الفصل 21 | من 90 فصل

رواية اغصان الزيتون الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ياسمين عادل

المشاهدات
24
كلمة
3,582
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

خرجت “سُلاف” من دورة المياه إثر صوت هاتفها الذي أزعجها بجلبته. تناولته وكادت ترد على مكالمة “عِبيد”، لولا أن الباب انفتح بغتةً على مصرعيه، فاستدارت تنظر للجرئ الذي اقتحم غرفتها، لترى “أسما” تقف بشموخٍ وترميها بنظراتٍ ماكرة. ومن خلفها دلف الطبيب ومساعديه من الممرضات. تسلل إليها الشعور بالخطر، لا سيما هذه النظرات التي تسلطت كلها عليها، كأنها المقصودة بتلك الزيارة المباغتة. سرت رجفة في أوصالها، منعت ظهورها

إليهم وهي تتسائل بثبات: –خير ياحماتي! مين اللي جايباهم وراكي دول؟ ابتسمت “أسما” من زاوية شفتها، وهي ترنو إليها باحتقارٍ وهي تقول: –كل خير. همت إحداهن لإغلاق زجاج الشرفة المفتوح عن آخره، حينما كان الطبيب يردف بـ: –محتاج أفحصك بشكل روتيني.. اتفضلي ارتاحي. وأشار نحو الفراش وهو يختم عبارته. تركت “سُلاف” هاتفها على طرف الطاولة فسقط رغمًا عنها، ليؤدي ذلك إلى إغلاقه نهائيًا، وبدت له مرتاحة مطمئنة رغم كل مشاعر الذعر

التي تعيشها من الداخل: –فحص من أي نوع؟ فتناوبت “أسما” الرد بحزم نيابة عن الطبيب: –كشف نسا يا حبيبتي. توهجت عينا “سُلاف”، وتضرج وجهها بحمرة منفعلة وهي تهتف بـ: –مش هيحصل، ده على جثتي. فأشارت “أسما” للممرضات وهي تقول: –يبقى على جثتك.

فجأة تطوعت الممرضات يدًا بيد من أجل تجهيزها للكشف الدقيق عليها، فكبّلن حركتها من اليمين واليسار، وسحبناها نحو الفراش بقوة فشلت وحدها في ردعها. كل ذلك وهي لم تصدر صرخة واحدة أو تبدي بوادر دفاعية لمنع ما سيحدث لها، مما سهل طمأنينتهم ودفعهم للارتخاء.

وقف “مؤنس” على رأس الممرضات بعدما فتح حقيبته الخاصة ووضعها على الكومود، حينما كشفت إحداهن عن بطنها أولًا وبدأت بنزع حزام الخصر الرفيع حتى تتمكن من نزع البنطال. لاحظ “مؤنس” ذلك الجرح بأسفل البطن وبمنطقة الرحم تحديدًا، وقد بدا عليه الحداثة، فانحنى قليلًا ومد يده ليتفقده متسائلًا: –حضرتك ولدتي امتى؟ فأجابت بصوت مرتخي، تاركة نفسها تمامًا لهم: –ولدت قيصري من أربع شهور.

تأكد من شكله إنه جرح ولادة قيصرية بالفعل تمت منذ أشهر قليلة، فنظر باتجاه “أسما” كمن يبلغها بشيء ما، وقبل أن ينتقل بنفسه للخطوة التالية كان صوت الرصاصة التي اصطدمت بالباب يهز قلوب الجميع، فانتفضت “أسما” وهي تردف بـ: –إيه ده!

وهرعت بالخروج من الغرفة مغلقة الباب من خلفها. حينئذٍ كانت “سُلاف” قد استخدمت ساقها لضرب الطبيب ضربة في قلب معدته، جعلته يصرخ متألمًا من شدة ضربتها. وسرعان ما غرست أصابعها بشعر واحدة منهن واجتذبت رأسها لتدفنها بالفراش، حينما حاولت الأخرى بأقصى قوة لديها لتكتيف حركتها، فشددت قبضتها على تلك الأسيرة بين أصابعها، وصرخت فيها قائلة: –قولي لصاحبتك تسيبني وإلا هخلع شعرك في إيدي. فصرخت الأخيرة بتألم: –سيبيها.

اضطرت لتركها مؤقتًا لإنقاذ زميلتها، بينما جاهد الطبيب لمقاومة حركاتها الهائجة وهي ما زالت مطروحة على الفراش، فثبت ساقيها على الفراش تاركًا ثقله عليها ليتحكم فيها، وهتف بصوت مرتفع: –أهدي شوية ومتخلنيش أضطر أعاملك بشكل مش هيعجبك أبدًا.

لحظة واحدة فاصلة، وكان “عِبيد” يفتح الباب على مصرعيه، ومع رؤيته لذلك المشهد المخزي كانت الدماء تجري في عروقه من فرط الغضب. فرفع سلاحه بوجه الطبيب الذي ابتعد عنها مذعورًا، ورفع يداه عاليًا وهو يبرئ نفسه: –أهدى يا أستاذ مش كده، مفيش حاجة حصلت!

وكذلك الممرضات اللاتي ابتعدن عنها وقد تملكهن الذعر، فغطت “سُلاف” ما تعرى من جسدها، تاركة الأمر كله لـ “عِبيد”، والذي سيقوم بواجبه على أكمل وجه. أفسح “عِبيد” الطريق أمامهم ليمروا من الباب، وعيناه مطلقة شررًا ممتعضًا عليهم: –أخرجوا برا، ومحدش ياخد شنط معاه.. انفدوا بجلدكم أحسن.

كلا الممرضتين انسحبتا غير مصدقتين أن النجاة من هنا قد كتبت لهن، ركضن كمن يجري حيوان شرس من خلفهن. أما الطبيب فمد يده نحو حقيبته، فكانت رصاصة “عِبيد” أسبق إلى الحقيبة منه، فخدشت إبهامه ومرت، ليصرخ “مؤنس” صراخًا موجوعًا وهو يضم يده المصابة لصدره، فزجره “عِبيد” بنظرة شامتة وهو يعيد على مسامعه: –أنا قولت محدش هياخد حاجة معاه.. إنت إيه؟ أطـرش؟

غرق وجه “مؤنس” في عرقه، ولم ينتظر ثانية واحدة إلا وهو يركض من هنا ليستأثر بعمره ولا ي فنيه هباءًا، بعد أن أيقن بصدق وعيد ذلك المجنون. ركض فرارًا من المنزل كله، حتى لم يبحث عن “أسما”، والتي تسببت في مجيئه إلى هنا وتكليفه بتلك المهمة اللعينة، وذهب بلا عودة. راقب “عِبيد” مغادرته حتى تأكد منها، ثم أسرع يدخل إليها بعدما أعاد السلاح إلى خاصرته. لم تكن موجودة على الفراش، فتصوبت عيناه نحو دورة المياه، وخطى نحوها وهو يسأل:

–أنتي كويسة؟ فجاءه هسيس صوتها الضعيف: –آه. –في حاجة حصلت، حد منهم عملك حاجة؟ بنفس النبرة المكلومة، التي لم تقو السيطرة على رائحة الوجع فيها: –لأ، سيبني دلوقتي.

أحس بوجوب تركها وحيدة الآن، مؤكد إنها عاشت لحظات عسيرة للغاية حتى وصل هو إليها. فخرج بالفعل وأغلق الباب من خلفه، مع سماعها صوت الباب حتى تأكدت إنها بمفردها، فانهارت سيقانها الرخوة ليلتقي جسدها بالأرضية. انتحبت بصوت مكتوم، خشية أن يرى ضعفها أي أحد. كفها يتحسس موضع قلبها المضطرب، ونبضاتها تتسارع من قسوة وقع الأمر عليها. انهمرت الدموع الصامتة من عيناها، وكأنها لهيب يمس جلدها فيحرقه، بقيت محاصرة بين مشاعر الوجع الخانقة للحظات طويلة، حتى امتلأ صدرها بمزيد من مشاعر الحقد الكارهة، وفاض بها الكيل حتى بلغ مبلغه الأخير.

مسحت “سُلاف” دموعها بظهر كفها، احتقنت عيناها وهي ترى أمامها صورة متجسدة لـ “أسما”، والتي لم تتعظ من تحذيرها الودّي المرة السابقة وقررت العبث معها مرة أخرى، فأصرت أن يكون الدرس هذه المرة قاسيًا بما فيه الكفاية، حتى يترك أثره في ذاكرتها، فـ يبقى طازجًا ولا تنساه ما حيت.

طرق “حمزة” على سطح المكتب بأصابعه، وهو ينظر لملف القضية القابع أمامه بأعين شاردة، مط شفتيه مستنكرًا، ثم رفع بصره نحو والده المترأس لمكتبه الفخم المصنوع له خصيصًا من خشب السنديان، وأردف بـ: –أنا شايف إنك لسه بتوكلني في قضايا تبع مكتبك رغم إني انفصلت وبقالي مكتب خاص! تبسم “صلاح” في وجهه وهو يجيبه بفخر:

–عشان في قضايا لما بشوفها بحس إنها اتوجدت عشان حمزة القرشي بس هو اللي يمسكها.. صحيح إني الأستاذ وإنت التلميذ، لكني علمتك كويس أوي ياحمزة لحد ما شربت كل حاجة وتفوقت كمان عليا. نهض “صلاح” والتف حول المكتب كي يجلس قبالته وهو يتابع: –قضية مهمة زي دي هتبقى سهلة بالنسبالك أنا عارف. لم يغير إطراء والده عنه رأيه، وظل متحفظًا على توكيل أبيه له بمهام يرى إنها تفوق سعة وقته:

–ما انت متمسك براغب ولسه معاك في المكتب، واحنا الاتنين منتخيرش عن بعض. –القضية دي صاحبها عايزك بالاسم. تغضن جبينه وهو يسأل بفضول: –وهو يعرفني منين؟ –ميعرفكش، لكن عمه يعرفك كويس. ولاحت ابتسامة متحفزة على محياه وهو يذكره: –نصر بتاع الواحات، فاكره؟ ارتفع حاجبيه وتجلت ابتسامته: –اللي اتقبض عليه عشان حط إيده على أرض الدولة! –بالظبط هو.. ده يبقى ابن أخوه.

تنهد “حمزة” وهو ينظر مجددًا لملف القضية، ثم عاد ينظر لوالده وهو يشير لـ: –يبقى يجهز مبلغ محترم عشان يشتري موظف الشهر العقاري اللي هيضربلنا العقد ويوثقه، الموظفين دول تمنهم غالي شويتين. لم يكترث “صلاح” بتلك التفصيلة أبدًا: –ولا يهمك خالص، دوس زي ما انت عايز والواد هيدفع. وقف “حمزة” عن جلسته حينما دخل “راغب” عليهم بعد طرق الباب: –مساء الفل. أشار نحوه “صلاح” و: –لو عايز تاخد معاك راغب في القضية دي خده معنديش مانع.

ضحك “حمزة” ساخرًا و: –طبعًا عشان ملف القضية خارج من عندك يا أبو صلاح، إنما لو قضيتي مكنتش فرطت فيه ثانية. تباهى “راغب” قليلًا وهو يردف بـ: –معلش أصل أنا مقامي عند الحج صلاح عالي حبتين. رمقهما “صلاح” بنظرات قانطة و: –مش عايز رغي كتير، الشغل مش بيستنى. فرك “حمزة” مؤخرة عنقه، مترددًا هل يخبر أبيه أم لا، وفي الأخير توصل لضرورة إخباره بما أن الأمر يمس ابنته: –على فكرة أنا كلمت يسرا الصبح.

تحفزت حواس “راغب” وهو يسمع حديثهما بشأن “يسرا”، ووضع تركيزه كله مع “حمزة” وهو يتابع: –يسرا عايزة ترجع القاهرة. قطب “صلاح” جبينه وهو يسأل مستفهمًا: –ليه؟ جرى حاجة تانية بينها هي وجوزها ولا إيه؟ عاد “حمزة” يجلس من جديد وهو يحرر صدره من زفير مختنق: –يسرا عمرها ما اتفقت مع جوزها وانت عارف كده كويس، والمرة دي هي مصممة على الطلاق. ترك “صلاح” قلمه على سطح المكتب، وبدت تعابير الاعتراض المتذمرة على وجهه وهو يقول:

–رجعنا للكلام اللي ملهوش لازمة.. أختك طول عمرها مش عاجبها حاجة، وأنا مش عاجبني حوار الطلاق ده، متجوزة ابن سفير وعايشة في أمريكا ومعاها الجنسية كمان! عايزة إيه أكتر من كده! كلمها وعقلها يا حمزة، أنا مش فايق دلوقتي للعب العيال ده! حمحم “راغب” قبل أن ينسحب، حتى لا يتبين على ملامحه أثر تغيير أو ما شابه: –طب أنا على مكتبي وانت خارج عدي عليا يا حمزة. –طيب.

رفض “صلاح” مكالمة واردة من “أسما” للمرة الثانية على التوالي، ونفخ بانزعاج وهو يزمجر قائلًا: –وأمك كمان مش سيباني في حالي. لجأت “أسما” لولدها عسى أن يجيب، بعد أن سئمت من رفض زوجها لإتصالاتها المتكررة. وما أن ظهر اسمها على الهاتف حتى أجابها: –أيوة ياماما! في إيه بس أهدي. هب “حمزة” واقفًا مع سماعه شكوى والدته، وتوهجت عيناه بغضب مفاجئ تملكه وهو يقول: –يعني إيه عبيد قفل عليكي الباب!

إزاي ده حصل، أهدي بس.. طيب أنا جايلك حالًا. تأهب “صلاح” ليذهب هو أيضًا بعد سماعه لذلك، وسأل: –إيه اللي حصل تاني مع أمك؟ سحب “حمزة” ملف القضية وحقيبته وهو يجيب: –شكلها حصل حاجة منها والزفتة التانية ما صدقت ترد! أنا جبت آخري من الو×××× اللي بتحصل دي. استعد ليغادر و: –خليك وأنا هحل الموضوع وأكلمك.

وخرج على الفور، كي ينقذ الأمر من جديد، ويواجه نتائج أخطاء والدته. تأفف “صلاح” بقنوط وقد سئم قلة عقلها وحنكتها التي توقعه بهما في كل مرة، وغمغم باستنفار: –زهقت ياشيخة، زهقت. فتح “عطا” الباب عقب طرق مندفع وعنيف، ليجد حقيبة “حمزة” تلقى في وجهه وهو يهدر فيه بصوته: –أنت ملكش لازمة هنا ولا إيه؟ إزاي متتصلش بيا لما يكون في حاجة في أم البيت ده! تناول “عطا” الحقيبة التي وقعت في الأرض، وأجاب بارتباك مضطرب:

–أنا كنت برا بجيب حاجات يابيه، ولما رجعت لقيت الهانم محبوسة في أوضتها والمفتاح مش موجود. دفعه “حمزة” ليبتعد من أمام وجهه، وأسرع بخطاه نحو الدرج ثم للردهة حيث غرفتها، فتح الباب ودفعه لينفتح عن آخره، فـ لمح آثار الدخان منتشرة بالأجواء وقد عبأت الغرفة. نظر يمينًا فرآها تجلس على الأريكة وتستند على الطاولة وهي تدخن سجائرها بشراهه. فـ مضى نحوها بخطى متعجلة، خطف السيجارة من بين أصابعها ودعسها بالمنفضة وهو يسأل بصرامة:

–الكلب اللي ماشي وراكي في كل حتة فين؟ تلوت شفتيها باستنكار، واسندت ظهرها على الأريكة وهي تجيب: –معنديش كلاب، رغم إني بحبهم جدًا تصور. لكزّ كتفها بقبضته المتكورة فآلمها، وهتف بصياح خشن: –مش عايز استهبال وحياة أمك، الحيوان اللي مشغلاه معاكي فين! مش تحت مع بقية الحيوانات! تنهدت “سُلاف” وهي تدفع ذراعه عنها لتنوه: –إيدك بس متتحطش عليا يابيبي أحسن توجعك بعد كده.. أما لو قصدك عبيد فـ هو برا مش هنا.. خير عايز حاجة؟

مد يده لها هاتفًا بلهجة آمرة: –هاتي مفتاح الأوضة اللي قفلتوها. فسألته بفتور مزعج: –مش لما تسأل الأول أمك عملت إيه؟ لم ينحاز إليها ثانية واحدة، واستهجن تصرفها ضد والدته: –ميخصنيش، أسما القرشي تعمل اللي يحلى ليها.. مش انتي اللي هتقولي تعمل إيه ومتعملش إيه. فصاحت “سُلاف” بصوت أنثوي لكنه بدا حازمًا حادًا: –مش معايا! تيجي عندي وتقف.. ده لو خايف عليها. أطبق بأصابعه على رسغها، وهو يصر على أسنانه ليزأر بـ:

–أنتي بتهدديني يابنت الـ ××××××.. شكل سكوتي مخليكي واخدة قلم في نفسك وفاكرة إنك تقدري تعملي حاجة! لم تتمكن من خدشه، فضربت بقبضتها أصابعه حتى تخلصت منه و: –قولتلك إيدك لتوجعك.. أنا مش مستفيدة حاجة من حبسة أمك، بس قولت نخليها تهدى شوية عقبال ما حد يستلمها. أخرجت المفتاح من جيب بنطالها وألقته أمامه على الطاولة، ثم عادت تجلس وهي تقول: –أبقى أسألها انت عن اللي حصل، يمكن تتجرأ وتحكي. خطف المفتاح عن الطاولة

وهو يزجرها بنظرة محتقرة: –حسابك معايا بعدين. التفت وخطى خطوتين، فاستوقفه صوتها وهي تردف بـ: –وأمك كمان حسابها معايا بعدين، عشان اللي حصل عمره ما هيعدي. عاد ينظر نحوها، فوجدها تشعل سيجارة جديدة وهي ترمقه بنظرة مغزية، كالتي تتحداه بفعل شدد هو لأكثر من مرة أن لا تقوم به، تحممت مشاعره التي تبغضها أكثر، فـ عاد إليها حتى بقى أمامها، وسحب السيجارة من بين شفتيها وأصابعها وهو يسأل بهدوء مرعب: –أنا مش قولت مفيش تدخين هنا تاني!

دعس عُقب السيجارة المشتعلة على ظهر كفها، وتبين الامتعاض الغاضب على تعابير الحانقة، وهو يزأر بهدوء مخيف: –أنا محدش يعاندني، لسه متخلقتش اللي تقف قصادي.. أنا سايبك تعيشي يومين، وأول ما تجيلي اللحظة المناسبة هضربك من مكان عمرك ما كنتي تتوقعيه.. يا سُـلاف.

منعت ظهور تلك الرجفة التي سرت ببدنها، وحتى شعور الألم الحارق كتمته في بواطنها، حتى تبدو بهذا المظهر القوي أمامه، نجحت فعليًا أمامه؛ لكنها من الداخل تفشل في كل مرة، تفشل في تعليم نفسها ألا تتألم، ألا تشعر، ألا تضعف. راقبت خروجه حتى بقيت بمفردها، ثم انتقلت أنظارها نحو مكان الحرق الذي توهج باحمرار ملتهب على كفها، وصرت على أسنانها وهي تهمس بـ: –هتدفع تمن ده، وأقرب مما تتوقع.

كركرت ضحكة “تهاني” وهي تتحدث في هاتفها، وتأرجحت بمقعدها الوثير وهي تقول: –متخافش ياباشا، المرة دي الهدية هتعجبك أوي أوي، أنت عارف ذوق تهاني لما بتنقي بنفسها. ارتشفت رشفة من كوب الشاي، ثم تركته جانبًا وهي تتابع: –أديني يومين بس، وهتلاقيني جهزتلك ليلة من ألف ليلة وليلة.. بس متنساش تهاني بقى. وعادت تضحك ملء شدقيها من جديد: –طبعًا طبعًا، خيرك سابق ومغرق ياباشا، أتفقنا.. مع ألف سلامة.

أغلقت الهاتف ثم نظرت لتلك الحسناء العشرينية بنظرات جادة، قبل أن تهتف بـ: –أديكي سمعتي، الزبون المرة دي تقيل أوي.. يعني تتمنيله الرضا عشان يرضى، سمعتي؟ فأجابتها بدلال: –حاضر. نهضت “تهاني” لتقف خلفها، وضعت كفيها على أكتافها العارية، ومسدت على نعومتهما بلمسات مقززة حملت مغزى غير عفيف: –وكل ما هو هيتبسط، أنا هبسطك.. هبسطك أوي. أومأت الفتاة برأسها متفهمة: –متقلقيش. ابتعدت “تهاني” من خلفها و:

–يلا شوفي وراكي إيه وأول ما الباشا يقرر هبلغك بالمعاد. بالفعل انصرفت الفتاة، بينما جلست “تهاني” على مقعدها من جديد، مسرورة من نتائج فجورها التي تأتي بثمارها العطبة، تابعت كاميرات المراقبة التي تعرض لها مراكز التجميل خاصتها، لاحظت ذلك المشهد المخل، والذي يجمع بين موظفة لديها وبين فرد الأمن، حيث تحرش بها رسميًا وهي أظهرت قبولًا له، حتى انتهى بهم الأمر بالاجتماع في مخزن المركز الصغير وممارسة فعل فاضح.

ضحكت “تهاني” وهي تتابع ما يحدث بينهما من مشاهد ساخنة، كأنها في أوّج نشوتها، حريصة على تسجيل كل ما يحدث بينهما لحين الحاجة إليه، فهي من عشاق تلك النوعية من التسجيلات الوضيعة، والتي تستخدمها ضد صاحبها في الوقت المناسب. ارتخت على المقعد وهي ترتشف الشاي خاصتها، مستمتعة بتلك اللحظات التي تشاهدها بينهما بتحمس ولهفة.

كانت الساعة قد بلغت الحادية عشر والنصف مساءً، حينما وقفت “سُلاف” أمام سيارته، تتطلع إليها للمرة الأخيرة. قامت بالتقاط صورة واضحة لها، ثم دسّت هاتفها في جيبها وهي تراقب “عِبيد”. أنهى عمله ودنى منها ممسكًا بـ بيدون (جركن) أحمر داكن، وهتف بـ: –العربية اتغرقت كلها زي ما أمرتي، جوا وبرا. تناولت “سُلاف” بيدون البنزين منه، وسكبت بعضًا منه على الأرضية كي يصل بينه وبين السيارة، ثم ناولته إياه وابتعدت بعد ذلك وهي تقول:

–ولعي يا عبيد. وضعت السيجارة بين شفتيها كي يشعلها لها بقداحته، ثم سحبت منها نفس طويل وهي تنظر للسيارة بنظرات ملأها الحقد، وأخيرًا نظرت لحرق كفها، قبيل أن تقذف بالسيجارة نحو السيارة لتضرم النيران فيها. لحظات قليلة وكانت السيارة تشتعل أمام عينيها، وألسنة اللهيب تتراقص في حدقتيها الشامتتين، بسمة متشفية علت مبسمها، وكأنها سكبت الماء البارد على حريق صدرها، فـ خمدت نيرانه، وسكن جرحها، وهدأ غضبها.

وضعت كفيها في جيبي بنطالها، وهمست بـ: –مش قولتلك أقرب مما تتوقع!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...