الفصل 7 | من 90 فصل

رواية اغصان الزيتون الفصل السابع 7 - بقلم ياسمين عادل

المشاهدات
18
كلمة
2,086
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

المحيط من حولها عبارة عن فوضى، تسبب جنونها في تكسير أغلب قطع الديكور الزجاجية، فالحال الذي وقع فيه جميعهم لا يُحسدون عليه، خاصة وأن شاكر رفض رفضًا قاطعًا محاولتهم للمناقشة معه. أوقعت بلورة قيمة للغاية، كانت قد ابتاعتها من أسبانيا في آخر زيارة لها، فالتفت إليها صلاح وقد بلغ غضبه ذروته: –بس يا أسما، كفاية مش قادر أفكر بسببك. اهتاجت هياجًا شديدًا، وهز صوتها كل الأرجاء وهي تصرخ صراخًا مدويًا: –ابنك متجوز ومخلف من ورايا!

أنت مش مستوعب المصيبة يا صلاح! زجرها بنظرات مستنكرة، لمحدودية تفكيرها الذي لم يصل لأبعاد أكبر من ذلك: –هو ده اللي بتفكري فيه! إنه عمل ده من وراكي! فكري في شاكر وبنته وفضيحتنا! شاكر هيقلب الدنيا علينا عشان بنته الوحيدة. اتقدت رأسه من شدة العصبية وهو يتابع: –بنت الـ... جاية تعمل الشو بتاعها ليلة فرح ابني! لو أطولها بس هوديها ورا الشمس.

ما زالت أسما لدى نفس النقطة، وهي قيام ابنها بأمر كهذا دون علمها، وتطور الأمر حتى وصل إلى وجود طفل أيضًا: –أمتى حصل وإزاي؟ والبت دي كانت فين طول الشهور دي؟ –يوه! قذف صلاح سترته على الفراش، والتفت متوجهًا صوب الباب، خرج منه وهو يسب ويلعن بألفاظ خرجت عن نطاق المسموح به، بعدما فقد التحكم في أعصابه التالفة.

حينئذٍ كانت أسما تعيد محاولتها للإتصال بحمزة، علها تتوصل لأي معلومة حول مستجدات الأمر، لكنه ما زال مغلقًا ولا تستطيع الوصول إليه، فألقت به على الطاولة، وفركت أصابعها بتوتر وهي تغمغم ساخطة على وضعهم: –ياترى انت فين ياحمزة؟ *** كان ينتظر رفيقه خارج المعمل المتخصص لجميع أنواع التحاليل، بعد أن ورده اتصال منه يفيد بإيجاز ما تعرض له من موقف خطير لم يتعرض لمثيلهُ من قبل.

نظر راغب في ساعة يده قبل أن ينفخ بإنزعاج، ثم نظر مرة أخرى لبوابة المعمل بقنوط، ليرى حمزة يخرج منها، فترجل عن سيارته بعجالة وأشار له مناديًا: –حمزة. انتبه حمزة لمكانه، فتقدم منه حتى وصل إليه، فسأله راغب مشدوهًا: –إيه اللي قولتهولي ده! البت فعلًا مسنودة ووراها ناس؟ كان حمزة كالقدر الذي يغلي على موقد هادئ، بداخله حُمم بركانية تتلظى من فرط غليانها، رغم الهدوء المزيف الذي يحاول أن يظهره. دس إيصال إستلام النقدية في جيبه،

ثم قال: –الحكاية دي وراها لعبة كبيرة أوي يا راغب، بس أنا لسه مجمعتش التفاصيل كلها.. أنا بيتلعب عليا دور محبوك أوي أوي. مط راغب شفتيه بقلة حيلة: –طب وبعدين يا حمزة! هتعمل إيه بعد ما البت دي اختفت؟ –هجيبها ولو في بطن أمها. صدح صوته حتى وصل لكثير ممن حوله، فنظر راغب بشمول: –أهدا يا حمزة الناس بتتفرج علينا. صر على أسنانه بغيظ كتمه طويلًا، وهتف بـ:

–أنا عملت التحاليل وأخدوا مني عينة يطابقوها، قالي الإستلام بعد أسبوع بس أنا رشيت عليهم كلهم لحد ما بقوا ٣ أيام.. آخد التحاليل بس وهيكون في كلام تاني. دنى حمزة منه خطوة، ثم همس من بين أسنانه الملتصقة: –أتصرف وهاتلي البت دي من تحت الأرض يا راغب، أنا مش هستنى رحمتها عليا لما تتكرم وتظهر تاني قدامي. أومأ راغب رأسه متفهمًا: –من الصبح هقلب عليها الدنيا.. بس قولي اسمها إيه.

قطب حمزة جبينه مدهوشًا من نفسه، حتى إنه لم يعرف اسمها؛ لكنه تذكر أمر وثيقة الزواج، فأخرجها من جيبه ونظر لإسمها بشيء من الإشمئزاز: –إسمها سُلاف.. سُلاف محفوظ السني. –أعتبرني لقيتها، من الصبح هجيبلك سجلات كل اللي أسمهم سُلاف. تحرك حمزة نحو سيارته المصفوفة على الجانب الآخر: –أنا ماشي، لازم أشوف ميان. ***

كانت بمفردها في تلك الغرفة التي تختلي فيها بنفسها أغلب الوقت، تتفقد مواقع التواصل الإجتماعي، والتي انتشر عليها الخبر بسرعة البرق، وأصبح الحديث عن الأمر محتل أحد المراتب الأولى للأخبار الهامة، أي ما يُسمى في عصر التكنولوچيا العصرية (Trend)

جلجل صوت ضحكتها، وهي ترى الصور ومقاطع الڤيديو التصويرية متفشية بكل مكان، اعتدلت في جلستها، تناولت السيجارة المشتعلة لتسحب منها جرعة إلى صدرها، ثم أعادتها مكانها بالمنفضة، والتقطت بعدها كأس الماء بشرائح الليمون ترتشف منه. تنفست بأريحية بعد إتمام أهم خطوة بالأمر كله، كان ظهورها الأول أمامه هو الإنتفاضة الأولى لمسيرتها الطويلة، وها هي تجاوزته، وما بقى يحتاج منها فقط كثير من الحرص والدهاء.

أغلقت هاتفها وهمت بالخروج من هنا، لترى مصطفى أمامها منتويًا زيارتها، وعلى وجهه تعابير السعادة جليّة، فتبسمت في وجهه وهي تنحني عليه، ولامست بأصابعها ذقنه التي خالطها الشيب: –مش بشوف الضحكة دي كتير على وشك ياعمي، أنا فرحانة إني فرحتك. ربت مصطفى على يدها داعمًا ومشجعًا لها، متمنيًا لو إنه يتشفّى برؤية هزيمتهم الساحقة بنفسه، حتى يُرضي روحه الجائعة للإنتقام:

–فرحان من كل قلبي، وزمان إسماعيل حاسس بينا وشايفنا وفرحان هو كمان.. حق الغايبين خلاص هييجي. أومأت سُلاف برأسها مؤيدة، بينما كان هو يتابع: –ياما كان نفسي أشوف صلاح بعيني وأشفي غليلي. ضغط بأصابع يده على ساقه –المبتورة –، ليتذكر عجزه المستديم والذي تسبب فيه صلاح القرشي: –كان نفسي أبقى واقف قدامه على رجلي. وامتلأ صوته بالغيظ الحاقد وهو يتابع: –وآخد قلبه من بين ضلوعه بأيدي. هزت رأسها بتفهم، وهي تقدّر مشاعره المتقدة:

–أنا حاسة بيك، متقلقش ياعمي هعملك كل اللي انت عايزه. ضبط إنفعالاته المضطربة، وتحكم فيها شيئًا فشيئًا، ثم سألها بجدية: –الرجالة اللي بعتهم ليكي كانوا كفاية؟ انتصبت في وقفتها، وأجابته بثبات: –كفاية أوي. –كويس إننا كنا عاملين حسابنا، أنا عارف إنهم و... ما هيصدقوا يستفردوا بيكي.. بس أنا عمري ما هسمحلهم بحاجه زي دي أبدًا. صوت بكاء الرضيع زين انتشلها من أوج تركيزها، فأشارت نحو الجانب الآخر قبل أن تهم بالإنصراف:

–زين صحي، أنا هروح أشوفه. وانصرفت من أمامه، حينما كان هو يستعيد أمام ناظريه مشاهد من الماضي، مشاهد لم ينساها أبدًا، يراها كل يوم، في صحوه ونومه. تلك الليلة المشؤومة التي خسر فيها خسرانًا مبينًا، والتي أقسم منذها إنه لن ينسى، إلى أن يواريه الثرى. *** كل المبررات لم تكفي، كي يصد عنه استجواب أسما –الصارم –والمُتشدد، بشأن ما حدث الليلة من أمر مُشين. أطبق حمزة جفونه باختناق وضيق، وطرد ثقلًا من على صدره بزفير عميق:

–أنا هكذب عليكي ليه ياماما! بقولك أول مرة أشوفها في حياتي، ولا هي مراتي ولا ده ابني، افهمي.. في حد بيلعب عليا لعبة رخيصة جدًا. لم تقتنع أسما بحديثه، وشعرت بشائبة تطول الأمر: –والصورة اللي كانت معاها! برضو هتنكرها؟ نفخ حمزة بإنزعاج شديد، ولم يتحمل الضغط لأكثر من ذلك، فهو أيضًا يعيش يومًا صعبًا وأحداث مرعبة:

–ماما أرجوكي، أنا مش متحمل أي كلام، لسه جاي من عند ميان ورفضت حتى تشوفني أو تسمع مني ومزاجي زي الزفت.. سيبني أفكر وأشوف هعمل إيه في العك ده. نزع حمزة رابطة العنق وألقاها جانبًا، وغمغم بضيق شديد: –البت دي مسنودة جامد أوي، في حاجات كتير حصلت وأنا غافل عنها.. ده مش موقف عابر ولا طبيعي أبدًا! بس مين؟؟ مين وراها! *** من المساء للصباح.. كل شيء قادر على التغيير بين ليلة وضحاها.

بضع ساعات كانت قادرة على نشر الأخبار بسرعة مهولة، فالفضيحة في مجتمعاتنا لا تحتاج سوى للشرارة الأولى، وبعدها ستندلع النيران دون أدنى مجهود.

استيقظ الجميع على الكارثة الإجتماعية التي حدثت أمس، بعد أن تداولت الصفحات الإلكترونية والمواقع الإخبارية شائعات حول زواج حمزة القرشي السري، وحقيقة طفله الغير شرعي، الذي نسبته إليه المدعية سُلاف. اهتمام الجميع بالأمر كان شيئًا غير طبيعي بالمرة، وكأنها حملة ممنهجة ومقننة تم شنها على عائلة القرشي.

لم يتذوق حمزة طعم النوم، بقى هاجدًا الليل كله، مختليًا بنفسه، كأنه يعيد حسابات السنوات الماضية كلها، كل من تزوج بهن بذكرياتهن، كل ما يخصهن، لكن عقله أبى أن يتذكر سُلاف نهائيًا، كأن تلك الليلة مُسحت من ذاكرته بتاتًا. انتشله صوت ما بالخارج، فتشتت ذهنه ونهض من مكانه متعجلًا، فتح الباب ليرى راغب أمامه، فسأله مرتابًا: –في إيه يا راغب؟ كان وجهه حاملًا حمرة غاضبة، وهو يصيح فيه: –إنت نايم في العسل ولا إيه؟

تليفوناتك مقفولة ومش عارف أوصلك.. مشوفتش الفضيحة اللي حصلت؟ قطب حمزة جبينه، ودلف للداخل مسرعًا يبحث عن هاتفه: –فضيحة إيه؟ –فيسبوك كله ملهوش سيرة غير حمزة القرشي اللي استغل نفوذه ونفوذ أبوه وضحك على بنت ورماها هي وابنها في الشارع! مصر كلها بتتكلم عنك وانت بتقولي فضيحة إيه؟ –نهار أبوها مش فايت!

تجهم وجه حمزة، صائحًا بتلك العبارة الممتعضة، وقد انغمست تعابيره بالصدمة، فتح هاتفه ومنه تفقد مواقع التواصل الإجتماعي، لتظهر أمامه صور من حفل زفافه، والذي تحول لحدث كارثي بكل المقاييس، وتحولت آراء الجميع لمساندة سُلاف ضده، كونها إحدى النساء اللاتي يعانين من جحود أشباه الرجال وخداعهم، وبقى هو الذئب البشري الذي انتهك قُدسية فتاة سلمته مفاتيحها، فاغتال روحها بلا شفقة، وتركها نافيًا عن نفسه أي علاقة بها، ليبقى طفله

–الغير شرعي –منها، منتظرًا حكمًا بأبوته له، كي يعيش ويحيى بعالم لن يعترف به، إلا بشهادة ميلاد مذكور في خانة الأب حمزة صلاح القرشي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...