنها مبقاش ليها حد خلاص، إنها بقت يتيمة، بقت لوحدها، ومعدش حد بقي ليها خلاص. ساعتها طبطبت على ضهرها وقلتلها إني معاها، إني هكون كل حاجة ليها، وإني المسؤول عنها من دلوقتي، وإنها بنتي قبل أي حاجة تانية. وقتها مسحت دموعها وبصت لي بأمل، ومسكت إيدي وقالت لي: "اوعدني إنك متسبنيش ولا تسيب إيدي أبداً ونكبر سوا، ماشي؟". رغم إنها كانت واعية وعندها 16 سنة وقتها، بس حسيت إني بقيت مسؤول عن طفلة. قدامي، أقصد طفلتي أنا! دلوقتي هي اللي عايزة تسيبني، هي اللي عايزة تمسك إيد حد تاني يا هنا. ياريتني كنت روحي اتسحبت قبل ما أسمع الكلمة دي منها، إنها بتحب، بتحب حد تاني غيري.
هنا بضيق: متقولش كده يا معاذ، بالله عليك.
: "بابتسامة باردة" متقلقيش، لسه مفكرتش في الانتحار.
هنا: عارفة إنك بتحاول تغير الموضوع، بس صدقني هي اللي خسرانة، لأن مفيش حد حبها قدك كده. ولأني أخويا، كنت خليتك تحبني أكتر منها وأتجوزتك أنا.
ضحكت على براءتها ودموعها اللي نازلة من عينيها الواسعة دي عشاني، ولأني راجل العيلة دي لازم أكون واقف على رجلي ومتهزش قدامهم، لأني لو وقعت هما مش هيلاقوا ضهر يسندوا عليه. هي الوحيدة اللي كانت بتقدر تسندني وتنسيني كل ده بسبب ضحكتها اللي بترسم وشها، كأنها لوحة فانية ميقدرش أي متحف يشتريها بأعلى سعر، لأن هي "لا تقدر بثمن". آآه لو تعرفي كسرتي قلبي إزاي وهديتي أحلام كتير بنيتها جوايا ليكي!
: متقلقيش يا هنا، ادخلي نامي، أنا كويس.
هنا: لأ، أنت مش كويس. أنا هقعد معاك لحد ما تنام.
: إيه رأيك أنام على رجلك؟
تحركت هنا رأسها بالإيجاب، وجلست على السرير وأشارت له بابتسامة دافئة، فابتسم لها ونام في حضنها واطمئن قلبه بوجودها.
اليوم التالي..
في المطبخ.
: صباح الخير يا ست الكل.
سعاد: صباح النور يا نور عيني. شوفت هنا حاجة نزلت من عند رحمة؟ ملقتهاش.
: آه، اتكلمنا أنا وهي، وبعدها نمت. وجابت كتابها ذاكرت عندي شوية ونامت على المكتب، ولسه مصحيها معايا.
سعاد: اممم، بدل كنتوا مع بعض يبقى فيه أسرار.
: "ببراءة" أبداً يا حاجة سعاد، تعرفي عني كده.
سعاد: ههه، ماشي يا معاذ، بكرة نبقى نشوف.
هنا: صباح الخير يا عمهم.
: أهلاً يا اسطى. طب بزمتك ينفع المنظر ده؟ تقوم بي بعماصك ده؟ طب راعي عيون الناظرين، حتى ربنا يكون في عون جوزك وربنا.
هنا: والله أنا كده بقي بعماصي؟ بتكشيرتي؟ بيكلي؟ عجبه عجبه، مش عجبه يطلقني، وأهو قاعدة في بيت أبويا.
سعاد: لأ، منا هتبرأ منك وقتها وهطردك.
هنا بمزاح: شايف سعاد بتقول إيه!
: "بوضع ذراعيه حول سعاد" أنا مع كلام الحاجة، واللي تقوله هيتعمل.
سعاد: حبيب أمه يا ناس.
ضحكوا ورتبوا السفرة بمرح، فدخلت رحمة مرتبكة، وطرقت الباب برفق وعينيها تحت الأرض.
أول ما شفتها حسيت بكسرة في قلبي. رحمة عمرها ما خبطت قبل ما تدخل وتشارك معانا أي نقاش أو كلام. يمكن كنت قاسي عليها الفترة اللي فاتت دي أوي.
هنا: تعالي يا رحمة، انتي من امتى بتخبطي؟
_ قولت ميضايقوش ول حاجة.
سعاد: إيه يا بنتي الكلام ده من امتى وإحنا بندايق منك!
_ مش مهم يا خالتو، اهو فترة وهمشي من هنا ومعنتش هدايق حد.
المكان كله اتخدر من حوالي، ولا سامع حد ولا مركز مع حد. وكلمة واحدة اخترقت وداني وقلبي: "اهو فترة وهمشي من هنا". تمشي وتسبيني يا رحمة! طيب أنا ليا مين غيرك أو بعدك!
أحيانا القدر بيسخر منا وبيضحك علينا مع الوقت. كان شهر! شهر واحد بعد سنين كتير بحلم بيكي فيها، بس قرر هو يلعب لعبته معايا وينهي كل السنين اللي كنت ببنيها جوايا عشانك، والورد اللي بيتسقي كل يوم في قلبي لما بتسقي بأول حرف بتنطقي بيه اسمي "ميزو"! وما أحلى "ميزو" لما تقوليها يا رحمة!
_ كنت جاية أقولك رايحة الجامعة يا خالتو، عايزة حاجة؟
: استني يا رحمة، هوصلك.
_ لأ، مفيش داعي، هركب مواصلات.
: رحمة، قلتلك هوصلك، متعانديش.
سعاد: محدش هيمشي من هنا غير لما يفطر الأول. رحمة تعالي اقعدي فطري، ومعاذ هيوصلك عشان متتأخريش، يلا.
_ ......
سعاد: سمعتي أنا قلت إيه يا رحمة.
_ حاضر يا خالتو، جاية.
جداً، قعدت قصاد الكرسي بتاعي، لأنه ده مكانها وأنا اخترته ليها، ومحدش يقدر يقعد عليه غيرها. بتأمل وشها كل يوم، نظرتها، ضحكتها، عينيها، وعفويتها في الكلام. لكن النهاردة كان غير، كانت عينيها في الطبق من غير حتى ما تبص عليا وتضحك ليا زي كل مرة وترغي في أي موضوع عشان أتكلم معاها. طب أصلحها إزاي البوظة دي بقي؟
: خلصت أكل يا ماما، تسلم إيدك. هستناكي في العربية.
_ ......
: رحمة.
_ حاضر.
في السيارة.
: "بدفء" حوم.
تنظر من الشباك بتجاهل وترد عليه ببرود ولا مبالاة.
_ نعم.
: انتي زعلانة مني؟
_ لأ، وازعل منك لي؟
: يا حوم.
_ "ببكاء" متندهش عليا تاني عشان هصالهحك، وأنا عايزة أثبت على موقفي، لو سمحت.
: ههه، طيب ممكن نتكلم.
_ لأ.
: يا حوم، والله ما أقصد بجد، أنا فعلاً كنت تعبان امبارح جداً.
_ وانت من امتى بتخبي عليا حاجة؟
: ......
_ رد عليا. شوفت إنك اتغيرت إزاي؟ معنتش بتكلمني وبتتجاهلني، وكل أما أحاول أتكلم معاك تصدني. انت زهقت مني صح؟
زهقت مني! انتي اللي زهقتيني مني يا رحمة، انتي اللي عايزة تسيبيني وتروحي لحد تاني. من امتى بخبي عليكي؟! من وقت ما اخترتي غيري تحبي تعرفي عنه كل حاجة، اخترتي غيري تتحامي فيه ومعاه. هو ليه القتل حرام في دينا من غير سبب! ليه مينفعش أقتل واحد عايز يسرقها مني؟ ما هي تعتبر سرقة كمان، وكأنه سرق أحلى لمسة في الكرة الأرضية. لي ده حرام في القتل!
_ ميزو.
: امم.
_ أنا زعلانة منك آه، ومش هسمحك عشان متعملش كده تاني معايا.
: خلاص والله، حقك عليا.
_ اوعدني إنك متتغيرش تاني ومتبصليش بالعين الباردة دي تاني، عشان وحشتني عيونك اللي بشوف فيها اهتمام جواهم ليا.
: حاضر.
_ تقولي تصبحي على خير يا وردتي زي كل يوم.
: تحت أمرك يا أميرتي.
_ وتظبط حجابي وتحط إيدك على راسي زي كل يوم برضه.
: ......
_ خليك جنبي ديما يا ميزو، بالله عليك، ها.
آآه على كلامها العفوي ليا، واللي بحس بيه بخنجر اقتحم شرايين قلبي. ليه كنتي وهتكوني ديما الضماد لقلبي، وليكي السلطة إنك تحي أو تموتي؟ ليه بتعملي فيا كده!
_ آه صح، بكرة التلات. أمين هييجي.
: ......
_ هتقابلو يا معاذ، صح؟
: امم، أكيد. خلي يحدد الميعاد وهقلبه.
_ "بضحكة" شكراً يا ميزو أوي، ههه.
: ......
فتحت الباب وخرجت، فترجعت له مجدداً ونظرت له ببرأة.
_ ميزو، انت لسه مجبتليش هدية تصلحني بيها، مش هنزل من غيرها.
: ههه، طيب المدللة بتاعتي عايزة إيه؟
_ كرييب طبعاً.
مشيت بالعربية، وأولع الجامعة على شغلي على أي حد، أهم حاجة أشوف ابتسامتها اللي بتروي ورد قلبي جوه من جديد عشان يومي يكمل.
يوم الثلاثاء..
موعد المقابلة.
: ميزو، جيه بره، يلا.
: ......