قضيت الكثير من وقتي، بل وقتي كله في محاولة ترميمها، ولكنها هي من هدمتني. وضع الأوراق فوق المكتب بعدما انتهى من قراءتها ثم وقعها، هاتفًا: "وصليهم لمستر وقاص، خليه يبص عليهم بصة أخيرة وتعالي تاني." أومأت الفتاة ثم رحلت بهدوء. ليضع عبيدة يده خلف رأسه وتراجع متأوهًا، يتأرجح بمقعده: "مذ أن تسلم منصبه الجديد وبدأ العمل يتزايد ويتراكم بطريقة مخيفة." ليبتسم وهو ينظر إلى أنحاء مكتبه الواسع: "هو ده اللي كنت عاوز أوصله!
طلعت غلطان، كل ما بتترقى كل ما الشغل يزيد على دماغك." سمع طرقات، ليعتدل بجلسته ثم حمحم يجلي حنجرته، قائلاً: "اتفضل." دلفت المساعدة الشخصية ثم وقفت بتهذيب وهتفت: "الآنسة ايفا هنا يا مستر عبيدة." قطب جبينه وتساءل: "إيه اللي جابها هنا؟ أشار إلى المساعدة وهتف بصرامة: "دخليها بسرعة." خرجت المساعدة لثوان ثم أتت ايفا، لينهض عبيدة بقلق ممسكًا بذراعيها، هاتفًا: "حصلك حاجة انتِ أو ماما؟ حركت رأسها نافية:
"متقلقش، محدش فينا حصله حاجة، إحنا كويسين." "اومال مالك؟ وشك عامل كدا ليه؟! ابتعدت ايفا عن مرمى ذراعيه ثم توجهت إلى الأريكة تجلس عليها، وهو تبعها صامتًا. ثم هتفت بنبرة مهتزة، على الرغم من طاقتها المضنية ليخرج صوتها عاديًا، غير متأثرًا بما حدث: "أنا انفصلت عنه." قطب عبيدة جبينه وسأل بعدم تركيز: "عن مين؟ شدت قبضتها وقالت: "هيكون مين! خطيبي."
ثانية مرت قبل أن تنحل تقطيبة عبيدة ويحل محلها ابتسامة واسعة مع انفراج أساريره التي أنبأتها مدى سعادته، ليقول مهللاً: "ألف مبروك والله، يا حبيبي ألف مبروك، ربنا نجاك منه." وجد أن عينيها تلمع أنذرته ببكاء سيحدث، فصمت وانتظرها تنفجر، ولكن لا شيء. كانت صامتة تبكي في صمت، منتظرة أن يلومها شقيقها على اختيارها الذي لطالما أبدى رفضه الصريح له. إلا أن عبيدة خيب آمالها حينما هتف بهدوء رزين غرضه مؤازرة شقيقته:
"زعلانة ليه يا ايفا! يا حبيبتي راح قرد يجي غزال، وبصراحة اللي راح كان قرد قرد، كان عاجبك فيه إيه! رفعت رأسها إليه سريعًا ثم سألته بذهول باكي: "مش هتلومني! مش هتقولي دا نتيجة اختيارك! ابتسم عبيدة ابتسامة خفيفة تملؤها عطف كبير، ليضع يده على كتفها جاذبًا إياها إليه ثم هتف بصوت خفيض محبب النبرة:
"مقدرش ألوم بنت ماشية ورا قلبها، كنتِ صريحة معايا ومرضيتيش تقعي في الغلط فجيتيلي واخترتي إنك متمشيش في الغلط وجه يتقدم، رغم رفضي الصريح ليه بس مقدرتش أزعلك." تنهد بصوت لم يصلها وهو يتذكر ما أن رآه، شاب طائش غير جدي بالمرة، يعلم أن شقيقته ستعاني منه، ولكن كلما نظر إليها وجد عينيها تتلألأ فخشى كسرها والأخطر أن يتركها لذلك الشاب، فاتخذ قراره أنه سيراقب ويتصيد له الأخطاء ولن يدع ايفا له أبدا، وسيتركها تعلم من هو الذي.
أمامه. بعد مدة أردف مكملًا: "ورغم كدا مكنتش هسيبك تتجوزيه نهائي، هو كان طمعان يا ايفا وانتِ قلبك عماكِ عن الحقيقة دي، بس أبوكِ الله يرحمه وصاني عليكِ فواجبي أدعمك في كل خطوة وأحميكِ حتى لو ده عكس رغبتي، بس عمري ما كنت هسيبك ليه أبدا ولا هزعلك." أمسك ذقنها ورفع رأسها إليه ماسحًا عبراتها ثم أكمل مبتسمًا: "وكويس إنها جت منك أنتِ، أنتِ الكسبانة يا حبيبتي أوعي تزعلي عليه." مسحت وجنتها بظهر يدها وقالت:
"مش زعلانة عليه، أنا زعلانة على نفسي، إزاي كنت غبية ومعمية كدا." هتف عبيدة موضحًا: "ما قولنا الحب بيعمي عن العيوب، وانتِ زيك زي أي ست ماشية بفطرة الحب والمشاعر عكس الراجل." تنهدت ايفا صامتة تنظر إلى الأمام، بينما هو في داخله يحمد الله أنها تركته، لقد كان ذلك الحمل يجثم على قلبه. وبعد قليل قال عبيدة مداعبًا: "أنا خلصت شغل، تيجي نعدي على أمك ونروح ناكل بره ونتفسح! بقالنا زمان معملنهاش! قالت ايفا بتعب:
"مش قادرة والله، بلاش النهاردة." نهض عبيدة وجذب يدها قائلًا بنبرة مشاغبة وابتسامة جميلة تزين ملامح وجهه التي تشبه والدهم إلى حد كبير: "محدش قالك إني أنا الكبير وهتسمعي كلامي! يلا بلاش دلع." ضحكت ايفا بخفوت وأومأت ليجذبها إليه أكثر، وحينما كانا على وشك الخروج، سمعا طرقًا وبعدها دخول، تلك العدوة التي يكرهها عبيدة كثيرًا، تمشي بثقة وكبر واضحين تجعلاه يريد ضرب رأسها بالحائط، إلا أنه آثر تمالك أعصابه.
حولت ايزل أنظارها بين عبيدة وايفا برفعة حاجب تدل على الاستنكار ثم قالت ببرود صقيعي: "سوري، مكنتش أعرف إني بقاطع وقت خاص." رد عليها عبيدة بتهكم مغيظ: "واديكِ عرفتِ، يلا اتفضلي بعد إذنك." ولكنها لم تهتز حينما أردفت بنفس برودها: "مش جاية حب تطفل، بس مستر وقاص طلب مني موافقتك انت على الميزانية دي."
ثم مدت يدها بالأوراق، ليلتقطها هو حادقًا ايزل بنظرات ضيق ثم إلى الأوراق ورفع حاجبه، تلك الأمور لا تستدعي موافقته من الأساس، فيكفي أن يوافق وقاص عليها، ولكنه يفهم خطته جيدًا، وقاص يريد إصلاح سوء الفهم بينهما عن طريق تلك الأمور، ولكن صديقه لا يعلم أنه يكرهها هي لشخصها وليس لأنها أخذت منصبًا كان يستحقه. إلا أنه لم يظهر ذلك بل ترك ايفا وأخذ القلم ووقع ثم أعطاها الأوراق قائلًا متقمصًا برودها:
"كان ممكن تبعتي أي حد، مش لازم انتِ." هتفت بنبرة عادية: "كنت مع وقاص في المكتب وطلب مني كمدير مش كحد قريبي." تعمدت رفع الألقاب التي كانت تضعها حينما تواجه عبيدة معها مستخدمًا "أنتِ" لذلك أرادت ردها بهدوء وهو فهم ما ترمي إليه، فابتسم وعاود محاوطة شقيقته وقال بنزق: "بعد إذنك عشان عطلتينا." ابتسمت ايفا بتوتر لتلك الأجواء الباردة التي جعلت جسدها يقشعر، ولكن ايزل لم تبادلها الابتسامة، فادار وجهها بعيدًا تكتم ضحكتها
حينما أردف عبيدة بوقاحة: "متنسيش تقفلي باب المكتب وراكِ وانتِ خارجة." كان يريد استفزازها تلك الوقحة، ولكن ايزل كانت هادئة لدرجة تثير الغضب، فتبعت خروجه دون أن تغلق الباب قائلة وهي تمر جوارهما: "شغل أطفال في الشركة! مكنتش متوقعة إن وقاص بيختار بيبهات مش ناس ناضجة." وعبيدة لم يرد إلا أنها قد استفزت ايفا التي كادت أن ترد ولكن شقيقها منعها قائلًا بنبرة جامدة: "سيبك منها، دي عندها مرض غريب اسمه الوقاحة ملوش علاج."
هتفت ايفا: "مستفزة، مستحملها إزاي! ابتسم عبيدة من زاوية فمه وقال: "نفسي طويل." الحرب ليست على أشدها، والممتع بها أنها حرب باردة، فهو يجيد الربح في تلك المعارك ويبدو الخسارة من نصيبها. *** أنهت حوراء من صنع شطائر خفيفة واتجهت إلى غرفة كيان التي رفضت تناول الإفطار بل ورفضت الخروج من غرفتها، وظن الجميع أنها مريضة، عداها فهي تعلم ما حدث أمس، وبالطبع الأمر له علاقة وثيقة بقدوم قتيبة أسفل شرفتها.
طرقت الباب وانتظرت حتى أتى صوت كيان تقول بصوت مبحوح يدل على مدة طويلة قضتها في البكاء: "قولت مش جعانة." أجابتها حوراء: "مش جاية عشان تاكلي، عاوزة أطمن عليكي." أتاها صوت كيان: "أنا كويسة يا حوراء، امشي." تنهدت حوراء وأعادت في رأسها ما أعدته قبلًا لكي لا تخطئ، فقالت بأول جملة: "مش همشي إلا لما تفتحي، يا إما هروح لجدو وأعرفه كل حاجة."
كانت حوراء تستعد لرد كيان عليها وتعد إجابتها مسبقًا، إلا أنها ذُهلت حينما فتحت الباب وسألتها بنفس النبرة المبحوحة وأنف أحمر ناهيك عن تورم جفنيها: "تقوليله على إيه! وبعدين أنتِ قولتِ مش جاية عشان الأكل! دفعتها حوراء بمرفقها لتدخل ثم قالت وهي تضع الشطائر فوق الفراش وجلست جوار الطعام: "الأكل عشاني مش عشانك، ودلوقتي تعالي نتكلم."
تأففت كيان ثم أغلقت الباب واقتربت تجلس جوار حوراء، تضم ركبتيها إلى صدرها، فتساءلت حوراء وهي تلتقط شطيرة دون أن تأكل منها: "قوليلي بقى، قتيبة كان هنا امبارح ليه! وإيه اللي حصل خلاكِ تعيطي كدا! نظرت إليها كيان مذهولة وسألت: "عرفتِ منين!! أكلت من الشطيرة ثم قالت بفخر وهي تبتلع ما في فمها: "شوفتوا تحت أوضتك وأنقذتك من عمير." "نعم!! أومأت حوراء برأسها ثم مدت يدها بالشطيرة لكيان التي أخذتها دون وعي وقالت:
"كان معدي صدفة وأنا واقفة في بلكونة الصالة، وأنا اللي منعته يشوفك." أومأت كيان هذه المرة ثم قضمت الشطيرة دون وعي أيضًا، فابتسمت حوراء التي ضربت كتف الجالسة بجوارها وهتفت متسائلة: "ها إيه اللي حصل! تنهدت كيان وقالت بشرود: "زي كل مرة، اتخانقنا."
تنهدت حوراء بحزن، كلاهما يجرحان الآخر ولكنهما لا يستطيعان التخلي عن بعضهما، تستطيع كيان التخلي عنه وتركه نهائيًا ولكنها تأبى تركه، إنها تحبه وبشدة، ورشاد لم يكن سوى سبيل ضعيف لتوهم نفسها أن قتيبة قد كان ماضيًا وولى، وتلك الحمقاء لا تعلم أنه ماضيها وحاضرها ومستقبلها، أو ربما تعرف وتأبى الاعتراف، وفي كلتا الحالتين هناك ما يمنعها من التقدم نحوه وفضولها! ستستمع إلى نصيحة نوح ولا تسأل، فانتظرت كيان لتبوح بما يجیش بداخلها.
تركت كيان الشطيرة ثم مالت برأسها ووضعتها فوق ركبتيها وهتفت بنبرة بائسة: "بس أنا جرحته المرة دي، قولت حاجة مكنش ينفع أقولها." سألتها حوراء بهدوء: "كان قصدك ولا غصب عنك! هبطت عبرة خائنة: "مكنش قصدي، كنت عاوزاه ييأس مني، مش عاوزاه يحط أمل على وهم." ربتت حوراء على ظهرها وصمتت تنتظر كيان لتكمل، ولكنها آثرت البكاء في صمت، لتقول هي: "وهو فعلًا وهم يا كيان ولا أنتِ بتحاولي تقنعي نفسك! هتفت شاردة بحديث أمس:
"مش عارفة، بس اللي أعرفه." رفعت رأسها ومسحت وجهها المتورم ثم هتفت مكملة: "إني بكرهه، بس مش عايزاه يكرهني." رفعت حوراء حاجبها وقالت باستنكار: "بس دي أنانية." ردت كيان مؤكدة: "عارفة، بس مش عارفة أعمل غير كدا." حدقت بها حوراء مذهولة ولكنها لم تعقب، بل خطر على بالها سؤال كان يجب أن تسأله لها من قبل: "وأنتِ فعلًا بتكرهيه!
وكأن سؤال حوراء صدمها فجعلها تفغر فمها والصدمة ترتسم على وجهها، وسؤالها يطوف داخل ثنايا عقلها، هل تكره قتيبة حقًا؟ أم تكره ما حدث ذلك اليوم؟ تكره أن يكون هو قاتل أبيه، مشاعرها في فوضى تامة، تارة تكره نفسها لمَ أصابه بسببها وتارة تكرهه لأنه لطخ يده بالدماء، وتارة لا تكره أحدهما بل تكره الظروف التي وضعتهما في خانة الكره. أغلقت فمها ولم ترد، فقط اكتفت بالتحقيق الفارغ بحوراء التي قالت بشبه ابتسامة:
"مش محتاجة تجاوبي يا كيان، الإجابة أنتِ عارفاها." عاودت وضع رأسها على ركبتيها وأدارت وجهها بعيدًا عن حوراء وأجابت بهمس لم يصل حتى إلى أذنها: "يمكن." مسحت حوراء على ظهرها ووضعت رأسها عليه ثم قالت بنبرة هامسة ولكنها جدية: "بس اللي أعرفه يا كيان إنك متسمحيش لقتيبة إنه يكرهك." لم ترد كيان، فأكملت حوراء حديثها: "ولازم تعوضيه على اللي قلتيه." همست كيان متسائلة: "تفتكري." ابتسمت حوراء: "جدًا." *** الخطأ الخامس؟
لا ربما السادس أو السابع، لا يدري فقد توقف عن العد، ولكن هذا يفوق الحد الذي يتوقعه، لذلك ترك آدم ما في يده ثم اتجه إلى حيث قتيبة وقال بهدوء وهو يأخذ ما في يده: "الغلطات دي هتودينا في داهية، سيب اللي في إيدك واستريح." ولكن قتيبة لم يمتثل لما يقوله آدم وقبض على الآلة هاتفًا بصوت قاتم جعل صديقه يتراجع بدهشة: "متشدش حاجة من إيدي كدا تاني عشان متزعلش."
تفاجأ آدم من هجومية صديقه، فقد كان أمس في حالة جيدة، أما اليوم فكأن أحدهم قد آذاه بشدة، قتيبة قلما أظهر غضبه واستياءه على الرغم من أنه سريع الغضب، ولكن كان يستطيع السيطرة عليه. أما ما يراه الآن فما حدث قد نال منه وبشدة، لذلك آثر آدم تركه وعاد إلى عمله الأول وهو يراقب قتيبة عن كثب، وما توصل إليه أن كيان هي سبب تلك الحالة. تنهد وبدأ عمله من جديد ثم سأله بغية تغيير الحديث وإبعاد تفكير قتيبة عما حدث:
"عملت إيه في الكلام اللي قالك عليه زميلك في السجن ده! تأخر قتيبة في الرد حتى ظن آدم أنه لن يرد عليه، فتنهد بحرارة وصمت مكملًا عمله حتى آتاه صوت صديقه بعد مدة طويلة جعلته ينسى ما سأله من الأساس: "لسه مردتش عليه، يومين وهرد." أخذ آدم برهة حتى فهم عما يتحدث عنه قتيبة ثم هتف وهو يتحدث بحماس زائف: "كويس، خير يا عم متبقاش تنسانا."
لم يجاره قتيبة في الحديث بل سبحت أفكاره في ذلك الوادي الذي يكرهه، أمس وكلمتها له "قاتل" تردد صداها في أذنيه وكانت كوقع سوط عليه، لم يظن أنها ستنطق بما اقترفته يده لأجلها، بل لأجله أولًا ثم لأجلها، لقد سئم وكره حياته وكيف يعيش، والده كان غير سوي النفس، كان كريه قاتم القلب كما كانت ملامحه تمامًا.
لم يكن يتحدث معه بل كانت يده هي ما تفعل، لقد عاش طفولة بائسة، كره المنزل وكره البقاء فيه، والدته كان يرى به آثار التعنيف كل يوم وكان ينال هو الآخر نصيبه عند عودته من المدرسة.
حاول والده كثيرًا ليجعله يترك تعليمه ولكن رفض رفضًا تامًا، فكان عقاب والده له أن يعمل ويدر عليه بالمال لعله يزهد ويفشل في تعليمه، إلا أن قتيبة خذله، فعمل وتعلم ونجح، وكان من الممكن أن يصبح مهندسًا ذا شأن، إلا أن ذلك اليوم حال بينه وبين مستقبل باهر كان ينتظره.
والمضحك بالأمر أنه لم يندم بل شعر وكأنه تحرر، وكأنه ذاق الحرية أخيرًا بعد سنوات من الأذى الجسدي والنفسي، بعد أشياء كثيرة وجد فيه موت والده الخلاص، فكيف لها أن تنعته بالقاتل؟ لن ينسى ذلك المشهد وهو يقتحم الغرفة ووالده كان يجثم فوقها ممزقًا ثيابها، فلم يتمالك نفسه، كان ذلك المشهد القشة التي قصمت ظهر البعير والفتيل الذي أشعل شياطينه ليقتله.
ذلك اليوم أراد إخباره عن تخرجه بتقدير عال وسيبحث عن عمل يليق به ليستطيع العيش معها ويتزوجها كما خططا من قبل. "عودة إلى وقت سابق" جأر قتيبة بصوت عال ولم يدع المجال لشاهين أن يلتف بل انقض عليه وطعنه طعنة نافذة في ظهره، كانت وكأنها طعنة الخلاص، وحينما التفت والده رأى وجه قتيبة الأسود بنيران اشتعلت وكان هو السبب في اشتعالها. صدمة ثم بصقة دماء تناثرت على وجه كيان قبل أن يقول بصوت متهدج: "كنت عارف إنك هتعملها في يوم."
وقع على الفراش وقتيبة يحدق به بنظرات سوداء شديدة الظلمة، فضحك شاهين ببطء وقال ساخرًا: "بس مكنتش أعرف إنك هتعملها عشان خاطر واحدة." وانقطعت أنفاسه، وانقطاعها كان بمثابة إشارة انطلاق ليتحرر قتيبة، ولكن حينما نظر إلى عيني تلك الملقاة فوق الفراش تضم كنزتها الممزقة، كانت تحدجه بخوف وكره، كان مزيج قاتل ما بين الرعب وعدم التصديق، وكأنها رأت قتيبة آخر عمن كانت تعرفه.
هنا وعلم أن تلك الطفلة التي تربت على يده قد كرهته ورأت نفسه المشوه. وهو ظل كلاهما يحدقان بالآخر حتى تجمع الجيران على صوت صرخة قتيبة وجاءت الشرطة وانتهى مستقبل حلم ببناءه معها. "عودة إلى الوقت الحالي" جملته التي سمعها فقط هو وحده قبل أن تنقطع أنفاسه: "لقد جعلت منك مسخًا ستتذكرني ما دمت حيًا، سأعذب روحك حتى بعد مماتي." وكان محقًا، إنه مسخ ولا يزال يتذكره وهذا ما يكرهه.
جأر قتيبة وهو يلقي آلة حديدية بقوة بالأرض ثم ركلها بعيدًا واستحالت ملامحه إلى سوداء قاتمة بشدة، وعلى إثر تلك الصرخة القوية التي برزت لها عروق نحره التفت آدم مصعوقًا واقترب من صديقه سريعًا وأمسك به قائلًا بصوت جهوري قلق: "مالك يا قتيبة اهدى هتودي نفسك في داهية." حاول قتيبة التملص من آدم ولكن لم يستطع، فـ هو الآخر قد بنى جسدًا قويًا في السجن ليحكم الطوق حوله، ثم قام بعرقلته ليسقط أرضًا وهو معه ثم هتف بنبرة
عالية لجعل قتيبة يفيق: "اهدى يا بني، اهدى وبلاش جنان أنت في الشغل." يحمد الله أن آلات المصانع بالخارج تعمل بصوت عال جدًا، فلم يسمعه أحد، وذلك الذي بين يديه لا يهدأ، رغم أن آدم يمسكه بقوة، ولكن قتيبة كانت به قوة غريبة كأنه ممسوس. كاد أن يمسك قطعة حديدية ويضربه بها، ولكن خشي أن يقتله بها، فتركه يخرج ما به والقلق يعتريه على صديقه وخوفًا أن يدخل أحدهم ويراهما على هذه الحالة فيتسبب بطردهما معًا.
بعد أن مضى وقت بدأ قتيبة يهدأ وحالته تعود، فقط لأن قواه قد خارت، وآدم لا يزال ممسكًا به لم يتركه، ثم سأله بحذر: "قتيبة أنت كويس! جاءه صوت قتيبة أسود، مخيف على الرغم من خفوته: "سبني." إلا أن آدم رفض، فقال وهو يحرك رأسه نفيًا بإصرار: "مش هسيبك غير لما ترد عليا." زفر قتيبة وأومأ على مضض، فأردف آدم بعناد البغال: "اسمعك بتقولها." هتف بجمود: "هكسر إيدك لو مسبتنيش."
هنا وتأكد آدم أن صديقه عاد ليتركه ببطء، فنهض قتيبة منتفضًا وأخذ آلة العمل وعاد إلى عمله من جديد، فـ أمسكه آدم من كتفه وقال بهدوء: "خد باقي اليوم أجازة، شكلك تعبان." دفع قتيبة يده وقال: "لأ، وابعد عني." زم آدم فمه ولكن لم ييأس، فقرر سؤاله والحذر لم يفارقه: "الحالة دي بسبب كيان!
عندما التفت إليه قتيبة شهق آدم من نظرته له، كانت وكأن الشياطين تلبسته فجعلت من ملامحه أشد سوادًا ورعبًا، فتراجع إلا أن الأوان قد فات، فقبض عليه ثم لكمه بقوة طرحته أرضًا ثم جأر بصوت أشد سوادًا وقتامة: "ابعد عني السعااادي ومتجبش سيرتها." لم يدع له المجال حتى ليومئ، فقد قذف قتيبة الآلة بالقرب منه ثم ترك الغرفة التي يعملان بها ورحل مغلفًا وراءه أجواء عكرة ومخيفة كملامحه منذ قليل. ***
بعد يوم طويل من العمل عاد إلى المنزل مرهقًا، وخاصة حينما فاجأته ايزل بغضبها، ايزل تغضب؟ وكان سبب الغضب بالطبع عبيدة. ضحك وقاص، كلاهما لا يطيقان بعضهما البعض وكأنهما عدوان حقًا، تنهد وصعد إلى المنزل، وقبل أن يفتح الباب وصلته رسالة نصية من هيثم، فترك مفاتيحه وجلس على الدرج وابتسامته تتسع. أجرى اتصالًا مع هيثم الذي أجاب عليه دون أن يلقي التحية مازحًا: "والله لولا معزتك عندي مكنتش وافقت على الطلب ده." قهقه وقاص وقال:
"عارف، بس استحمل بقى." سمع صوت ضحكات هيثم من الجانب الآخر وانتظره حتى هتف متسائلاً: "إشمعنى كنانة يعني! فيه موظفين أحسن منها." أجاب وقاص بمراوغة: "كنانة ذكية وسهل أتعامل معاها، وكدا كدا هتاخد المساعدة بتاعتي." سأله هيثم: "ذكية وسريعة؟ أنت واخد أحسن موظفة عندي." هتف بخبث: "مش كان فيه موظفين أحسن منها! صمت هيثم قليلًا ثم قال بصراحة جعلت وقاص يصمت هو الآخر بعد حديث الآخر:
"كنانة مش أحسن موظفة من حيث المكانة، بس هي بتعمل شغلها كويس وبتعمل كل اللي بينطلب منها، والأهم من كدا إنها مبتعملش مشاكل ولا ليها علاقات تبوظ الشغل." ساد الصمت من جهة وقاص الذي ابتسم وقال بعد لحظات: "كويس إنها ملهاش علاقات، مش عاوزها تقولي بعد مدة هسيب الشغل عشان هتجوز." هتف هيثم سريعًا: "هي مش كدا أبدًا." قطب واص جبينه بتعجب ثم سأل بشك يتمنى أن يكون ظنه في غير محله: "شكلك تعرفها جدًا صح! ضحك هيثم وقال:
"كنت معجب بيها قبل ما أمسك الشركة مكان والدي، بس هي رفضت وقالتلي إنها مانعة العلاقات في الشغل." تقطيبة صغيرة تدل على انزعاج لا يعلم مصدره هي كل ما ظهر عليه، ليصمت ويستمع إلى المتبقي من حديث هيثم: "رغم إني حاولت كتير بس كانت بترفض، فاستسلمت وبعدين أقلمت مشاعري على كدا، يمكن لما تروح عندك تبقى فرصة كويسة إنها تغير رأيها."
صر وقاص على أسنانه ولم يرد، بل آثر الصمت على لا يخرج صوته بعدائية غير مبررة كما هي حالته الآن، لِمَ الغضب! ليردف بعد قليل باقتضاب: "أنا هقفل عشان مشغول حاليًا، نتكلم بعدين، سلام." لم ينتظر وقاص رده بل أغلق الهاتف ونهض ليفتح الباب ويدخل المنزل، تاركًا الذي على الجهة الأخرى ينظر إلى الهاتف بتعجب. حينما دخل وقاص المنزل وجد والدته تجلس في انتظاره، ليبتسم هو مقتربًا منها على حين غفلة ثم عانقها قائلًا:
"وحشتيني يا ست الحبايب." صرخت والدته بفزع ثم وضعت يدها على قلبها قائلة بلوم: "بسم الله الرحمن الرحيم، خضتني يا وقاص." قهقه وتناسى السؤال الذي يحوم في عقله ليستدير حول الأريكة وجلس جوار والدته وسألها مازحًا: "اللي واخد عقلك عني! بتفكري في مين! ضربت كتفه وقالت: "وأنا هفكر في مين غيركم يعني!! رفع وقاص رأسه وقبّل جبين والدته ثم قال بابتسامة حانية وصادقة: "ربنا يخليكِ لينا يا ست الكل."
ربتت على يده وحل الوجوم على وجهها من جديد، ليُمسك يدها ويسألها باهتمام: "قوليلي إيه اللي شاغلك! نظرت إليه والدته وهمت بالحديث ولكنها لم تجد ما تقوله، فأغلقت فمها مجددًا، ليحثها وقاص على الحديث قائلًا بصوت جاد: "متفكريش كتير، خير! عضت شفتيها السفلى وقالت بتردد: "الموضوع يخص أخوك." اعتدل وقاص في جلسته واستدار إليها ثم سأل باهتمام وجدية أكبر: "خير ماله! حد عمله حاجة!
تنهدت وبعد صراع طويل مع نفسها قبل مجيئه تُخبره أم لا، فحسمت ذلك الصراع بإخباره لتقول بصوت خفيض: "هو اللي عمل يا وقاص." هتف بنفاد صبر: "طب ما تقولي بدل التوتر ده." أومأت والدته وقصت عليه ما رأته وما حدث، لتجد وقاص معالمه قد وجمت وصمت ينظر إلى الأمام دون حديث أو رد فعل واضح، لتهتف والدته بتوتر: "بالله عليك ما تعمل حاجة يا وقاص، أنا معرفتش أعمل إيه ولو كلمت عمامك بدل ما يتصرفوا هيقطموا فيك ويقتلوا أخوك." تساءل
وقاص بنبرة غير مفهومة: "ومحكتيش من زمان ليه يا أمي! أجابت بتهدج: "أنت هتعمل إيه ولا إيه! وخوفت يحصل بينك وبين أخوك حاجة." حك وقاص جبينه بإعياء ثم هتف قائلًا بصوت جاد وثقيل: "مين اللي باقي ليكوا بعد بابا الله يرحمه! ردت والدته سريعًا وهي تربت عليه: "أنت يا حبيبي طبعًا بعد ربنا، ربنا ما يحرمنا منك." ليقول بصرامة: "يبقى أي حاجة تحصل في البيت ده مسئولة مني مش من حد تاني، وبالنسبة لأسعد أنا هتصرف." هم وقاص لينهض لتُمسك
والدته بيده قائلة برجاء: "بالله عليك ما تعمله حاجة." ربت على يدها وقال بمعالم غير مقروءة: "متقلقيش يا ست الكل، خشي أوضتك وأنا هتصرف معاه." ترددت والدته وفتحت فمها تنوي الحديث إلا أنه قال بصرامة دون أن ينظر لها: "قومي خشي أوضتك يا ماما ومتخافيش يلا."
أومأت ونهضت تدخل غرفتها، وهو توجه إلى غرفة شقيقه وقبل أن يدخل، أحنى رأسه وحركها بنفي وكأنه خُذل أو ربما كان التقصير منه، إلا أنه فتح الباب على حين غرة ليجد أسعد يجلس وكأنه في انتظاره، وما أن فتح حتى نهض وعلى وجهه ملامح الخوف. *** هنا أول مكان التقاها به، وهنا أول مرة يعترف بحبه لها، وهنا أخبرها أنه ينوي زواجها، وهنا تعاهدا معًا، ولكن كل ذلك أصبح سرابًا، سرابًا لا يراه سوى في أحلامه، حتى أحلامه تحولت إلى كابوس مخيف.
لا طفولة ولا صبا ولا شباب، لقد خسر كل شيء، حتى هي خسرها، ولكن لا ينوي التخلي عنها كما لم يتخل عن حلمه في التعليم، لن يتركها تنسل من بين أصابعه وتصبح سرابًا كطفولته. هنا كان يهرب حينما يصاب والده بنوبة جنون فيُطيح بمن أمامه، في ذات يوم كان والده قد تناول تلك العقاقير المخدرة وفقد السيطرة على نفسه، فضرب والدته وضربه، كان طفلًا يبلغ من العمر ست سنوات فقط، ضرب بحزام وترك أثرًا على جسده.
وهذه المرة هرب من براثن أبيه وخرج إلى البحر، لن ينسى ذلك اليوم فقد كان يبكي بشدة ويعتقد أنها آخر مرة بكى بها، هرب إلى الشاطئ وجلس فوق الرمال يبكي بقوة كطفل تائه لا يجد والديه ولا أحد يعلم أنه يتمنى ألا يجده والده. حينها التقى جد كيان، ذلك الرجل الوحيد الذي يعرف معاناته وكم عانى هو ووالدته من عنف لم يجد من ينجدهما منه، جلس جواره وربت على ظهره، في البداية خاف وابتعد، إلا أن ذلك العجوز ابتسم وقال:
"متخافش يا حبيبي، أنت تايه! أومأ الصبي بلا، فرأى العجوز آثار التعنيف على جسده فصمت مشفقًا عليه، ليجلس جواره وحاوره كثيرًا ثم داوى جراحه بما يملك، لينهض قتيبة ماسحًا وجهه قائلًا: "شكرًا." العجوز عليه بابتسامة طيبة: "العفو، تحب تيجي معايا! ظهرت علامات الخوف والرفض على وجه قتيبة وقال نافيًا: "لأ، هيموتني لو حد عرف." "هو مين! أجاب بقنوط: "بابا."
ويندم أنه أطلق عليه والده، لك يكره في حياته أحد كما كره ذلك الشخص، لقد عذبه في حياته وأيضًا يعذبه في موته، ألن ينتهي هذا الكابوس! يريد العيش، يريد أن يخرج من تلك الحلقة المفرغة، لم يصبح مثله ولكن ترك بداخله أثرًا لن يندمل ما حيا أبدًا. أمسك حصى صغيرة وألقى بها بالماء ثم رمى بجسده إلى الخلف ليرتمي فوق الرمال الباردة، الوقت قد بدأ في الغروب وهو ترك العمل دون حرف، يبدو أن اليوم كان آخر يوم له بالعمل.
أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا برقم قد ترك له حتى آتاه الصوت من الجهة الأخرى: "وصلت لقرار! أجاب قتيبة بوضوح: "آه." نظر إلى امتداد البحر حيث تلتقي المياه بالسماء وقال: "موافق." "حلو، تعالى بكرة نتفق." ثم أغلق الهاتف ونظر مجددًا إلى حيث ما كان ينظر، التقاء السماء بالبحر، متى سيلتقي بها كما يلتقي هذين المستحيلان! "مش عايز أكرهك، لأ أنا خايف أكرهك يا كيان."
مسح على خصلاته وشدها بقوة وأمسك حفنة من الرمال ورفع يده ثم تركها لتسقط وعاود قائلًا وكأنه يذكر نفسه بألا يكرهها: "خايف أكرهك." وهي من بعيد تقف لتراه جالسًا، كانت تشعر بما يشعر به، صراع ووحدة تستطيع التنبؤ بهما من جلسته، لطالما كان قتيبة أيسر لغز تستطيع فهمه وأصعب لغز لا يستطيع أحد فهمه، بينهما ليس ماضٍ فقط، بل حياة شاركتها معه، عرفتها به، أول من أمسك يدها وعرف كيف تضحك معه.
أول من نطقت اسمه فشعرت أنها وحدها من تملكه ولا أحد غيرها، قتيبة كان الأب والحبيب، أول حبيب وآخرهم، حتى وإن لم تكن معه فهو الحقيقة الوحيدة في حياتها، الحقيقة الوحيدة التي تعرفها ولا شيء غيره. تقدمت منه تنوي الاعتذار عما قالت، تعلم أنها قد جرحته بقوة، لا تعرف ما مدى توتر علاقته مع أبيه، ولكن طوال مدة تواجدهما معًا لم يذكر اسم والده أو يخبرها بشيء عنه، وهذا يدل على أن قتيبة يكره والده. فركت يدها وتقدمت حتى وقفت
خلفه وسمعت عبارته الأخيرة: "خايف أكرهك." كادت أن تشهق من فرط صدمتها، هذا أكثر ما تخشاه، لا تريده أن يكرهها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!