كانت مفاجأة غير متوقعة، علم بشأنها بمحض الصدفة، حينما كان برفقة حمزة في مكتبه. خرج حمزة متعجلًا وهو يستكمل حديثه في الهاتف أثناء الطريق، بينما نضال من خلفه يحاول فهم الأمر الذي حدث على حين غرة، مدققًا بكل كلمة يسمعها. خرج حمزة من بوابة العقار الضخمة، وهو يهتف باستنكار منفعل: –مش وقته اللي هي عملته معاك يا راغب؟ إزاي تسيبها قاعدة عند أبويا كل ده لوحدهم من غير ما تكون معاهم؟
معنى قعدتهم كل الوقت ده يعني في حاجة البت دي بتعملها! ضغط حمزة على جهاز التحكم الخاص بسيارته فانفتح قفلها، باللحظة التي كان ينهي فيها حديثه قانطًا من عدم الوصول لنتيجة: –طب أقفل أنا جاي، أقفل! ألقى حمزة هاتفه داخل السيارة عندما تفاجأ بنضال من خلفه وقد غادر المكتب هو أيضًا: –في إيه يا حمزة؟ أنا قلقت فجيت وراك أشوف في إيه. تحامل حمزة على نفسه كي لا يندفع بعصبيته وينهار أمام غضبه، وبإيجاز كان يجيبه:
–سُلاف عند أبويا في مكتبه ليها أكتر من ربع ساعة، أنا لازم أروح أشوف الموضوع إيه. أومأ نضال رأسه بتفهم، ولم يبدِ له أي تطفل في معرفة أي معلومة، بل تظاهر بعدم الاكتراث وهو يردف بـ: –طب أنا هطلع أشوف اللي ورايا لحد ما ترجع.
كان حمزة قد ركب سيارته بالفعل واقتادها للذهاب من هنا، حينما أخرج نضال هاتفه من جيبه وبدأ باتصال تليفوني هام وضروري، لعله يصل لسبب زيارة سُلاف المفاجئة لعقر صلاح، وفي هذا التوقيت تحديدًا وبدون أي اتفاق مسبق. أجاب مصطفى على هاتفه، فسأله نضال مباشرة وبدون أي إضافات لجملته الاستفهامية البسيطة: –عم مصطفى، إنت عارف إن سُلاف رايحة مكتب صلاح القرشي النهاردة؟ ***
أطفأت سُلاف سيجارتها بالمنفضة، وعادت تنظر حيال صلاح الذي دار حول المكتب لأكثر من ثلاث مرات. حررت زفيرًا من صدرها قبل أن تهتف بـ: –أنا مش جايه عشان نقعد نتفرج على بعض يا حمايا! بقالك ساعة مش عارف تقرر، تحب أساعدك؟
كان الأمر برمته صعب التقبل للغاية، فكر أن يتخلص منها، ثم فكر في أن يجاريها مؤقتًا لحين الوصول لحل جذري ينهي الأمر دون أن يضحي وينصاع إليها، ثم فكر في التسليم لها وقبول الهزيمة. كلها سيناريوهات عديدة مرت بعقله ولكنه لا يحظى بفرصة لتأني الاختيار. هي تعلم كل ما يفكر به، وتتوقع منه الغدر؛ بل وعلى يقين إنه سيغدر، إنها من صفاته الحميدة!
لذلك قطعت عليه طريقه، وقررت أن تقطع دابر الأمر دون أن تترك جذورًا من خلفها. طردت زفيرًا من صدرها مختلطًا ببقايا التبغ العالق برئتيها، ثم هتفت بثقة هزت جمود صلاح وزعزعت كل أفكاره: –على فكرة يا حمايا.. التفتت عيناه الحاقدة لينظر نحوها، حينما استطردت هي: –مفيش أي حاجة من اللي بتفكر فيها هتقدر تعملها. نهضت عن مقعده، واستدارت لتترك محيطه وهي تتابع:
–أنا مش لوحدي، لو فكرت إن أذيتي بالساهل وتقدر تخلص مني تبقى ركبت نفسك الغلط، أنا ورايا جيش ملهوش آخر، أنا يدوب واحدة من كتير أوي.. من الآخر ملكش مخرج غير إنك تريحني عشان ترتاح. وقفت قبالته تمامًا، بشموخ يضرب توتره المرتجف، وبكل إباء كانت تردف بـ: –وفي الأول والآخر كله لحفيدك، مش خسارة في زين حتة بيت صغير.. ولا إيه؟
رأى ذلك بوضوح يراه حتى الأعمى، كل ذلك الكره الدفين، ونوايا الشر المبيت بعينيها، والصورة المبطنة التي دخلت بها بينهم. الآن فقط رأى ما يراه، والحق إنه كان فضوليًا أكثر؛ ورغم تساؤله الداخلي والمستميت حول هويتها وما الذي تريده منهم تحديدًا، إلا إنه لم يسألها، لم يطرح عليها استفسارًا؛ بينما في خبايا نفسه الأمر مختلف تمامًا. حنى عيناه عن النظر إليها، وللخلف عاد خطوة وهو يردف بـ:
–لما أرجع البيت نتكلم عن الموضوع ده، أكون فكرت وأخدت قرار. تقوست شفتيها بغير رضا، وهي تقول بنبرة قاطعة: –للأسف مفيش وقت. أشارت نحو باب الخروج، ثم استطردت: –أنا هخرج من هنا يا إما على بيت ابني، يا إما على النيابة.. والاختيار ليك أنت. توهجت بشرته بحمرة ممتعضة، شاعرًا بلهيب الغيظ الحارق يتصاعد في جوفه: –إنتي بتهدديني يا ××××! حملقت سُلاف بعينيها وهي تعض على شفتها السفلى بذهول، مستهجنة ذلك النعت اللفظي المهين منه:
–لأ لأ ياعمي ميصحش، أنا برضو مرات ابنك وشايلة اسمه، يعني اللي بتقوله ده عيب في حق جوزي. تنهدت وهي تخطو نحو المقعد الموضوع عليه حقيبتها، وبدأت تسحب منه ملف وهي تتابع: –أنا هقدر إنك متعصب دلوقتي ومش هاخد على خاطري منك، بس على الأقل تمشيني مجبور الخاطر عشان أروح لابني بقى. وضعت الملف على سطح المكتب، وقدمت إليه القلم وهي تقول: –يلا ياعمي امضي على عقد التنازل عن البيت لحفيدك. نظر صلاح نظرة محتقرة تجاه الملف الذي جهزته و:
–كمان مجهزة العقد؟ –آه.. مش بحب أضيع وقت. تناقلت أنظاره ما بين الملف وبين القلم، وقد أصبح قاب قوسين أو أدنى، لا مفر من هنا، وحتى احتمالات إنقاذ نفسه التي فكر فيها قطعتها هي عليه بالدلائل القاطعة التي تمتلكها لإدانته، وما سيفعله إما المجازفة، أو المجازفة الأخطر منها. ***
فتحت زجاج السيارة، فإذا بسرب من الهواء الطلق يخترق بطراوته الجميلة صدرها، كأنها تقف أمام البحر، والزبد يداعب أطراف أصابعها ببرودته مدغدغًا كل حواسها، نازعًا منها كل شعور بالسلبية. نظر عبيد إليها عبر المرآة الجانبية، ضايقته تلك التعابير الحزينة التي تواريها بابتسامة فاتنة، فسألها: –تحبي نلغي المشوار ده! هزت رأسها بالرفض، ثم أردفت بـ: –عايزة أروح مرسى مطروح يا عبيد، أحجز لنا طيران بعد ما نخلص مشوارنا. –اعتبريه حصل.
التفتت رأسها، نظرت حيال طفلها بدفء وهي تمسح على وجنته، فابتسم لها ابتسامة شفت كل متاعبها، ونزحت عنها بعض المشقة التي تحملها على ظهرها، فـ حملته من عربته ليبقى بين أحضانها، وقبلت جبينه قبل أن تهمس بـ: –ولسه، حقك وحقي هيرجع كامل يا زين. جانب آخر
كان نضال كالجمر على الموقد، لا يتحمل انتظارًا ولا يطيق ذلك التحمس الزائد الذي يعيشه، حتى أصبحت رابطة عنقه كحبل المشنقة الذي يودي بحياة صاحبه للهلاك، فـ نزعها عن رقبته بعنف جعل جلده يتحسس، بينما مصطفى جالسًا على مقعده يراقب ردود أفعاله. استمع كلاهما لصوت إغلاق الباب، فهمّ نضال بالخروج من الغرفة ليجدها بالفعل قد وصلت، وتعطي طفلها لأم علي وهي توصيها:
–غيري له هدومه يا أم علي، وجهزي له شنطة حطي فيها اللي يحتاجه لمدة يومين. –حاضر من عيوني. لمحته قريبًا منها، يقف منتظرًا حضورها بصبر قد نفذ، فابتسمت في وجهه بتفاؤل وهي تردف بـ: –عندي خبر بمليون جنيه. استنكر نضال تواجدها في مكتب صلاح بمفردها وبدون تخطيط مسبق بينهما: –خبر أهم من السبب اللي خلاكي تروحي لصلاح مكتبه! ضحكت سُلاف وهي تخطو نحو الداخل: –هو ده الخبر. دَلفت لغرفة عمها مباشرة، فاستقبلها بتلهف بيّن:
–جرى إيه يا بنتي! مش تطمنينا عليكي وتقولي أي حاجة. انحنت تُقبّل جبينه، ثم اعتدلت في وقفتها وهي تقول: –حقك عليا ياعمي، حبيت آجي بنفسي وأقولكم. أخرجت ذلك الملف من حقيبتها، ونضال متحفزًا للتعرف على السبب الذي جعلها تختفي وتتصرف بتصرف مفاجئ غير متفق عليه مسبقًا. ناولته سُلاف الملف لمصطفى، فبدأ يتطلع للعقد المرفق به وقد بدأ وجهه يُشرق بإشراقة أمل وتفاؤل، لم يتحمل نضال صبرًا، وبعفوية شديدة كان يمسك بمرفقها
ويجذبها برفق وهو يسأل: –ما تفهميني يا سُلاف.. إيه الحكاية بالظبط. ابتهج وجهها وهي تجيبه: –أنا أخدت البيت من صلاح.. أخدت بيت القرشي يا نضال. توهجت بشرته باحمرار مبتهج، غير مصدقًا حدوث انتصار ساحق كهذا في لمح البصر: –بتـهزري! –إيه ده يا سُلاف؟ قطع سؤال مصطفى المستنكر والحازم سعادتهم التي كانت في غرتها، فـ التفت كلاهما لمصطفى: –التنازل عن البيت لـ زين؟؟ كانت تلقائية جدًا، وهي تجيب سؤاله بقناعة:
–آه ياعمي، وأنا الواصية عليه. تجهم وجه نضال فجأة! وتحولت كل تعابيره الآملة السعيدة لأخرى مكفهرة متضايقة: –زين!! وإيه علاقة زين بالموضوع ده!! ليه مش باسمك. تفاجأت سُلاف برد الفعل المزدوج منهم حيال خطوتها تلك؛ لكنها لم تتزحزح عن موقفها أبدًا، بل كانت صامدة واثقة وهي تردف بـ: –وفيها إيه لما يكون باسم زين!
اهتاج نضال في لحظة واحدة، وكل ما اختزله من غضب طفى على تعابير وجهه ونبرة صوته الصادحة المنفعلة، وقد خرج عن طوره الرزين العاقل تمامًا: –وليه مش أنتي؟! .. ليه مش حد منا؟؟ ، بتسّلمي روحك لصلاح ليه يا سُــلاف! .. البيت باسم حفيده يعني مخرجش من وسطهم! زين في النهاية اسمه زين حمزة صلاح القرشي.. افهمي بقى. هي أيضًا خرجت عن طور الهدوء ذلك، واشتعلت بانفعال كانت تكتم بوادره بصعوبة شديدة:
–فــوقـي يا سُــلاف، فـوقــي.. زين مش إبنــك ولا من دمنـا. ضربت بيديها صدره وهي تدفعه بقوة للخلف، وصرخت وهي تدافع عن طفلها بإستماتة حقيقية: –لأ إبنــي أنـا.. إبنــي ومفيش قوة في الدنيا تقدر تغير الواقع ده. لم يهدأ نضال بتاتًا، بل زاد من قوة كلماته الصارمة، ليصفعها بالحقيقة المرة التي عاشت تتجاهلها مرارًا وتكرارًا: –لأ مش إبنــك، زين إبن أماني من حمزة يا سُلاف. وأطبقت أصابعه على رسغها وهو يختم عبارته بتطهيرها
من إثم عظيم تنسبه لنفسها: –إنتي عمرك ما شيلتي ولا هتشيلي طفل من الحيوان ده! مهما أنكرتي هتفضل الحقيقة دي عايشة، زين من دم القرشي وبس يا سُــلاف…!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!