"إن كنت أنت أبليس، فأنا حواء التي أخرجت آدم من الجنة."
_نظر لساعة الحائط، قبيل أن يمسك هاتفه كي يتصل بها، فقد تأخرت على غير عادتها، ولم يصاحبها أيٌّا من الحرس الموكلين بحمايتها، وهذا أيقظ الدافع الغريزي للخوف عليها. كاد يتصل بها، لولا صوت سيارتها التي مرقت البوابة الحديدية القديمة، فأسند الهاتف على ساقيه، والتفت بالمقعد كي يغادر غرفة المعيشة، ويخرج لاستقبالها. رأته يُقبل عليها، فأحنت نظراتها عنه، كي يتيقن من وجود أمرٍ ما قد يزعجه، فسألها مباشرة:
-نضال كان مستعجل عشان يشوفك ليه يا سُلاف؟ ذمّت شفتيها بشيء من الضيق، ثم أجابته بصراحة مطلقة: -كان بيعرفني إن حمزة ناوي يعترف بيا وبزين. اتسعت عينا "مصطفى" قليلًا، تحفزت حواسه، وكأن الدماء تدفقت في عروقه لتزيد من سخونة جسده، بالطبع تفهم بأي اتجاه يفكر "حمزة"، وخمن بناء على ذلك: -عايز ياخدكم بصفة شرعية؟! .. ويعمل اللي يحلاله فيكي بعدها. أومأت "سُلاف" برأسها مؤكدة صحة تخمينه العشوائي، فانفعل "مصطفى" رافضًا فكرة كتلك:
-مستحيل، مش هيحصل أبدًا، أنا مش هستعملكم طعم عشان أجيب ابن القرشي وأبوه. تركت "سُلاف" حقيبتها على المنضدة، ثم دنت منه، انحنت حتى أصبحت قرفصاء أمامه، واستندت على ساقيه وهي تتحدث بهدوءٍ متعمد: -اسمعني يا عمي، أنا هقولك نفس الكلمة اللي قولتها لنضال، أنا آ... قاطع حديثها غير راغبًا في سماعه: -مش عايز أسمع، إحنا هنكمل خطتنا زي ما هي، لكن يوم واحد تعيشي فيه جنب اللعين ده مش هيحصل. -هيحصل.
قالتها بإصرارٍ، وكأنها قد قطعت تذكرة الذهاب إليه، ولا عودة من ذلك. حدجها "مصطفى" مستنكرًا، وقبل أن يصيح بانفعاله كانت تتابع حديثها: -أنا مش هكون لوحدي هناك. صدح صوته عاليًا وهو يعقب على ذلك: -ودي المصيبة، إنك مش لوحدك. ففسرت له حقيقة مقصدها: -أنا ما أقصدش زين، أنت عمرك ما هتسيبني لوحدي هناك. تغضن جبينه بدون فهم، ولم يصل عقله بعد لما تلمح له بغموضٍ شديد: -قصدك إيه؟ تبسمت تلك البسمة الماكرة، التي تلوح على ثغرها كلما
تعلق الأمر بشأن عدوها: -هفهمك يا عمي. **************************************
كان الأمر غاية في الصعوبة، تخطي أزمة ثقيلة كتلك، ناهيك عن الفضيحة التي استمرت لأيام ولم تخمد نتائجها، كل ذلك كان له تأثيره السلبي عليها، حتى إنها حبست نفسها بالمنزل ولم ترَ أو تقابل جنس بشر، حتى لا تواجه نظرات الشفقة أو حتى الشماتة في أعين الجميع. عبرت "ميان" بوابة النادي الرياضي بسيارتها، صفّتها بالمكان المخصص لسيارات الأعضاء، وتوجهت بعدها للأماكن المخصصة للسيدات من أجل أعمال
(الساونا، الجاكوزي، حمام البخار، مساج، عناية بالبشرة والجسم) . علها تتلقى بعض من الاسترخاء النفسي الذي افتقدته الفترة الماضية، بعدما كانت عروسًا تُزفّ لحبيبها، وانتهى بها الحال لذلك الوضع المهين. استقبلتها مسؤولة المكان بترحيبٍ شديد، دون أن توضح لها الفضول الذي ملأ صدرها فيما يخص تلك الحكاية التي شاعت مؤخرًا: -أهلًا وسهلًا أهلًا، نورتي المركز يا ميان هانم.. اتفضلي. نظرت حولها بنظراتٍ باحثة، قبل أن تخفض صوتها قائلة:
-بس خلي بالك، أسما القرشي هنا من الصبح. تصنعت "ميان" عدم الاكتراث بتفصيلة كتلك، بأسلوبٍ بدا حازمًا بعض الشيء: -دي حاجة ما تخصنيش، وياريت تخليكي في شغلك. مضت لتعبر الباب الزجاجي، فإذا بها تُصادف "أسما" أمامها بالفعل، أشرق وجه الأخيرة، كونها استطاعت أخيرًا أن تراها، كان استقبالها لها حافلًا –على غير عادتها الفاترة -وحشتيني جدًا يا ميان، بتصل بيكي تليفونك مقفول على طول.
انعكست الآية، الآن "ميان" هي التي تقابل تحيتها بفتورٍ وجمود، حتى إنه يشوبه بعض من التكبر المتعمد: -أهلًا يا طنط، sorry.. رقمي غيرته. مسحت "أسما" على شعرها وهي تحاول استدراجها بالحديث: -المهم أخبارك إيه؟ -بخير.. عن إذنك. قالتها بإيجاز ملحوظ، فاستوقفتها "أسما" وقد اضطربت ملامحها: -أنا لسه بتكلم معاكي يا ميان! تنهدت "ميان" وقد تفهمت رغبة الأخيرة وما تسعى إليه، لذلك قطعت عليها طريقها وفسرت علنًا لها:
-ما بقاش في كلام ينفع يتقال بينا يا طنط، أنا عارفة عايزة تقولي إيه.. للأسف كلامك كله مش هيكون له معنى بالنسبة لي خالص، لو عايزة تتوسطي لحمزة عشان بابا ما يعملش معاه حاجة فده موضوع خرج من إيدي، وياريت ما نتقابلش تاني ولا حتى صدفة.
قالت عباراتها واحدة تلو الأخرى، دون وجود أي هدنة بينهما، بعدها انسحبت لتنصرف من أمامها نهائيًا، وقد جمدت "أسما" في مكانها. بعدما كانت هي المتسلطة التي لا تقوى "ميان" على صدّ كلمتها أو الوقوف أمام رغبتها، أصبحت الآن كالهواء الشفاف، لا تراها "ميان" ولا تسمعها. نظرت "أسما" من حولها فلم تجد أحد من حولهم، فازدردت ريقها، على الأقل لم يشهد أيهم على تلك الإهانة غير المباشرة لها، وسحبت نفسها لتغادر بعجالةٍ، قبل أن تواجهها مرة أخرى، أو يراها أحد بحالتها تلك.
*************************************** أطالت النظر في صورتها الواضحة، بأحد المنشورات الداعمة لها على مواقع التواصل الاجتماعي، كونها إحدى ضحايا الذئاب البشرية –كما روّج البعض -. تنهدت بحيرةٍ وهي تُعيد قراءة السطور مرات ومرات، ثم عادت تتأمل ملامحها مجددًا بدون أدنى فائدة، وفي النهاية تركت الهاتف على سطح المكتب وهتفت بانزعاج: -مش قادرة أفتكر شوفتها فين قبل كده! .. ده أنا ذاكرتي حديد إزاي مش فاكرة حاجة زي دي؟
دخل "نضال" عليها المكتب وهي تتحدث إلى نفسها بذلك الشكل المريب، قطب جبينه مذهولًا من حالتها، وسألها بفضولٍ: -في إيه يا رضوى! .. بتكلمي نفسك ليه على الصبح!؟ تهدلت أكتافها وهي تعاود النظر باتجاه الهاتف المُلقى أمامها: -بحاول أفتكر شوفتها فين قبل كده، أنا هتجنن يا نضال! نفخ "نضال" وقد نفذ صبره من محاولاتها المتكررة والبائسة، وحاول جاهدًا أن يُصرف عقلها عن البحث حول "سُلاف": -مش فاهم حاجة زي دي هتفيدك بإيه!
.. ما تركزي في الشغل المتكوم علينا بسبب الأحداث اللي حصلت، مش عايزين حمزة يرجع المكتب يعمل شغلانة على الفاضي. نهضت "رضوى" عن مكتبها وسارت نحوه وهي تسأل: -مستر حمزة بقاله يومين مش بييجي رغم إنه خرج!! .. ما تعرفش في إيه؟ وكأنه لم يجد مُتنفسًا غيرها، كي يصب عليها غضبه المكتوم، والذي فشل في ردعه لأكثر من ذلك: -يـــــوه!! .. ده ما بقاش مكان شغل ده! .. زهقتيني بفضولك يا رضـوى، زهـقت.
رمشت عيناها عدة مرات متتالية بفزعٍ متفاجئ، لأول مرة تراه بهذه الحالة المنفعلة، بل كان دائم الثبات الانفعالي والهدوء، لا يغضب إلا لأمرٍ شديد الخطورة، وهذا ما كان يُميزه. سرت رعشة في أوصالها وقد لمعت عيناها ببريقٍ متأثر، تكاد الدموع تُغرق وجنتيها الآن. لحظة واحدة كانت كفيلة لأن يشعر "نضال" بأنه تجاوز حدّه معها، وصبّ عليها ما لم تكن تستحقه، فلملم شتاته الممتعض سريعًا، كي يتدارك الأمر في لحظته، أجفل عيناه بتحرجٍ
منها وقدم اعتذاراته: -أنا آسـف، حقك عليا.. بس أنا جاي من برا مش طايق نفسي. تحكمت في ضعفها اللحظي أمامه، وبدت قوية متماسكة وهي تصيح في وجهه: -أنت ما تزعقليش تاني، أنا ما عملتش حاجة! .. ومش هتكلم معاك تاني خالص.. اخرج بقى من مكتبي. تجاهل طردها المباشر له، وأصرف أنظاره عنها وهو يقترب من مكتبها: -هعتبر نفسي ما سمعتش حاجة. حاولت أن تبدو جادة أمامه، بينما داخلها قد غفر له –كعادتها -نضال أنا مش بهزر.
تحدث بـ لا مبالاة كعادته، وقد عاد لوضعيته الهادئة كأن شيئًا لم يكن، بل إنه تعمّد إصراف عقلها عما حدث منذ لحظات: -أنا ما فطرتش، شوفي لي ساندويتش من ساندويتشاتك. جلست على مكتبها وسحبت الحقيبة خاصتها وهي تعرض عليه: -تاكل جبنة رومي ولا جبنة شيدر؟ مطّ شفتيه يفكر، لم تروق له الاختيارات كثيرًا، لكنه بقي مجبرًا على واحدٍ منهم: -خلينا في الشيدر بقى. ناولته شطيرة طازجة بالجبن، وعيناها الصافية تعاتبه على صنيعه معها: -اتفضل.
أحس بتلك النظرات وكأنها وخزات تُزعجه، فأبعد عيناه عنها وقد فهم الخطأ الذي ارتكبه: -خلاص يا رضوى خلصنا، مش هتهنى على اللقمة ولا إيه! -مش هتتهنى لأ، قوم معايا يا أفندي. كان صوت "حمزة" مفاجأة لكلاهما، هبّ "نضال" واقفًا، غير متوقعٍ حضوره اليوم، في ظل إنه أبلغه بالأمس بالعكس تمامًا، فدفعه ذلك لسؤاله: -إيه اللي جابك! .. قصدي قلت مش جاي! أشهر "حمزة" ذلك الظرف بيده، وعلى وجهه تعابيرُ متجهمة، أفادت بوقوع أمرٍ جديد:
-الأخبار الزفت هي اللي جابتني. واستبقه بالخروج، ثم الذهاب باتجاه مكتبه، فترك "نضال" طعامه وهو يرمقها ساخطًا: -أكيد ما كنتيش راضية وأنتِ بتديني الساندويتش. أوصد "نضال" الباب عليهما، وسأله بفضول وقد ملأت علامات الاستفهام وجهه: -إيه اللي حصل يا حمزة؟ أخبار إيه اللي بتكلم عنها. قذف حمزة بالظرف على المكتب وهو يفسر بكلمة واحدة: -رفعت القضية والصبح وصلتني العريضة بتاعتها. سحب نضال الظرف وهو يعقب على ذلك:
-حاجة كنا متوقعينها.. وأنت قلت جاهز للرد. جلس حمزة على الأريكة، رفع ساقه، ووضعها على المنضدة المقابلة، عقله سيُجن من فرط التفكير، الأمر ليس عاديًا، لقد استحوذت على كامل عقله ومداركه وتفكيره بشكل هيستيري. مسح حمزة بسبابته على شفته السفلى، وأردف بصوت هادئ بعض الشيء: -البت دي في حد وراها، في حد ساندها! ترك نضال الأوراق جانبًا، واقترب منه ليجلس بالقرب وهو يسأله بتفحص لخبايا عقله دون إثارة ريبته:
-تفتكر واحدة من اللي رميتهم في الشارع هي اللي دبرت كل ده! نفى حمزة فكرة كتلك نهائيًا، ولم يفسر نفسه بشكل كامل: -لأ، دي مش قوة واحدة لوحدها، دي كأنها تنظيم متخطط له كويس أوي. أنزل حمزة ساقه وانتصب في جلسته وهو يتساءل بتحير: -بس ليه؟ .. إيه اللي ممكن يدفع واحدة إنها تشهر بنفسها وبسمعتها وتبقى على لسان مصر كلها إلا لو وراها حاجة مرعبة!! وقف عن جلسته وهو يتابع: -تيجي تحت إيدي بس وأنا هحل الباقي.. بدل شغل أضرب وأجري ده.
نهض نضال ووقف جواره، وبعقلانية شديدة حاول أن يصرف عقله عن تلك الأفكار الشيطانية التي يرتب لها: -أنا مش معاك في الفكرة دي.. إحنا ناس نفهم في القانون وممكن ندوخها ورانا وأنت عارف ده كويس، ليه نلجأ لطرق زي دي هترجعنا لنقطة الصفر، أنت مش مدرك إنها قبل كل ده خدت عليك تعهد بعدم التعرض! برزت بادرة انفعال على تعابيره الحانقة، واعترف بدهائها فيما يخص تلك الخطوة الجريئة: -هي عارفة كويس إني مش هحل رقبتها (يتركها)
عشان كده خدت الخطوة دي.. بس مش هتفرق معايا. زفر نضال بقنوط، فهو على يقين بأن كل تلك المحاولات لن تُجدي نفعًا، طالما إنه وضع الأمر برأسه، لكنه رغم ذلك حبذ أن تكون هناك فرصة أخيرة: -طب والطفل اللي بينكم والتحاليل أثبتت إنه ابنك!! .. مش عايز تفكر فيه! كأن عيناه غرقت في السواد من فرط غموضها، وانعقد حاجبيه مستهجنًا الأمر برمته: -بس متقولش كلمة ابنك دي!!
.. ابني مش هييجي من واحدة قضيت معاها ليلة وأنا سكران، أنا عمري ما هعترف بيه ولو جابت لي 100 تحليل. كيف له أن كظم هذا الغضب الذي سيطر على روحه وعقله في آن، لا يعلم. لقد نجى من فضح أمره بأعجوبة، حينما تجاوز –مرغمًا –ذلك الحديث الذي مسها. وفي لحظة واحدة كان حمزة ينتقل بالحديث لمكان آخر: -بمناسبة التحاليل، لازم تعرف البت دي وصلت لأصل التحليل منين! .. ولو المعمل هو السبب أنا هخرب بيتهم.
كان يتأهب للمغادرة، فاستوقفه نضال متسائلًا: -إيه ده أنت ماشي دلوقتي!! تعجل في خطاه نحو الباب، وهو يجيبه بإيجاز: -آه، هحاول أشوف ميان. وترك المكتب تمامًا. أخرج نضال هاتفه، كتب رسالة نصية وأرسلها، ثم مسح سجلات الرسائل النصية بالكامل من الهاتف، قبل أن يعيده في جيب بنطاله من جديد، ويخرج من هنا. **************************************
كان عالقًا بالزحام المروري مجددًا، حينما نزع نظارة الشمس عن وجهه، وقد آلمته عظمة أنفه التي ما زالت متأثرة بإصابتها، رغم أن تلك الندوب والآثار قد زال أغلبها، إلا أن بعض العلامات ما زالت باقية. ألقى بالنظارة جانبه ونظر عبر مرآة السيارة على أنفه، فضمر لها سوءًا مضعفًا، حين مر أمام عينه كيف قضمت أنفه وكأنها وجبة وليست أنف بشرية. تمتم بسباب خافت، حتى وجد باب السيارة ينفتح، وهي تقتحم المقعد الأمامي المجاور له كي تستقر عليه، لحظات قصيرة جدًا من الصدمة، قطعها صوته وهو
يبتسم بخبث بين في وجهها: -ده أنتِ مرقباني بقى! تجاهلت تعقيبه قائلة: -أبقى أقفل أبواب العربية أحسن يطلع عليك حرامية. زجرها بنظرة مستحكرة وهو ينعتها بشكل متواري: -مفيش حد هيطلع أسوأ منك. ضغط على زر إغلاق الأبواب، فأوصدها بالكامل، وحتى النوافذ الزجاجية كانت مغلقة، ثم ابتسم بسمة ماكرة وهو يسألها: -مين هيرحمك مني المرة دي؟ استنكرت تفكيره البدائي، وكأنه لم يتعامل معها قط، ولم يكتشف إنها دائمًا تضع الخطة البديلة:
-يوه يا حمزة، مش معقول تكون لحد دلوقتي لسه مذاكرتش الدرس كويس. تغضن جبينه وكأنه خمن مقصدها، بينما كانت تتابع هي: -أنا ما طلبتش غير إنك تعترف بابنك وياخد حقوقه منك، مش ده القانون؟ بدا كمن يسخر منها، وهو يؤكد على صحة ما قالته: -طبعًا هعترف بيه وبيكِ. أطبقت قبضته على فكها السفلي، وقرب وجهها منه بعنف مؤلم، وهو يتابع حديثه من بين أسنانه: -مش أنتِ كمان تبقي مراتي حبيبتي وليكِ حقوق وواجبات!!
ملامحها عن قرب، حفزت حواسه لتذكر مشهد لم يمر عليه كثير من الوقت، تلك العينان القاتمتان الواسعتان رآهما، وهذه الملامح ليست غريبة عليه بالمرة، كأنه الأمس القريب، حدق فيها وهي تُجبر محياها على الابتسام، متعمدة استثارة جنونه الذي بات على حافة الهاوية، حتى وصل عقله للمكان والزمان المنشود في ذاكرته… (عودة بالوقت للسابق)
التفت حمزة برأسه ينظر، إلام تحدق هي بعيناها وكل هذا الذهول يعتريها، حتى صدمه رؤية تلك الغريبة، ففتح زجاج السيارة على الفور، ونظراته المستهجنة تتردد على وجهها وهو يصيح فيها: -أنتِ عبيطة ولا بتستعبطي!! -أديني أي حاجة يا بيه. رمقها شزرًا، وأشار لها باحتقار ليقول: -غوري من قدامي أنتِ عكرتي مزاجي، وإياكِ إيدك تلمس الأزاز مرة تانية.
صافرة انفتاح الإشارة كانت بمثابة طوق النجاة لهم، فأغلق حمزة زجاج السيارة وشرع يقتاد سيارته بعجل بعدما فسد مزاجه كليًا، وعيناه تنظر إليها عبر المرآة الجانبية، حيث ظلت في محلها دون حراك، وبشكل متصلب جعله يرتاب بشأنها، لكنه تجاهل التفكير بالأمر، بعدما تجاوز الأمر -حسب ظنه (عودة للوقت الحالي) اتسعت عيناه عن آخرها، وتخضبت بشرته بشيء من الحمرة الغاضبة، وهو يصيح في وجهها بغتة: -الإشارة!! .. أنتِ البنت الشحاتة بتاعة الإشارة!
نجحت في تخليص فكها الموجوع من يده، ودفعت ذراعه عنها وهي تضحك ملء شدقيها، استرخى ظهرها على المقعد وهي تنظر أمامها بثبات مهلك، وسخرت منه قائلة: -هو ده اللي عرفت تفتكره! انفتحت الإشارة، وركضت السيارات من أمامه أخيرًا، فأدار سيارته بتعجل، ومضى يسابق السيارات من حوله بسرعة مخيفة، وقد اهتاج جسده وأعصابه وعقله، وانتوى التخلص من جذور الأمر نهائيًا: -دلوقتي هنفتكر كل حاجة.. مع بعض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!