الفصل 4 | من 26 فصل

رواية أغلال لعنتهُ الفصل الرابع 4 - بقلم اسراء علي

المشاهدات
25
كلمة
5,933
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

رفعت نظارتها السوداء فوق خصلاتها النحاسية ثم وقفت قليلًا تتأمل المقهى. لم يتغير مذ التقيته به أول مرة، ذلك المكان الذي شهد ولادة عشقهما وشهد أيضًا انفصالهما. تنهدت بثقل ثم أخذت نفسًا عميقًا وقررت الدلوف بثقة مهتزة. لتُقابلها عدد لا بأس به من الناس في هذا الوقت من الصباح. ثم بحثت بعينيها عنه فوجدته بأحد الطاولات البعيدة عن المدخل.

إبتسمت إيزيل بحنين وهي تُحدق به، جالسًا يدون الملاحظات وخصلاته البنية تُعاند فتقع فيرفعها بأصابعه بملل. ضحكت هي وهمهمت بشجن: "عِد كام مرة قولتلك تحلق شعرك؟ هو جميل وجذاب بشكل بشع الحقيقة…" تقدمت تجاه طاولته تقرع بحذائها الأرضية المثقلة حتى وقفت أمامه دون حديث، تترك لعيونها متعة باتت محرمة عليها من النظر إليه وبداخلها رغبة عنيفة في مداعبة خصلاته التي تضايقه وكم هي عشقتها!

بينما هو منهمك بتدوين بعض الملاحظات والحسابات الخاصة بالمقهى، حتى داهمه عطر مألوف يعرفه كما يعرف صاحبته، ممتزجًا بكبريائها وعجرفتها اللامحدودة. وذلك المزيج يكفي لإشعال روحه بذكريات صعب أن تُمحى. فورًا رفع أنظاره لتمتلئ عيناه برؤياها. وإمتزجت عاطفة الاشتياق بشعور مُريب من النفور يتعجب وجوده من الأساس. ذلك الإحساس الذي جعلهما في لحظة واحدة أن يمزقا كل ما يجمعهما معًا.

قابلته هي بابتسامتها الخلابة، الباردة كعادتها. وبدأت هي الحديث بمزاح رقيق: "طالما مضايقك إحلقه، سايبه ليه! إبتسم عُميّر ومرر يده من بين خصلاته ثم أردف بنبرةٍ عابثة: "مستحيل، دا عامل جذب خطير للبنات." غمغمت إيزيل بضيق: "بلاش مُراهقة يا عُميّر، أنت أب لبنت." ضحك عُميّر وقال: "متقلقيش أنا مبتخطاش الحدود، عارف حدودي كويس…" مال عُميّر تجاهها ثم رمقها بنظرةٍ ذات مغزى وهتف بتلاعب: "ولا أنتِ لسه بتغيري؟!

لم تجفل إيزيل ولم تتراجع بل طالعته ببرود صقيعي يثير الغيظ: "بغير! وهغير ليه! بلاش الثقة دي، أنت مش محور الكون…" أخفى عُميّر انفعالاته وصمت ينتظرها تكمل. فأكملت بنفاذ صبر وهي تضرب الأرض بحذائها: "فين أسيل؟ وضع عُميّر يديه في جيبي بنطاله ثم أردف وهو يشير برأسه إلى غرفةٍ ما: "نايمة." إتسعت عيناها وهدرت بتعجب حاد: "هي مراحتش المدرسة النهاردة!! هي مراحتش النهاردة ليه؟ وليه أصلًا تسيبها هنا!

لم تدع له مجال ليجيب بل تحركت بخطوات غاضبة إلى الغرفة. قبل أن يلحق بها عُميّر وأمسك ذراعها ثم سحبها إلى ممر جانبي بعيد عن الأعين. وهدر هو هذه المرة بغضب: "أسكتِ، مترفعيش صوتك هنا تاني يا إيزيل، مش هتبطلي تعملي الحركات دي! هتفت هي بوجهه بعناد: "لأ هرفع صوتي زي ما أنا عاوزة، معتش موجود الرابط اللي كان بيجبرني على إحترامك…" تحولت خضراوية إلى أخرى خطيرة وهو يرمقها بتلك النظرة النارية. ثم هتف وهو يتقرب منها بخطورة

أكبر من خطورة عينيه: "مش الرابط هو اللي بيخليكِ تحترمي الشخص يا إيزيل، بالعكس أنا بفكر إن دا سببه أخلاقك المعدومة…" دفعت إيزيل صدره تمنعه عن التقدم أكثر ثم هتفت من بين أسنانها: "إبعد يا عُميّر و متتخطاش حدودك معايا…" تجاهل أمرها القوي واقترب أكثر حتى التصق بها. ثم رفع يده وبطرف إصبعه تلاعب بخصلاتها القريبة من عينيها وشفتيها ليهمس وعيناه ترسمان ملامحها بقوة: "إحنا وصلنا للحال دا إزاي؟ ليه كل ما نتقابل نتخانق!

ألصق عُميّر جبينه بجبينها فأصبحت أنفاسها المتسارعة مأسورة بأنفاسه. ثم أكمل بذات الهمس: "جاوبيني، رُدي عليا و قوليلي بعدنا عن بعض ليه! عضت إيزيل شفاها السفلى. هي أيضًا لا تدري لم انفصلا، انفصالهما كان غريب وبمواعد أغرب. الجميع يشهد على قصة حبهما الملحمية لذا طلاقهما كان صدمة كبيرة. أخرجت نفسًا حار لفح وجهه ثم ابتسمت وهمست بحرارة: "قول أنت يا عُميّر، جاوبني أنت المرة دي! ********************

توقفت أمام المقهى الخاص بعُميّر وتردد كثيرًا بالدخول. تُريد أن تراه وبشدة. تلك الانتفاضة التي تُصاحبها ما أن تقع عيناها عليه منذ أمس فقط؟ إنها تعيش مراهقتها ولا شيء غير ذلك. تنجذب إلى ذلك الثلاثيني الرائع. عليها أن تتوقف عن المراهقة فهو يكبرها بالكثير. تنهدت بثقل ثم قررت العودة. ولكن لجسدها رأي آخر إذ أخذتها ساقيها إلى الداخل باستسلام ودون مقاومة تُذكر. توسعت عيناها بدهشة عندما وجدت نفسها بالداخل لتتوقف

بالمنتصف هامسة بصدمة: "هو أنا بعمل إيه هنا؟ كُنت عاوزة أرجع البيت، فـ ليه واقفة قُدام الكافيه؟ بحثت عنه بعينيها علها تجده ولكنها لم تفعل. أصابها الإحباط لعدم رؤيته والراحة لأنها لم تره. وحين قررت الالتفات والعودة وجدت نادلًا ما يتحدث ببشاشة وابتسامة لبقة: "أقدر أساعدك بحاجة يا آنسة؟

تسمرت حوراء قليلًا أمامه، كان طويلًا يقاربها بالعمر، وسيم إلى حد مذهل بعينين غريبتين بوهج أكثر غرابة. عاود الشاب سؤاله بابتسامة أكثر اتساعًا عن ذي قبل وهو يجدها تحدق به بذهول: "في حاجة يا آنسة؟ خرج السؤال من فمها دون إرادة: "أنت اسمك إيه؟ خرجت قهقهة صغيرة من بين شفتيه قبل أن يجيبها باحترام: "نوح، اسمي نوح يا آنسة." هزت رأسها بتفهم وقالت: "لايق عليك فعلًا…" عاود نوح القهقهة وهو ينظر إليها بنظرات مدققة دون أن

تكون جارحة ثم هتف بلباقة: "مُجاملة حلوة من آنسة جميلة زيك." ردت مندفعة: "لأ بجد، أنت فعلًا اسمك لايق عليك…" ضحك نوح بجاذبية غير متعمدة ثم أومأ وكأنه يحدث طفلة: "تمام وأنا مصدقك، أنتِ كمان جميلة." تورّدت وجنتيها وردت بخجل: "مرسيه…"

ساد الصمت ونوح يحدق بها بإستمتاع غريب لم يصحبه بعدما ترك بلده وجاء إلى مصر. والآن يقف أمام تلك الـ.. البسكويتة الهشة لا بجد لها وصف سوى ذلك. قصيرة جدًا أو ربما هو الطويل جدًا ولكن بكلتا الحالتين لا تصل قمة رأسها سوى إلى بداية كتفه. حمْحَم بصوت يكاد يكون عاليًا ثم تساءل وهو يشير إلى أحد زملائه من أجل خدمة الزبائن: "لحد دلوقتي أنا معرفش الآنسة عاوزة إيه! تفاجئت بعبارته وقطبت جبينها تعاود تفسير السؤال ثم أجابت:

"كُنت عاوزة أشوف الأُستاذ عُميّر، هو فين أنا مش لاقياه؟ أشار إلى ممر وأردف: "شوفته دخل الطُرقة اللي هناك دي." أومأت قائلة: "مرسيه، تاني…" كادت أن تتجه إلى حيث أشار ولكن يد نوح أوقفتها ثم تساءل بفضول: "بس هو سؤال، أنتِ مين؟! نظرت حوراء إلى يده ثم إلى عينيه ذي الألوان الغريبة وأجابت بتفاجؤ: "أنا حوراء…" تفاجئ هو الآخر بإجابتها البسيطة ولكنه ابتسم بهدوء وأكمل:

"اسم جميل جدًا ولايق عليكِ، بس أنا بسألك عن صلتك بالأُستاذ عُميّر لأنه مش مسموح لحد من زوار الكافيه يتحركوا بحرية." إستدركت قائلة: "معاك حق، أنا صاحبة أخته وكُنت عاوزاه في موضوع خاص…" ما هذا الذي تهذي به؟ هي لا تريد شيئًا سوى أن تراه. ولكن ما الذي يجبرها على وضع نفسها بهذا الموقف المحرج؟ بالتأكيد ذلك الشاب يظن بها ظن سيء. إلا أنه لدهشتها أتاها صوته جادًا: "آسف مكنتش أعرف، تحبِ أوصلك؟ نفت سريعًا وبتلعثم:

"لأ لأ، أنا هقدر أروح لوحدي…" أومأ نوح وابتعد عن طريقها لتبتسم حوراء إليه ابتسامة حلوة ثم رحلت. إلا أنها توقفت واستدارت إليه تشكره بابتسامة ونبرتها الرقيقة: "شكرًا يا نوح…" ثم استدارت راكضة إلى الممر. بينما وقف نوح بمكانه متسع العينين، فاغر الفم. بينما قلبه ينبض بغرابة وكأنه يتعجب صاحبه. ليضحك وهو يحك مؤخرة رأسه ثم همس بنبرة آسفة بلغته الأم: "يا ويل نوح من تلك الابتسامة الشقية، متى سأراك مجددًا يا بسكويتة!!

******************** أغلق الباب خلفه بهدوء ودلف إلى الداخل ثم إلى الممر المؤدي إلى غرفته. قبل أن يوقفه صوت والدته الهادر: "إفتكرت إن ليك بيت ترجعه! بعد أما مشيت وأنا بتكلم ولا عملت إحترام لأُمك." رمقه قُتيبة بنظرة يائسة بسخط رغم ما فعلته صباحًا. قبل أن يعود إليها ويُقبل رأسها رادفًا بفتور: "إزيك يا حاجة رجاء؟ مشوفتكيش بعد أما نكدتِ عليا من كام ساعة…"

أخرجت والدته صوتًا مستنكرًا من بين شفتيها ثم قالت وهي تدير رأسها بعيدًا عنه: "كويسة يا حبيبي، كويسة، ويا رب كلامي يكون جاب نتيجة…" نفخ قُتيبة بنفاذ صبر ثم استقام هاتفًا وهو يبتعد عنها: "أنا داخل أريح ساعة قبل ما أنزل الشغل تاني." "مش هتاكل؟! أجاب بهدوء: "مليش نفس، إتسدّت من الصبح…" لم يسمع همهمتها المعترضة ليُكمل طريقه إلى الداخل. قبل أن يقصف صوتها من خلفه بحقد لم تستطع التغلب عليه حتى بعد مرور تلك السنوات:

"سمعت إن البت الـ *** رجعت، مقولتش يعني…" إستدار إليها قُتيبة سريعًا بملامح خطيرة ليعود بخطى بطيئة ثم سأل بفحيح وهو يحدق بها بنظرة قاتلة: "أنتِ قولتي على مين *****؟! رفعت حاجبها دون أن تتأثر بملامحه الخطيرة أو نظرته التي كادت أن تُرديها حية. ثم أردفت بنبرةٍ مستحقرة: "ومين غيرها اللي قتلت أبوك بنت الـ..؟! رفع قُتيبة إصبعه محذرًا ثم دنى منها وهدر بصوت مكتوم: "بنت الـ..؟

اسمها كيان، وأنصحك إنك تبدأي تتقبليها عشان هتكون مراتي قريب جدًا…" إتسعت عيناها بجنون ثم صرخت بحدة وهي تضرب ذراع الأريكة: "الكلام دا مش هيحصل إلا على جُثتي يا قُتيبة، فاهم؟! رفع قُتيبة كتفاه ثم رد ببساطة: "ربنا يطول في عُمرك يا أُمي، بس حابب أعرفك إني هتجوزها سواء رضيتِ ولأ مرتضيش." ردت بعدم تصديق: "بتتحداني يا قُتيبة؟! مط شفتاه وقال بسخرية:

"معاذ الله يا ست رجاء، أنا بقولك أنا هعمل إيه، مش طالب منك تحبيها، أنا طالب منك تقبليها، وتقبلي وجودها الحتمي في حياتي…" دفعته رجاء بيديه ثم نهضت بجسدها الضعيف تواجه جسده الضخم لتهدر بصوت قاسٍ: "قسمًا بالله لو عملتها يا قُتيبة لهخليها تكره اليوم اللي دخلت فيه البيت دا." وضع يداه في جيبي بنطاله وهتف بهدوء: "ساعتها أنا اللي هقفلك…" نظرت إليه مصعوقة إلا أنها لم تفقد نبرتها القاسية وهي تقف في مواجهته: "سرها إيه البت دي؟

ماسكة عليك إيه مخلياك كدا! فيها إيه مخليك متمسك بيها كدا؟ مش هي دي اللي قتلت آآآ…" ضربة قوية على الجدار حتى أنها تسببت بتساقط الطلاء جعلتها تصمت. ثم هدر بصوت جامد ولكنه مرعب يُقر واقع: "مش هي اللي قتلته، أنا اللي قتلته وأنتِ عارفة دا كويس أكتر من أي حد، زي ما كنتِ عارفة إنها كانت مسألة وقت مش أكتر…" كانت تنظر إليه بذهول ورعب لتلك النظرة المُميتة بعينه. ولكنها تعلم تمام العلم أنه هو من فعلها. إلا أنها ترفض

الاعتراف بل صرخت بجنون: "هي اللي غوته، وهي اللي غوتك عشان تتحمل ذنبها، وتاخد العقاب بدالها…" ضحك قُتيبة بقساوة رغم انخفاض صوته إلا أنها كانت هادرة لأذنيها. ثم أردف بصوت صخري: "بسببها كان زماني لسه مرمي في السجن مستني حكم الإعدام. أنا واقف قدامك بكلمك دلوقتي بسببها، عشان كدا بطلي كرهك وحقدك عليها اللي مالوش لازمة." هتفت باهتزاز: "هي آآآآ…" يعلم جيدًا ما ستتفوه به ليصمتها بإشارة من يده. وأكمل بنبرة متبلدة:

"أنتِ عارفة إنه *** وهي ملهاش ذنب، أنتِ عارفة إنه شيطان وبسببه أنتِ في الحالة دي، شبح ست ولحد دلوقتي بسببه…" رفع قُتيبة كفها وقبّله بهدوء ثم أردف بابتسامة ساخرة: "عشان كدا احمدي ربنا إنه غار في داهية ومات، وأنها شهدت زور…" ثم تركها ورحل عائدًا إلى غرفته تاركًا إياها تعاني من ذلك الشعور الحارق الذي يكوي صدرها. وقد داهمها ألم بمنتصف ظهرها، ألم جسدي ونفسي لم يستطع الزمان مداواته. ********************

تحركت إلى الممر الذي أشار إليه نوح تعض على أناملها توترًا. لمَ أتت إلى هنا من الأساس؟ زفرت بإحباط وقنوط ثم توقفت في مقدمة الممر الشبه مظلم وحدقت بذهول إلى الجسدين المتقاربين وعلى وشك تقبيل بعضهما البعض. لتتسع عينيها إلى ذلك المشهد الذي لا تراه سوى بالتلفاز. فسقط الهاتف من يديها مُحدثًا دويًا عالٍ في ذلك الصمت. التفت إليها زوجين من الأعين ينظران إليها ما بين الدهشة والإرتباك. لتُغمغم حوراء بارتباك

وهي ترف بجفنيها بخجل: "آآ آسفة مكنتش أعرف إنكوا آآ، إنكوا في وقت خاص، وإني جيت في وقت غلط، آسفة…" جثت سريعًا تلتقط هاتفها وإلتفتت تهرب. إلا أن صوت خطوات عُميّر ونبرته أوقفاها وهو يردف بشيءٍ من الهدوء: "تعالي يا حوراء، مفيش حاجة خاصة بتحصل هنا…" أشار إلى إيزيل التي ترفع حاجبها بصلف تخفي خلفه ارتباك أن يتم التقاطها في مثل ذلك الموقف. ثم هتف بلباقة: "حوراء دي إيزيل والدة أسيل." فغرت فمها بذهول وردت دون تفكير: "طليقتك!!

صُدم عُميّر قليلًا لرد حوراء وقبل أن يرد سبقته إيزيل بنبرتها المتعجرفة وهي تحدق بحوراء بازدراء طفيف: "أيوة يا روحي طليقته، الموضوع دا مزعلك في حاجة! رفت حوراء بجفنيها وأجابت: "لا أبدًا مش قصدي، آسفة…" قيمتها إيزيل بنظرة متحفظة لا تخلو من العجرفة المعتادة ثم أردفت: "مفيش مشكلة يا حبيبتي، بس خلي بالك من لسانك بيقول إيه، فـ في كتير من الأوقات بيحطنا في مواقف محرجة نوعًا ما…"

ربتت إيزيل على كتفها وهي تتحرك جوارها. بينما عُميّر كان يقف وهو يضع يده على وجهه يتحاشى الموقف كله: "أنا جاية بكرة يا عُميّر عشان آخد أسيل، بعد إذنكوا لازم أمشي…" أمسكت إيزيل نظارتها الشمسية ونزعتها لتُمسك بها، حادقة حوراء بنظرة متعالية ورحلت. أما هو وضع يده على فمه ينظر إلى تلك الراحلة بتسلية. ثم عاود النظر إلى الواقفة بذهول وأردف: "نورتِ المكان يا حوراء…" نظرت إليه حوراء مجفلة ثم هتفت وهي تضم الهاتف

إلى صدرها بتوتر وتلعثم: "والله العظيم مكنتش أعرف إنكوا مع بعض." ضحك عُميّر وقال: "خلاص يا حوراء، الحقيقة كويس إنك جيتِ، لولاكِ كنت عملت عملة غبية…" لم تغفل عن نظرته الشاردة بمكان وقوفه مع إيزيل. فتساءلت دون تفكير كعادتها: "لسه بتحبها؟ لم يجفل عُميّر لسؤالها بل أجاب وهو ينظر إلى عينيها البريئتين: "معرفش، ساعات بتجيلي أوقات وأبقى عاوز أروحلها وأرجعها ليا حتى لو كان غصب عنها." "ودا معناه إنك لسه بتحبها."

رفع كتفاه وقال بقلة حيلة: "يمكن…" نظرت إليه حوراء بغرابة. ليتنهد هو بحرارة ثم تساءل وهو يعيد خصلاته إلى الخلف: "تمام، فيه بقى مشكلة؟ نفت سريعًا بتردد: "لأ خالص، حبيت أعدي على الكافيه و آآآ…" عضت لسانها وهي لا تقدر على المتابعة. ليخفض عُميّر رأسه إليها ويحثها على المتابعة بابتسامة: "وإيه؟ همست وهي على وشك البكاء خجلًا: "ولا أي حاجة، أنا عاوزة أروح…" قهقه عُميّر وأومأ موافقًا حتى لا يسبب لها الخجل أكثر: "طيب يلا نروح…"

رفعت يدها إليه تمنعه عن القدوم معها ثم قالت بتلعثم: "لـ لأ خليك، هعرف أروح البيت لوحدي…" تبسم عُميّر بتعاطف معها ثم وضع يده على ظهرها ودفعها برفق رادفًا: "أنا كُنت عاوز أرجع البيت عمومًا، فيه حاجة مهمة نسيتها…" أردفت بخجل وانتفضت مبتعدة عن يده التي على ظهرها. ليتفهم هو وتراجع خطوتين يسمح لها بالتحرك. أما هي لم تكن تهربل بل تركض حرفيًا. فابتسم بتسلية وتبعها. ********************

طرق عُبيدة الباب ودلف ليجد وقاص يتحدث بالهاتف. فأشار إليه هاتفًا بهمس: "هاجي تاني لما تخلص…" إلا أن وقاص أشار إليه ليدخل. فدلف بصمت وانتظر حتى يُنهي صديقه الحديث: "يا سيد هيثم يشرفني طبعًا الشغل معاك…" تلاعب وقاص أمامه بملف به بعض الأوراق يستمع إلى رد الآخر. ثم أردف هو بابتسامة جدية: "تمام هكلمك في وقت تاني النهارده، وهبلغك بالتفاصيل بعد أما أناقش مع شريكي." أتاه صوت الآخر:

"هستناك طبعًا يا وقاص باشا، هيكون تعاون مربح لينا إحنا الاثنين أكيد." إتسعت ابتسامة وقاص الخبيثة: "بأكيد، وهيكون مربح بشكل خاص ليا…" همهم بإنهاء المكالمة ثم قذف الهاتف بإهمال لينظر إليه عُبيدة رافعًا حاجبه بتعجب وهتف بعدم تصديق: "مش دا هيثم اللي بتكرهه أوي! ودلوقتي هتشاركه؟ أدار وقاص قلم رصاص وقال بنبرةٍ مبهمة: "عنده حاجة تخصني." قطب عُبيدة جبينه وتساءل: "عنده إيه يخصك؟

قذف وقاص ملفًا ما ليلتقطه عُبيدة وبدأ يقرأه بتدقيق. لتتسع عيناه مع كل كلمة ثم هتف وهو يغلق الملف بهدوء عكس الصدمة البادية على ملامحه: "يعني دا اللي كُنت ناوي أصلًا." "وهيكون إيه غيره؟ خرجت نبرة عُبيدة حائرة: "أنا معتش فاهمم يا وقاص، قبل دا جبت المتكبرة دي عشان تكون المدير المالي الجديد من شوية ودلوقتي عاوز تشارك هيثم! هيثم ابن أمه دا؟

تذكر عُبيدة لقاءه الكارثي مع تلك المتجبرفة والتي أثارت غضبه بشدة. لم يصدق حينما أخبروه أن المدير المالي الجديد قد وصل صباح اليوم بل والأنكى أنها سيدة. شعور مؤلم من الإحباط والخذلان حاصره. ولكن الأكثر كان الغضب، الغضب لأن تأخذ مكانه سيدة. ليتجه إلى المساعدة الشخصية لوقاص وطلب منها بيانات المدير الجديد. قرأه بذهول وهو يحدق بكل معلومة تزيد من غيظه. ثم تمتم بصوت حاقد:

"مشتغلتش في أي شركة ولا عندها خبرة وتقوم تحطها المدير المالي؟ تنفس بغضب وسرعة وعاود يقرأ الاسم مجددًا والذي لم يكن سوى أحد أقرباء وقاص والذي يعلمهم جميعًا. ليُغمغم بغضب حارق: "عاوز توصل لإيه يا وقاص؟ جعد عُبيدة الملف وقذفه أسفل قدمه يدهسه بقوة. ثم خطى باتجاه المكتب. بينما إيزيل بمكتبها تتطلع حولها بابتسامة ساخرة. حقها المسلوب من أعمامها يعود إليها من ابن خالها. يا لسخرية القدر. التقطت اسمها وحدقت به بشيءٍ

من البلادة ثم هتفت بسخرية: "أنت طيب أوي يا وقاص، مرتضيش باللي عمامي عملوه وعوضتني أنت…" عادت تضع اسمها فوق المكتب. قبل أن تنتفع زوبعة تدفع الباب بقوة كادت أن تحطمه. ثم صوت خطوات غاضبة تقترب ويدين رجولية تضرب بقسوة على المكتب. رفعت وجهها بصلف وتمهل بعدما تأملت اليدين الخشنتين اللتين حطتا بوقاحة على مكتبها تضربه بعنف. قبل أن تقول بتمهل بارد: "مفتكرش إني سمحت إنك تدخل…"

اقترب عُبيدة منها وعلى ملامحه نذير شر ثم أردف بنبرةٍ عنيفة: "ودا لأني مخبطتش من أساسه." مطت شفتيها ببساطة وقالت: "ودّي بيسموها وقاحة…" قبض عُبيدة يده ثم هدر وهو يلقي بالقطعة الرخامية المدون عليها اسمها المغرور كشخصيتها تمامًا: "اسمعِ يا هانم، المنصب دا أنا أحق بيه منك." ردت عليه دون أن تجفل: "بالعكس أنت مكنتش تستحقه…" إتسعت عيناه بشراسة لوقاحة ردها المتعجرف قبل أن يقول بتهكم:

"ومن الواضح برضه إنك متستحقهوش أنتِ كمان يا مدام إيزيل…" أمسكت مقلم أظارفها وراحت تعبث به قبل أن تسأله بابتسامة باردة كالجليد وهي تتأرجح بمقعدها: "وأنت عرفت منين؟ دا أول يوم شغل ليا…" إعتدل بوقفته ووضع يديه في جيبي بنطاله ثم هتف بخبث وهو يرمق خصلاتها النحاسية: "دا لأني عارف إن وقاص بنفسه هو اللي وصى بيكِ مش شطارة منك، خاصةً إني هشتغل مع واحدة نرجسية زيك." ردت مصححة: "عندي…" قطب جبينه وتساءل: "نعم؟

رفعت عيناها العسليتين ببطء ثم اتكأت بمرفقها فوق المكتب وراحة يدها راحت تدعم وجنتها الناعمة. ثم ابتسمت بلطف بارد وهي تقول: "أنت هنشتغل عند…" إنتفخت أوداجه غيظًا وتجمعت الشعيرات الحمراء حول حدقيته الزرقاوين. إلا أنه هدأ نفسه وأردف بابتسامة تماثل برودة ابتسامتها: "أنتِ وقحة." أومأت برأسها وهي لا تزال على وضعيتها وقالت: "عارفة…"

إنها تشبه دمية الباربي ولكنها باردة ومقيتة. كان يكرهها مذ أن علم أنها ستصبح مديرة المالية الجديدة بل ورئيسه بالعمل. والآن بعد أن حظي بشرف مقابلتها أصبح يمقتها. إنحنى عُبيدة يلتقط اسمها ثم وضعه بأناقة فوق مكتبها تحت أنظار إيزيل الهزلية. ثم قال وهو يبتسم ابتسامة قاتلة: "هرميكِ برة الشركة دي قريب، لأن المكتب دا حقي يا معدومة الروح…" إستدار عنها يرمقها بنظرات تحقيرية نجحت في إغاظتها. ثم رحل وهو يصفق الباب

بعنف لتهدر هي من خلفه: "يا وقح يا قليل الأدب، أنا هدفعك التمن…" عاد عُبيدة من شروده وأردف بهدوء لا يملكه بعد ذلك اللقاء العنيف مع تلك الباربي: "مش هتناقشك كتير يا وقاص لأن حقيقي بقيت بتعمل حاجات ملهاش تفسير." إبتسم وقاص ثم قال وهو يمد يده بورقة: "زي عملتي د مثلًا! تناول منه عُبيدة الورقة وحدق بها بأعين على وشك الاستدارة وبشرة اختفى لونها. قبل أن يصرخ وهو يضرب بالورقة فوق سطح المكتب: "اللي بتعمله دا اسمه جنان…"

******************** في مساء اليوم التالي. الجميع يجلس بغرفة الاستقبال يتحدثون بجميع الأمور. بينما كيان تجلس بمكانٍ بعيد نسبيًا عن رشاد ووالدته والتي أظهرت حبور كبير برؤيتها تفكر فيما تفعله. ظهور قُتيبة السريع بعد عودتها أثقل كاهلها واضطربت جميع حواسها وقراراتها. والآن تعترف أنها على وشك ارتكاب جريمة شنيعة بحق نفسها وبحق رشاد وأخيرًا بذلك الذي ملك قلبها. إنتفضت مجفلة على صوت والدة رشاد وهي تبتسم: "روحتِ فين يا عروسة؟

إبتسمت كيان بمجاملة وأردفت: "مروحتش في حتة، بس سرحت شوية." تولت جدتها الحديث: "يظهر إنها بتفكر في رشاد ابننا، شاب ما شاء الله عليه مكنتش متوقعة يكون بالجمال والأخلاق دي…" إبتسم رشاد ثم نظر إلى كيان التي تقابلت نظراتها معه. وفي تلك اللحظة أيقنت أنها لن تقدر على المضي قدمًا بذلك الزواج. ولكن بالوقت ذاته تريد التخلص من لعنته القاتلة.

أما حوراء كانت جالسة جوار كيان ولكنها أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة على تطبيق رسائل "الواتس آب" إلى قُتيبة: "إلحق عروستك، رشاد سرق قلب جدتها وشكلهم هيوافقوا." وأتبعت عبارتها وجه تعبيري يدل على الفزع. ثوان قليلة مرت وهي تجد الرسالة قد تم قراءتها ثم ظهر أنه يكتب. لحظات ووصلها رده: "إياكِ تسيبهم يتكلموا مع بعض، أنا جايلك حالًا." أرسلت هي وجه تعبيري غامز يدل على أنها ستعتمد خطة تمنع خلوتهما معً.

لم تكد تمر دقائق والحديث قد بدأ يتجه إلى الجدية والذي يخص أمور الخطبة وغيره. فوضعت حوراء يدها على صدرها تهمس بفزع: "أنت فين يا قُتيبة حبيبتك هتتسرق منك قدام عينيك…" لم تكد تُنهي عبارتها حتى سمعوا فجأة صوت طرقات عنيف على الباب. لتنتفض هي بفزع. لقد أتى، كانت تعلم أنه سيأتي ولكن ليس بتلك السرعة، ليس اليوم على التحديد. نهض شقيقها وعلى وجهه إمارات الغضب والضيق. يبدو أنه هو الآخر يعلم هوية الطارق. إلا أن صوت الجدة

أوقفته وهي تقول بابتسامة: "خليك أنت يا عُميّر، سيب بنت خالتك تشوف مين الضيف الرذل دا…" نهضت الفتاة الصغيرة وفتحت الباب لتشهق بصدمة وهي ترى ذلك الحائط البشري يقف أمامها بعضلاته المتحفزة وملامحه المتجهمة بغضب مُريب. ولكن الفتاة تشجعت وقالت بتردد: "آسفة، مش هنعرف نستضيفك، دي مُناسبة عائلية." إبتسم بريبة: "منا هنا عشان كدا…"

أبعدها بخفة ودلف ببرود جمد الدماء بعروقها. كانت عيناه الصقريتين تأسر خاصتها في تواصل بدا أبدي بالنسبة لها. إزدردت لعابها بتوتر بليغ حتى أصدر صوتًا وهي تنفي برأسها كي يبتعد. ولكن ابتسامته كانت تتسع شيئًا فشيئًا حتى وصل وجلس جوارها ثم هتف بنبرةٍ خبيثة وهو ينظر إلى الضيف: "إيه دا معقول أختي هتتخطب من غير أما أتعزم! لأ زعلت يا كيان…" أردفت الوالدة بحسن نية وهي تدقق مليًا في هيئته الضخمة بهمجية تليق بتلك الحارات القديمة:

"بجد؟! كيان مقالتش إن ليها أخ تاني! نظر إليها لتنتفض بخوف. ثم عاود النظر إلى السيدة البسيطة أمامه وأردف بجمود: "شكل كيان بتنسى كتير الأيام دي، مدة بعدها عن بيتها هنا خلاها تنسى أخوها الروحي…" تنفست كيان بسرعة قبل أن تنهض قائلة بتلعثم: "أنا حاسة إني داخت، هروح الحمام، عن إذنكوا…" إختفت كيان بداخل الممر المؤدي إلى المرحاض لتضع يدها فوق المقبض. وقبل أن تحركها كانت يد غليظة تمنع خاصتها من فتح الباب وصوتًا

هامس جوار أذنها يهمس بمكر: "بنتي حبيبتي غلطت، لازم تتعاقب صح و لا إيه؟ لا وقت للخوف عليها مواجهته والآن. لذلك استدارت بقوة تداركها بابتسامة لعوبة. ثم هدرت كيان بغيظ: "أُستاذ قُتيبة أنا مش بنتك، مكنتش خلفتني و نستني…" إتسعت ابتسامته الشريرة وهو يقترب أكثر ثم هتف بنبرةٍ هادئة ولكنها عميقة وهو يتلاعب بخصلاتها الناعمة: "هي صحيح أمك اللي خلفتك الله يرحمها، بس أنا…"

صمت عن قصد ليودع جبينها قبلة تحمل مشاعر أبوية أكثر منها حميمية. ثم أكمل بصوت هامس: "أنا اللي ربيتك، فـ مش من حق حد ياخدك مني من غير إذني، اللي مش هتطوليه في حياتك يا كياني…" إنه محق هو من قام بتربيتها ولا يحق لأحد أخذها منه. حتى هي غير مسموح لها. على الرغم من راحتها لتواجده إلا أن ذلك الجزء النافر والكاره له تغلب عليها لتردف بعدائية:

"إمشي أنت ملكش مكان هنا، هتخطب لحد غيرك و هكون لحد غيرك، وهقول كمان بحبك لغيرك يا قُتيبة…" لم يسمح لها لتكمل بل كمم شفتيها الطرية ثم هتف بتهديد مخيف على الرغم من نعومة نبرته: "همحي شفايفك اللي مدوقتش طعم النوم بسببهم لمدة طويلة قبل ما حد يلمسهم، هما حقي…" ضغط بيده فوق شفتيها ودنى بخطورة دون أن يلمسها حقًا. ثم هسهس بحرارة:

"زي التُفاحة المُحرمة بالظبط، قُدامي ومش عارف ألمسك، فـ قوليلي كدا إزاي هسمح لحد غيري ياخدهم وياخدك مني…" تنفست بسرعة وأنفاسها الساخنة تضرب كفه. فتنقبض على شفتيها يتحكم في تلك الوحوش الجائعة والتي تريد أن تنقض عليها وتدمغها باسمك. إلتفتا على صوت حمحمة أنثوية رقيقة. فوجدا حوراء تقف على مسافة وقالت بتردد:

"قُتيبة أنت لازم تمشي حالًا، عُميّر غير قابل لسيطرة عليه وممكن يجي هنا، جدته هي اللي منعاه يجي هنا عشان متحصلش فضيحة قدام الضيوف…" رفع قُتيبة حاجبه ثم أردف وهو يحدق بحوراء وبثوبها الأزرق اللامع وكأنها تأنقت هي الأخرى استقبالًا لذلك السمج بالخارج: "مش دي اسمها خيانة برضو؟ إتشيكتِ أنتِ كمان! هو مش أحنا في نفس الفريق؟! تطلعت حوراء إلى كيان التي تناظرها بذهول بتوتر. ثم أردفت بتلعثم بعدما أيقنت أن كيان علمت ما خططا له:

"آآآ، دا اسمه تمويه يا أُستاذ قُتيبة…" قهقه قُتيبة بصوت عميق ثم أكمل تحديقه بها وقال بتلاعب: "بس لايق عليكِ يا بسكوتة." تمتمت حوراء بخجل: "مرسيه…" إتسعت عيني كيان بذهول قوي وهي ترى حديثهما الحميمي وتباسطهما معًا بل وثناءه على ثوبها وتحديقه المدقق بها. مما أثار غضب كيان فدفعته بصدره هادرة بصوت حاد: "كفاية عن نظراتك اللي بتعريها دي." غمزها بعبث ثم أردف بنبرة ماكرة: "نظراتي مبتعريش غيرك يا حبيبتي…"

صمت بـ خجل وهي لا تجد ما ترد به. فدنى قُتيبة وهمس بصوت أجش: "ياريت أعرف أخزق عينه الـ… اللي شافك وشاف حقي، اللي هاخده منك في بيتي…" إبتعد عنها وحدق بملامحها المشدوهة وعيناها المهتزة بعدم تركيز. فابتسم لتأثيره الذي لا يزال فعال عليها: "أُقسم بالله دي نهايتك يا ***…"

صرخت حوراء وهي ترى عُميّر قادم بملامح قاتمة. ملامح لم ترها من قبل ويمسك بيده سكين وهو ينوي قتل قُتيبة. لقد رأت رغبته بعينيه. اليوم أيقنت أن هناك دماء ستُراق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...