الفصل 31 | من 90 فصل

رواية اغصان الزيتون الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ياسمين عادل

المشاهدات
23
كلمة
2,926
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 34%
حجم الخط: 18

توقفت أنفاس راغب لوهلة، وهو يرى حقيبة يسرا بين يدي شقيقها. شحبت بشرته وتجمد بمكانه، منتظرًا رؤية رد الفعل الذي سيواجهه، وهل سيتعرف حمزة على الحقيبة أم لا. ليرى بوضوح تلك الإمارات العابثة وقد قفزت على وجه حمزة، ورفع عيناه نحو رفيقه الخبيث يسأله: –هو في مزة جوا ولا إيه؟ سيطر راغب على ملامحه في لمح البصر، رغم المشاعر المتخوفة التي عج بها صدره. ودنى منه ليهمس:

–ويا ريت متبوظش عليا الليلة، ده أنا لسه كنت هفطر ولما أنزل أكلمك. ضحك حمزة بصوت لم يظهره، وألقى الحقيبة على الأريكة وهو يعبث معه قليلًا: –أتاريك تليفونك مقفول طول الليل! وأنا اللي افتكرتك نايم من كتر التعب! فرك راغب مؤخرة رأسه وهو يتماشى معه في الحديث، لئلا يلفت أنظاره لأي شيء مريب: –ما أنا كنت نايم فعلًا. المهم.. كنت عايزني في إيه؟ ربت حمزة على كتفه: –مش وقته، خلص وكلمني.. أنا رايح النيابة. –خلاص أنا هبقى هكلمك.

تحرك حمزة نحو الباب وهو يقول: –قولها تغير الـ perfume بتاعها! أحسن تقيل أوي. تحممت مشاعر راغب قليلًا رغم إنه لم يبدِ ذلك: –بس ملكش دعوة أنت، هي حرة. ضحك حمزة وهو يخرج من الباب، ف أغلق راغب من خلفه وهو يسحب شهيقًا عميقًا لصدره، ثم زفره شيئًا ف شيئًا وهو يهمس بـ: –الحمد لله على نعمة الستر، دي كانت هتبقى مجزرة النهارده!

أوفض راغب مسرعًا نحو الداخل، فتح الباب بغتة ليرى تعابير الذعر الواضحة على وجهها أيضًا، ف استنبط إنها علمت بوجود شقيقها على بعد أمتار منها. دخل وأغلق الباب وهو يقول: –مش هينفع تفضلي هنا يا يسرا، حمزة بينط هنا كل شويه! ازدردت ريقها بتخوف مرتعب من فكرة أن يكشف أخوها الشقيق أمرها، وهتفت مؤيدة رأيه: –فعلًا، إحنا لازم نلاقي حل.

نظر لشاشة الهاتف كمن ينتظر شيئًا ما، وطال انتظاره لذلك الاتصال المنتظر الذي لم يأتِ بعد. نفخ شاكر مضجرًا وهو ينهض عن جلسته، وتجول في الوسط شابكًا يداه خلف ظهره، وأخيرًا تمتم بخفوت: –إيه التأخير ده كله؟ المفروض كان جالي الخبر من بدري!

على جانب آخر، خرجت تهاني بقيادة اثنين من المجندين، بعد تجديد حبسها خمسة عشر يومًا، قبيل عرضها على هيئة المحكمة الموقرة. كانت تنظر حولها بعينان زائغتان، تبحث عن شخص بعينه، حتى وجدته أمامها مباشرة، يستوقف المجندين قائلًا: –ثانية واحدة من فضلكم. تخضب وجه تهاني بحمرة غاضبة، وبرقت عيناها بإنفعال وهي تهتف بـ: –هو ده دفاعك عني يا متر! هو ده اتفاقنا؟ تأفف حمزة بقنوط وهو يبرر: –أنا بعمل أقصى حاجة عندي عشان أخرجك من هنا!

ف متبقيش غبية ومورطة نفسك، وكمان بتلوميني على غبائك؟ صرت على أسنانها، محاولة كتم ذلك الغيظ الذي كاد ينفجر من عروقها: –قولتلك روح لأي حد منهم، عرفهم إني لو وقعت مش هكون لوحدي، وهوديهم كلهم في ستين داهية بما فيهم إنت. تلاشت تعابير الهدوء المزيفة في التو واللحظة، وتشكّل الغضب على وجهه وكأنه سيفترسها بشراسة لم تراها منه أبدًا: –أنا مبهددش يا تهاني! شكلك بدأتي تخرفي، أنا لو عايز هخليكي تقضي عمرك كله هنا، بلاش أنا!

أشار للمجندين: –تقدروا تتفضلوا. –ماشي يا حمزة، ماشي! بكرة نشوف تهاني هتعمل إيه! سحبها المجندين نحو سيارة الترحيلات الضخمة، التي ستقلّها للسجن من أجل قضاء المدة الاحتياطية، لحين موعد جلسة محاكمتها. حينها كان حمزة يتلفت بأنظاره، وعلى لسانه ألفاظ السباب التي يرميها بها بصوت خفيض، حتى وقعت عيناه عليها، سُلاف.

تلك التي تسببت في الوضع برمته. تنظر إليه بنظرات متشفية، بعد ضمانها أن تهاني لن تفلت بفجورها تلك المرة، وبناء عليه فإن الهزيمة ستكون ساحقة له، ليس ذلك فقط، بل ستعمل تهاني على تدمير كل من حولها، ومن بينهم هدفها الأساسي حمزة.

لم تفوّت سُلاف متعة تلك اللحظة، ف ظلت ماكثة بمكانها حتى تنصرف سيارة الترحيلات، تشاهد عجز حمزة وهزيمته، ونهاية تهاني المحتومة والتي كتبتها بنفسها. ولكن نفد السهم من قوسه، وخبى كل ذلك في لحظة واحدة، بعد سقوط تهاني أرضًا، ولا يعلم أحد ما الذي أصابها. انحنى عليها المجندين لاستكشاف ما أصابها، فوجدوا الدماء تسيل ك الفيض المنهمر من رأسها، ف صاح أحدهم: –أُضربت بالرصاص، أُضربت بالرصاص.

جحظت عينا حمزة بعدما رأى نصب عينيه مقتل تهاني برصاصة خرجت من سلاح كاتم للصوت، فلم يكتشف أحد إصابتها إلا بفحص رأسها التي تفجرت منها الدماء، ف ازدرد ريقه وهو يسعى للخلاص من هنا بأسرع وقت ممكن وهو يعقب: –يانهار أرزق!

حالة هلع وارتباك سرت في المحيطين، وانتشر خبر إصابتها برصاصة قاتلة في الأرجاء حتى سادت حالة من الهرج والحركة العشوائية. نظرت سُلاف يمينًا ويسارًا بنظرات مرتبكة، والجميع من حولها يركض، حتى أفراد الشرطة والمجندين يجوبون في الوسط بحثًا عن الفاعل الذي أصاب ضحيته باحترافية متمكنة وعلى ما يبدو إنه هرب بفعلته.

بين كل ذلك نسيت سُلاف تمامًا أن تبحث عن حمزة بين المحيطين، وحينما تذكرت كان الوقت قد مر، اختفى تمامًا ك البخار الذي يذوب في الهواء، مما أكد إليها تورطه في الأمر. انتفضت سُلاف حينما شعرت بتلك اليد التي حطت على كتفها، والتفتت لتجد عِبيد يسحبها برفق من بين الحشد المتجمهر: –يلا بينا من هنا. ارتجفت سُلاف وهي تسير بإنصياع معه، وهتفت ب صوت مرتعش: –قتلها الجبان، فرط في روح جديدة عشان هو ميتفضحش!

–مش وقته، لازم نمشي، الدنيا مش أمان هنا. أجلسها في السيارة وصعد هو في مقعد المعاون بجوار السائق: –لف وأمشي بينا من ورا. حاولت سُلاف السيطرة على رجفة أطرافها، لكنها لم تستطع، عيناها تنظر لذلك المشهد المرعب الذي يقشعر الأبدان، وفي نفسها تتضاعف مشاعر الكره والضغينة، والتي تدفعها للانتقام بصورة أكثر قسوة.

فرز صلاح كل روابط الأمور في عقله، قبل أن يستنبط علاقة شاكر القوية بمقتل تهاني، وذلك بث القلق في نفسه أكثر، حول ما قد يستطيع شاكر فعله، وإلى أي مدى قد يتمادى في أفعاله. توقف عن التجول في الوسط، وجلس قبالة ولده الذي بدا فاترًا أكثر من اللازم، ثم زجره بنظرة ممتعضة قبل أن يستهجن ذلك البرود المريب: –إنت بارد كده ليه يا حمزة؟ زفر حمزة بقنوط، وأنزل ساق عن الأخرى وهو يجيبه: –يعني أعمل إيه!

شاكر ورط نفسه بنفسه، أنا مفيش عليا غير إني أقدر أثبت ده! هب صلاح واقفًا، واحتقنت عيناه بغضب أهوج وهو يصيح فيه: –وإنت مالك! مش كفاية إنها كانت فكرتك وانت اللي اقترحت عليه يخلص منها! نهض حمزة عن جلسته أيضًا، ليكون واقفًا أمام أبيه بكل ثبات وعناد: –مكنش في حل غير ده! وإلا كانت هتطير فيها رقاب تانية. تهاني كانت كبش الفدا اللي ضحينا بيه في سبيل إن الفضيحة متوصلش للناس اللي فوق، واللي كان شاكر واحد منهم.

دفع حمزة زفيرًا منفعلًا من صدره وهو يتابع: –أنا لو موصلتش للي عملوا كده مش هيبقى في إيدي ثغرة لشاكر، يعني ممكن أكون في خطر لأني الوحيد اللي عارف سره بعد تهاني! اشتدت مخاوف صلاح، وأيقن أن شاكر سيضمُر السوء لابنه لا محالة، خاصة وأن المواقف المعادية بينهم قد كثرت بالآونة الأخيرة. لكنه أظهر بأسًا وقوة كي لا يستهان بهم، حتى وإن كان بأسًا مزيفًا: –محدش يقدر يمس حمزة القرشي، اللي ييجي جمبي ولا جمب ابني أمحيه باستيكة!

إحنا مش شوية يا حمزة! ده أنا صلاح القرشي اللي ياما هز كراسي بأصحابها. ربت حمزة على ذراع والده: –طبعًا يا بابا! إحنا بس لازم ناخد حذرنا. دلف راغب لمكتب رب عمله صلاح بعدما طرق الباب، وتبينت تعابير الهلع على وجهه وهو يردف بـ: –صحيح اللي سمعته ده! تهاني اتقتلت بعد خروجها من النيابة؟ أومأ حمزة برأسه مؤكدًا على صحة الخبر، فرمقه راغب بتوجس وهو يسأله: –إحنا ملناش دعوة بالموضوع! مش كده؟ انفعل صلاح وهو يجيبه مندفعًا:

–أكيد مش هنبقى قتالين قتلة يا راغب! نظر حمزة لهاتفه بعدما تلقى إشعار تنبيهي عليه، دقق بعينيه في ذلك المكان الذي ظهر أمامه على الخريطة، وتلقائيًا كان يتحرك للخروج وهو يقول: –أنا عندي مشوار هخلصه وآجي. ف صاح به صلاح مناديًا: –رايح فين يا حمزة! هو ده وقته!

لم ينتظر حتى، لحظات وكان يغادر المكتب بأكمله كالذي فاته شيء ما، حتى راغب تعجب من مغادرته بذلك الشكل المفاجئ، والمثير للدهشة أكثر إنه لم يرد على اتصالاته المتكررة على غير العادة، حتى سئم راغب وعزف في النهاية عن محاولاته للوصول إليه، وترك الأمر كله وهو على دراية تامة بأن رفيقه سيأتي ليحكي له في النهاية، ما سبب هذا التغير الذي اعتراه فجأة.

هذه العتمة هي التي تشفي روحها ولو قليلًا، في ذلك المكان الذي يحمل عبق والدها الراحل، والذي بقى على حالته المدمرة منذ أربعة وعشرون ربيعًا مضى، لكي يخلد التاريخ حجم الفاجعة التي وقعت هنا، والتي راح ضحيتها أكثر من خمسة وعشرون عامل. كانت مغمضة العينين، متخيلة كونها سُلاف زيّان، بشخصها الحقيقي الذي لم يتدنس بالزيف، تحاول أن تتخيل حياتها بشكل آخر، ماذا لو كان إسماعيل زيّان حيًا يرزق؟

ماذا لو عاشت حياتها في كنف والدها وكبرت في رعايته وحنانه؟ كانت الحياة ستختلف تمامًا عما هي عليه الآن. كانت ستدرس الهندسة كما تحب، وتصادف قصة الحب التي حرمت حتى من الحلم بها، تُنشئ بيتًا سعيدًا وتنجب أطفال أسوياء، حياة تتوفر فيها كل المعايير السعيدة.

فتحت سُلاف عيناها، لتجد ذلك الخراب المدمر، والواقع الذي لم تختاره يحاوطها من كل اتجاه. وزعت أنظارها من حولها حتى وقعت عيناها على عِبيد يقف عند الباب، بدون أن ينظر حيالها أو يقتحم لحظات الخصوصية التي تقضيها هنا بين كل حين وآخر.

نهضت سُلاف عن المقعد الشبه متهالك، وتحركت نحو الباب لمغادرة مكتب والدها المتواضع، والذي لم يتبقى منه سوى مقعدين ومكتب مهشم، والوسط بالكامل محترق ومغبّر بطبقات كثيفة من التراب. خرجت من المكتب ووقفت تنظر لأسفل، حيث قاعة المصنع الفسيحة، والتي ضمت الكثير من الآلات والمعدات المحترقة، تنهدت قبل أن تردف بـ: –لو كنا عيشنا حياة تانية غير دي! لو كل واحد فينا كبر في حضن أبوه! كان زمانا في حتة تانية.

هوّن عليها عِبيد ما تقاسيه من مشاعر تجلدها بلا رحمة، كلما أتت إلى هنا لتتذكر من جديد، كأنها ترفض النسيان: –هوني على نفسك، قولتلك بلاش نجي، كل مرة تيجي فيها هنا بترجعي أسوأ من الأول. هزت رأسها رافضة تمامًا التخلي عن ذكرياتهم الغابرة، وأصرت إصرارًا شديدًا على التمسك بتلك الخرابة: –ده المكان الوحيد اللي بيفكرني باللي عمله صلاح، هنا بلاقي الدافع اللي يخليني أكمل يا عِبيد، مهما كان الدافع ده مؤلم وشرس. التفت عِبيد نحوها،

وسألها بتلقائية غير مبررة: –بس إحنا هدفنا مش صلاح! ليه الباشا قرر ينتقم من الشخص الغلط. فبررت سُلاف مخطط عمها بـ: –ومين قالك إن حمزة الشخص الغلط! حمزة مش بريء يا عِبيد، حمزة آثم بقدر أبوه وأكتر، حتى لو مكنش الأثم ده في حق بابا، ربنا ساعات بيسلط ناس على ناس عشان يخلصوا حقوق ناس تانية، وأنا بقى جاية أخلص منه كل اللي عمله. أومأ عِبيد رأسه متفهمًا: –موضوع أماني لسه مأثر عليكي!

تحممت نظراتها وكأن النار قد صعدت من صدرها لبؤبؤي عينيها، وكأنها تحولت لإنسان آخر يفتقر أدنى معاني الرحمة: –حق أماني في رقبتي يا عِبيد، ومش هسيبه مهما حصل. تلقى عِبيد رسالة على هاتفه، ف تفقدها عبر ساعته الإلكترونية الذكية، ليهتف بعدها على الفور: –حمزة جاي على هنا! انقبض قلبها بعنف مباغت، وتحفزت حواسها وهي تهتف بـ: –هنا فين؟ إزاي؟ اجتذب عِبيد يدها ليسحبها برفق من خلفه: –إحنا لازم نمشي دلوقتي.

على جانب آخر، كان حمزة يراقب بعيون متفحصة إشارة هاتفه المربوطة بسيارتها، ذاهبًا لذلك المكان البعيد الذي توقفت فيه الإشارة لبعض الوقت. أسرع قيادته قدر الإمكان لكي يصل إلى هناك قبل أن تتحرك من جديد، لكن على ما يبدو إنها أنقذت نفسها من جديد، وبدأت إشارة الهاتف تتحرك بعيدًا عن المكان. امتعض وجهه بعبوس وضرب على عجلة القيادة، وهو يغمغم بضيق سيطر عليه: –يعني برضو مش هنتواجه! (عودة بالوقت للسابق)

جلس في مقعد المعاون وانتظر أن تستقر بمقعد القيادة، أثناء ذلك وفي غفلة منها، كان قد زرع ذلك الجهاز الصغير جدًا أسفل مقعد المعاون، والذي سيمكنه من مراقبة كل تحركاتها وكل الأماكن التي تذهب إليها عن طريق هاتفه المرتبط بذلك الجهاز، وبذلك سيوقع بها شر وقيعة. لم تكن صدفة بحتة أو رغبة مستميتة في التحدث إليها، وإنما كانت فرصة من ذهب للوصول إلى ما هو أكبر، عله ينهي تلك الحرب الباردة، ويتوصل لأصل الحكاية التي دفعتها لكل ذلك.

(عودة للوقت الحالي) توقفت السيارة أمام مكان عتيق جدًا، قديم ومتهالك، وكأن الخراب قد زار تلك الأرض منذ عهود طويلة. ترجل عن سيارته وتفحص المكان بنظرات شمول مختطفة. كالذي يرى فيلم قديم أمام عينيه، أو كأنه أتى إلى هنا في وقت سابق. قطب حمزة جبينه شاعرًا بالتيه، وهو يستعيد في ذاكرته لحظات من الماضي، لحظات عاشها من قبل، هنا.. في ذلك المكان المألوف على عقله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...