الفصل 79 | من 90 فصل

رواية اغصان الزيتون الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم ياسمين عادل

المشاهدات
21
كلمة
2,426
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

كان مهمومًا حزينًا، وهو يجلس على الطريق الخاوي كأنما ينتظر شيئًا، ينظر للفراغ من حوله مستشعرًا الوحدة الثقيلة وقد تسلطت مشاعرها عليه. وإذ به يختنق على حين غرة، وتُطبق على أنفاسه خيوط من الحرير القاسي، فغرز أصابعه فيها كي يحرر أنفاسه المكتومة، حتى نجح وتملص منها، فنهض مندفعًا ونظر للخلف، كي يتفاجأ بشقيقته القتيلة ممسكة بوشاحها الحريري وترغب في قتله.

تجمدت الدماء في عروقه، وجحظت عيناه مرتعبًا، وكل ما يتردد على لسانه هي محاولاته لتبرئة نفسه من ذنب وقع في أحضانه ويعجز عن التخلص منه: –مش أنا، أنا معملتش حاجه يا يسرا صدقيني. كانت تدنو منه وطرفيها يسيلان خيوط الدموع، فتراجع للخلف بخطوات مرتبكة ومازالت عبارات الدفاع تتكرر على لسانه: –أنا ماليش ذنب.. انتي السبب في كل اللي حصلك وحصلنا.. مش أنا، مش أنا…

وقع من أعلى فراشه بعدما أفاق من نومه الثقيل، وقد اكتشف أن ما رآه لم يكن سوى كابوس لعينة سيتكرر أمامه ويحرمه حتى النوم. تناول أنفاسه بصعوبة متلاحقة، وقد ارتفعت حرارة جسده متأثرًا بالدفء الذي أغرق الغرفة، ثم سرعان ما تذكر أن الرضيع ينام بجواره. فالتفت ينظر نحو الفراش ليراه خاويًا، فتلفتت عيناه ينظر يمينًا ويسارًا دون جدوى، ثم تحامل على نفسه لينهض واقفًا وقد أدرك أنها لم تتركه إليه.

تأفف منزعجًا وهم بالخروج من الغرفة، وأول مكان دخل إليه هو غرفته، متنبئًا أنها بالداخل، وقد كان. استمع لصوت هدير المياه يأتي من دورة المياه، وملابس الصغير موضوعة على الفراش، فسار متبعًا صوت همهماته حتى دخل عليهما، فرآها تحممه بنفسها، وبدون أن تلتفت نحوه كانت تردف بـ: –أقفل الباب أحسن الولد ياخد برد.

فدخل وأغلق الباب من خلفه، ووقف من خلفه يراقب ماذا تفعل، كانت متمرسة حتى في طريقة إمساكها لـ "زين" بحرص مقنن، بينما كان الأخير مستمتعًا بالماء الدافئ ويضرب الماء بيداه ويلوح بكفه في الهواء. حتى انتهت "سلاف" من تحميمه، ومدت يدها لتسحب المنشفة فلم تطالها، ليتدخل "حمزة" ويناولها إياها، فوضعته "سلاف" بداخل المنشفة لتجففه جيدًا. حينئذٍ خرج "حمزة" ليجلب ملابسه من على الفراش وعاد يدخل إليها وهو يقول: –لبسيه هنا عشان ميبردش.

وأغلق الباب من جديد، فرمقته "سلاف" بإستنكار وهي تقول: –إيه الاهتمام ده كله! شارك "حمزة" في تلبيسه ملابسه، وكانت يداه تسابق يدها، فأصابها بالتشتت المتوتر، لا سيما مع جوابه على سؤالها: –عادي، بنتعود على بعض. انتابها الذعر، وهزت مخاوفها ذلك القلب النابض بداخلها هزًا عنيفًا، وتجلى ذلك على نبرتها المرتجفة، وهي تسحب "زين" لأحضانها وتقول: –متتعودش يا حمزة، أبعد عن زين خالص.

واندفعت بالخروج من دورة المياه، فلحق بها "حمزة" بعدما انتفضت عروقه الغاضبة، وأوقفها ممسكًا رسغها ليقول مستهجنًا: –يعني إيه أبعد عنه!! .. مش ده ابني اللي عملتي حرب عشان اعترف بيه! .. مش ده اللي قلبتي حياتي كلها بيه وبدأتي لعبتك القذرة مستغلة وجوده! رأى لمحة الخوف البرّاقة في وميض عينيها، فأنتابته الهواجس التي بدأت تزعزع أفكاره: –انتي خايفة مني ليه؟؟ .. إيه اللي مخليكي قلقانة أوي كده من علاقتي بابني!

أفصحت عن جزء صغير من الحقيقة المؤرقة التي تعكر صفو حياتها بالكامل، معلنة تمسكها الشديد بحقها فيه: –في يوم من الأيام مش هنكون في مكان واحد فمتعشمش نفسك بعلاقة أب وابنه دي! ، ابني هيكون معايا مهما حصل، يعني مش لازم تبني علاقات وتفتكر نفسك ممكن تاخده مني. قطب جبينه بإستغراب، وسألها متعجبًا: –مين قالك إني ممكن آخده من حضنك؟ خلّصت "سلاف" ذراعها منه وهي تقول: –مفيش حاجة بعيدة عليك يا حمزة، بس أنا بقولك أنسى.

نفخ "حمزة" منزعجًا، وابتعد عنها بسأم وهو يقول: –أنا دماغي مش فاضية خالص للهري ده، لو دي معتقداتك فاانا هسيبك تواجهيها لوحدك وماشي. تناول ثيابًا نظيفة من غرفة الملابس الملحقة بغرفته وخرج إليها من جديد ليجدها قد غادرت، فتنهد قبل أن يسلك طريقه نحو دورة المياه، كي ينعم بجلسة استحمام طويلة، تُنعش عقله قليلًا.

نظر "زيدان" لساعة هاتفه الصغير، فوجدها قد تخطت الثانية عشر منتصف الليل، ولم يفي "حمزة" بالموعد الذي أعطاه إياه في العاشرة مساءًا. تأفف متذمرًا وهو ينهض عن المقعد، وكاد يغادر محيط الحديقة الملحقة بالمنزل، لولا خروج "حمزة" من الباب الرئيسي مرتديًا ثيابه الرياضية الثقيلة، وحول عنقه وضع وشاح صوفي أسود لئلا يتسلل الهواء البارد لبدنه. لمحه واقفًا هناك، فأشار له وهو ينادي: –تعالى يا أبو زيد.

خطى "زيدان" نحوه متعجلًا حتى وصل إليه، فأفسح له "حمزة" الطريق لكي يعبر للداخل، ثم اقتاده لغرفة المكتب وهو يقول: –تعالى نقعد في المكتب. دخل "زيدان" بدون أن يشتبه فيه أو يستشعر منه غدرًا، فقد فرش له "حمزة" بُساط الطمأنينة ولم يتركه يشك بأي شئ، حتى حانت اللحظة المناسبة، فتفاجأ "زيدان" بذلك الوجه الذي يراه، كالضبع الذي خرج ليلاً للنيل من فريسة ثمينة.

انقضّ عليه "حمزة" واضعًا نصل السكين الحاد على عنقه، وبأصابعه الأخرى كاد يفترس قصبته الهوائية مسببًا وفاته مختنقًا، حتى كاد "زيدان" يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يديه، حتى استمع صوته كالفحيح السام يتسرب لآذانه متسائلًا: –شعبان فين يا زيدان؟ .. شريكك الـ ×××× فين؟ ثم أرخى أصابعه عن رقبته قليلًا وصرخ فيه هادرًا: –رد عليا. سعل "زيدان" بقوة حتى كاد يتقيأ كل الطعام الذي تناوله، وما أن استطاع التنفس حتى أردف بـ:

–وغلاوة ربنا ما أعرف يا باشا، وحياة عيالي ما أعرف أي حاجة عن اللي حصل ولا أعرف لابن الو××× ده طريق جرّة. خدشه طرف السكين، فانساب منه خيط رفيع من الدماء؛ لكن "حمزة" لم يتركه حرًا، ليتابع صياحه المجنون وهو يسأل: –عايز تفهمني إنك متعرفش عملته السوداء! نفى "زيدان" عن نفسه اتهامًا كهذا، متشددًا في محاولاته لتبرئة نفسه:

–محصلش ياباشا أقسم بالله، أنا راجل و×× وفيا العبر صحيح، لكن معضش الأيد اللي بتوكلني عيش ولا على رقبتي.. بس اديني فرصة بس وأنا اجيبلك النجس ده لحد رجليك. أنزل "حمزة" ذلك السكين عن نحره، وعيناه تبصق شررًا حامية، ونيران الثأر تتقافز من نظراته قفزًا، حتى "زيدان" هاب النظر لحالته تلك. مسح "زيدان" على عنقه حتى رأى أثر دماءه، فاتسعت عيناه عن آخرها وهو يردف مستهجنًا: –كنت هتسبح دم واحد بريء ياباشا الله يسامحك.

قبض "حمزة" على ياقته هادرًا في وجهه: –لو مجبتليش الـ ×××× هاخد حق اختي منك انت وعيالك ومراتك بس يا زيدان، والله العظيم ما هسيبك ساعتها. –والله ياباشا متقلقش هلاقيه، أنا سلطت عليه العيال بتوعنا كلهم منين ما حد يلمحه يعكشه (يمسكه) على طول.. واللي خلق الخلق حق الهانم المرحومة ما هيفضل على الأرض. أطاح "حمزة" بالسكين على سطح المكتب، وزأر بعنف مندفع: –لو وصلت لا تاكل ولا تنام عشان تجيبهولي أعمل ده.

–عيني ياباشا، ميكونش عندك شك خالص.. بس انت أهدى عليا شوية وأنا هعملك اللي يرضيك. تعاون الممرضات من أجل نقلها للفراش، ثم بدأن بوضع المصل لتغذية أوردتها، بعدما قطعت الطعام والشراب وأيضًا. نظر "صلاح" لحالها بإشفاق مرير، وقد أحس بالقهر يأكل كل قطعة في قلبه، بعدما توالت الأحداث كلها وراء بعضها البعض، فأحس وكأنه لا يحتملها جميعًا، لا سيما فقدان وحيدته بذلك الشكل المريع.

خرج "صلاح" من الغرفة برفقة الطبيب، وحاول أن يبدو أمامه ثابتًا وهو يسأله: –أكيد في حل ولو بتدخل جراحي. هز الطبيب رأسه نافيًا وهو يرد عليه: –في سنها ده صعب جدًا، إحنا محتاجين تتخطى المرحلة دي الأول وبعدين هنبدأ العلاج النفسي والفيزيائي (الحركي) ، وإن شاء الله نوصل لنتيجة كويسة.. أنا هسيب معاها مرافقة تخلي بالها منها، ولو في جديد بلغني على طول.

أومأ "صلاح" رأسه بالإيجاب، فتحرك الطبيب نحو الباب وهو من خلفه حتى ودعه، وفي تلك الأثناء التي كان ينبض فيها قلبه بحرارة حارقة، استخدم هاتفه لإجراء مكالمة هاتفية: –أيوة يا شافعي، يعني إيه معرفتش توصل لراغب؟؟ .. كمان باع البيت؟ .. ده مجهز كل حاجة بقى! غلى داخله كالقدر المحموم، وتيقن من صدق الشكوك التي ذهبت كلها إليه، فانفلتت أعصابه منه وهو يتوعده:

–أنا مش هسيبه يفلت بعمله.. ولو نزل لسابع أرض هجيبه، ومش هبقى عليه ولا هرحمه زي حمزة ما عمل. استعاد قليل من الهدوء، ليساعده على التفكير فيما سيفعله من خطوات بالفترة المقبلة، فارتاح "زيدان" وارتخت عضلاته، رغم إنه لم يأمنه مائة بالمائة؛ لكن على الأقل ضمن احتياج "حمزة" له. ترك "زيدان" قطعة القطن التي مسح بها دمه، ثم نظر إليه ليرى هالة من الغموض تحيط به، فأفصح له عن ذكائه الذي اخترق الهدف الحقيقي لـ "حمزة"

من وراء ما حدث اليوم: –بس عجبتني النمرة اللي عملتها النهارده ياباشا، حقيقي يعني سقفتلك. تغضن جبين "حمزة" بعدم فهم في البداية، فاعتدل في جلسته وهو يسأل: –نمرة إيه! غمز له "زيدان" وهو يجيبه: –النمرة اللي عملتها على الصحافة.. كانت حكاية والله، بس قولي بقى انت عايز توصل الرسالة لمين. نهض "حمزة" عن مكانه وهو يقول: –لو فهمتني للدرجة دي تبقى خطر يا زيدان! ضحك "زيدان" ساخرًا، حتى تبينت أسنانه المصفرة بفعل التبغ:

–لا خطر ولا حاجة يا أبو البشوات، حط في بطنك بطيخة صيفي، أنا الوحيد اللي تقدر تأمنله في حياتك، وبكرة الأيام تثبتلك. نهض "زيدان" عن مكانه ووقف قبالته، ثم تحقق من عيناه التي امتزج فيها الحزن والشر، وأعاد سؤاله عليه: –مقولتش عايز توصل لمين؟ فلم يخفيه "حمزة" سرًا، وأجاب عليه بشفافية ووضوح: –عايز مصطفى زيان. كانت السيارة تسير بسرعة متهادية –وفقًا لإرادتها –، وهي تراقب الطريق تارة، وتراقب صغيرها تارة أخرى.

السير في ذلك الطريق أحيا في ذاكرتها ذكرى أليمة، ذكرى تنام وتصحو كل يوم وهي تستعيدها في ذهنها، ذكرى كانت قادرة على جعل الانتقام غاية ضرورية بدونها لن تستطيع العيش. ضمت "سلاف" الرضيع "زين" لأحضانها، فتجمعت الدموع في عينيها، ولم تكفي يداها لتكفكف دمعها الغزير، وهي تستمع لتلك الجملة تتردد كالصدى على مسامعها: (للأسف انتي مصابة بعيب خلقي نتيجة ولادتك المبكرة قبل المعاد المظبوط، وده هيخلي فكرة الحمل بالنسبالك مستحيلة.)

انهار كل شيء في لحظة واحدة، وولدت هي لكي تعيش معاناة لا تستطيع أي أنثى أن تتقبلها، حرمت من أغلى نعم الله، وستبقى وحيدة طوال حياتها، بعدما كتب عليها أن تولد قبل أن تكتمل أعضاؤها المسؤولة عن الحمل، فعاشت وشعور القهر يكبر معها يومًا بعد يوم، ولا شيء تراه مناسبًا للثأر لنفسها سوى أن تعوض حرمانها ذلك بقطعة منه هو، أن تحرمه هو أيضًا من طفله الذي قررت أن يكون لها عوضًا، وكأنه الهدية التي بعث بها القدر ليكون شفاءً لجرحها الذي لا يلتئم أبدًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...