الفصل 6 | من 26 فصل

رواية أغلال لعنتهُ الفصل السادس 6 - بقلم اسراء علي

المشاهدات
18
كلمة
5,098
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

قفزت عن الفراش لتنهض واقفة على قدميها المرتعشتين ثم هدرت بصوتٍ قوي ولكنه خفيض: -أنت اتجننت يا قُتيبة؟ أجابها ببساطة وهدوء: -لأ لسه شوية… كادت كيان أن تخرج من غرفتها إلا أنها أحجمت جماح غضبها، لتتحرك بالغرفة ذهابًا وإيابًا قائلة بغضب: -أنت بتعمل إيه قدام العمارة؟ عاوز تفرج الجيران عليا! تنهد وأجاب ببساطة مغيظة ونبرةٍ هادئة أكثر إغاظة: -لأ مش واقف قدام العمارة، أنا واقف قدام بابك. همست بعدم فهم: -أنت إيه!!

رد بنفاذ صبر: -أقسم بالله لو مخرجتيش دلوقتي يا كيان لأكسر الباب وأسحبك زي البقرة من وسطهم وأحضنك واللي يحصل يحصل… فغرت فمها بذهول ودهشة لذلك التهديد وهي تعلم أنه قادر على فعلها، وضعت يدها على وجهها وهمست بنبرةٍ حادة: -أنت غبي وحيوان. قهقه قُتيبة وقال: -أنتِ لسه عارفة حالًا! افتحي يا كياني. ردت بصوتٍ أكثر حدة: -بلاش هزار تقيل شبه دمك وامشي يا قُتيبة. أردف بعناد:

-أنا حلفت خلاص، مش همشي يا كياني ولا أنتِ عاوزاني أصوم تلات أيام! زفرت بغضب قبل أن تتوجه إلى خزانتها تسحب وشاحًا تضعه فوق منامتها الضيقة وهي تتمتم بقنوط: -أنت غبي وأنا أغبى منك… فتحت باب غرفتها بهدوء وحدقت بالظلام المحيط بها تبحث عن أحدهم ولكن السكون هو ما كان يحيط بها لتزفر براحة ثم سارت على أطراف أصابعها حتى وصلت إلى باب الشقة.

سحبت أحد المفاتيح المعلقة بجوار الباب ثم فتحته بحذر وخرجت لتجد قُتيبة يجلس فوق درجات السلم ما يضيء الظلام حوله هو وهج لفافة التبغ، منكس الرأس وتشعر بانحناء ظهره. انقبض قلبها شفقةً عليه، لا يزال هذا الشخص يؤثر بها بزاوية عميقة من قلبها حتى وإن كانت تكرهه، أهي حقًا تكرهه أم هذا ما تحاول به إقناع قلبها؟ لولاه لما كانت قابعة أمامه تنعته بالقاتلة.

تنهدت بحرارة ثم توجهت إليه وهبطت درجتين حتى تقف أمامه وانتظرت حتى يتحدث ولكن لا شيء لتتأفف هي بضيق ثم هدرت بصوتٍ مكتوم: -أنا هنا أهو يا سيدي… رفع رأسه بتكاسل ثم ابتسم ببطء وأردف: -عارف، عارف إنك واقفة هنا من أول ما خرجتِ. رفعت حاجبها وتساءلت: -طيب، حضرتك عاوز إيه بقى؟ فاجأها برده: -أنتِ بتولعي النار في قلبي زي ما نار الحرب بتولع وأكتر…

ارتجف بدنها وتوقف قلبها لعدة ثوان، ولم تشعر بوهج عينيها الذي أضاء العتمة حولها، شعرت بالبرودة حولها لتشدد الوشاح حول جسدها وتحتضنه بقوة، ليُكمل هو راميًا اللفافة أسفل قدمها: -ديمًا كنت عايز أقولك كدا طول الفترة اللي كنت فيها في السجن، ولما خرجت كنتِ هربتِ، فمرضتش ألحقك وأدور عليكِ عشان عارف كويس أوي إنك هترجعي عشاني. همست بتحشرج: -بس أنا مرجعتش عشانك. رد ببساطة تقريرية:

-لأ رجعتِ عشاني، أنتِ بس اللي بتحاولي تقنعي نفسك بالعكس… صدمها رده ليس لسرعته ولكن لأنه حقيقة حديثه، تلون وجهها بالأحمر القاني ولكنها حمدت ربها على الظلام المحيط بهما، تلعثمت بالحديث لتصمت ثم عاودت الكلام بموضوعٍ آخر: -لسه مبطلتش تدخن! التدخين مضر على فكرة… ثم دهست اللفافة لتسمع قهقته الخافتة، ابتسمت كيان دون إرادة منها وتساءلت بجدية: -جيت هنا ليه يا قُتيبة! خفتت قهقهته وتلاشت ابتسامته لينظر إلى الأعلى ثم هتف بصوتٍ

قاتم: -زرت قبره… الصوت الذي أطبق على المكان كان خانقًا، ومقززًا. تنتابها قشعريرة مؤلمة حينما تتذكر ذلك اليوم أو حينما يأتي بسيرة والده ليُكمل حديثه متغاضيًا عن العاصفة التي ضربتها بمقتل: -مقدرتش أقرأ له الفاتحة، مقدرتش أسامحه، ومش بس بسببك لأ دا كمان بسببي… لا تعرف هل خرج صوت أنينها المذبوح أم صدى صوته المدوي بقلبها إلا أنها هتفت بارتعاش: -ينفع، ينفع تمشي! عشان خاطري…

نهض قُتيبة على حين غرة وأمسك بذراعيها دافعًا إياها إلى الحائط ثم هدر بنبرةٍ قاتلة على الرغم من الألم المحيط بهما: -عشان خاطري أنتِ حرريني من ذنبي، حرريني بيكِ يمكن ألاقي الراحة… تفاجأت بهجومه ولكنها ضربت صدره وهتفت بنبرةٍ متألمة: -ومين اللي يحررني من اليوم دا! أنا مدبوحة يا قُتيبة، أنا عاوزة أكتر منك أتحرر من اللي فات. وضع جبينه فوق جبينها وهتف: -أنا وأنتِ هنحرر بعض، وأنتِ عارفة دا كويس أوي. حاولت التملص منه قائلة:

-فوق يا قُتيبة، أنا معتش البنت المراهقة اللي كنت تعرفها، ولا أنت لسه الشاب الطايش اللي كنت أعرفه، إحنا اتغيرنا تمامًا، إحنا الاتنين مقيدين بعض بماضي بيقتلنا وبس. هتف صارخًا: -بس أنا متغيرتش، لسه زي ما أنا، وأنتِ لسه جوايا زي ما أنتِ… صمت فجأة وهي نظرت إليه بصدمة صامتة، وفجأة قهقه قُتيبة بشر ثم هدر وقبضته تشتد حول ذراعيها حتى تألمت: -أنتِ طلعتِ أنانية أوي يا كياني، عاوزة تهربي وتسبيني لوحدي!

همت بالحديث ولكنه لم يسمح بها حين تحولت نظرته إلى شيطانية ونبرته اشتدت بعنف قاتل: -بس لأ، أقسم بالله العظيم ما هيحصل، حتى لو اضطريت إني أخدك بأكتر طريقة ***، تتخيلها… تقافز الخوف من عينيها مرعبًا وتصاعدت ضربات قلبها بقساوة مؤلمة ليُكمل بـ ذات النبرة: -وأنتِ عارفة إني أعرف أعملها وأعمل أكتر من كدا، وأنا مش هصبر كتير يا كيان، مش هسيبك لغيري طالما فيا نفس. صرخت برعب: -كفاية تهديد، مش هتعرف تعمل حاجة.

-لأ أعرف، أقسم بالله أقتلك قبل ما حد ياخدك مني، أقسم بربي لأقتل أي حد يفكر يقرب من حقي… لم تستطع الرد ليودع جبينها قبلة أوشكت على قتلها من شدة حرارة المشاعر الموضوعة بها ثم أكمل بهمسٍ ناعم كالحرير ولكنه يحمل الشر بين طيات نعومته: -مش هسيبك يا كيان، مبقاش قُتيبة لو مخلتكيش ملكي، هتبقي في حضني غصبن عن عينك، هسرق نفسك اللي بتتنفسيه لو فكرتِ في حاجة غير كدا… ابتعد تاركًا إياها تسقط جالسة فوق الدرجات القديمة باكية بعنف.

******************** في صباح اليوم التالي: -فيه إيه يا نوح؟ أنت يا بني مش مركز بقالك يومين… سأل زميله وهو ينحني ليجمع أشلاء الطبق الثالث عشر، منذ اليوم الذي قابل به حوراء وهو يفقد عقله. يخرج أثناء مناوبته لعله يلمحها، كثيرًا ما يتهور ويتجه إلى منزل رب عمله ولكنه يتراجع بآخر اللحظات. يريد أن يراها وبشدة، لقد احتلت الكثير من تفكيره. تنهد نوح غير مجيبًا على صديقه الذي ابتسم بخبث وأردف: -طب قول مين هي؟

قطب نوح جبينه وتساءل بحذر: -مين إيه؟ -اللي سارقة قلبك وتفكيرك! غمغم نوح بخشونة: -مفيش حد سارق مني حاجة… نهض نوح وتبعه زميله بالعمل ليلقيا الأشلاء بسلة المهملات ثم أمسك ذراعه حينما هم بالابتعاد ليتوقف بتأفف وتساءل: -عاوز إيه يا مازن! مش واخد بالك إني بشتغل؟ -قول مين هي الأول! ذم شفتيه وقال: -قولت مفيش، وياريت تبطل بقى بدل أما أكسر مناخيرك اللي بتحشرها دي، متسمعش عن حاجة اسمها خصوصية!! ضحك مازن وأردف:

-طيب طيب خلاص متزعلش، كنت حابب أساعدك مش أكتر… ابتعد نوح عن مازن وجلس على إحدى الطاولات يتلاعب بمئزر زيه الرسمي، يتذكر تفاصيل الأعوام الماضية، كيف ترك بلده الأم وأتى إلى مصر مع والده المريض ليرعاه، ترك عائلته وأتى إلى هنا هاربًا من قيود فرضت عليه للمحافظة على أعمال العائلة. عاهدت نفسه أن يعمل بجد حتى يستطيع أن يكفل والده وتكاليف علاج والده بعمله البسيط والذي لا يتطلب شهادة جامعية حتى ينهي دراسته.

حتى ظهرت الجنية الصغيرة بحياته، لعبة صغيرة ولكنها فاتنة. تملك أعين لامعة بشقاوة تسلب القلوب، أرادها وأراد أن يعرفها أكثر، كل ما يعرفه أنها حوراء وفقط. نظر من الزجاج المطل على الخارج ليفقد قلبه صوابه حينما رآها تسير بشرود تنظر إلى الأرض، نهض سريعًا ودون تفكير ليتطلع حوله فلم يجد مازن. اندفع إلى الخارج. ولحق بها حتى وقف خلفها وناداها باشتقياق لعن نفسه لخروج نبرته بذلك الاشتياق: -حوراء!!!

رفعت حوراء نظرها سريعًا تبحث عمن يناديها حتى وجدته خلفها، جعدت جبينها بتذكر حتى أشرقت ابتسامتها فسرقت دقاته ثم أردفت: -نوح!! إزيك عامل إيه؟ أجاب مبتسمًا: -كويس، بقيت كويس جدًا، إزيك أنتِ؟ -أنا كمان كويسة… تأرجحت بوقفتها لا تجد ما تقوله ليضع هو يديه بجيبي بنطاله الخلفيين ثم تساءلت وعيناه تدور فوق ملامحها بلهفة: -على فين كدا الصبح بدري؟ أشارت إلى الشاطئ ثم قالت وهي تنظر إلى نوح: -هروح الشط شوية. -ينفع أجي معاكِ؟

نظرت إلى المقهى وقالت: -عميّر مش هيضايق! رد وهو يحك رأسه: -هقول لصاحبي ياخد الشيفت بتاعي… أومأت مبتسمة ليلوح لها مبتعدًا وقال بابتسامة متحمسة: -استنيني هنا، مش هتأخر عليكِ. -أوكيه براحتك… ركض نوح إلى داخل المقهى لينزع مئزره الأسود ثم ربت على كتف صديقه الذي تفاجئ به وقال: -خد الشيفت بتاعي وأنا هاخد بتاعك بالليل… لم يدعه ليرد بل ركض مسرعًا إلى الخارج تاركًا مازن مذهولًا. عاد إلى حيث تقف حوراء وأردف: -يلا بينا…

أومأت حوراء وسارت جواره في صمت. كانت هي تنظر أمامها أما هو فـ ينظر إليها بين الحين والآخر حتى استدارت فجأة وسألته: -أنت مش مصري صح؟ رفع نوح حاجبيه بدهشة قبل أن يبتسم ويجيبها بلباقة: -لأ مصري، بس والدتي من أصل تركي. -قولتيلي… اتسعت ابتسامته وتغضنت ملامحه بسعادة لم يذقها منذ سنوات ثم همهم بصوتٍ منخفض: -أه صح قولتيلي… وصلا إلى الشاطئ لتجلس حوراء فوق الرمال ويجاورها نوح ثم سألها: -أنا حاسس إنك زعلانة شوية!

مكنتيش كدا أول مرة شوفتك فيها. سألته بعفوية: -ينفع تكون صاحبي! لم يستطع السيطرة على الذهول الذي أصابه ولكنه أردف برزانة لا يمتلكها: -أكيد طبعًا. تنهدت وقالت: -أنا عملت غلطة، بس مش مقصودة. رد عليها بهدوء: -طيب مكنش مقصود ليه زعلانة بقى! نظرت إليه وقالت: -مكنتش عاوزة أعمل مشاكل، أنا عارفة إنهم متضايقين مني بس مش عاوزين يبينوا دا… وضعت وجنتها فوق قبضتها ثم نظرت إلى المياه، ليردف نوح وهو يحدق بخصلاتها المتطايرة:

-عشان هما عارفين إنه مكنش قصدك… رفعت رأسها فجأة والتفتت إليه ثم تساءلت بتفاجؤ وأمل: -بجد! خفق قلبه لتلك النظرة القططية التي ترمقه بها ثم أجاب وهو يحاول إخفاء انفعالاته: -بجد يا حوراء، أنتِ صغيرة وبريئة وكمان عفوية، وأكيد الكل كان عارف إنه مكنش قصدك. هتفت بامتنان: -شكرًا جدًا يا نوح. "يا ويل قلب نوح منكِ" تفوه بها مرة أخرى وهو يقر بداخله أن تلك الفتاة ستغير مجرى حياته بالكامل. أخرجته حوراء من تفكيره وهي تتساءل بفضول:

-أنت عارف مين هو قُتيبة! وتعرف إيه اللي حصل بينه وبين كيان أخت عُميّر؟ أجابها بتفاجؤ: -معرفش أنا لسه جاي من تلات سنين بس، بس سمعت من أهل الحي إن قُتيبة دا كان في السجن وخرج. همست بقنوط: -دا بس!! أومأ قائلًا بمرح: -حاولي متكونيش فضولية، لو محدش قالك حاجة يبقى محدش عاوز يقولك، دي حياتهم الشخصية والناس بتحب تحافظ على خصوصيتهم… ********************

طرقت والدته باب الغرفة ثم دلفت لتجدها غارقة بالظلام.. لتتأفف بضيق ثم دلفت وفتحت الستائر والنافذة ليهدر قُتيبة بانزعاج: -اقفلي الشباك، النهاردة إجازة… ثم رفع الغطاء فوق رأسه لتسحبه عنه ثم أردفت بقوة: -فيه حد مستنيك بره. فتح عينه اليسرى وتساءل: -مين؟ ردت ببرود: -معرفش، بيقول أنه يعرفك من أيام السجن…

رفع قُتيبة حاجبه بذهول ثم نهض بتفكير لعله يتذكر ذلك الشخص ولكنه لم يستطع التركيز، لذلك تنهد ونهض يرتدي كنزته الداخلية وفوقها دس كنزة شبه ثقيلة وخرج. توجه إلى الصالة ليجد ظهر هذا الشخص يواجهه.. مسح قُتيبة على خصلاته وتوجه إليه متسائلًا بخشونة: -أنت مين!؟ لم يرد الشخص على الفور بل أخذ وقته ثم نهض واستدار قائلًا بسخرية: -متمدنتش شوية يا بلطجي… اتسعت عينا قُتيبة قليلًا بانشداه ثم ابتسم وقال بمحبة: -أرسلان الهاشمي؟!!

تقدم قُتيبة وصافحه بحرارة وكذلك أرسلان الذي تساءل: -إيه الأخبار! وخرجت من السجن إمتى؟ -من فترة مش طويلة… أومأ أرسلان بخفوت ثم جلس وكذلك قُتيبة، وساد الصمت وكلاهما يحدق بالآخر حتى دلفت والدته تضع الشاي وبعض الكعك وخرجت دون حديث. التقط أرسلان كوب شايه بصمت فتأفف قُتيبة وأردف بنفاذ صبر: -أنا مش عايز أكون قليل الذوق، بس إيه اللي جابك هنا؟ ابتسم أرسلان شبه ابتسامة وقال:

-من يوم ما عرفتك وأنت وقح وقليل الذوق، بس ما علينا، عاوزك في موضوع مهم. تساءل قُتيبة بجدية: -وإيه هو الموضوع دا؟ وضع أرسلان كوب الشاي ثم نظر إلى قُتيبة باهتمام وقال بتمهل قاتل: -شغل، عشانك… الرد الأوحد الذي حصل عليه أرسلان كان رفعة حاجب قُتيبة دون أن تتغير ملامح وجهه فأكمل بهدوء دون أن يأبه: -قولتلي في مرة إنك خريج كلية هندسة، مش كدا؟ أجابه قُتيبة بجمود:

-آه، المرة اللي أنت مردتش عليا فيها، وأه متخرج من كلية هندسة قبل ما أدخل السجن على طول. -يعني!! صر قُتيبة على أسنانه وهتف: -يعني إيه مش فاهم؟ أجاب أرسلان ببساطة: -عاوزك تشتغل معايا… الآن رفع قُتيبة حاجبه الآخر وبدأت ملامح وجهه يُحلق حولها علامات الاستفهام بكثرة ثم هتف بعدم فهم: -أنا تخرجت من قسم الميكانيكا، هفيدك بإيه؟ أجاب أرسلان مجددًا ببساطة مغيظة: -بمجال قسمك. تساءل قُتيبة بنفاذ صبر: -خليك واضح أكتر معايا؟

أخرج أرسلان ملفًا صغير ثم وضعه أمام قُتيبة الذي كاد أن يفتحه ولكنه منعه قائلًا بجدية: -تقدر تقرأه بعدين، بس حاليًا أنا عاوزك تساعدني، هبدأ في بناء مصنع لماركة عربيات… اعتلت الدهشة ملامح قُتيبة أكثر وتساءل: -جبت التصريح منين؟ -مش شغلك، المهم إني جبت التصريح ودلوقتي عاوز مساعدتك، هتقدر ولا أشوف غيرك؟ تلكأ قُتيبة بالرد فحثه أرسلان ليتحدث وأردف بقوة: -اديني إجابة واضحة حالًا. تنهد قُتيبة وقال: -تمام، اتفقنا…

أومأ أرسلان برضا ثم نهض ليرحل ولكنه توقف وتساءل بنبرةٍ غريبة: -أنت عارف مين كبش الفدا بدالي؟ عقد قُتيبة حاجبيه وتساءل: -مين؟ همس أرسلان بقسوة: -اللي حطوه وانتُحل شخصيتي… فغر قُتيبة فمه وبعفوية وضع يده فوق الجرح الغائر الذي أصاب فخذه ليلفت ذلك أنظار أرسلان الذي غامت عيناه بتعبير قاتم قبل أن يجيبه الأول: -مفضلش كتير، قتلوه على طول. -اتكلم عنه شوية… جلس قُتيبة فوق الأريكة ونظر أمامه بشرود ثم هتف بصوتٍ بعيد ولكنه

يحمل نغمة قاسية بعض الشيء: -بعد هروبك من السجن، معداش ليلة ولاقوا بديل، فحبس جديد بعيد عن أي حد يعرف مين هو أرسلان الهاشمي، ولما اتخانقت مع حد في الحبس القديم نقلوني للجديد معاه… جلس أرسلان أمامه فأكمل قُتيبة وهو يتنهد بحرارة: -مكنش حد عارف إني أعرف مين هو أرسلان، واختصارًا لكلام كتير، الشاب كان في سنك واعترف إنهم هددوه عشان ينتحل شخصيتك. أشار أرسلان إلى إصابته وتساءل: -وأنت إيه اللي حصلك؟ أجاب بلامبالاة:

-لما حاولت أقول الحقيقة، هددوني وإضربت بالجرح دا كتحذير يعني، ولما رجعت من مستشفى السجن عرفت إن أرسلان الهاشمي مات واتشوه بـ أشار إليه أرسلان بألا يُكمل فصمت قُتيبة هو أيضًا لا يريد التذكر. نهض أرسلان ثم هتف بجمود قبل أن يرحل: -اللي حصلك بسببي، وأنا كدا بحاول أعوضك… أومأ قُتيبة دون حديث وبعد رحيل أرسلان ظل يحدق بتلك الأوراق دون أن يجد القدرة على فتحها. ******************** فتح أرسلان باب المنزل

وحدق بالهدوء ليهدر بقلق: -سديم؟؟ كان صوته هادرًا، الماضي لا يزال يشكل هاجس قوي، يخشى أن يخسر تلك السعادة الوليدة، لا يجب أن يخسرها إنها مكافأة القدر له. أتته سديم وعلى وجهها إمارات الفزع ثم تساءلت بخوف: -إيه في إيه يا أرسلان؟ صوتك كان عالي… اقترب أرسلان منها ثم حاوطها بقوة وهمس بصوتٍ حاد: -متعمليش كدا تاني. ربتت على ظهره وهتفت بغرابة: -أنا كنت فوق، أنت غريب، ليه بتعمل كدا؟ قبّل أرسلان جبينها وهتف بصوتٍ هادئ:

-متاخدش في بالك، فين أرسلان؟ -متعاقب. رفع أرسلان حاجبه وتساءل: -نعم؟ هتفت سديم: -متعاقب يا أرسلان ومش هيروح تمرين السباحة بتاعه… نزع أرسلان قميصه وألقى به فوق الأريكة ثم تساءل: -وليه كل دا؟ هتفت سديم بغضب حقيقي: -الأستاذ الصغير قرر يعاقب المستر بتاعه ويضربه بالسكينة اللي بتفتح بيها رسايلك، وتعرف ليه؟ بيدافع عن مراته المستقبلية…

ثوان مرت حتى تلقت أذنا أرسلان حديث سديم ويترجمه عقله لينفجر بعدها ضاحكًا بقوة غير قادرًا على التوقف، بينما سديم أمامه تفغر فمها بدهشة وهي تراه يضحك بتلك القوة. ماذا قالت ليضحك هكذا؟ جعدت جبينها بشراسة ثم هدرت من بين أسنانها: -أرسلان أنت بتضحك على إيه! دي مش حاجة تضحك على فكرة… استمر أرسلان بالضحك فتأففت سديم بغضب وتخطته متوجهة إلى المطبخ بينما هو يتبعها ثم أردف وهو ينزع قميصه: -بالعكس دي حاجة مضحكة جدًا.

استدارت سديم بشراسة وهتفت: -لأ دي حاجة خطيرة وخطيرة جدًا كمان، أنت مسمعتش اللي قولته؟ كانا قد دلفا المطبخ ووقفت أمام الخزانة تستمع إلى نبرته العابثة من خلفها: -سمعتك كويس جدًا، تحبِ أعيده تاني! رفعت سديم حاجبها بامتعاض فأردف بنبرةٍ ساخرة: -أرسلان خد السكينة بتاعتي عشان يضرب الأستاذ بتاعه اللي ضرب البت اللي ماشي معاها، اللي هو هيتجوزها… عقدت سديم ذراعيها أمام صدرها ولا تزال رافعة حاجبها بامتعاض ثم هتفت بنبرةٍ خطيرة:

-ودي حاجة تضحك يعني! أجاب أرسلان بهدوءٍ جاد: -هو لسه طفل يا سديم، متقلقيش مش هيبقى زيي… أجفلت سديم بصدمة فهي لم تكن تعني ذلك وهو يعي أنها كذلك، ولكن أراد طمأنتها إلا أنه أحزنها، لذلك تنهدت بحرارة واستدارت تحاول إخراج بعض الأطباق من الرف العلوي للخزانة ولكنها لم تنجح. شهقت بفزع وهي تجد نفسها ترفع من خصرها وصوت أرسلان يهتف بهدوءٍ مزعج: -هاتِ اللي أنتِ عاوزاه…

رغمًا عنها ابتسمت لتلك الذكرى التي مرت بعقلها في الكوخ الخشبي، الشاهد الوحيد على ميلاد عشقهم، جلبت ما تود ثم هتفت بابتسامة: -خلاص خلصت… لم يُنزلها أرسلان على الفور بل قبّل الجزء الظاهر من خصرها ثم أنزلها، لم يسمح لها بالاستدارة حيثُ حاصرها بين أحضانه واتكئ بذقنه على كتفها ثم هتف بصوتٍ خشن: -كنت عاوز أعملها في أول مرة كنا بالكوخ، فاكرة! شابكت سديم أصابعها خاصته وابتسمت بحنين ثم هتفت وهي تميل برأسها لرأسه:

-وإزاي أقدر أنسى؟ دا اللي فكرت فيه لما شلتني دلوقتي… قبّل أرسلان تجويف عنقها وتنهد بحرارة قاتلة جعلت سديم تعقد حاجبيها وتسدير إليه واضعة يدها على وجهه وهتفت باهتمام: -مالك؟ فيك حاجة متغيرة… حملق أرسلان بها طويلًا بصمت حتى كادت أن تعيد سؤالها ولكنه أجاب بنبرةٍ غريبة: -قابلت واحد من اللي كنت أعرفهم في السجن. همهمت باهتمام: -وبعدين؟ قست عيناه فجأة وأردف بصوتٍ غليظ: -حكالي كل حاجة عن اللي حطوه بدالي، ولاد الـ ***…

سافرت قشعريرة مخيفة على طول جسدها ولكنها لم تتحدث بل تركته يكمل: -واللي قابلته برضو هو كمان اتأذى بسببي، كل اللي دخل حياتي صابته اللعنة… ربتت سديم على وجنته وقالت بنبرةٍ هادئة ولكنها تبث الاطمئنان: -كل دا ماضي وأنت ليك حق تعيش، وبالنسبة للشخص اللي قابلته مظنش إنه بيحمل ذنبه، هو مش بيلومك. -مش محتاج يقولها. هتفت سديم بجدية: -كفاية تتوقع الأسوأ يا أرسلان، كل دا انتهى دلوقتي… ابتسمت وهي تجده قد زفر بعنف ثم تساءلت:

-طب وأنت روحت له دا ليه! أجاب: -محتاج أعوضه، دا دين له في رقبتي. قطبت جبينها وسألته: -ودا إزاي! -قبل ما أهرب كان بيحاول يهون عليا، الكلام وحاجات تانية، افتكرته وقولت أساعده، أساعده وأسدد دينه… لم ترد سديم بل ابتسمت وفقط، أرسلان وإن لم يُظهر مشاعره إلا أنه يتغير ببطء، لا يزال قاسي وغامض ولكن يكفي أنها تعلم أنه يحبها وأنه يحاول لأجلها. فمن أجلها تغير الشيطان… ******************** في مساء اليوم:

كانت كيان تجلس بفراشها تستمع إلى الأغنيات مع دندنة خفيفة وقد قررت المضي والحديث مع رشاد ولكن تلك الحوراء لا تسمح بذلك وعبارة واحدة تنخر أذنيها حتى الآن: -أنتِ مش بتحبي رشاد، ولو اتجوزتيه يبقى أنتِ بتخوني الاتنين… تلك الصغيرة لم تكن تعلم أنها تمتلك ذلك القدر من الحكمة ولكن حديثها صحيح فـ تعود وتتراجع عن قرارها وتقرر أنها ستتصل به لتعتذر.

هي لن تعود إلى قُتيبة ولكنها لن تخون من تتزوجه، حينما تتخطاه ستبدأ حياتها حتى وإن تقدمت بالعمر، قُتيبة جزء لا يتجزأ من ماضيها، الأسود. وعند ذكر الشيطان، انتفضت على صوت هاتفها حينما صدح بنغمته الصاخبة لترفعه وتنظر إلى رقم هاتفه الذي تحفظه عن ظهر قلب. تسارعت دقات قلبها وتركت الهاتف دون أن تجرؤ على الرد ليعود ويصدح من جديد ليصمت بعد مدة ويعود ويصدح دون ملل، تعلم إصراره وعناده، لن يصمت حتى ترد. لذلك رفعت هاتفها وأجابت

بتردد ليأتيها رده الساخر: -أقسمت بيني وبين نفسي لو مردتيش، هاجيلك، بس نجدتِ نفسك. سألته بنبرةٍ مرتعشة: -بتصل ليه؟ أتاها صوته: -عايز أتكلم معاكِ. هتفت بملل: -وأنا مش عاوزة أتكلم معاك… ساد الصمت قبل أن تسمع صوت ضحكاته العميقة ثم سمعت صوته وهو يهتف: -طب اطلعي من البلكونة نشوف بعض من غير كلام… انتفضت عن فراشها واتجهت إلى الشرفة تفتحها ثم هدرت وهي تخرج تنظر إلى الشارع الخالي من المارة عداه!!

-أنت بتعمل إيه هنا تاني يا قُتيبة؟ وضع يده في جيب بنطاله وأجاب بارتياح وهو ينظر إليها: -اللي بعمله ديمًا، جيت عشان أشوفك… صمتت وهي تبادله التحديق غير قادرة على الإشاحة بعيدًا وكيف ذلك وهي تشعر أن نظراته تخترقها كسهم مسمم فيُدمي روحها ويذكرها بمشاهد قديمة لهما معًا.

قُتيبة كان ولا يزال بروحها يقبض عليها بأفرع خضراء ولكنها ذات أشواك، تعتصرها فـ ينزف قلبها قبل جسدها، ذلك الأخرق أضاع من عمره ثلاثة أعوام من أجلها وهي كذبت لأجله، إن كانا لا يزالان عاشقين فالماضي سيظل حائل بينهما مخلفًا طعمًا مرًا كالعلقم. -مبترديش ليه يا كياني؟ تنهدت بتعب وقالت: -عايزني أرد عليك بإيه يا قُتيبة! طرقنا أنا وأنت معتش فيه بينهم مجال يتقابلوا…

اهتز بدنها وارتعش لإجابته والتي وصلها عبر موجات الهاتف هدير أنفاسه والذي بدا كعاصفة أحرقت جسدها بحرارة كلماته: -يبقى هكسر أي حاجة تمنع طرقنا تتلاقى ولو مفيش طرق، يبقى هخلق طرق جديدة وهجبرها تتلاقى يا كيان… تمسكت بحاجز الشرفة وتعالت أنفاسها ليُكمل وهو يشير إليها: -أنتِ ليا لوحدي، أنتِ كنتِ ملكي زمان ومش ناوي أتخلى عنك، مش هتخلي عن جزء مني… ارتعشت وسارت رجفة بجسدها لحديثه ثم قالت بصوتٍ مرتعش:

-كفاية، أرجوك كفاية أنت عارف إنه مستحيل نرجع زي ما كنا… هدر بصوتٍ قوي خشيت أن يسمعه جميع من في الحي فـ نظرت حولها تتأكد من خلو الشارع والشرف من أهل الحي: -لأ أنتِ اللي كفاية يا كيان، أنتِ عارفة كويس أوي إني مش هستسلم عنك. صرخت بصوتٍ خفيض: -لأ استسلم وريحني، استسلم وخلاص. صرخ هو بالمقابل: -وأنت ليه المفروض أستسلم! ليه عايزاني أستسلم!

أردفت بعدما تجمدت ملامحها بنبرةٍ ناحرة تعلم أنها ستقتله بما ستقول ولكنها تريده أن يستسلم هي وقُتيبة لا حاضر ولا مستقبل لهما معًا: -أنت قتلت أبوك قدام عيني، يبقى إزاي عايزني أثق في قاتل؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...